إعداد: أ.عاطف الجولاني.
(خاص بمركز الزيتونة).
| ملخص: وتّجلت مظاهر المأزق في استمرار غياب المشروع الوطني الجامع وغياب الرؤية التوافقية، وفي إمعان السلطة الفلسطينية في نهج التفرّد بالقرار والهيمنة على المؤسسات الوطنية، وفي تكريس الانقسام السياسي والجغرافي وقطع الطريق على كل جهود المصالحة؛ حيث انتهى المطاف بانفراد قيادة السلطة بالدعوة لانتخابات محلية وعامة، وبفرض شروط سياسية تُقيّد المرشحين ببرنامج السلطة والتزاماتها الدولية. كما أن التباين في الموقف من معركة طوفان الأقصى ومواجهة جرائم الإبادة الوحشية في القطاع، فاقَمَ المأزق وأوصله إلى مستويات غير مسبوقة. وعند دراسة خيارات الخروج من المأزق الفلسطيني، فإن خيار تجاهل المأزق وتداعياته، يحمل انعكاسات خطيرة جداً على القضية الفلسطينية، كما أن خيار إنجازُ توافقٍ وطنيٍ شامل في المرحلة الراهنة يبدو بعيد المنال؛ لذلك يصبح خيار تجميد التناقضات وتهدئة الخلافات أولويةً وخياراً اضطرارياً وواقعياً، وذلك لمواجهة التهديدات الوجودية، ولتوفير حدّ أدنى من الثقة والتنسيق العملي الذي يسمح بالتقدّم لاحقاً خطواتٍ نحو التوافق وإعادة بناء المؤسسات. |
| للاطلاع على ورقة السياسات بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: >> ورقة سياسات: استراتيجية الخروج من المأزق الفلسطيني … أ. عاطف الجولاني |
الكلمات المفتاحية:
| الانقسام الفلسطيني | المشروع الوطني الفلسطيني | المأزق الفلسطيني |
| الانتخابات الفلسطينية | منظمة التحرير الفلسطينية | التوافق الوطني |
| التهديدات الوجودية | المقاومة الفلسطينية |
مقدمة:
تصاعد المأزق الفلسطيني بصورة خطيرة خلال الأعوام الأخيرة داخلياً وخارجياً، وهو ما أضعف قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية التي وصلت مستوى التهديد الوجودي لمستقبل القضية الفلسطينية والمشروع الوطني.
وإدراكاً منه للتداعيات المستقبلية الخطيرة لتفاقم المأزق الفلسطيني، ومن أجل الإسهام في مناقشة أسبابه والعوامل المؤثرة فيه وخيارات مواجهته وسبل الخروج منه، عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات حلقة نقاش متخصصة في 2/9/2026 شارك فيها نخبة من الخبراء والمختصين في الشأن الفلسطيني. وتأتي ورقة السياسات هذه نتاجاً لأعمال الورشة التي كانت ثرية وعميقة في التشخيص والتحليل والاستشراف المستقبلي، وفي طرح التوصيات والمقترحات للخروج من المأزق.
أولاً: عوامل تصاعد المأزق الفلسطيني:
ارتبط المأزق الفلسطيني تاريخياً بغياب المشروع الوطني التوافقي الجامع، وببنية النظام السياسي الفلسطيني وضعف قدرته على تمثيل الشعب وإدارة الاختلاف وتجديد شرعيته بصورة ديموقراطية دورية، وفي تعارض الرؤى والاستراتيجيات والبرامج السياسية والأشكال النضالية، دون قدرة على استيعاب تعدّد الاجتهادات بصورة تجعل منها عامل قوة ومدخلاً للتكامل وتوسيع خيارات التحرّك الوطني.
وازداد الأمر سوءاً بعد توقيع اتفاقية أوسلو سنة 1993 التي ألزمت منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثَمَّ السلطة الفلسطينية بقيود واستحقاقات بالغة الخطورة، وأدخلت الوضع الفلسطيني في نفق مظلم وأزمة عميقة لم يتسنَ الخروج منها حتى اللحظة. حيث لم يتبقَ من الاتفاقية سوى التزامات السلطة تجاه الاحتلال الذي أمعن في فرض رؤيته الإحادية القائمة على يهودية الدولة ورفض أي كيانية ودولة فلسطينية، فيما تحوّلت السلطة في أحسن أحوالها إلى سلطة منزوعة الصلاحيات، تقوم بدور وظيفي لا تستطيع تجاوزه، تحت الاحتلال ووفق شروطه، في إدارة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتفاقمت أزمة العمل الوطني وتعمّق المأزق الفلسطيني بعد الشرخ والانقسام الفلسطيني سنة 2007، والذي تحوّل إلى محدّد رئيس بعد ذلك في صياغة العلاقات الوطنية بين الأطراف الفاعلة في الساحة الفلسطينية، وأدّى إلى نشوء واقع سياسي وجغرافي مزدوج مشوّه، وأسهم في تراجع مكانة القضية وحضورها الإقليمي والدولي.
وبتأثير هذه العوامل المهمة تجلّت مظاهر المأزق الوطني في مجموعة أزمات مترابطة؛ أزمة غياب المشروع الوطني الجامع والرؤية الوطنية التوافقية، وأزمة شرعية النظام السياسي وتعطيل المسارات الانتخابية، وأزمة التمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني في المؤسسات الوطنية، وأزمة تعطيل المؤسسات التنفيذية والتشريعية وغياب آليات المساءلة والفصل بين السلطات، وأزمة الانقسام الذي أنتج منظومتين سياسيتين وإداريتين وجغرافيتين متصادمتين.
غير أن المأزق الفلسطيني تصاعد بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة، وكان له تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية وقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التهديدات الوجودية التي يتعرّض لها في هذه المرحلة الدقيقة. ويمكن تقسيم الأسباب التي فاقمت المأزق إلى مستويين؛ داخلي فلسطيني، وخارجي يتعلّق بالاحتلال وبالتوجهات الإقليمية والدولية، وبمتغيّرات البيئة السياسية وتحوّلاتها.
1. أسباب ومؤثرات داخلية، ومن أبرزها:
أ. تزايد حالة الانقسام خلال معركة طوفان الأقصى، حيث برز حجم الفجوة بين مكونات النظام السياسي الفلسطيني بصورة أكثر حدّة، وتصاعد الخلاف على استراتيجية إدارة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي والتصدي لحرب الإبادة الوحشية، وصولاً إلى فرض الوصاية السياسية والقانونية والأمنية لمجلس السلام العالمي على القطاع. فقد اختارت قيادة السلطة موقفاً أقرب إلى الحياد، وانخفض سقفها ليتماهى مع سقف الموقف الرسمي العربي، وانشغلت بمهاجمة فصائل المقاومة وتحميلها مسؤولية القتل والتدمير في غزة.
ب. تفاقم أزمة النظام السياسي الفلسطيني وتراجع قدرته على إنتاج تمثيل وطني جامع وفعّال، وتآكل الثقة بالمؤسسات الوطنية القائمة بصورة أكبر. وقد أسهم ذلك في تزايد الفجوة وأزمة الثقة بين قيادة السلطة والشعب الفلسطيني، وهو ما عبّرت عنه استطلاعات الرأي طيلة السنوات الماضية، حيث أظهرت تراجعاً مضطرداً لشعبية السلطة في الشارع الفلسطيني.
ج. إمعان قيادة السلطة في تكريس الاستحواذ والهيمنة على القرار السياسي وعلى المؤسسات الوطنية. فقد عملت خلال سنتي 2025 و2026 على إعادة “هندسة” النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد شرعيتها السياسية وفق الاشتراطات الدولية، وإعادة إنتاج التفرّد وإضفاء الشرعية على التوريث السياسي.
فقد طرحت مسودة للدستور المؤقت لدولة فلسطين، وأصدرت مراسيم لإجراء الانتخابات المحلية والعامة، وأجرت تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات، وفرضت شروطاً تُلزم المرشحين ببرنامجها السياسي والتزاماتها الدولية.
وأجرت السلطة الانتخابات المحلية وفق التعديلات الجديدة على قانون الانتخابات، وفي وقت لاحق صدر مرسوم رئاسي يحدد موعد الانتخابات العامة، وهو ما أثار الكثير من الجدل في الساحة الفلسطينية، حيث تم تحديد موعد الانتخابات دون توافق وطني، وفي غياب أي ضمانات لمشاركة فلسطينيي القدس، وفي ظل استمرار التدمير الواسع وجرائم الإبادة في قطاع غزة بشكل يحول دون قدرة غالبية سكانه على المشاركة في الانتخابات. كما تمت الدعوة لإجرائها في سياق وضعٍ فلسطيني مأزوم، وسياقٍ إسرائيلي صلب ومتوحّش، وفي بيئة إقليمية ودولية معقّدة وغير مواتية.
د. ضعف وتراجع دور كثير من الفصائل الفلسطينية وفق ما تُظهره نتائج الانتخابات السياسية والمحلية والطلابية والنقابية. وغياب قدرة الفصائل على التقييم والمراجعة للاستدراك وتطوير الحضور والتأثير. وتراجع الأوضاع الداخلية في حركة فتح والتي تُوّجت في المؤتمر العام الثامن الذي جرى فيه تكريس هيمنة القيادة المتنفذة على مؤسسات الحركة وإقصاء المعارضين السياسيين لنهجها.
2. عوامل ومؤثرات خارجية، ومن أهمها:
أ. هيمنة اليمين القومي والديني الإسرائيلي المتطرّف على المؤسستين التشريعية والتنفيذية في الكيان الصهيوني، وتغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية باتجاهات أكثر توحّشاً وتوسّعاً واندفاعاً، واعتماد رؤية اليمين المتطرّف كاستراتيجية رسمية للكيان، وتصاعد جرائم الإبادة والتدمير والحصار على قطاع غزة، وتغوّل الاستيطان وتسارع إجراءات الضمّ الفعلي في الضفة الغربية، وازدياد مخاطر تهجير الفلسطينيين من الضفة والقطاع، واستهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتكثيف عمليات اقتحام المسجد الأقصى وتوسيعها.
ب. تزايد انحياز إدارة دونالد ترمب Donald Trump لصالح رؤية اليمين الإسرائيلي المتطرّف، وتوفير الغطاء له للمضي قُدماً في إجراءات الضم في الضفة الغربية، وفرض الوصاية والانتداب على قطاع غزة عبر مجلس السلام العالمي الذي تمّ تفويضه بالإشراف على الشؤون السياسية والإدارية والأمنية والاقتصادية، وبحيث يتم نقل التجربة إلى الضفة في حال نجحت في غزة.
وبموازاة ذلك، تصاعدت الضغوط الدولية لاستهداف المقاومة ونزع سلاحها، وحرمان الشعب الفلسطيني من مختلف أدواته النضالية للدفاع عن نفسه في مواجهة الجرائم الإسرائيلية المتواصلة.
ج. تزايد الخلافات الرسمية العربية، وتراجع دور مؤسسات العمل العربي المشترك، وهو ما انعكس بصورة أكثر سلبية على الحضور العربي في القضية الفلسطينية. وعوضاً عن الإسهام في حماية الشعب الفلسطيني من الجرائم والتهديدات الإسرائيلية المتزايدة وتشجيع التوافق الفلسطيني، أسهمت بعض الأطراف العربية في الانقسام وانحازت لصالح أحد أطرافه.
د. انحسار الدور والتأثير الأوروبي في القضية الفلسطينية، وتراجع مشروع حلّ الدولتين على الرغم من جهود بعض الدول الأوروبية والعربية لإعادة طرحه كمسار سياسي، حيث اصطدمت تلك الجهود برفضٍ إسرائيلي قاطع لفكرة قيام دولة فلسطينية.
هـ. تسارع مسار التطبيع العربي الإسرائيلي والاتفاقيات الإبراهيمية، وانخراط المزيد من الدول العربية في علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع الاحتلال، وإصرار تلك الدول على مواصلة التطبيع بالرغم من جرائم الإبادة الوحشية في قطاع غزة.
ثانياً: تطوّرات يُرجّح أن تؤثر في مستقبل المأزق الفلسطيني:
تبرز مجموعة متغيرات مرتقبة خلال القترة القادمة يُرجّح أن تؤثر في مستقبل المأزق الفلسطيني، ومن أهمها:
1. الانتخابات الفلسطينية التي تمت الدعوة لإجراءها في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026. ففي حال أصرّت السلطة على مواصلة التفرّد بإدارتها بعيداً عن التوافق الوطني، يُرجّح أن تتحوّل إلى سبب جديد للتأزيم ولتعميق المأزق الفلسطيني.
2. الانتخابات الإسرائيلية التي أُعلن عن عقدها في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، والتي ترجّح استطلاعات الرأي حصول معارضي بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu فيها على أغلبية مقاعد الكنيست Knesset، وبما يُضعف فرصه في تشكيل الائتلاف الحكومي القادم لصالح خصومه الذين يتقدمهم غادي أيزنكوت Gadi Eisenkot رئيس حزب “يشار! Yashar!”. وتبرز الخلافات بين نتنياهو وخصومه كخلافات شخصية على السلطة، أكثر من كونها خلافات بين برامج سياسية، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة الموقف من القضية الفلسطينية ومستقبل الضفة والقطاع.
3. انتخابات التجديد النصفي للكونجرس Congress الأمريكي في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، حيث تُرجّح استطلاعات الرأي خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في المجلس. وبالرغم من عدم اتضاح حجم تأثير ذلك على السياسات الأمريكية تجاه القصية الفلسطينية وعلى مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إلا أن المرجّح أن تكون تأثيراتها محدودة، وأن تواصل إدارة ترمب سياساتها الحالية في محاصرة المقاومة الفلسطينية وفرض الوصاية على قطاع غزة وتشجيع إجراءات الضمّ في الضفة. في الوقت ذاته يتزايد الجدل في الولايات المتحدة على المستويين الرسمي والشعبي بخصوص إدارة العلاقة مع الكيان الصهيوني ومواصلة الدعم غير المحدود له، وتواجه جماعات الضغط اليهودية تحديات أكبر في مواصلة تأثيرها في الساحة الأمريكية.
4. مآلات الحرب الأمريكية الإيرانية وحالة التصعيد العسكري في المنطقة، وترجيح استمرار حالة التوتر والارتباك على المستوى الإقليمي، في ظلّ عدم بروز مؤشرات قوية إلى قرب حسم الحرب أو انتهائها في مدى قصير. ومن شأن استمرار المواجهة وحالة التصعيد في المنطقة، أن يديم استنزاف الكثير من الدول العربية بتداعيات الحرب على مصالحها الأمنية والاقتصادية، وأن يصرف اهتمامها عن القيام بأدوار إيجابية في إسناد الشعب الفلسطيني بمواجهة التهديدات الإسرائيلية.
5. الصراع والتنافس المتصاعد بين المحاور الإقليمية وانعكاساته المحتملة على الوضع الفلسطيني. حيث وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية أمنية ودفاعية استراتيجية في 7/8/2026 عُرفت باسم “حلف مكة الدفاعي”، كآلية للردع واحتواء مصادر التهديد الإقليمي. وبموازاة ذلك تتبلور ملامح تشكّل تحالف مضاد يضم الكيان الصهيوني واليونان وقبرص وإحدى الدول الخليجية، ولا تبدو الهند بعيدة عن هذا التحالف. ويُرجّح أن يكون للتنافس بين التحالفين انعكاسات مهمة على القضية الفلسطينية وعلى مجمل الأوضاع في المنطقة.
ثالثاً: خيارات الخروج من المأزق الفلسطيني:
في ضوء ترجيح استمرار التأثير السلبي لكثير من العوامل الداخلية والخارجية في إدامة المأزق الفلسطيني، تغدو الأطراف الفلسطينية أمام ثلاثة خيارات في التعامل مع المأزق:
1. الخيار الأول: مواصلة قيادة المنظمة حالة الإنكار ومتابعة سياسة التفرّد: ومن شأن اعتماد هذا الخيار أن يكرّس الوضع المأزوم وطنياً، ويشجّع الكيان الصهيوني على المضي في تهديداته وسياساته العدوانية التوسعية، ويوفّر المبرّر للأطراف العربية لمواصلة دورها السلبي تجاه الوضع الفلسطيني بحجة استمرار الانقسام وغياب التوافق، ويحرم الشعب الفلسطيني من الاستثمار الأمثل لعزلة الكيان الصهيوني على المستوى العالمي. كما يسهم خيار التجاهل والإنكار في استمرار السياسات الحالية للأطراف الفلسطينية المتفاعلة مع المأزق الوطني، من حيث تغليب حساباتها الفئوية على حساب المصالح الوطنية العليا التي تفرض تنسيق الجهود في مواجهة التحديات والتهديدات.
ولا شكّ أن الإصرار على إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المحدد في ظلّ استمرار حالة الإنكار والتجاهل للمأزق الفلسطيني، وغياب التوافق الوطني، وبقاء الشروط السياسية المحجفة، وتجاهل تمثيل فلسطينيي الشتات بطريقة ديموقراطية عادلة والتفرّد بفرض ممثليهم، من شأنه أن يؤدي إلى تعميق المأزق الوطني، عوضاً عن أن تكون الانتخابات مدخلاً لتحقيق التوافق وبدء الخروج من المأزق.
2. الخيار الثاني: التمسّك بتحقيق التوافق الوطني الشامل وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديموقراطية تعددية، ورهن أيّ تنسيق وطني بإنجاز ذلك: وقد تمسّكت الأطراف الفلسطينية المعارضة لتوجهات قيادة السلطة طوال السنوات الماضية بهذا الخيار، في الوقت الذي أصرّت فيه قيادة السلطة على تعطيل مسار التوافق ومواصلة احتكار القرار السياسي والهيمنة على المؤسسات الوطنية.
وعلى الرغم من أن التوافق الشامل وإعادة بناء المؤسسات هو الخيار الأقوى والأفضل، من حيث نتائجه المحتملة للخروج من المأزق الفلسطيني، وتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة الأخطار الوجودية، إلا أن فرص تَحقُّقه باتت ضئيلة للغاية، ما يجعل منه خياراً غير واقعي، وغير قابل للنجاح والتحقّق في هذه الفترة ضمن المعطيات الحالية.
3. الخيار الثالث: تجميد التناقضات وتهدئة الخلافات، وإعطاء الأولوية لمواجهة التهديدات الوجودية: فإذا كانت تداعيات خيار مواصلة تجاهل المأزق الوطني خطيرة ووخيمة، وإذا كانت فرص إنجاز التوافق الوطني الشامل وتحقيق المصالحة ضعيفة وغير مرجّحة في المرحلة الراهنة، فإن تجميد التناقضات بين الأطراف الفلسطينية في هذه المرحلة لصالح إعطاء الأولوية لمواجهة التهديدات الإسرائيلية الوجودية، يغدو خياراً ضرورياً وأكثر واقعية. وهو خيار يوفّر، حال نجاحه، فرصة لبناء الثقة والتقدّم لاحقاً نحو خيار التوافق الشامل وإنهاء الانقسام وترتيب البيت الوطني، حين تتوفّر القناعة والإرادة والرغبة لدى الأطراف المؤثرة للخروج من المأزق.
رابعاً: التوصيات والمقترحات:
انطلاقاً من الترجيح السابق، تقترح ورقة السياسات هذه اعتماد الخيار الثالث في هذه المرحلة، وترى فيه خياراً واقعياً وضرورياً، تفرضه أولويات المرحلة ومعطيات البيئة السياسية فلسطينياً وإقليمياً ودولياً. وفي هذا الصدد تقترح التوصيات التالية:
1. تجميد الخلافات والتناقضات في المرحلة الحالية، وإعطاء الأولوية القصوى لتنسيق الجهود الوطنية في مواجهة الأخطار الوجودية التي تتهدد الشعب والقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إجراءات الضم والتهجير، ومحاولات فرض الاحتلال والوصاية الأجنبية على قطاع غزة. فالتحدي الوجودي والخطر الداهم المشترك، يستدعي استجابة جماعية فاعلة ومؤثرة.
2. الخروج من حالة التناحر والتنافس بخصوص مستقبل إدارة قطاع غزة، وتنسيق المواقف الفلسطينية لصالح بلورة تصوّر وطني، يقطع الطريق على التوجهات الإسرائيلية والأمريكية، لتكريس الاحتلال وفرض الوصاية الخارجية على القطاع.
3. تعزيز صمود أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع والداخل المحتل سنة 1948، باعتبار ذلك حلقة مركزية في مواجهة الأخطار الوجودية وإفشال مؤامرات الضم والتهجير والوصاية الخارجية.
4. النظر في تأجيل الانتخابات إلى حين توفير شروط نجاحها وتحقيق التوافق الوطني بخصوصها، كي تكون مدخلاً للخروج من المأزق الفلسطيني، وتجنّب أن تكون سبباً إضافياً لتكريس الاستقطاب ووقوداً لانقسام جديد. مع التأكيد على أن الانتخابات تظلّ استحقاقاً سياساً وقانونياً ومطلباً شعبياً، وآلية ديموقراطية لا تراجع عنها لفرز ممثلي الشعب واختيار قياداته.
5. في حال التمسّك بإجراء الانتخابات في وقتها القريب المحدّد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، فإن الحدّ الأدنى المطلوب لتوفير فرص نجاحها يتمثل بإزالة العوائق وإلغاء الشروط السياسية المُجحِفة التي فرضتها التعديلات على قانون الانتخابات، والتمسّك بمبدأ الانتخاب الحقيقي لا الشكلي لفرز ممثلي الشتات في المجلس الوطني الفلسطيني، وضمان النزاهة والشفافية وحرية المنافسة، والالتزام المسبق باحترام نتائج الانتخابات، ورفض إقصاء أي قوة سياسية تستوفي شروط العملية الديموقراطية.
6. مواصلة الجهود لتحقيق التوافق الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديموقراطية وتعددية وتمثيلية حقيقية، والتمسّك بإنهاء الانقسام. وعدم التخلّي عن هذا المسار بالرغم من فشل المحاولات والجهود السابقة، وبالرغم من المعوقات الكثيرة التي تعترض طريق التوافق وإعادة البناء.
7. مواصلة السعي لبناء رؤية وطنية موحّدة، واقعية وطموحة، تحافظ على التنوّع والتعددية، وتراعي موازين القوى دون أن تستسلم لها، وتعمل على تغيير الواقع باستراتيجيات متعددة ومتدرّجة، وتوائم بين العمل السياسي والمقاومة الشاملة بكل أشكالها النضالية، في إطار قرار وطني جامع.
8. تفعيل الجهود في أوساط القيادات الشعبية، وأوساط المثقفين والنخبة الفلسطينية، لفتح حوارات نقدية منهجية مع الفصائل الفلسطينية، ولإجراء تقييم ومراجعة شاملة وموضوعية لأداء النخبة الفلسطينية والفصائل والتجمعات والكيانات الشعبية والمجتمعية والنقابية، بهدف الخروج من حالة ضعف التأثير والفاعلية، وممارسة ضغط حقيقي للخروج من المأزق الفلسطيني.
9. تجنّب الرهان على نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، والتركيز على تمتين الجبهة الداخلية وتجاوز المأزق الفلسطيني وتعزيز الثقة بين أطراف العمل الوطني.
10. تنسيق الجهود وطنياً لاستثمار العزلة الإسرائيلية عالمياً، والعمل على توسيعها وإدامتها. واستثمار حالة التعاطف العالمي مع الشعب الفلسطيني وتحويلها إلى جهد مؤسسي وبرامج وإجراءات عملية. وتبنّي برنامج نضالي ضدّ المشروع الصهيوني باعتباره احتلالاً عنصرياً إحلالياً عدوانياً توسعياً ينبغي تنسيق الجهود الفلسطينية والعربية والدولية للعمل على تفكيكه.
11. تعزيز التعاون والتنسيق المشترك بين الأطراف الوطنية المتمسكة بالثوابت الفلسطينية والداعمة لخيار المقاومة الشاملة، وبما يعزز قدرتها على ممارسة الضغط لكبح المسارات والخيارات الخاطئة، وحماية مشروع المقاومة بكل أشكالها وأدواتها النضالية المتاحة، والإسهام في الخروج من المأزق الوطني عبر بناء كتلة وطنية موّحدة وجبهة عريضة وتيار وطني تعددي واسع يتصدّى لتحديات المرحلة ويواجه الأخطار الوجودية التي تهدد حاضر القضية ومستقبلها.
[*] إعلامي وكاتب أردني من أصل فلسطيني. خبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية. نُشرت له مئات المقالات والتحليلات السياسية وتقديرات الموقف وأوراق العمل، بالإضافة إلى حضوره النشط في الوسائل المرئية والمسموعة.
| للاطلاع على ورقة السياسات بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: >> ورقة سياسات: استراتيجية الخروج من المأزق الفلسطيني … أ. عاطف الجولاني |
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2026/9/21
آخر تحديث: 2026/9/22
أضف ردا