مدة القراءة: 19 دقائق

إعداد: أ. د. وليد عبد الحي.[1] 
(خاص بمركز الزيتونة). 

مقدمة: 

شكّلت الثورة الإيرانية نقطة تحول في تاريخ الصراع الدولي حول مضيق هرمز، فبعد قيام الثورة بنحو خمسة أعوام تواترت الأنباء حول ما سمي حينها بـ”حرب الناقلات”، والتي امتدت خلال الفترة 1984-1988، حيث هاجمت كل من إيران والعراق السفن التجارية خلال الحرب بين البلدين، كما تمّ زرع ألغام بحرية استهدفت سفناً تابعة لدول المنطقة، وترتب على ذلك التدخل الأمريكي لحماية ناقلات النفط، خصوصاً الكويتية منها، وحدوث مواجهات مباشرة مع القوات البحرية الإيرانية، والتي كان أبرزها عملية فرس النبي Operation Praying Mantis سنة 1988، ثم تلاها عمليات احتجاز سفن في السنوات 2015 و2019 و2021…إلخ. وارتبطت هذه الأحداث بالحرب العراقية الإيرانية من ناحية، وبتصاعد الخلافات بين إيران والولايات المتحدة بشكل رئيسي من ناحية ثانية، وهو ما يعني أنّ المواجهات خلال سنة 2026 في المضيق هي تتويج لصراع ممتد منذ ما يقارب نصف القرن.[2]


للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة علمية: مستقبل مضيق هرمز … أ. د. وليد عبد الحي (21 صفحة، 2.1 MB)

ونظراً لأهمية المضيق الاقتصادية في مجال تصدير الطاقة (النفط والغاز) حيث يحتل المرتبة الثانية بعد مضيق ملقا في حجم ما يَعبُره، ولأهميته السياسية كجوار لدول حليفة للولايات المتحدة ولها خصومة مع إيران، ولأهميته العسكرية نظراً لقربه من مناطق تواجد قواعد عسكرية أمريكية في المشرق العربي بشكل خاص، تكررت المواجهات التي وصلت ذروتها في سنة 2026، وهو ما انتهى إلى تراجع نسبة الحركة التجارية في المضيق بشكل يكاد أن يكون إغلاقاً تاماً.[3]

أولاً: مستقبل التكييف القانوني في مضيق هرمز بين المرور العابر والمرور البريء:

من الطبيعي أن تسعى الدول المتصارعة في العلاقات الدولية للاتكاء على تكييف قانوني Legal qualification لتبرير ما تقوم به، وليكون ذلك سنداً، من منطلق معياري بحت، للدوافع السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تدفع الدول باتجاهات محددة. وعليه، فإن إغلاق أو فتح أو وضع ترتيبات جديدة مستقبلاً لتنظيم المرور في مضيق هرمز سيتم من خلال موازين القوى بين الأطراف من ناحية، والقدرة من ناحية أخرى على تدعيم المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية بغطاء قانوني خصوصاً حقوق الأطراف المتصارعة في استخدام المضيق، ثم ربط البعد القانوني الخاص بقوانين البحار لتحديد هل هو مضيق دولي أم بحر داخلي أم يخضع لقانون المرور العابر Transit Passge أو المرور البريء Innocent Passage، مع الربط بكيفية معينة بين قواعد قوانين البحار وبين قواعد القانون الدولي الخاصة بقوانين المنازعات المسلحة.

يُعرف القانون الدولي في اتجاهاته المركزية المضيق الدولي بأنه “الممر البحري الذي يصل بين مياه دولية”، وعليه يرى هذا الاتجاه أنّ مضيق هرمز الذي يصل بين بحر العرب والمحيط الهندي من ناحية وبين الخليج من ناحية ثانية هو “مضيق دولي”، وفي هذه الحالة فإنّ عبوره، من وجهة نظر هذا الاتجاه القانوني، يخضع لما يسمى حقّ “المرور العابر”، أي أنه متاح لعبوره من كل الدول دون أيّ قيود من أيّ جهة كانت.

لكن المشكلة أن تضاريس هذا المضيق في بعض خصوصياته تجعل الأمر مثيراً للالتباس ويشكك في صحة هذا التكييف القانوني، وهو ما يتضح في الأبعاد التالية:[4]

1. كانت مساحة المياه الإقليمية هي 3 أميال بحرية منذ القرن الثامن عشر، وعند عقد اتفاقية جنيف لقانون البحار سنة 1958 (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS)) بقيت على حالها، واستقر القانون الدولي في سنة 1982 إلى زيادتها إلى 12 ميلاً بحرياً لكل دولة مشاطئة لمياه المضيق،[5] ولما كان مضيق هرمز، في أضيق نقطة منه، يمتد لـ 21 ميلاً بحرياً، وتشارك دولتان هما إيران وسلطنة عُمان في شواطئه، ولكل منهما مياه إقليمية تمتد ل 12 ميلاً بحرياً، فهذا يعني أنّ المضيق أصبح موزعاً على ثلاثة أجزاء:

• ممر إيراني شمالاً يمتد 12 ميلاً بحرياً.

• ممر عماني جنوباً يمتد 12 ميلاً بحرياً.

• ممر تتداخل فيه المياه الإقليمية الإيرانية بالعمانية وعرضه نحو 3 أميالٍ بحرية، لأن عرض المضيق كله 21 ميلاً بحرياً أقل من مجموع امتداد المياه الإقليمية للدولتين وهو 24 ميلاً بحرياً، مما يوجِد هذا التداخل.

2. نظراً لازدحام الحركة في المضيق إذ يصل المعدل اليومي إلى 138 سفينة،[6] فإن المنظمة البحرية الدولية اعتمدت نظاماً يسمى “فصل الحركة البحرية Traffic Separation Scheme” سنة 1968، وهو ما يقتضي تخصيص ممرات ثلاثة أحدهما للدخول وآخر للخروج مع فاصل بينهما لمنع التصادم والازدحام، وهو ما وافقت عليه كل من إيران وسلطنة عُمان.

3. هناك تفاوت في عمق المياه بين مكان وآخر في المضيق، وهو ما يجعل بعض المناطق لا تصلح لعبور الناقلات العملاقة نظراً لانخفاض منسوب المياه فيها، وهو ما يحتاج لترتيبات تدركها إيران وتعمل على استثمارها لتعزيز مطالبها، فليست كل أجزاء الساحل العماني مناسبة لمرور مختلف أحجام الناقلات الضخمة، وهو ما يمنع نقل مرور السفن العملاقة للممر العماني، فعلى سبيل المثال إن السفن العملاقة التي يتراوح غاطسها بين 15-22 متراً تحتاج لممرات مياه عميقة، بل إنّ الممر العماني يحتوي في مواقع عدة على صخور تزيد من مخاطر المرور بدرجة عالية.

4. نظراً لانتشار الجزر التابعة لإيران في فم المضيق وحوله، فإن القدرة التحكمية الإيرانية بالمضيق عالية للغاية، فهناك 11 جزيرة إيرانية في المضيق ومداخله ومخارجه (لارك، هرمز، هنكام، طنب الصغرى، طنب الكبرى، ابو موسى، قشم، كيش، لاوان، فارور، اضافة إلى خارك في اقصى الخليج مقابل السواحل الكويتية)، ولما كان لكل جزيرة فضاء إقليمياً يمتد لـ 12 ميلاً بحرياً، فإن ذلك يجعل القدرة الإيرانية أكبر، ناهيك عن إسناد الموقف القانوني الإيراني من اتساع المياه الإقليمية بسبب هذه الجزر.

5. من الضروري التمييز بين العرض الطبيعي للمضيق وبين عرض الممر الملاحي وخصوصاً الذي يصلح لمرور الناقلات العملاقة، فمثلاً يعدّ مضيقي البوسفور (الممر البحري للسفن التجارية أقل من كيلومتر) والدردنيل (نحو 1-2 كم) هما الأضيق في الممرات الملاحية للسفن التجارية الكبيرة، بينما باب المندب يصل إلى امتداد بين 16-20 كم، في حين يضيق العرض للسفن العملاقة في مضيق هرمز إلى 3.7 كم في ممرين بينهما منطقة فاصلة.

ثانياً: إشكالية المرور العابر والمرور البريء:

تشكّل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982، التي أشرنا لها أعلاه، المرجعية الأهم لتعريف وتحديد شروط كلّ من المرور العابر والمرور البريء (المواد من 17-32 الخاصة بالمرور البريء، والمواد 37-44 الخاصة بالمرور العابر)، كما أنّ المواد من 34-53 توضّح الجوانب التفصيلية للمفهومين.[7] وبناء على تلك الاتفاقية ومناقشات فقهاء القانون الدولي، يمكن الإشارة للجوانب التالية وربطها بمضيق هرمز:

تعريف المفهومين: يُعرَّف المرور البريء بأنّه “حقّ تتمتّع به جميع السفن مدنية أو عسكرية للمرور من المياه الإقليمية لدولة ساحلية شريطة أن يكون المرور متواصلاً وسريعاً ودون توقّف، ولا يتسبب في الأضرار بأمن وسلامة أي من مكونات الدولة الساحلية، ولا يتضمن أي استخدام للقوة أو أعمال التجسس أو الصيد أو التلوث المتعمّد أو إجراء مناورات عسكرية” (المادة 19).

أما المرور العابر، فهو حقّ السفن والطائرات العبور أو التحليق المستمر والسريع في المنطقة الواصلة بين جزء وآخر من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة (المواد 37-44).

ويترتب على التعريفين السابقين عدة استنتاجات:

• منع الدولة الساحلية للمضيق من تعليق حقّ المرور العابر.

• إنّ المرور العابر يشمل الطائرات والسفن معاً.

• كِلا الحقَّين (العابر والبريء) يستوجبان عدم التهديد بالقوة واحترام قواعد السلامة البحرية.

• يتم تطبيق المرور العابر في المضائق الدولية، بينما يتم تطبيق المرور البريء في البحر الإقليمي بشكل عام.

ذلك يعني أنّ المرور البريء مرتبط بالأبعاد الأمنية بشكل أكبر، وهو ما يعزز الموقف الإيراني في الموقف الراهن في مضيق هرمز، فاستخدام القوة المفرطة من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل” أو توظيف القواعد الأمريكية في المنطقة والتباحث مع دول أخرى في أوروبا لتعزيز التواجد العسكري في المضيق أو التهديد الدائم، خصوصاً من الولايات المتحدة، باستخدام القوة والقيام بأعمال التجسس والتحريض على النظام السياسي وتزويد المعارضة الإيرانية بالسلاح، تجعل من حقّ إيران التحكم بالمضيق، خصوصاً أنّ المضيق يقع في معظمه في المياه الاقليمية الإيرانية سواء إذا تمّ القياس على أساس الـ 12 ميل بحري للمياه الإقليمية، أم إذا تمّ إضافة المياه الإقليمية المحيطة بالجزر الإيرانية، علماً أنّ هذه الجزر تتجاوز مساحتها الإجمالية 1,600 كم2.[8]

ويمكن تحديد الأسس التي تعتمدها إيران للتشبث بموقفها على تطبيق المرور البريء في الآتي:[9]

1. نظراً لعدم عضوية إيران في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها ترى أنّ نظام “المرور العابر” الوارد في الاتفاقية هو نظام تعاقدي لا يلزم الدول غير المنضمة إليها. وهو ما يستوجب تطبيق حق “المرور البريء”، الذي يتضمن منح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع في تنظيم المرور عبر المضيق.

2. لم تقبل إيران في أي وقت منذ اتفاقية الأمم المتحدة اعتبار ما درج عليه أغلب الفقه الغربي في القانون الدولي على اعتبار حقّ المرور العابر بأنه “قاعدة عرفية”، وهو ما يعفي إيران من الالتزام بهذه القاعدة حتى لو أصبحت قاعدة قانونية عرفية، عملاً بتطبيق قاعدة “المعترض الدائم Persistent Objector”، والتي هي قاعدة إجرائية تتيح للدولة عدم الالتزام بأي قاعدة جديدة من قواعد القانون الدولي العرفي، شريطة أن تعلن الدولة المعنية اعتراضها بوضوح وبصورة مستمرة ومتّسقة منذ بدء تكوين وتشكّل تلك القاعدة العرفية، وألا ينطبق المبدأ على القواعد القانونية الآمرة.[10]

3. إنّ مضيق هرمز يقع بكامله ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان، فبما أنّ عرض المضيق عند أضيق نقطة يقارب 21 ميلاً بحرياً، فإنّ كامل المضيق يقع ضمن البحر الإقليمي لإيران وعُمان (12 ميلاً بحرياً لكل منهما)، ومن ثم تؤكد إيران أنّ لها سيادة إقليمية على الجزء الواقع ضمن مياهها.

4. يمنح القانون الدولي أيّ دولة ساحلية اتخاذ تدابير لحماية أمنها، وبالتالي يجوز لها تقييد مرور السفن أو مطالبة السفن الحربية بالإخطار أو الإذن المسبق إذا رأت تهديداً لأمنها.

5. من الضروري الربط بين قانون البحار وبين قانون النزاعات الدولية، ولا يجوز تطبيق أيّ منهما دون الآخر في حالة الوقائع التي يتم فيها الأخذ بهذين الجانبين. وعليه، فإنّ حالة الحرب القائمة بين إيران وكل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، تستلزم عدم تطبيق قواعد قانون البحار بمعزل عن قانون النزاعات المسلحة، بل يجب الجمع بينهما، وهو ما يمنح إيران الحق في فرض قيود على بعض السفن المرتبطة بدول معادية لها.

6. السوابق التاريخية: لعل العودة إلى تطور القانون الدولي يشير إلى أنّ حقّ المرور البريء الذي تطالب إيران بتطبيقه على مضيق هرمز كان معمولاً به وتم تطبيقه، ويكفي الإشارة إلى أنّ الدول العربية ساندت مصر في سنة 1967 عندما اعتمدت حقّ المرور البريء في مضائق تيران، كما أنّ محكمة العدل الدولية International Court of Justice (ICJ) حكمت بحق المرور البريء في مضيق كورفو سنة 1949 بصفته مضيقاً يقع بين ألبانيا واليونان ويصل بين المياه الإقليمية اليونانية وبين أعالي البحار،[11] وهو يتشابه في بعض الجوانب المهمة مع مضيق هرمز من حيث إنّ كليهما مضائق دولية تستخدم للملاحة الدولية، وأنّ كلّاً منهما تقع مياهه ضمن المياه الإقليمية للدولة المشاطئة له. وعليه فإنّ هذا المضيق يجب أن تنطبق عليه المادة 37 من اتفاقية الأمم المتحدة للبحار، لكنه ما زال يعمل ضمن المضائق التي تتمتع بحق المرور البريء، وهو ما فتح المجال أمام جدل فقهي بخصوص المادة 35، التي استثنت بعض الفئات من المضائق من نظام المرور العابر، إضافة للمادة 45 التي أبقت المرور البريء في أنواع معينة من المضائق استناداً للقانون العرفي الدولي أحياناً، وهو الرأي الذي يتبناه بعض الفقهاء في القانون الدولي. ويرى هؤلاء أنّ اتفاقية الأمم المتحدة 1982 لم تعطل المرور البريء بل أبقته في الفئات التي تستثنيها المادة 45، ناهيك عن النظام القانوني للمضيق يتوقّف على طبيعة كلّ مضيق وشروطه.[12]

فإذا أضفنا لذلك كله أنّ النظام الذي كان مطبقاً على مضيق هرمز هو المرور البريء، وفقاً للقانون العرفي واتفاقيات جنيف Geneva Conventions لسنة 1958، والتي كانت تتضمن حقّ الدولة الساحلية في السيادة على بحرها الإقليمي من ناحية، وحقّ السفن الأجنبية بالمرور البريء عبر البحر الإقليمي شريطة ألا يكون هذا المرور منطوياً على مخاطر تمس أمن الدولة الساحلية من ناحية ثانية. وجرى هذا التقليد في نماذج عدة، مثل موقف كلّ من إندونيسيا وماليزيا في مضيقَي ملقا وسنغافورة، إذ كانت كل منهما تؤكد على سيادتها على المضيق، وهو ما يستوجب إخضاع المرور لقواعد أقرب إلى المرور البريء. وهو ما يتعزز بنماذج تاريخية أخرى مثل موقف إسبانيا في مضيق جبل طارق، عندما كانت تطرح مواقف تمنحها دوراً أكبر في تنظيم الملاحة، كما أنّ مصر أغلقت مضيق تيران سنة 1967، وقيّدت المرور فيه خصوصاً للسفن الإسرائيلية،[13] كذلك طبقت كلّاً من تركيا والاتحاد السوفييتي اتفاقية مونترو Montreux Convention سنة 1936 عند مرور السفن السوفييتية خصوصاً الحربية منها، إذ كانت روسيا تُخطر تركيا مسبقاً بالمرور مع اشتراط مراعاة قيود حول نوعية ما تحمله السفينة.

لكن الملفت للنظر في هذه السابقة، أنّ الاتحاد السوفييتي فشل في إقناع تركيا بإقامة نظام إدارة مشتركة للمضائق في مؤتمر بوتسدام Potsdam Conference سنة 1945، وساندت الدول الغربية تركيا في موقفها الذي أكد على انفرادها بالسيادة على المضائق، وكان ذلك سبباً لانضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) The North Atlantic Treaty Organization (NATO) سنة 1952، بينما ترفض الدول الغربية حالياً موقف إيران الحالي القاضي بحصر إدارة مضيق هرمز بحكومتَي إيران وسلطنة عُمان على غرار ما جرى مع تركيا.[14]

وكما أشرنا سابقاً، فإن القوانين الدولية الخاصة بالبحار لا تنفصل عن قوانين النزاعات المسلحة، وهنا لا بدّ من التنويه بنقطتين هما:

1. إنّ الولايات المتحدة وإيران في حالة نزاع مسلّح، وهو ما يجعل التعامل مع حالة مضيق هرمز في حالة السلم مختلفاً عن التعامل معه في حالة الحرب، فإيران تعرضت لهجوم عسكري أمريكي مما يجعلها في حالة حرب مع الولايات المتحدة بداهة، إضافة إلى التعرّض الإيراني لحصار بحري أمريكي، وهو ما يدرجه القانون الدولي ضمن مظاهر العمل الحربي.

2. إنّ الولايات المتحدة سواء في عملها العسكري المباشر أم في حصارها البحري لإيران لم تنل تفويضاً من الأمم المتحدة، وخصوصاً من مجلس الأمن الدولي Security Council، وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما يضع السلوك الأمريكي في إطار أعمال العدوان.

بناء على ما ورد أعلاه من الناحية القانونية، فإنّ السلوك الأمريكي الذي لا يستند إلى تفويض من مجلس الأمن، وقيامها بمهاجمة إيران عسكرياً، يضع مشروعية أي حصار بحري تفرضه الولايات المتحدة موضع خلاف قانوني كبير، كما أنّ حق السفن الأمريكية في المرور عبر مضيق هرمز في أثناء نزاع مسلّح مع إحدى دول الساحل، ليس مسألة محسومة بنص واحد، بل يتأثر بتفاعل قواعد قانون البحار مع قواعد قانون النزاعات المسلّحة، وهو من أكثر موضوعات القانون الدولي البحري إثارة للنقاش.

ذلك يعني أنّ مستقبل المضيق سيتأثر بالوضع القانوني الذي سيؤول له المضيق،[15] فإذا تمكنت إيران من تكريس ما كان عرفاً سائداً للمضيق قبل 1982 فإن نتائج ذلك هو الزيادة في الموقف القانوني الإيراني قوة، أما إذا تمّ فرض تطبيق المرور العابر على المضيق وقبلت به إيران، فإن ذلك سيرتب تداعيات معاكسة للطموحات الإيرانية المستقبلية.

ثالثاً: مستقبل التحول الجيوستراتيجي لطرق نقل الطاقة كانعكاس للأزمة الحالية:

أثارت أزمة المرور البحري في مضيق هرمز، وما ترتب عليها من اضطراب في أسواق الطاقة (النفط والغاز)، وانتقال هذه الآثار إلى الاقتصاد العالمي بشكل عام، طرحاً يناقش موضوع البحث عن طرق بديلة لمضيق هرمز. وتمثّلت هذه الطروحات في البدائل التالية:[16]

1. خط أنابيب نفطي Petroline لنقل نفط المنطقة الشرقية من السعودية إلى ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، وهو البديل الذي يعدّه المراقبون البديل الأنسب.

2. خط أنابيب يربط أبو ظبي بميناء الفجيرة، وذلك بنقل مباشر للنفط الإماراتي إلى خليج عُمان.

3. التوسّع في استخدام موانئ البحر الأحمر خصوصاً ميناء ينبع السعودي.

4. التعويض في الأسواق الدولية عن النفط الخليجي من خلال بديلين هما:

‌أ. تشجيع دول غير خليجية على زيادة إنتاجها لتعويض النقص في وصول النفط والغاز الخليجي، مثل الولايات المتحدة، والنرويج، والبرازيل، وكندا، وغويانا، ناهيك عن بعض دول منظمة الأوبك Organization of the Petroleum Exporting Countries (OPEC)، التي تقع خارج منطقة الخليج مثل الجزائر، وليبيا، ونيجيريا،…إلخ.

‌ب. استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية من الطاقة لدى الولايات المتحدة واليابان وبقية الدول التي لديها احتياطيات لتعويض النقص في إمدادات الخليج.

لكنّ هذه الاقتراحات تواجه عدداً من المشكلات على النحو التالي:

1. إنّ خط الأنابيب السعودي المقترح لا يستطيع استيعاب الناتج النفطي السعودي الكبير من ناحية، كما أنه لا يفيد بقية دول الخليج الأخرى، مما يبقي المشكلة قائمة في جوانبها الرئيسية.

2. إنّ قدرة خط أنابيب أبو ظبي لا تستفيد منه إلا الإمارات العربية، وقدرته على الاستيعاب محدودة إذا قيس بحجم الإنتاج النفطي لدول مجلس التعاون الخليجي مضافاً لها العراق.

3. إنّ الوضع الأمني في البحر الأحمر يجعل الاستعانة بميناء ينبع السعودي أكثر خطورة خصوصاً بعد الهجمات اليمنية على السفن السعودية في اتجاه هذا الميناء أو على طول امتداد البحر الاحمر.

4. إنّ الطلب من الدول خارج الخليج تعويض النقص يحتاج لفترة كافية من الزمن لإنشاء البنية التحتية لزيادة الإنتاج وضمان نقلها وإيصالها للمستهلك، وهو أمر قد يتسبّب في مشكلات كثيرة، خصوصاً أنّ الطلب من بعض الدول لزيادة إنتاجها قد لا يتّسق مع التوجهات السياسية لهذه الدول، بل إنّ زيادة الإنتاج الروسي مثلاً سيضرّ بالتوجهات الأوروبية تجاه روسيا.

5. إنّ الاتكاء على الاحتياطات قد يقود لنتائج أسوأ إذا طال الإغلاق في مضيق هرمز وأوشكت الاحتياطيات على النفاذ، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع حدوث أزمات اقتصادية أو بيئية معينة.

6. من الواضح أنّ مشكلة قطر في تصديرها للغاز تمثّل الجانب الأعقد، لأن قطر تصدر معظم إنتاجها الغازي عبر هرمز، ولا تتوفر أنابيب بديلة وذات طاقة استيعابية موازية لما هو قائم. وتشير بعض الدراسات،[17] إلى أنّ فتح مضيق هرمز لا يعني العودة إلى مستويات التصدير في فترة ما قبل الحرب مباشرة، لأن إزالة المخاطر العسكرية سيترافق معها عقبات فنية وتجارية وتأمينية وسياسية ستؤخر العودة للمستويات السابقة، ولعل التأمين والشحن هو الأكثر وضوحاً في هذا الجانب، إذ ستبقى أقساط التأمين البحري مرتفعة نظراً للهاجس الأمني، كما أنّ بعض الحقول وخطوط الأنابيب ومحطات التصدير تحتاج إلى فترة للإصلاحات والفحوص الفنية، ناهيك عن الحاجة لوقت لتشغيل المنشآت وسلاسل الإمداد، مع التأكيد على أنّ تعويض النفط من مصادر خارج منطقة مضيق هرمز أيسر كثيراً من تعويض نقص الغاز المسال، الذي يصعب تعويضه من مصادر أخرى.

7. الطرق البديلة تبقى أسيرة عدم الاستقرار السياسي في الإقليم كله: لكي نوضح هذه الفكرة، دعونا نرصد معدل الاستقرار في دول الإقليم الذي ينتمي له مضيق هرمز، إذ تشير كافة نتائج مؤشرات السلام أو الاستقرار السياسي إلى تواصل التدهور في أغلب دول العالم، وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، ومن غير الممكن الفصل بين أمن النقل البحري أو البري أو حتى الجوي وبين البيئة الإقليمية، فكافة الطرق البرية أو البحرية التي يمكن أن تطرح تمر في مناطق مضطربة لا تغري على توظيفها كبديل لمضيق هرمز، فالدول المشاطئة للبحر الأحمر، أو الدول التي يمكن مدّ خطوط أنابيب عبر برها مثل سورية أو العراق أو لبنان أو الأردن أو فلسطين (“إسرائيل”) أو باكستان هي دول تقع في أكثر مناطق العالم من حيث عدم الاستقرار، منذ عشر سنوات وحتى الآن. ويكفي تأمل الجدول التالي لمعرفة البيئة الإقليمية التي تحيط بالطرق البديلة إقليمياً لمضيق هرمز:[18]


جدول رقم 1: مؤشر السلام العالمي لسنة 2025 حسب الإقليم

الرقم الإقليم الجيوسياسي مؤشر السلام
(من 1: أعلى درجات الاستقرار، إلى 5: أدنى درجات الاستقرار)
1 غرب ووسط أوروبا 1.588
2 إقليم الهادئ الآسيوي 1.882
3 أمريكا الشمالية والوسطى 2.157
4 أمريكا الجنوبية 2.180
5 شرق أوروبا وآسيا الوسطى 2.213
6 جنوب الصحراء الإفريقية 2.299
7 جنوب آسيا 2.310
8 الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2.377

ويكشف جدول رقم 1، أنّ المناطق المقترحة للطرق البديلة لمضيق هرمز هي مناطق فيها أعلى درجات عدم الاستقرار، مما يعني أنّ أمن العبور فيها بأي شكل من الأشكال غير متحقّق، وهو خاضع لمراهنات عالية المخاطر.

من جانب آخر، ينظر بعض الدارسين للعلاقات الدولية من زاوية المكاسب التي تحققها روسيا من إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يدفع الكثير من الاستراتيجيين الغربيين إلى البحث في تسوية الأزمة بسرعة، ما يضعف السعي لإيجاد منافذ أخرى غير هرمز للنفط الخليجي، ومن أبرز المكاسب الروسية:[19]

1. ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي إلى أنّ روسيا كأحد أكبر مصدِّري النفط والغاز ستحصل على مردود مالي أعلى يساعدها في تجاوز آثار العقوبات الغربية وتمويل حربها الأوكرانية.

2. صرف الأنظار الدولية بقدر ما عن الحرب الأوكرانية خصوصاً الحروب الإعلامية والسياسية.

3. إنّ اشتداد الأزمة مع إيران يستهلك الكثير من الذخائر والمعدات التي كانت أوكرانيا وأوروبا تنتظر نقلها إليها.

4. إنّ أزمة مضيق هرمز تمنح روسيا موقفاً تفاوضياً أفضل في الشأن الدولي، فتعدّد الأزمات يمنحها هامشاً لربط القضايا الدولية واستغلال ترابطاتها.

5. إنّ أزمة مضيق هرمز أضرّت جوانب سلعية أخرى غير النفط والغاز مثل الأسمدة وبعض السلع الأولية، وهو ما يتيح لروسيا فرصة لاستغلال فرصة الزيادة في الطلب على سلعها البديلة لما كان سيمر من خلال مضيق هرمز.

6. إن إضعاف إيران أكثر سيقود إلى زيادة الاعتماد الإيراني على روسيا، وهو ما يمنح روسيا فضاء استراتيجياً أوسع.

رابعاً: مستقبل مكانة بترول الخليج في أسواق الطاقة:

كما هو معروف، فإنّ الخليج، عبر مضيق هرمز، يشارك في نحو خُمس الأسواق النفطية العالمية، وقد تتراجع هذه المسألة بفعل عوامل أخرى (إضافة لما ذكرناه) من ناحيتين:

1. تزايد نصيب بدائل الطاقة النفطية في تغطية الاحتياجات العالمية: تشير المعطيات المتوفرة أنّ النفط حظي بنصيب يصل إلى 46% من سوق الطاقة مع بداية السبعينيات، لكنه تراجع نتيجة للتوسع في استخدام الغاز ونمو الطاقة المتجددة والعودة للطاقة النووية تدريجياً، إضافة للتزايد في كفاءة استخدام الطاقة، وبلغ نصيبه حالياً أقل من 30%، أي أنّ الاتجاه نحو التراجع هو اتجاه خطي Linear،[20] وهو ما يعني التراجع بمعدل يقارب نحو 1% كل ثلاثة أعوام، فإذا أخذنا في الاعتبار التسارع في تطور التكنولوجيا التي تستخدم بدائل النفط، فإن المعدل قد يصل إلى 1.5% كل ثلاثة أعوام، وقد يزداد التسارع في هذا الاتجاه خصوصاً إذا استمر المأزق في المضيق في التكرار بين فترة وأخرى. وتشير وكالة الطاقة الدولية أنّ قطاع النقل يستهلك أكثر من نصف النفط تقريباً عالمياً، لكن التحول في هذا القطاع نحو السيارات والشاحنات الكهربائية سيؤدي طبقاً للوكالة إلى خفض الطلب على النفط بمعدل 9-10 مليون برميل يومياً مع سنة 2035، ناهيك عن التزايد في استخدام الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح وتزايد الأبحاث التكنولوجية في هذه البدائل، خصوصاً الهيدروجين الأخضر والوقود الحيوي والاندماج النووي.[21]

2. تراجع حصة دول مضيق هرمز من سوق النفط العالمي (دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق) على الرغم من أنها ما تزال تحتفظ بمركز الصدارة في الترتيب، وتناقصت حصة دول مضيق هرمز نتيجة الارتفاع في الناتج النفطي الصخري في الولايات المتحدة، ونمو الإنتاج الروسي، وتوسّع الإنتاج في البرازيل وكندا والنرويج…إلخ، ويكفي أن نشير إلى أنَّ حصة دول المضيق من الناتج العالمي كانت سنة 1973 تعادل 37.1% من الناتج العالمي، لكنها تراجعت، ولو بشكل متذبذب، إلى 32% سنة 2022. لكن الأهم هو أنّ حصة مضيق هرمز من تجارة النفط العالمية “البحرية” تراجعت من 60% سنة 1980 إلى 20%.[22]

3. تأثير التنافس المحتمل مستقبلاً بين المشروع الصيني (الحزام والطريق) China’s Belt and Road Initiative (BRI) والمشروع الهندي (الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي) India’s India–Middle East–Europe Economic Corridor (IMEC) على مكانة مضيق هرمز، إذ ترى بعض الدراسات[23] أنّ المشروع الهندي يسعى لتنويع طرق التجارة والطاقة وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية مثل هرمز وقناة السويس، وهو ما يتماثل مع المشروع الصيني في السعي لتنويع طرق التجارة والنقل بزيادة الاعتماد على طرق التجارة البرية بدلاً من البحرية، لكن كل ذلك سيجعل التأثير نسبياً على مضيق هرمز إلا في حالات “عسكرة” الطرق التجارية بدافع الحماية، وهو ما تعززه دراسات مختلفة، والتي تشير إلى بناء الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ 2017، وكلما نحت السياسات نحو العسكرة ارتفعت المخاطر على دول الإقليم وعلى دور مضيق هرمز.[24]

4. الضغوط على إيران: تشير أغلب التقديرات إلى انخفاض حاد في صادرات إيران، خصوصاً النفطية منها، فإيران تحولت حالياً للتصدير من خلال ميناء جاسك الواقع على خليج عُمان، لكن هذا الميناء يعد مكملاً وليس بديلاً عن ميناء خرج الرئيسي، ولعل ذلك سيدفع، كعامل مساعد، إيران لتقديم بعض التنازلات غير الاستراتيجية، مما ييسر عودة الوضع في المضيق لحالته السابقة، لكن ذلك لن يتم مباشرة.

خامساً: المنظور الإسرائيلي لمستقبل المضيق:

تميل الأدبيات السياسية الإسرائيلية إلى اعتبار مضيق هرمز في التقييم الاستراتيجي العام بأنه “ذخر Asset” لإيران، وقد أشارت دراسات إسرائيلية لذلك منذ نحو عقد ونصف وإلى الآن، وهو ما يعني ضمنياً أنّها لن تتورّع عن مساندة المتغيرات التي تقلّل من أهمية المضيق، لأن في ذلك نتائج مثل:[25]

1. إفقاد إيران ورقة ضغط إغلاق المضيق للتأثير على دول العالم باتجاه مصالح إيران.

2. ضعف التأثير على الأسواق النفطية وغير النفطية بما يخفّف من نزوع الدول لمحاولة استرضاء إيران.

3. تعزيز احتمالات التفكير بـ”إسرائيل” كممر بديل، خصوصاً للمشروعات الدولية التي تمر بالخليج، مثل مشروع الحزام والطريق الصيني أو الممر الهندي الأوروبي.

4. تراجع أعباء الصدمات النفطية، وهو ما يعزّز فرص النمو الاقتصادي الإسرائيلي.

أما زيادة أهمية المضيق وتنامي التحكم الإيراني فيه، فهو تطوّر تراه “إسرائيل” سلبياً للأسباب التالية:

1. زيادة قدرة الردع الإيرانية من خلال التهديد بإغلاق المضيق.

2. قد يؤدي التهديد بالإغلاق إلى ضغط دول العالم على “إسرائيل” للامتناع عن الاحتكاك بإيران.

3. تعزيز مكانة إيران التفاوضية من خلال توظيف المضيق.

لكن زيادة تحكم إيران بالمضيق، قد يدفع دول عربية لمزيد من التطبيع مع “إسرائيل”، بل قد يورّط إيران في مزيد من المواجهات العسكرية مع أطراف دولية متضررة من أزمة المضيق، وهو ما تعدّه “إسرائيل” مكسباً لها.

سادساً: البجعة السوداء:

كما أشرنا أكثر من مرة إلى أنّ سيناريو “البجعة السوداء” هي ما يصفه بعض الباحثين بأنها “المتغيّر قليل الاحتمال ولكنه عميق التأثير”، وفي حالة مضيق هرمز يمكن أنّ تتمثّل البجعة في المظاهر المحتملة قليلاً وعظيمة التأثير، التي يعزّز بعضها أهمية المضيق بينما بعضها الآخر قد يقلّص من أهميته:[26]

1. ما يعزز أهمية المضيق: مثل وقوع هجمات أو كوارث بيئية تعطل خطوط الإمداد البري الواصل لبعض الموانئ السعودية أو الإمارات…إلخ، أو اكتشاف احتياطيات نفطية استثنائية في المياه الخليجية تزيد من نسبة الطاقة التي تمر من المضيق، أو وقوع نكسات في التطور التكنولوجي في بدائل الطاقة، أو انهيار مناطق إنتاج نفط منافسة للخليج مثل روسيا أو غرب إفريقيا أو أمريكا اللاتينية…إلخ، كما أنّ التوصل لتسوية الصراع الخليجي الإيراني سيعزز من مكانة المضيق ويتحوّل لنقطة تعاون.

2. ما يقلّص أهمية المضيق: مثل اختراق تكنولوجي يجعل من النفط مادة غير مواتية للتكنولوجيا الجديدة، مثل ظهور بطاريات فائقة الكثافة أو اندماج نووي تجاري أو وقود صناعي منخفض التكاليف، أو التمكّن من إنشاء طرق نقل ضخمة وسريعة تتجاوز المرور بالمضيق، أو حدوث انهيار اقتصادي عالمي يقلل من الطلب على النفط، أو اكتشاف مراكز لإنتاج النفط خارج منطقة الخليج ككل. كما أنّ احتمالات اشتعال حرب إقليمية تمتد طويلاً (على غرار الحرب الإيرانية العراقية) بين إيران و”إسرائيل” أو إحدى دول الخليج قد تقلّص أكثر من الاعتماد الدولي على المضيق.

الخلاصة:

تشير المعطيات المتضاربة في دلالاتها إلى أنّ مضيق هرمز لن يفقد أهميته في المدى القريب، على الرغم من أنّ نصيب ما ينقله بحرياً من مصادر النفط والغاز تراجع قياساً للمراحل التاريخية السابقة، لكن البدائل عن مضيق هرمز من طرق التجارة، خصوصاً البرية منها، تمر غالباً في بيئات إقليمية غير مستقرة، كما أشرنا، كما أنّ المنافسات الدولية قد تعزّز الإرباك الذي يعطّل دور المضيق كممر تجاري بحري نتيجة التنافس الدولي.

إنّ حجم الضرر الاقتصادي على دول الخليج متفاوت من دولة خليجية لأخرى، وهو ما يجعل الضغط على كلّ منها متبايناً، وهو أمر قد يؤثر نسبياً على مواقفها، فهناك دول ثلاث هي الأكثر تضرراً (قطر، والكويت، والبحرين) وتليها العراق، بينما تعد الإمارات والسعودية وعُمان الأقل تضرراً.[27]

من جانب آخر، فإن التوصل إلى تسويات سياسية وقانونية حول حقوق الدول الساحلية في المضيق سيعزز من دور المضيق، وهو أمر يعتمد على مجمل السياسات الإقليمية وتداعياتها سواء الصراع العربي الصهيوني أم التنافس الدولي أم العلاقات غير المستقرة بين دول الخليج وإيران.

من جانب جيوستراتيجي، فإنّ نتائج الصراع على تثبيت أو نفي تطبيق حقّ المرور البريء على مضيق هرمز هي ما سيحدّد أحد جوانب المستقبل الاستراتيجي الإقليمي لإيران.

إنّ المعركة القائمة حول مضيق هرمز لا تقل أهمية عن معركة السلاح النووي لإيران، وهو ما يعني أنّ إيران ستحاول توظيف نتائج الصراع على المضيق من خلال تعزيز المتغيرات التي تحمي المكانة الاستراتيجية للمضيق، وتضييق فرص المتغيرات التي تعزز تراجع مكانته، وهو ما يمكن تتبعه لفهم السياسات الإيرانية المستقبلية في هذا الجانب تحديداً، وعليه، فإنّ “إسرائيل” ستعمل على تعزيز المتغيرات الكابحة لمكانة هرمز الاستراتيجية، بينما ستعمل إيران على خلاف ذلك، وهو ما يعني أنّ جبهة جديدة بين الطرفين ستتواصل بأشكال واستراتيجيات مختلفة.

ومن الواضح أنّ مكاسب “إسرائيل” من تراجع أهمية المضيق تعلو على مكاسبها من تزايد قيمة المضيق، وهو ما يعني مساندة إضعاف التوظيف الإيراني للمضيق.

وتبقى تداعيات البجعة السوداء، إذا حدثت، عاملاً لا يجوز إغفال آثاره على مكانة المضيق ودرجة التوظيف الإيراني له في بناء استراتيجية إقليمية بشكل خاص.


[1] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.
[2] للتعرف على هذه التفاصيل، انظر:
David Roos, The Strait of Hormuz: A Timeline of Tensions, site of History, 13/3/2026, https://www.history.com/articles/7-historical-fights-over-strait-of-hormuz
[3] Mariel Ferragamo, The Strait of Hormuz: A U.S.-Iran Maritime Flash Point, site of Council on Foreign Relations (CFR), 15/7/2026, https://www.cfr.org/articles/strait-hormuz-us-iran-maritime-flash-point
[4] لمزيد من التفاصيل حول هذه النقاط، انظر:
Jean-Paul Rodrigue and Theo Notteboom, 5.4 – Maritime Transportation, site of The Geography of Transport Systems, https://transportgeography.org/contents/chapter5/maritime-transportation/; Ships’ routeing, site of International Maritime Organization (IMO), https://www.imo.org/en/ourwork/safety/pages/shipsrouteing.aspx; and World Oil Transit Chokepoints, site of U.S. Energy Information Administration (EIA), 3/3/2026, https://www.eia.gov/international/analysis/special-topics/world_oil_transit_Chokepoints
[5] United Nations Convention on the Law of the Sea, site of United Nations (UN), https://www.un.org/depts/los/convention_agreements/texts/unclos/unclos_e.pdf
[6] Thomas Copeland, Shruti Menon and Barbara Metzler, Dozens of ships head through Strait of Hormuz after US-Iran deal, site of British Broadcasting Corporation (BBC), 23/6/2026, https://www.bbc.com/news/articles/cx23rnzdgl8o
[7] United Nations Convention on the Law of the Sea, UN, https://www.un.org/depts/los/convention_agreements/texts/unclos/unclos_e.pdf
[8] الجزر الإيرانية داخل مضيق هرمز وخارجه: جغرافيتها الاستراتيجية وأهميتها بالنسبة لحركة التجارة العالمية، موقع عربي بوست، 18/3/2026، في: https://arabicpost.live/?p=1261992
[9] للمزيد من التفاصيل، انظر المناقشة القانونية في:
Soheil Golchin, How Iran Legally Frames Control Over the Strait of Hormuz: Law of the Sea Considerations and Applicable Naval Warfare Rules, site of Social Science Research Network (SSRN), 14/4/2026, https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=6519418; and Abd Alkreem Ismail, Can Iran Restrict Navigation in the Strait of Hormuz? “Between Treaty Law and Customary Uncertainty,” SSRN, 25/4/2026, https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=6645778
وللتعرف على موقف فقهاء القانون الدولي الإيرانيين، انظر:
Asghar Jafari-Valdani, “The Geopolitics of the Strait of Hormuz and the Iran-Oman Relations,” Iranian Review of Foreign Affairs, vol. 2, no. 4, Winter 2012, pp. 8–12; and Muhammad Asim Rafiq, Kanwal Riaz and M. Abu Bakar Chandia, The Strait of Hormuz and the Law of the Sea: The Strait of Hormuz Between Sovereignty, Diplomacy, and International Maritime Law, site of The International Journal of Research and Innovation in Social Science (IJRISS), 12/8/2025, https://rsisinternational.org/journals/ijriss/articles/the-strait-of-hormuz-and-the-law-of-the-sea-the-strait-of-hormuz-between-sovereignty-diplomacy-and-international-maritime-law/
[10] Moisés Montiel Mogollón, “The Consent-Based Problems Surrounding the Persistent Objector Doctrine,” Michigan Journal of International Law, vol.43, no.2, 2022, pp. 308–309.
[11] Judgment of 9 April 1949, 1 – Corfu Channel (United Kingdom of Great Britain and Northern Ireland v. Albania), site of International Court of Justice (ICJ), 9/4/1949, https://www.icj-cij.org/node/103099
[12] من بين الدراسات القانونية المهمة لهذا الموضوع، يمكن العودة إلى:
Yoshifumi Tanaka, The International Law of the Sea, 4th edition (Cambridge: Cambridge University Press, 2023), pp. 111–134; and Donald R. Rothwell and Tim Stephens, The International Law of the Sea, 3rd edition (Oxford: Hart Publishing, 2023), pp. 75, 272–276 and 297–302.
[13] Carl F. Salans, Gulf of Aqaba and Strait of Tiran, site of U.S. Naval Institute, December 1968, https://www.usni.org/magazines/proceedings/1968/december/gulf-aqaba-and-strait-tiran
[14] حول هذه المشكلة، انظر التفاصيل في أطروحة جامعية تركية:
Idlir Lika, “The Quest For Security: Soviet Union’s Demands From Turkey, 1945–1946” (Master’s thesis, İhsan Doğramacı Bilkent University, 2015), pp. 34–44, https://repository.bilkent.edu.tr/server/api/core/bitstreams/c67a45a1-a67b-4b20-8dc6-cddc4ec731af/content
[15] Marc Weller, The Strait of Hormuz, shipping, and law, site of Chatham House, 13/4/2026, https://www.chathamhouse.org/2026/04/strait-hormuz-shipping-and-law; Muneeb Hussain, Navigating Conflict: Legal Dimensions of Iran’s Control over the Strait of Hormuz, site of Junge Wissenschaft im Öffentlichen Recht, 2/4/2026, https://www.juwiss.de/31-2026/; and Mark Chadwick, What legal right does Iran have to ‘close’ the Strait of Hormuz?, site of Nottingham Trent University, 19/3/2026, https://www.ntu.ac.uk/about-us/news/news-articles/2026/03/expert-blog-what-legal-right-does-iran-have-to-close-the-strait-of-hormuz
[16] How long can Iran weaponise Hormuz?, site of The Economist, 3/8/2026, https://www.economist.com/middle-east-and-africa/2026/08/03/how-long-can-iran-weaponise-hormuz
[17] Clara Gillispie, Not So Strait-Forward: Hormuz, Iran, and the Future of Gulf Oil and Gas Flows, CFR, 9/7/2026, https://www.cfr.org/articles/not-so-strait-forward-hormuz-and-the-future-of-gulf-oil-and-gas-flows
[18] Global Peace Index 2025: Identifying and Measuring the Factors that Drive Peace, site of Institute for Economics & Peace (IEP), June 2025, https://www.economicsandpeace.org/wp-content/uploads/2025/06/GPI-2025-web.pdf
[19] حول هذه الجوانب، انظر التفاصيل في:
Nikita Smagin, What Does War in the Middle East Mean for Russia–Iran Ties?, site of The Carnegie Russia Eurasia Center, 6/3/2026, https://carnegieendowment.org/russia-eurasia/politika/2026/03/iran-russia-after-khamenei; Alexander Palmer and Sofiia Syzonenko, The Limits of Russia’s Friendship: How Moscow Sees the Iran Crisis, site of Center for Strategic and International Studies (CSIS), 8/6/2025, https://www.csis.org/analysis/limits-russias-friendship-how-moscow-sees-iran-crisis; and Jana Kobzová, From good to not good: The impact of the war in Iran on Russia, site of European Council on Foreign Relations (ECFR), 14/4/2026, https://ecfr.eu/article/from-good-to-not-good-the-impact-of-the-war-in-iran-on-russia
[20] Global Energy Review 2025: Oil, site of International Energy Agency (IEA), 24/3/2025, https://www.iea.org/reports/global-energy-review-2025/oil
[21] Energy Technology Perspectives 2026: Deployment of clean energy technologies, materials and fuels, IEA, 26/3/2026, https://www.iea.org/reports/energy-technology-perspectives-2026/deployment-of-clean-energy-technologies-materials-and-fuels
[22] لتتبع وضع مضيق هرمز في التجارة العالمية بشكل عام والتجارة النفطية بشكل خاص، انظر:
Linda Qaimmaqami (ed.), Foreign Relations of the United States, 1969–1976, Volume XXXVI, Energy Crisis, 1969–1974, site of Office of the Historian: U.S. Department of State, 2011, https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76v36; Strait of Hormuz disruptions: Implications for global trade and development, site of UN Trade and Development (UNCTAD), 10/3/2026, https://unctad.org/publication/strait-hormuz-disruptions-implications-global-trade-and-development; and World Oil Transit Chokepoints, EIA, 3/3/2026.
[23] Maha S.Kamel, “China’s Belt and Road Initiative: Implication for the Middle East,” Cambridge Review of International Affairs, vol. 31, no. 1, June 2018, pp.76–95; and Lojain Suliman, Yujun XU and Zhàoyuánqí, “The geopolitics of the belt and road initiative and IMEC in the Middle East,” Discover Global Society, vol. 4, no. 1, 2026, https://link.springer.com/article/10.1007/s44282-026-00420-8
[24] حول هذا الموضوع، انظر:
Cristina L.Garafola Stephen Watts and Kristin J. Leuschner, China’s Global Basing Ambitions, site of Rand Corporation, 8/12/2022, https://www.rand.org/pubs/research_reports/RRA1496-1.html
[25] انظر التفاصيل في:
Amos Yadlin and Yoel Guzansky, The Strait of Hormuz: Assessing and Neutralizing the Threat, site of Institute for National Security Studies (INSS), January 2012, https://www.inss.org.il/strategic_assessment/the-strait-of-hormuz-assessing-and-neutralizing-the-threat/; Tammy Caner and Pnina Sharvit Baruch, The Strait of Hormuz as a Key Theater of War—The Legal Dimension, INSS, 29/3/2026, https://www.inss.org.il/publication/hormuz-legal/; and 103FM, Iran unlikely to ever willingly surrender control over Strait of Hormuz, INSS expert claims, site of The Jerusalem Post newspaper, 9/8/2026, https://www.jpost.com/middle-east/iran-news/article-904950
[26] انظر التفاصيل في:
Mathieu Blondeel et al., “Global energy scenarios: A geopolitical reality check,” Global Environmental Change, vol. 84, no. 102781, January 2024, https://d2e1qxpsswcpgz.cloudfront.net/uploads/2023/12/Global-energy-scenarios-A-geopolitical-reality-check.pdf; and Joel Krupa and Cameron Jones, “Black Swan Theory: Applications to energy market histories and technologies,” Energy Strategy Reviews, vol. 1, no. (4), May 2013, pp. 286–290, https://www.researchgate.net/publication/257742410_Black_Swan_Theory_Applications_to_energy_market_histories_and_technologies
[27] Hormuz closure divides the fortunes of Middle Eastern oil states, site of TimesLIVE (Sunday Times newspaper), 6/4/2026, https://www.sundaytimes.timeslive.co.za/news/2026-04-06-analysis-hormuz-closure-divides-the-fortunes-of-middle-eastern-oil-states/

للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة علمية: مستقبل مضيق هرمز … أ. د. وليد عبد الحي (21 صفحة، 2.1 MB)

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 31/8/2026



جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من الأوراق العلمية: