مدة القراءة: 18 دقائق

إعداد: أ. د. وليد عبد الحي.[1] 
(خاص بمركز الزيتونة). 

مقدمة: 

ثلاثة أطر تنظيمية تتداخل في مدلولها لكنها تتباين في بعض جوانب نشاطاتها وأهدافها، وهي:[2]

1. جماعة المصالح Interest Group: أيّ تجمع لأفراد أو منظمات يجتمعون بناءً على اهتمامات أو هوايات أو أهداف مهنية أو مصالح مشتركة واسعة النطاق أو ضيقة، ولا يشترط أن تكون جماعة المصالح حزباً سياسياً بالضرورة.

2. جماعة الضغط Pressure Group: نوع محدد من جماعات المصالح النشطة سياسياً، ويكون هدفها الأساسي التأثير على قرارات الحكومة أو قوانينها أو الرأي العام في بُعدٍ معين، من خلال ممارسة الضغط المباشر على صناع القرار؛ سواء بتنظيم الاحتجاجات، أم بإدارة الحملات الإعلامية، أم بحشد الرأي العام، لكن هذه الفئة لا يكون من أهدافها “تولي السلطة”.

3. اللوبي Lobby: مجموعة منظمة تمارس نشاطها بهدف محاولة التأثير على المسؤولين الحكوميين أو المشرعين أو آليات اتخاذ القرار من خلال التواصل المباشر والإقناع. يشمل ذلك مقابلة المسؤولين، وعرض الأبحاث، أو التفاوض وتقديم الدعم المالي أحياناً …إلخ.


للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة علمية: جماعات الضغط الإسرائيلية في الصين … أ. د. وليد عبد الحي (20 صفحة، 1.8 MB)

وتتباين معالجات الأدبيات السياسية لهذه الفئات الثلاث، فالأدبيات الأمريكية خصوصاً، تتداخل فيها هذه المفاهيم عند دراسة متغيرات التأثير على صنع السياسة العامة، أما الأدبيات الأوروبية فتميز بينها بشكل أكثر، فكل جماعة ضغط هي جماعة مصالح، ولكن ليس كل جماعة مصالح هي جماعة ضغط بالضرورة، ويبدو أن مصطلح جماعة المصالح يزداد شيوعاً لا سيّما أنه أصبح يشمل الحملات الشعبية والعلاقات العامة ومراقبة السياسات العامة، بينما يشمل مفهوم “اللوبي” الجماعة المنظمة لغرض سياسي يتمثل في السعي للتأثير على القرار السياسي في موضوعات محددة.[3]

وقد آثرنا في هذه الدراسة أن نطلق مفهوم جماعات الضغط على “التنظيمات الإسرائيلية – اليهودية – الصهيونية” التي تحاول التأثير على السياسات الصينية تجاه الصراع العربي الصهيوني باتجاه المصلحة الإسرائيلية، من خلال إيجاد قنوات للتواصل مع السلطة السياسية والقوى السياسية والنخب والمجتمع الصيني ومحاولة تعديل أو تعميق توجهات هذه الأطراف الصينية بما يتسق مع الأهداف الإسرائيلية، فهي تنتج رؤى وتصورات قابلة للتنفيذ لصناع القرار، وهي تعدّ جماعات “مصالح” تمارس “ضغطاً سياسياً” بطرق مباشرة وغير مباشرة.[4]

أولاً: الموجز التاريخي للعلاقات اليهودية – الصهيونية – الإسرائيلية الصينية:

من الضروري التنبيه إلى أن الترابط بين الصين واليهودية والصهيونية سابق على إنشاء “إسرائيل” سنة 1947، وعلى إنشاء جمهورية الصين الشعبية سنة 1949،[5] وهو ما يتضح في الرسالة التي بعثها الزعيم الصيني صن يات صن Sun Yat-sen سنة 1920 إلى ناشر صهيوني ومؤسس جمعية شنغهاي الصهيونية Shanghai Zionist Association وهو من أصول عراقية يدعى أن إي بي عزرا (N.E.B Ezra)، ويمجد فيها “صن يات صن” تلك الجمعية التي أنشأها عزرا، كما أسهمت علاقات صن يات صن الوثيقة مع المبشرين البروتستانت الأمريكيين—الصهيونية المسيحية—في تلك الفترة في توجهاته هذه بشكل كبير خصوصاً تجاه اليهودية. ويمكن تفسير هذه العلاقة، من جهة أخرى، على أنها سعي صن إلى توسيع نطاق تحالفات بلاده مع العالم، إذ كان يرغب في كسر الضغط الاستعماري في الصين والسعي إلى الاستقلال التام، وكانت كلماته عن الصهيونية السياسية مرجعاً مهماً للموقف الصيني من “القومية” اليهودية في الربع الأول من القرن العشرين حيث ورد في رسالته نصاً يقول: “على الرغم من زوال وطنهم، أيّ اليهود، ظلّ الشعب اليهودي موجوداً حتى اليوم،… الصهيونية إحدى أهم الحركات الاجتماعية المعاصرة، ليس بوسع جميع محبي الديموقراطية إلا دعم هذه الحركة، لكن عليهم أن يتعاطفوا معها بصدق وإخلاص”.[6]

بقيت هذه الصورة “غير الدقيقة” للصهيونية إلى بدايات مرحلة استقلال الصين سنة 1949 بقيادة ماوتسي تونج Mao Zedong، وكان ماوتسي تونغ يعتقد في بداية الاستقلال أن لليهود حقٌّ تاريخي وأن العرب يريدون الاستيلاء على فلسطين بدعم من بريطانيا خصوصاً، وأن الحركة الصهيونية—حسب اعتقاد ماوتسي تونغ في تلك المرحلة—حركة تحرر وطني، مع التنبيه إلى أن “إسرائيل” أعلنت اعترافها بالصين الشعبية سنة 1950.[7] إلا أنه بعد مؤتمر عدم الانحياز سنة 1955 ولقاء ماوتسي تونج مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر تدشنت مرحلة جديدة اتسمت بانتقال الموقف الصيني انتقالاً جذرياً يقوم على أن “إسرائيل” جزء من المنظومة الاستعمارية الغربية،[8] لكن غياب ماوتسي تونغ سنة 1976، وانتقال السلطة داخل الحزب الشيوعي إلى تيار “براجماتي”، وتسارع “علاقات التطبيع المصرية الإسرائيلية”، انتهى إلى إقامة علاقات ديبلوماسية بين “إسرائيل” والصين سنة 1992،[9] وهو ما فتح الباب مجدداً لسعي “إسرائيل” لتنشيط جماعات ضغط داخل الصين لتعميق التقارب بين الطرفين ومحاولة تغيير التوجه الصيني العام تجاه الشرق الأوسط وخصوصاً القضية الفلسطينية.

ثانياً: جماعات الضغط الإسرائيلية في الصين:

سعى بعض خبراء الآثار اليهودية للعثور على بعض من آثار اليهود في التاريخ الصيني منذ أن استقروا في الصين مع القرن الثامن الميلادي، وكان عددهم أقل مقارنةً بالعديد من الجماعات العرقية والدينية الصينية الأخرى، وقد ازداد حضور اليهود الذين اندمجوا في المجتمع الصيني بين القرنين الثامن والتاسع عشر، خصوصاً في الحياة الاجتماعية اليومية، ولعب التجار اليهود دوراً مهماً في هذا الجانب لا سيّما الذين قدموا إلى موانئ هونغ كونغ وشنغهاي أو الهاربين عبر خطّ سكة حديد ترانس-سيبيريا Trans-Siberian Railway خلال المرحلة من منتصف القرن التاسع عشر وحتى مرحلة الاضطرابات الروسية في أوائل القرن العشرين والثورة البلشفية، ثم ازدادت أعدادهم في بداية القرن العشرين، عندما كانت الصين ملاذاً آمناً لليهود، خصوصاً نتيجة توجهات صن يات صن الذي كان متعاطفاً مع الصهيونية السياسية. وحتى منتصف القرن العشرين، ازداد عدد اليهود في الصين بشكل متقطع، فبعد الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، استقر 18 ألف يهودي أوروبي هناك، مستفيدين من عدم فرض شنغهاي أيّ قيود على الهجرة. وبلغ إجمالي عدد اليهود الذين هاجروا إلى الصين بين سنتَي 1945-1950 نحو 40 ألفاً.[10]

إلا أن هذا الوضع، المتمثل في تزايد عدد السكان اليهود، انقلب بعد خمسينيات القرن العشرين. فقد أدى انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأسيس “إسرائيل”، واستقلال جمهورية الصين الشعبية سنة 1949 إلى هجرة يهودية عكسية من الصين إلى “إسرائيل”، استمرت في النمو تدريجياً، وحتى بداية سنة 2020 لم يعد في الصين ذات الـ 1.412 مليار نسمة إلا نحو 2,500 يهودي فقط، يتركز وجود أغلبيتهم بشكل رئيسي في بكين وشنغهاي، لكن هذه الجالية —على الرغم من هامشية حجمها السكاني— وبالتزامن مع تطور العلاقات الديبلوماسية بين “إسرائيل” والصين، أسهمت في تعزيز العلاقات بين “إسرائيل” والصين، وشكل اعتراف الصين الديبلوماسي بـ”إسرائيل” سنة 1992 فضاءً أوسع لنشاطهم في داخل الصين.[11]

ثالثاً: أهم جماعات الضغط الإسرائيلية في الصين:

يمكن تحديد أبرز الهيئات الإسرائيلية التي تعمل، كجماعة ضغط سياسية، داخل الصين على النحو التالي:

1. الشبكة العالمية الصينية الإسرائيلية والقيادة الأكاديمية Sino-Israel Global Network and Academic Leadership، والتي يرمز لها سيجنال SIGNAL:ا[12]

يعود إنشاء هذه المنظمة التي يقع مقرها في “إسرائيل” إلى 15 عاماً مضت، سنة 2011، وتتركز نشاطاتها في تعميق التواصل بين الهيئات الأكاديمية الصينية ونظيرتها الإسرائيلية، وتجاوزت الحلقات البحثية والفعاليات الأكاديمية لهذه المنظمة منذ تأسيسها أكثر من ألف فعالية، أيّ بمعدل 60-70 فعالية سنوياً، وتسهم منظمات يهودية أمريكية في دعم نشاطات هذه المنظمة إلى جانب الدعم الحكومي الإسرائيلي.

وتتمثل أهم فعاليات هذه المنظمة في:[13]

‌أ. تنظيم حوارات استراتيجية بين مراكز أبحاث وهيئات رسمية إسرائيلية وصينية.

‌ب. تنظيم عقد محاضرات لخبراء إسرائيليين أو “صينيين متعاطفين مع إسرائيل” تدور حول قطاعات مختلفة من حياة المجتمع الصيني.

‌ج. تعزيز التلاقح الثقافي بين التراث اليهودي والتراث الصيني.

‌د. العمل على توظيف صعود المكانة العالمية للصين ولمنطقة المحيطين الهندي والهادئ على الساحة العالمية لخدمة أغراض السياسة الخارجية الإسرائيلية. وتُعدّ مجموعة سيجنال، بشبكتها العالمية، مركزاً لبناء القدرات وريادة السياسات، ومصدراً قيّماً لمجتمع السياسات الإسرائيلي فيما يتعلق بالصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ وعلاقاتها مع الشرق الأوسط، وتهدف برامج مجموعة سيجنال في بكين ومع الجامعات الصينية إلى تصحيح ما تعتبره من المفاهيم الخاطئة حول “إسرائيل” والشرق الأوسط، وفي إطار “مبادرة إسرائيل العالمية Global Israel Initiative”، تُعزز مجموعة سيجنال تفاعل “إسرائيل” في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال الحوارات الثنائية والشراكات المصغّرة مع قطاعات المجتمع الصيني بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، وتستفيد مجموعة سيجنال من المعارف والرؤى التي تُطوّرها من خلال مؤتمرها السنوي، وندواتها وورش عملها، وأبحاثها، وسلسلة تقييماتها الفصلية في ترشيد عملية صنع القرار في “إسرائيل” فيما يتعلق بالصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، كما تسعى المجموعة إلى تطوير خيارات سياسية جديدة لتعزيز مكانة “إسرائيل” الجيوسياسية، وذلك بتوفير الأدوات وإيجاد الفرص لإدارة علاقات أكثر فعالية مع الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتهدف هذه المبادرات السياسية إلى تمكين “إسرائيل” من التعامل بشكل أفضل مع التنافس الأمريكي الصيني، والانخراط في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتبديد ما تعدّه من “المفاهيم الخاطئة” في الصين حول “إسرائيل” والشرق الأوسط.

وتُقدّم “مبادرة إسرائيل العالمية”[14] أجندة مبتكرة لـ”إسرائيل” كقوة متوسطة على الساحة العالمية، لتعزيز قدرتها على التأثير واستقلالها الاستراتيجي. وتسعى المبادرة إلى إيجاد فرص لـ”إسرائيل” لتشكيل تحالفات جديدة ومبادرات ديبلوماسية مع شركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والشرق الأوسط وأوروبا، ويشمل عمل مجموعة سيجنال في مجال السياسات في الصين مئات الإحاطات والحوارات والفعاليات التي تجمع ديبلوماسيين وخبراء وباحثين صينيين مع نظرائهم الإسرائيليين البارزين لمناقشة مواضيع استراتيجية مهمة تتعلق بالشؤون الصينية الإسرائيلية وشؤون الصين والشرق الأوسط.

وتتركز أبحاث مجموعة سيجنال حول الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ على تطوير رؤى عملية لصنّاع القرار الإسرائيليين، من خلال متابعة دقيقة لدور الصين ونفوذها في الشرق الأوسط، وعلى تفاعل منطقة المحيطين الهندي والهادئ مع “إسرائيل” وجيرانها، وتستفيد أبحاث مجموعة سيجنال من عملها الميداني وشبكتها العالمية من الخبرات لتعزيز نتائجها وتوصياتها ومبادراتها في مجال السياسات، فمنذ سنة 2011، تعاونت مجموعة سيجنال مع الجامعات الصينية لتأسيس نموذجها المتميز لبرامج الدراسات الإسرائيلية، والذي يتضمن برنامجاً تدريبياً لمدة فصل دراسي كامل في “إسرائيل” لمحاضري الجامعات الصينية، بهدف إعداد هؤلاء المحاضرين الصينيين لدورة دراسية حول “إسرائيل” لتدريسها لاحقاً لطلابهم الصينيين، وقد أسهم أكثر من 75 محاضراً من خريجي مجموعة سيجنال من الصينيين في تعريف آلاف الطلاب الصينيين—بمن فيهم الديبلوماسيون وقادة أعمال وخبراء في شؤون الشرق الأوسط—بتاريخ “إسرائيل” ومجتمعها وعلاقاتها الإقليمية، وتعمل مجموعة سيجنال حالياً على تطوير برامج مُخصصة للتعاون الجامعي مع دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ بعد أن استشعرت النتائج الإيجابية لنشاطاتها في الصين.

وتسعى مجموعة سيجنال إلى تعزيز فهم إسرا ئيلي أعمق للسياسة الصينية والوضع الاستراتيجي المتغير لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع التركيز على الاستخبارات الثقافية وجمع المعلومات عن دقائق المجتمع الصيني، ولتحقيق هذه الغاية، أطلقت مجموعة سيجنال في سنة 2023 برنامج زمالة جودمان Goodman Fellowship، وهو برنامج تدريبي تنفيذي يركز على التعلم التجريبي لمديري الخدمة المدنية الإسرائيلية من ذوي المستوى المتوسط ​​من المسؤولين عن صياغة سياسة “إسرائيل” تجاه الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويتضمن برنامج زمالة جودمان، الذي يهدف إلى إنشاء نخبة من الخبراء في مختلف قطاعات الحكومة، جولات دراسية في بكين وغيرها للتعرف الميداني على دقائق الوضع الداخلي في الصين.

وقد أثمرت هذه النشاطات في بعض النتائج:

‌أ. على الرغم من النقد الإسرائيلي في المؤتمرات الدولية خصوصاً منذ سنة 2021 لتصرفات الصين في مجال حقوق الإنسان في إقليم سينجيانج Xinjiang، حيث يتركز المسلمون الصينيون من قومية الإيجور Uyghur، ثم استمرار تبادل الزيارات الرسمية الإسرائيلية التايوانية، فإن ذلك ونتيجة تنامي النزعة البراجماتية الصينية لم يدفع الصين لإجراءات عقابية موازية تجاه “إسرائيل”،[15] وهو أمر لا يمكن فصله، دون مبالغة، عن نشاطات سيجنال.

‌ب. من المعلوم أنه قبل تأسيس مجموعة سيجنال، لم تكن هناك برامج دراسات إسرائيلية مؤسسية في الجامعات الصينية، أما اليوم، فتقدم جامعات في مختلف أنحاء البلاد، من تشونجتشينج Chongqing إلى بكين وشنغهاي، برامج دراسات إسرائيلية، وتقدر الدراسات المتخصصة أن أكثر من ألفي طالب سنوياً من طلاب الجامعات الصينية يلتحقون ببرامج تضم مساقات جامعية عن الدراسات الإسرائيلية.[16]

‌ج. عقد المؤتمرات السنوية للعلاقات الإسرائيلية الصينية: فقد انطلقت سلسلة المؤتمرات السنوية لمجموعة سيجنال حول سياسة “إسرائيل” تجاه الصين سنة 2016، وتوسعت سنة 2023 لتشمل منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبينما تختلف المواضيع المحددة كل سنة، فإن مهمة هذه السلسلة من المؤتمرات هي إثراء الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي بشأن العلاقات المتطورة مع الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولتحقيق هذه الغاية، يجمع المؤتمر مشاركين إسرائيليين ودوليين رفيعي المستوى من الحكومة وقطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية ومراكز الأبحاث لتقييم علاقات “إسرائيل” مع الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتأثير ذلك على الشرق الأوسط، وكان آخرها المؤتمر التاسع وموضوعه “الصين وإسرائيل والشرق الأوسط ما بعد 7 أكتوبر”، الذي تناول إعادة تقييم موقف الصين في الشرق الأوسط وسياستها تجاه “إسرائيل” في أعقاب النجاحات الاستخباراتية والعملياتية الإسرائيلية التي تعيد تشكيل الديناميكيات الإقليمية – من لبنان وإيران إلى سورية وغزة، وهي التحولات التي أدت إلى وضع العلاقات الصينية الإسرائيلية عند مفترق طرق حرج، بعد أن بلغت أدنى مستوياتها في أعقاب أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر. ومع الجهود المبذولة حالياً لإعادة بناء هذه العلاقات، بحث المؤتمر التاسع مسار العلاقات الثنائية، وقيّم الخيارات الاستراتيجية لـ”إسرائيل” في ظلّ التحولات الإقليمية والعالمية المتسارعة، إلى جانب النظر في الدور المتنامي للصين في الشرق الأوسط، وطموحها لقيادة “الجنوب العالمي”، وتصاعد حدة المنافسة الأمريكية الصينية في ظلّ الولاية الثانية للرئيس ترامب. كما سلط المؤتمر الضوء على مستقبل “إسرائيل” في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خصوصاً مع الزخم المتجدد وراء الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا الذي فتح المجال لفرصة فريدة لقوى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الهند واليابان وكوريا الجنوبية، بالانخراط والتعاون مع “إسرائيل”، إذ أن أنجع استراتيجية لـ”إسرائيل” لمواجهة صعود الصين والمنافسة الأمريكية الصينية هي العمل كقوة متوسطة مع تركيز استراتيجي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.[17]

ويرتبط كل ما سبق بالعلاقات التجارية والتقنية التي توجد بيئة مواتية لنشاطات جماعات الضغط اليهودية في المجتمع الصيني والإدارات الصينية على حدٍّ سواء، بل يصعب علينا القول بأن أنشطة الضغط الإسرائيلية في الصين، ومجال الديبلوماسية الأكاديمية والثقافية، مجرد نشاط دعائي أحادي الجانب، فالصين حريصة على تحسين علاقاتها مع “إسرائيل” انطلاقاً من مصالحها الوطنية، ومن رغبة “إسرائيل” في أن تستخدم الصين تقنياتها اقتصادياً وعسكرياً، وهو ما يدفع الجانب الصيني إلى تبني نظرة إيجابية تجاه هذه الأنشطة. علاوة على ذلك، باتت “إسرائيل” مركز عناية كبيرة في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط، فالصين، التي أقامت علاقات طيبة مع الدول العربية وإيران لسنوات طويلة، نوعت سياساتها في الشرق الأوسط بجعل “إسرائيل” محطة مهمة في مشروع طريق الحرير البحري، وقد أثمر هذا التفاعل المكثف شراكات ثقافية وأكاديمية، وقد زادت “إسرائيل” استثماراتها في الصين مستفيدة من هذا المناخ الإيجابي بين الطرفين.

وتُعدّ الأنشطة التعليمية والثقافية من العناصر التي تعزز فعالية “إسرائيل” في الصين، وتُحفّز التفاعل الثقافي بغض النظر عن حجم جاليتها في الخارج. وقد أثرت التطورات في مجالات مثل برامج التبادل الطلابي، والبرامج التعليمية الأكاديمية، والأنشطة السياحية، إيجابياً على التعاون بين الجانبين، وبعد أن حققت “إسرائيل” تقدماً ملحوظاً في مجال التعليم في الصين، شجعت بدورها على افتتاح العديد من البرامج الأكاديمية للتعريف بنفسها، فقد تمّ افتتاح أقسام ومراكز للدراسات الإسرائيلية واليهودية والعبرية في مؤسسات أكاديمية مرموقة في الصين، مثل جامعة نانجينج Nanjing University وجامعة خنان Henan University وجامعة شاندونج Shandong University. علاوة على ذلك، وبالإضافة إلى 100 منحة دراسية لما بعد الدكتوراه سنوياً في المؤسسات التعليمية الإسرائيلية، تُخصص 350 منحة دراسية جامعية حصراً للطلاب الصينيين والهنود، ووفقاً لإحصاءات سنة 2017، بلغ عدد الطلاب الصينيين المبتعثين الذين يدرسون في “إسرائيل” 1000 طالب. من جهة أخرى، تعمل المؤسسات التعليمية الإسرائيلية على توسيع فروعها في الصين. ففي سنة 2014، أنشأت جامعة تل أبيب Tel Aviv University مركزاً بحثياً وتعليمياً مبتكراً بالتعاون مع جامعة تسينجهوا Tsinghua University، وفي سنة 2015، أصبحت جامعة التخنيون Technion – Israel Institute of Technology، إحدى الجامعات الرائدة في مجال الهندسة في “إسرائيل” والعالم، ثاني مؤسسة تعليمية مستقلة في الصين بعد جامعة موسكو الحكوميةMoscow State University، وذلك بتأسيسها جامعة “جوانجدونج تخنيون – معهد إسرائيل للتكنولوجيا Guangdong Technion-Israel Institute of Technology University (GTIIT) “، وفي سنة 2016، افتتحت جامعة بن جوريون Ben-Gurion University مركزاً مشتركاً لريادة الأعمال والابتكار مع جامعة جيلين Jilin University، بينما أنشأت جامعة حيفا University of Haifa مختبراً مشتركاً في مجالات البيئة، والبيانات الضخمة، والطب الحيوي، وعلم الأعصاب في جامعة شرق الصين للمعلمين East China Normal University (ECNU).

إلى جانب الأنشطة التعليمية، يُعدّ حجم السياحة عاملاً آخر يُعزز جاذبية “إسرائيل” الثقافية. ففي سنة 2017، بلغ عدد السياح الصينيين إلى “إسرائيل” نحو 123 ألف سائح. كما تُسيّر شركات طيران مختلفة رحلات جوية مباشرة من تل أبيب إلى بكين، وشنغهاي، وقوانجتشو Guangzhou، وشنتشن Shenzhen، وتشنجدو Chengdu. ويؤدي النمو المتزايد للعلاقات الاقتصادية إلى تفاعل ثقافي بين الطرفين، وتعمل “إسرائيل” على الترويج للثقافة اليهودية التي يُبرزها الوجود اليهودي في الصين منذ قرون، وعلى الرغم من أن الشراكة الاقتصادية والسياسية بين “إسرائيل” والصين أثارت ردود فعل من الولايات المتحدة، إلا أن البلدين يُواصلان استثماراتهما مما يؤكد أهمية ذلك في العلاقة بينهما، والذي تسعى جماعات الضغط لترشيده لبلوغ نتائج أفضل وقابلة للتطوير.[18]

2. التغلغل عبر المنشورات والمعاهد الأكاديمية:

إلى جانب نشاطات سيجنال التي أشرنا لها، ثمة ظاهرة تلفت الانتباه ويجري الترويج لها في الأدبيات الصينية وهي تكريس ظاهرة ”الإعجاب بالنموذج اليهودي وبإسرائيل Philosemitism“ا[19] من خلال المنشورات الأكاديمية، وتقوم هذه الظاهرة على العمل الفكري لربط تاريخ اليهود الذي عاشوا في شنغهاي في فترات تاريخية سابقاً بالسردية الحضارية الصينية، مع التركيز في هذه السردية على “الذكاء اليهودي والتفوق العلمي والريادة في ميدان الأعمال وإدارة الموارد المالية والتطور التكنولوجي في “إسرائيل” والتحول لنموذج القوة على الرغم من صغر الدولة”، وتشكل هذه المسألة محاولة لتجاوز حصر النظرة لـ”إسرائيل” من خلال الصراع العربي الصهيوني إلى تقديم نموذج جاذب من الجوانب التي أشرنا لها.

ويمثل معهد الدراسات اليهودية والإسرائيلية في جامعة نانجينج Institute for Jewish and Israel Studies والذي تأسس سنة 1992 صلة الوصل الأبرز بين “إسرائيل” والصين خصوصاً في الدراسات اليهودية،[20] ويمثل الباحث الصيني تشو تشين Xu Xin الذي زار “إسرائيل” سنة 1988، أيّ قبل إقامة العلاقات الديبلوماسية بين الصين و”إسرائيل”، أحد أبرز الخبراء الصينيين في هذا المجال ناهيك عن أنه مؤسس “معهد الدراسات اليهودية والإسرائيلية”، الذي أُنشئ في الأصل باسم مركز الدراسات الثقافية اليهودية Center for Jewish Cultural Studies، ويمكن اعتبار تشو تشين مهندس تطوير العلاقات مع المنظمات اليهودية والأمريكية المساندة لـ”إسرائيل” والتي تمول المشروعات الأكاديمية الخاصة بميدان الدراسات اليهودية، ويتواصل تشو تشين مع البعثات الديبلوماسية الإسرائيلية، كما يشجع طلابه على الذهاب لـ”إسرائيل” للدراسة والبحث،[21] وأسهمت جهوده هذه في منحه جائزة التميز في الدراسات اليهودية والتبادل التعليمي الصيني الإسرائيلي من القنصلية الإسرائيلية في شنغهاي.[22]

وهناك باحث صيني مشهور وهو يي يي تشين Yiyi Chen والذي يركز على الدراسات العبرية واليهودية في الصين، ويحث باستمرار على الاهتمام بهذا البعد، مع محاولة تنمية القطاع الصيني الذي ينظر إلى “إسرائيل” نظرة إيجابية نسبياً. وقد كشف هذا الباحث أنهم يقدمون للحكومة الصينية أوراقاً بحثية حول الشرق الأوسط وعمليات السلام في المنطقة.[23]

وهناك أستاذ الفلسفة والدراسات اليهودية في جامعة شاندونج ومؤسس مركز الدراسات اليهودية والأديان المقارن Center for Judaic and Inter-Religious Studies فيها وهو فو يودة Fu Youde، ويعدّ شخصية مهمة من جانب محاولاته المقارنة بين التراث الكونفوشي Confucianism والتراث اليهودي، كما ترجم أعمال فلاسفة يهود مثل موسى بن ميمون Moses ben Maimon (Maimonides) للصينية، وأسهم في تشجيع جامعته على شراكة مع جامعة تل أبيب، والذي انتهى إلى إنشاء معهد صيني إسرائيلي مشترك للدراسات اليهودية والإسرائيلية.

كما لا بدّ من الإشارة إلى النشاطات في جامعة خنان والتي يبرز فيها البروفيسور هو هاو Hu Hao نائب مدير مركز الدراسات الإسرائيليةCenter for Israel Studies والمتخصص في تاريخ اليهودية الحديثة ومعاداة السامية، وقد درَّس في الجامعة العبرية، ويعدّ من الناشطين في الجمعيات الصينية ذات الصلة بالدراسات اليهودية.[24]

وهناك نخبة فكرية أقرب للنخب السياسية، ويمكن اعتبار البروفيسور هوانج رينوي Huang Renwei العضو البارز في المجلس الأكاديمي والاستشاري لمنظمة سيجنال التي أشرنا لها، وعمل في أكاديمية شنغهاي، وكان نائب مدير مركز شنغهاي للدراسات الدوليةShanghai Academy of Social Sciences (SASS) وله دور في الاستشارات الخاصة بموضوعات مثل تايوان Taiwan.ا[25]

وهناك البروفيسور سون ديجانج Sun Degang ويعمل أستاذاً في مركز دراسات الشرق الأوسط Center for Middle Eastern Studies (CMES) بجامعة فودانFudan University، وهو من الذين يولون العلاقات التكنولوجية مع “إسرائيل” أهمية كبرى، إلى جانب أنه من أشد المؤيدين لتطوير العلاقات الصينية الإسرائيلية خصوصاً في بُعدها التقني.

وهناك مثقفون صينيون تبنوا الموقف الإسرائيلي في جوانب عديدة، منهم أستاذ علم الاجتماع في جامعة رنمينRenmin University البروفيسور تشو تشياوجنج Zhou Xiaozheng، وقد كتب مقالاً بعنوان “إسرائيل دولة جيدة بالتأكيد Israel is definitely a good country”، دافع فيه عن سلوك “إسرائيل” العسكري، وحاول ربط السلوك الإسرائيلي بفكرة “الذكاء اليهودي”. وقد تناولت أليس تشين لو Alice Xin Liu هذا المقال في مقال لها بعنوان “إسرائيل دولة تستحق الاحترام الشديد Israel: A Country Which Deserves Our Deep Respect”.ا[26]

3. منظمة “قف معنا StandWithUs (SWU)”:

وهي منظمة أمريكية يهودية في الولايات المتحدة، وقد سعت منذ 2009 لإنشاء فرع لها في الصين، ونجح سعيها في أعقاب سنوات من الديبلوماسية العامة والتواصل المبدئي، خصوصاً مع إدراك قياداتها بتنامي المكانة الدولية الصينية بشكل متزايد، وبأن الصين “كدولة يمكننا إحداث تغيير فيها”، وفقاً لمدير المنظمة مايكل ديكسونMichael Dicksonا[27]، ورأى ديكسون أن للمنظمة دوراً محورياً في مكافحة “المعلومات المضللة في وسائل الإعلام الصينية حول إسرائيل” و”الدعاية الإسلامية المعادية لإسرائيل في الجامعات”. ووفقاً لأيالا شيرمان أورين Ayla Sherman-Oren، مديرة مكتب المنظمة في آسيا، سيتحقق ذلك من خلال “استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والبرامج الجامعية، وفعاليات التواصل” التي من شأنها “ربط وتنمية العلاقات بين رجال الأعمال والقادة الاجتماعيين في إسرائيل وآسيا” وخصوصاً من الشباب، أيّ “الجيل القادم من القيادة الصينية”.[28]

4. منظمات أخرى تعمل على التأثير على المجتمع والنخب والساسة في الصين:

منها المركز الإسرائيلي الآسيوي Israel–Asia Center، والذي يهتم بآسيا كلها مع إيلاء عناية خاصة لبعض الدول المهمة مثل الصين، وتتم نشاطاته من خلال التعامل مع القيادات السياسية والاقتصادية الصينية، ثم هناك اللجنة اليهودية الأمريكيةAmerican Jewish Committee (AJC) وتعمل على تعزيز المكانة الإسرائيلية في الذهن الصيني خصوصاً في الجامعات.[29]

رابعاً: تأثير طوفان الأقصى على هذه المؤسسات:

أدى رفض بكين لإدانة المقاومة الفلسطينية أو لعملياتها خلال طوفان الأقصى إلى نتائج أثرت على نشاطات وفعاليات جماعات الضغط الإسرائيلية لا سيّما مجموعة سيجنال، ويمكن تحديد هذه الآثار في الآتي:[30]

1. فتور ديبلوماسي مع تل أبيب، ووصفت مجموعة سيجنال، كجماعة ضغط إسرائيلية، الوضع الذي أعقب أحداث 7 أكتوبر بأنه نقطة تحول رئيسية، مشيرةً إلى أن طوفان الأقصى يمثل “أول حرب في الشرق الأوسط في عصر التنافس بين القوى العظمى” ورأت سيجنال أن محاولة بكين اتخاذ موقف محايدٍ سيُعقّد التعاون الأكاديمي والاستراتيجي التقليدي بين الطرفين، ولمعالجة هذا التطور دعت سيجنال إلى توسيع التركيز الاستراتيجي الإسرائيلي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ بدلاً من التركيز فقط على العلاقات الثنائية مع بكين، ورأت المجموعة ضرورة إطلاق مبادرات لمساعدة “إسرائيل” على بناء علاقات مع قوى متوسطة أخرى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ذات توجهات مماثلة، مثل الهند، وهو ما تجلى في “مبادرة إسرائيل العالمية” التي أشرنا لها.

وفي هذا الإطار، قدَّم ديل ألوف Dale Aluf، مدير الأبحاث في سيجنال (2017-2024)، تفسيره للموقف الصيني من “إسرائيل” بعد الطوفان، انتقد استمرار بكين في طرح حلّ الدولتين ورفضها وصف حماس “بالحركة الإرهابية”، لكنه نبه إلى أن الخطاب السياسي الصيني بعد عام من الطوفان بدأ يميل نحو موقف أكثر حيادية، مستنداً لموقف الخارجية الصينية في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 حيث دعا إلى “تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية من ناحية وأخذ المخاوف الأمنية الإسرائيلية المعقولة في الاعتبار”، ويفسر مدير أبحاث سيجنال الموقف الصيني بأنه براجماتية تقوم على “أن استمرار الحرب واتساعها ليس في مصلحة الصين” لأن الحرب تهدد الاستقرار الإقليمي وتؤثر على إمدادات الطاقة وتزيد من حضور الولايات المتحدة عسكرياً في المنطقة، ويؤثر على مصالح الصين في إسرائيل”.[31]

2. تحويل مؤتمرات السياسات السنوية التي تستضيفها مجموعة سيجنال من الاحتفاء بنمو التبادل الثنائي بين “إسرائيل” والصين إلى تحليل موضوعي لتأثير تحالف الصين مع جهات فاعلة مثل إيران وروسيا على الأمن القومي الإسرائيلي، أيّ أن البيئة التي أفرزها طوفان الأقصى في المنطقة أدت إلى تعظيم الهواجس الإسرائيلية من تقارب قوى لا تتسق في استراتيجياتها العليا مع “إسرائيل”، وتهدد المركز الأمريكي في المنطقة، وهو ما يضر “إسرائيل” استراتيجياً.

3. الحفاظ على قنوات التواصل غير الرسمية: على الرغم من التوترات الرسمية والتداعيات التي أشرنا لها، واصلت جماعات الضغط الإسرائيلية وخصوصاً سيجنال الحوارات التأسيسية لرصد التصورات الأكاديمية والسياسية الصينية تجاه “إسرائيل” بعد الطوفان الذي أوجد بيئة “تدهورت فيها العلاقات الصينية الإسرائيلية بشكل كبير بسبب الصراع”.

الخلاصة:

تكشف المعطيات التي تناولتها هذه الدراسة عن كيفية مساندة هيئات المجتمع المنظمة لآليات الديبلوماسية الرسمية بغض النظر عن البيئة المستهدفة؛ معادية أو صديقة أو حليفة أو محايدة، وهذه المساندة هي أحد مهمات جماعات الضغط، فعلى الرغم من محدودية العلاقات التاريخية بين اليهود والصين، وعلى الرغم من أن المسافة السياسية بين “إسرائيل” والصين أبعد من المسافة بين الصين والطرف العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص، إلا أن الديبلوماسية الإسرائيلية لم تنصرف عن هذه البيئة، وتعمل على التسلل الهادئ لداخلها ضمن رؤية تقوم على تفحص الممكن والمحتمل والمفضل لخدمة أهداف الدولة، وهو ما استعرضنا بعض جوانبه.

إن ما سبق يستوجب من الديبلوماسية العربية والفلسطينية تفعيل آلياتها مستفيدة من عوامل مساعدة وهي:

1. أن القطاع الأكبر والمؤثر في السلطة الصينية ما زال أقرب في مواقفه لمطالب الفلسطينيين، وهو ما يستوجب التواصل مع قيادات هذا الجانب وتعزيز نظرته بالتنسيق مع قياداته، ويمكن لهذا التواصل أن يتم من خلال القيام بدراسات للنخبة الحزبية الحاكمة وتحديد الأكثر تعاطفاً مع المطالب الفلسطينية من ناحية، ثم تحديد الأكثر قرباً من المطالب الإسرائيلية (كمن ورد ذكرهم في هذه الدراسة) من ناحية ثانية، لمحاولة التأثير عليهم بهدف التخفيف من مواقفهم المساندة لـ”إسرائيل”.

2. إن مسلمي الإيجور من الصينيين، وبحكم معرفتهم ببواطن المجتمع الصيني، يمثلون قطاعاً مهماً يقدر بنحو 12 مليون نسمة، يجب أن يجري الاستعانة بهم ليشكلوا جسر تواصل بين الصين والدول العربية وفلسطين، وتشكيل هيئات منظمة للتنسيق في جهود الطرفين لمزيد من تقريب المسافة السياسية بين فلسطين والصين، مع ضرورة الحذر من التدخل في الشأن الداخلي خصوصاً علاقاتهم مع حكومتهم. ومن بين المعطيات المهمة في هذا المجال وجود شخصيات مسلمة ذات ثِقل في السلطة، مثل أركين تونياز Erkin Tuniyaz وهو رئيس حكومة إقليم سينجيانج ذي الغالبية المسلمة وكان حتى سنة 2022 عضواً في اللجنة المركزية للحزب، إضافة إلى شخصيات إيجورية أخرى في اللجنة الدائمة للحزب في الإقليم.[32]

3. إن كافة استطلاعات الرأي في المجتمع الصيني تشير إلى دعم فلسطين وحماس، وتكشف دراسات لمواقع التواصل الاجتماعي عن عقد بعض المعلقين الصينيين مقارنات قومية بين مقاتلي حماس والمقاتلين الصينيين الذين حاربوا الاحتلال الياباني، كما لم تظهر مؤشرات ذات دلالة على التعاطف مع القتلى الإسرائيليين، وقد انتشرت نظريات المؤامرة التحريضية والخطابات المعادية للسامية في أقسام التعليقات على الإنترنت، ملقية باللوم على الجماعات اليهودية أو مستشهدة بمقارنات تاريخية عدائية.[33] وهو ما يستوجب تعزيز البيئة الداعمة لفلسطين والحفاظ عليها، من خلال هيئات منظمة ودائمة، وقائمة على الربط بين عملها والتوجهات السياسية للمقاومة الفلسطينية.


[1] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.
[2] Interest Groups vs. Pressure Groups: Definitions and Functions, site of PolSci.Institute, 21/2/2026, https://polsci.institute/comparative-politics/interest-groups-vs-pressure-groups-definitions-functions
[3] للاطلاع على التمايز بين هذه الجماعات، انظر:
George C. Edwards III, Frances E. Lee, and Eric Schickler (eds.), The Oxford Handbook of the American Congress (Oxford: Oxford University Press, 2011), pp. 598–617.
وانظر أيضاً:
Moira Byrne, “Pressure Groups and Social Movements,” in Peter Chen et al., Australian Politics and Policy (Sydney: Sydney University Press, 2019), https://open.sydneyuniversitypress.com.au/9781743326671.html
[4] يغلب على مناقشات تعريف المفاهيم الثلاثة تمييزاً يقوم على تحديد جماعات المصالح من حيث الهدف لها؛ سياسية وغير سياسية، بينما جماعات الضغط من حيث أداة الوصول للهدف؛ التأثير السياسي المباشر وغير المباشر، بينما ينفرد اللوبي بالتأثير المباشر على أجهزة اتخاذ القرار العليا غالباً، ولعل ذلك يتضمن التداخل في حدود هذه المفاهيم. انظر الدراسة المهمة في هذا المجال:
Alberto Bitonti, “Lobbying, lobby, lobbyist, interest and pressure groups: definitions and conceptual problems,” Diritto pubblico comparato ed europeo journal 24, no. 3, 2022, pp. 463–478, https://www.rivisteweb.it/doi/10.17394/105096
[5] Yossi Katz, “The Jews of China and their Contribution to the Establishment of the Jewish National Home in Palestine in the First Half of the Twentieth Century,” Middle Eastern Studies journal, vol. 46, no. 4, 2010, https://cris.biu.ac.il/en/publications/the-jews-of-china-and-their-contribution-to-the-establishment-of–4
[6] يلاحظ وجود تباين بين المراجع في حجم الرسالة وعدد فقراتها، إذ تظهر بعض الفقرات في بعض المراجع، بينما تغيب في مراجع أخرى.
Zack Rothbart, Lost letter on Zionism from ‘Father of the Chinese Nation’ surfaces, site of The Jerusalem Post newspaper, 11/2/2021, https://www.jpost.com/israel-news/lost-letter-on-zionism-from-father-of-the-chinese-nation-surfaces-658557; and Aaron Shai, China and Israel: Chinese, Jews; Beijing, Jerusalem (1890–2018) (Boston: Academic Studies Press, 2019), pp. 38–39.
[7] Yitzhak Shichor, “Chinese-Israeli Relations in a Middle Eastern Context: Retrospect and Prospects,” Mediterranean Quarterly journal, vol. 26, no. 1, April 2015, pp. 137–151.
[8] Yitzhak Shichor, “Out of Proportion: Israel’s Paradox in China’s Middle Eastern Policy,” Middle East Policy journal, vol. 32, no. 1, February 2025, pp. 54–73.
[9] وليد عبد الحي، “الانخراط الحذر: هل تقيد سياسة التوازن دور الصين في الشرق الأوسط،” ملحق مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات الاستراتيجية، الأهرام، العدد 207، كانون الثاني/ يناير 2017، ص 25-30.
[10] Selim Han Yeniacun, Israel set to increase its soft power in China, site of Anadolu Agency, 8/2/2020, https://www.aa.com.tr/en/analysis/analysis-israel-set-to-increase-its-soft-power-in-china/1728042; and Roman Malek (ed.), Jews in China: From Kaifeng to Shanghai (Routledge, 2000), passim.
يمثل هذا الكتاب الضخم (أكثر من 722 صفحة) مرجعاً مهماً للاطلاع على تاريخ الوجود والهجرات اليهودية للصين، ويتناول موجات الهجرة اليهودية إلى الصين مع التركيز على منطقة كيافنج Kaifeng وعلى سياسات الاستيعاب لهم، والآثار اليهودية من معابد وغيرها …إلخ.
[11] Selim Han Yeniacun, Israel set to increase its soft power in China.
[12] About, site of SIGNAL Group, https://signal-group.org/about/; and Hiddai Segev, China’s Ambivalent Attitude Towards Judaism, site of Middle East Institute, 2/7/2018, https://mei.edu/publication/chinas-ambivalent-attitude-towards-judaism/
[13] About, SIGNAL Group, https://signal-group.org/about/
يقدم هذا الرابط التابع لمجموعة سيجنال تفاصيل عن كل نشاطات المجموعة من أبحاث أو ندوات أو منشورات أو مؤتمرات …إلخ.
[14] Ibid.; and see Global Israel Initiative, SIGNAL Group, https://signal-group.org/global-israel-initiative-gii
[15] Tommy Steiner, The Price of China’s Arms Support for Iran: Could Israel Raise It?, SIGNAL Group, 1/7/2026, https://signal-group.org/articles/the-price-of-chinas-arms-support-for-iran-could-israel-raise-it
[16] Israel Studies Program, SIGNAL Group, https://signal-group.org/israel-studies-program
[17] 9th Annual Conference on Israel’s China Policy: China, Israel, and the Post-October 7 Middle East, SIGNAL Group, 29/5/2025, https://sino-israel.org/wp-content/uploads/2025/05/Program-Agenda-SIGNAL-PolCon-2025-Final.pdf; and Annual Conferences, SIGNAL Group, May 2025, https://signal-group.org/recent-events/conferences
[18] Selim Han Yeniacun, Israel set to increase its soft power in China.
للمزيد حول الرأي العام الإسرائيلي والصين، انظر:
Roy Ben Tzur, From Curiosity to Skepticism: Israeli Public Opinion on China, site of The Institute for National Security Studies (INSS), December 2024, https://www.inss.org.il/strategic_assessment/ben-zur/; and Mohammed Al-Sudairi, The Growing Phenomenon of Pro-Israeli Advocacy in Chinese Academia, site of Jadaliyya, 23/9/2014, https://www.jadaliyya.com/Details/31251
[19] Mary Ainslie, “Chinese Philosemitism and Historical Statecraft: Incorporating Jews and Israel into Contemporary Chinese Civilization,” The China Quarterly journal, vol. 245, March 2021, pp. 208–226.
[20] للتعرف على تاريخ وتطور العلاقات الإسرائيلية الصينية من الجانب الأكاديمي، انظر:
“International Forum for the 30th Anniversary of the Sino-Israel Diplomatic Relations,” site of Center for Judaic and Inter-religious Studies of Shandong University, 15/5/2022, https://www.cjs.sdu.edu.cn/__local/0/3E/15/AA9999897CF7ED9C4BA123BCCE6_C0A350EB_11274B.pdf
[21] انظر التفاصيل في:
David Harris and Rebecca Zeffert, China at 60 Series: Interview with Prof. Xu Xin, site of Israel-Asia Center, 1/11/2009, https://israelasiacenter.org/op-eds-and-articles/china-at-60-series-article-6/
[22] Professor Xu Xin of our department was awarded the “Outstanding Contribution to the Study of Jewish Culture and Educational Exchanges between China and Israel” by the Consulate General of Israel in Shanghai, site of NanJing University (NJU) School of Philosophy, 16/5/2023, https://philosophy.nju.edu.cn/info/1017/1914.htm
[23] Interview with Dr. Yiyi Chen on Hebrew/Jewish Studies in China and Sino-Israel Relations, site of Middle East Institute, 1/4/2013, https://mei.edu/publication/interview-dr-yiyi-chen-hebrewjewish-studies-china-and-sino-israel-relations
[24] Professor Hu Hao, site of The Institute for the Study of Global Antisemitism and Policy, https://isgap.org/about/international-academic-board-of-advisors/professor-hu-hao
[25] Board of Academic and Expert Advisors, SIGNAL Group, https://cn.sino-israel.org/board-of-academic-expert-advisors
[26] Alice Xin Liu, Israel: A Country Which Deserves Our Deep Respect, site of Danwei, 22/1/2009, https://laodanwei.org/wp/foreign-affairs/a_country_which_deserves_our_d.php
[27] Mohammed Al-Sudairi, An Israeli Lobby in China?, site of The Diplomat, 30/4/2015, https://thediplomat.com/2015/04/an-israeli-lobby-in-china
[28]Ibid.
[29] حول دور هذه المنظمات، انظر التفاصيل في: Ibid.
[30] للتفاصيل حول هذه الجوانب خصوصاً التغيير في بيئة الصراع الدولية، انظر:
Koh Ewe, How China Could Play a Key Role in the Israel-Hamas War—and Why It’s Not, site of Time magazine, 18/10/2023, https://time.com/6325352/china-israel-hamas-war/; and Wang Zhehui, “China’s Shift in Attitude towards Israel after the 7 October 2023 Hamas Attacks,” China: An International Journal, vol. 24, no.1, February 2026, pp. 40–62.
[31] Dale Aluf, What to make of China’s softening rhetoric on Israel, Gaza War, site of Al-Monitor, 21/10/2024, https://www.al-monitor.com/originals/2024/10/what-make-chinas-softening-rhetoric-israel-gaza-war
[32] من الضروري فهم آليات الانتقال بين مستويات السلطة في الحزب الشيوعي الصيني، للمساعدة في كيفية التخطيط للتعامل مع هذه المستويات خصوصاً القيادات ذات المستقبل الواعد، ولمعرفة التفاصيل حول ذلك، انظر:
David A.Meyer, Megha Ram and Laura Wilke, “Circulation of the Elite in the Chinese Communist Party,” Journal of East Asian Studies, vol.16, no.1, March 2016, pp.147–184; and Xiaowei Zang, “Ethnic Representation in the Current Chinese Leadership,” The China Quarterly journal, vol. 153, March 1998, pp. 107–127.
[33] انظر تفاصيل هذه الجوانب، في:
Wang Zhehui, “China’s Shift in Attitude towards Israel after the 7 October 2023 Hamas Attacks”; Patricia M. Kim, Kevin Dong and Mallie Prytherch, Chinese narratives on the Israel-Hamas war, site of Brookings Institution, 22/1/2024, https://www.brookings.edu/articles/chinese-narratives-on-the-israel-hamas-war/; Grant Rumley, Rebecca Redlich and Claudia Groeling, Tracking Chinese Statements on the Hamas-Israel Conflict, site of The Washington Institute for Near East Policy, 3/11/2023, https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/tracking-chinese-statements-hamas-israel-conflict; and Roy Ben Tzur, From Curiosity to Skepticism: Israeli Public Opinion on China.

للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة علمية: جماعات الضغط الإسرائيلية في الصين … أ. د. وليد عبد الحي (20 صفحة، 1.8 MB)

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 30/9/2026



جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من الأوراق العلمية: