إعداد: أ.د. أحمد مبارك الخالدي*.
(خاص بمركز الزيتونة).
إنّ ما يُسمّى زوراً بـ”قانون” إعدام الأسرى الفلسطينيين، سواء أكانوا من المدنيين أم من المقاومين للاحتلال والمكافحين من أجل التحرّر من الاحتلال طويل الأمد، يتناقض مع كلّ قواعد الشرعية التي تُقرّها الأعراف والقوانين الدولية.
فهذا التشريع، الذي يُطلق عليه الاحتلال باطلاً اسم “قانون”، أصبح بعد إقراره جزءاً من القوانين الإسرائيلية الباطلة والمتمرّدة على القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي، والأعراف الدولية التي تحكم الحروب الدولية وحروب التحرّر وتقرير المصير، والتي تكفل حماية حقوق الإنسان عموماً، وحقوق الأسرى خصوصاً في الحياة، سواء كان الأسير من المدنيين أم من المحاربين من أجل التحرّر من عبودية الاحتلال.
| للاطلاع على الرأي القانوني والسياسي بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: >> رأي استشاري: تقييم قانون الاحتلال الإسرائيلي لإعدام أسرى المقاومة والمدنيين الفلسطينيين في ضوء القانون الدولي… أ. د. أحمد مبارك الخالدي |
وبالتالي، فإنّ القانون الدولي، بفروعه المختلفة الناشئة عن الأعراف أو الاتفاقيات الدولية، باعتبارها المصدر الرئيسي للقانون الدولي، هو الذي يُحدّد مشروعية معاملة الأسير والحقوق الواجبة له، وأيّ عمل أو إجراء يخالف تلك القواعد من قِبَل الدولة التي لديها الأسير يُعدّ غير شرعي، ويشكل جريمة دولية. كما أنّ إصرار الدولة على ارتكاب مثل هذه الأفعال يمكن اعتبارها أعمال إرهابية من الدولة.
وبدايةً، الأسرى نوعان:
النوع الأول: هم الأسرى من المدنيين الذين لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، حتى لو كانوا عسكريين وليس لديهم سلاح، أو ألقو سلاحهم. وهؤلاء يحظر القانون الدولي، في الاتفاقيات الدولية العامة، الاعتداء على حقوقهم أو معاملتهم بقسوة.
النوع الثاني: أفراد القوات المسلحة أو الميليشيات المسلّحة الموصوفون في المادة الرابعة من اتفاقية جنيف Geneva Convention الثالثة لسنة 1949. وهؤلاء يُعاملون كأسرى حرب، ويتمتعون بالحقوق المذكورة في اتفاقية جنيف الثالثة، التي نصّت على أنّه لايجوز، ولا يُعتدّ، بالتنازل عنها وفقاً للمادة السابعة من الاتفاقية.
وإجمالاً، فإنّه وفقاً لحكم المادة الثالثة عشر من الاتفاقية، يُحظر على الدولة المحتجِزة للأسير القيام بأيّ تدبير من شأنه الاقتصاص من الأسير. كما تتحمّل الدولة الآسِرة مسؤولية أمن الأسير، وفقاً لما قرّرته المادة الثالثة والعشرون.
وباختصار القول في الحماية القانونية الدولية للأسرى، فإنّه طبقاً لجميع قواعد اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الأول، تُحظر أعمال الأخذ بالثأر ضدّ الأشخاص الذين تحميهم قواعد تلك الاتفاقيات، وكذلك الأعيان التي تحميها هذه المواثيق، ومنهم الأسرى من المقاتلين ومن المدنيين، ولا يجوز التنازل عن هذه الحماية إكراهاً أو طوعاً.
ولقد بيّنت اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949 بشأن معاملة الأسرى، والبروتوكول (الملحق) الإضافي الأول، وخصوصاً الباب الثالث، القسم الثاني، أنّ كلّ مقاتل يقع في أيدي الطرف الخصم يُعدّ أسير حرب، ويُعدّ تحت سلطة الدولة الآسِرة، وليس تحت سلطة الأفراد أو الوحدات العسكرية التي أسرته. وبالتالي، فالدولة هي التي تتحمّل مسؤولية ما يرتكبه جنودها بحق الأسير من أفعال مخالفة لقواعد القانون الدولي.
ووفقاً للاتفاقية، يتمتّع أسرى الحرب بحق معاملتهم معاملة إنسانية في جميع الأوقات. كما أنّ على الدولة التي تحتجز لديها أسرى أن تتكفّل بطعامهم ولباسهم بالقدر الكافي مجاناً، وتلتزم بأن تهيئ لهم مأوى مماثلاً لمأوى قوّاتها، وأن تقدّم للأسرى العناية الطبية التي تتطلّبها حالة الأسير الصحية.
كما قرّرت قواعد القانون الدولي حقوقاً للأشخاص الذين يشتركون في الأعمال العدائية ولا ينطبق عليهم الوضع القانوني لأسرى الحرب، وكذلك للأشخاص المدنيين الذين يتم أسرهم من قِبل العدو؛ فإنّهم يتمتّعون، إلى جانب الحقوق المذكورة في اتفاقية جنيف الرابعة، بضمانات أساسية بشأن احترام أشخاصهم، وحظر الاعتداء على حياتهم أو صحتهم أو كرامتهم، وتثبت لهم هذه الحقوق حتى في حال النزاع المسلّح غير الدولي.
ونجمل الأسانيد القانونية في القانون الدولي والاتفاقيات الدولية التي تقرّر الحقوق الأساسية للأسير، ومما جاء في اتفاقية جنيف الثالثة التالي:
• لقد أوجبت الاتفاقية معاملة الأسرى بإنسانية (المادة 13).
• واحترام أشخاص الأسرى (المادة 14).
• وعلى الدولة الحاجزة للأسرى إعاشتهم (المادة15).
• وتوفير المأوى الملائم لهم (المادة25).
• وأن توفّر للأسير التغذية الكافية (المادة 26).
• وأن توفّر للأسرى الملبس (المادة 27).
• وأن توفّر التدابير الصحية الضرورية (المادة 29).
• وأن توفّر الرعاية الطبية (المادة 30).
• وأن تتيح للأسير حرية ممارسة شعائره الدينية (المادة 34).
وقد أوردت اتفاقيتا جنيف الثالثة والرابعة والبروتوكولات الملحقة بهما، تفصيلاً للحقوق التي على الدولة الحاجزة للأسرى أن تلتزم بتوفيرها لهم.
وقواعد القانون الدولي التي تقرّر حقوق الأسرى هي قواعد قانونية آمرة ملزمة. ووفقاً للمادة 53 من اتفاقية فيينا Vienna Convention on the Law of Treaties، تُعرَّف القاعدة الآمرة الملزمة لكل الدول في القانون الدولي بأنّها: “القاعدة الإلزامية في القانون الدولي العام، المقبولة من قِبل المجموعة الدولية للدول في مجملها كقاعدة لا يسمح بمخالفتها، ولا يمكن تعديلها إلا بقاعدة جديدة في القانون الدولي يكون لها نفس الطابع الآمر الملزم”.
وكذلك أقرّت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة هذا المبدأ، وأكّدته الأمم المتحدة في العديد من قراراتها، نذكر منها على سبيل المثال قرار الجمعية العامة UN General Assembly رقم 2787 لسنة 1971، والقرار رقم 3103 لسنة 1973. وقد عدّت الجمعية العامة بموجب هذه القرارات أنّ نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية هو نضال شرعي، ويتّفق تماماً مع مبادىء القانون الدولي، وأنّ النزاع في مثل هذه الحالات يُعدّ نزاعاً دولياً مسلحاً بالمعنى الوارد في اتفاقيات جنيف، وبالتالي تنطبق عليه أحكام القانون الدولي.
وهو ما كرّره قرار الجمعية العامة رقم 3103 لسنة 1973 حيث نصّ على أنّ “النزاعات المسلحة التي تنطوي على نضال الشعوب ضدّ السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية يجب النظر إليها باعتبارها نزاعات دولية مسلّحة بالمعنى الوارد في اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949”.
ولقد تقرّر في المادة الخامسة من اتفاقية جنيف الثالثة أنّها “تنطبق هذه الاتفاقية على الأشخاص المشار إليهم في المادة الرابعة، ابتداءً من وقوعهم في يد العدو إلى أن يتم الإفراج عنهم وإعادتهم إلى الوطن بصورة نهائية”.
ووفقاً للمادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة، فإنّ:
أ. أسرى الحرب بالمعنى المقصود في هذه الاتفاقية، هم الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو:
1. أفراد القوات المسلّحة لأحد أطراف النزاع، والمليشيات أو الوحدات المتطوّعة التي تُشكّل جزءاً من هذه القوات المسلحة.
2. أفراد المليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليم محتلاً، على أن تتوفّر الشروط التالية في هذه المليشيات أو الوحدات المتطوّعة، بما فيها حركات المقاومة المنظمة المذكورة:
أ. أن يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه؛
ب. أن تكون لها شارة مميزة محددة يمكن تمييزها عن بعد؛
ج. أن تحمل الأسلحة جهراً؛
د. أن تلتزم في عملياتها بقوانين الحرب وعاداتها.
3. أفراد القوات المسلّحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.
4. الأشخاص الذين يرافقون القوات المسلّحة دون أن يكونوا في الواقع جزءاً منها، كالأشخاص المدنيين… والمراسلين….. .
5. سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية…. .
وعدّت المادة 8/2/أ من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court (ICC) الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لسنة 1949 جريمة حرب، وكذلك:
أي فعل من الأفعال التالية ضدّ الأشخاص، أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة:
1. القتل العمد.
2. التعذيب أو المعاملة اللا إنسانية،… .
3. تعمّد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة.
4. إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها… بالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة.
5. إرغام أيّ أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية. ….
6. أخذ الرهائن.
وعلى ما تقدّم، فإنّ الأسرى الفلسطينيين هم أسرى بسبب كفاحهم المشروع من أجل التحرّر من الاستعمار والاستعباد الاسرائيلي للشعب الفلسطيني، وسعيهم المشروع إلى استرداد حريتهم وتقرير مصيرهم. وهم يجسّدون رفض شعبهم الفلسطيني للاحتلال، ويقاومون المستعمر بكل السبل المشروعة التي يقرّها لهم القانون الدولي والأعراف الدولية الثابتة، والتي تؤكّد أنّ الحقوق الثابتة للشعوب لا يمكن التنازل عنها ولا تسقط بالتقادم، والتي من أجلها يقرّ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية بالحقوق الأساسية للأسرى الذين يقعون في أيدي العدو في أثناء كفاحهم للاستعمار، وتلزم الدولة المحتلة والتي تحتجز لديها أسرى من المقاومين للاحتلال بأن تعاملهم وفق المعايير الدولية التي تُقرّها قواعد القانون الدولي في أثناء أسرهم، وإلى أن ينتهي أسرهم ويتم تحريرهم وإعادتهم الى وطنهم.
لكن الاحتلال الإسرائيلي لا يريد إنهاء احتلاله طويل الأمد. فقد مضى على الاحتلال الإسرائيلي، منذ أن مكّنته بريطانيا من ذلك ومنحته القوى الكبرى ذلك واعترفت له بإنشاء دولة للمهاجرين اليهود سنة 1948، ما يقارب ثمانية عقود، والمحتل الاسرائيلي يغتصب حقوق الشعب الفلسطيني، حتى في الحدود التي فرضها قرار التقسيم غير المشروع رقم 181 لسنة 1947.
ولم يكتفِ الاحتلال الاسرائيلي بذلك، وإنما استمر في التوسّع واحتلال المزيد، إلى أن وصل به الأمر سنة 1967 إلى احتلال كلّ فلسطين، وما يزال حتى اليوم يرفض الانسحاب، وينكر حقّ الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير مصيره على أرضه، منتهكاً كلّ قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وما فرضته عليه من التزامات، ابتداء ممّا قرّرته الفقرة ج من قرار الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947، التي تنص على أنّ مجلس الأمن الدولي Security Council يعدّ كلّ محاولة لتغيير التسوية التي ينطوي عليها هذا القرار بالقوة تهديداً للسلم أو خرقاً له، أو عملاً عدوانياً، بحسب المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، خرق الكيان الصهيوني مئات المرات قواعد القانون الدولي، كما أثبتت ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي، وعشرات القرارات الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي طالبت مراراً الاحتلال الإسرائيلي باحترام قواعد القانون الدولي التي تؤكّد على حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية، ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
• القرار رقم 252 لسنة 1968.
• القرار رقم 267 لسنة 1969.
• القرار رقم 271 لسنة 1969.
• القرار رقم 298 لسنة 1971، الذي دعا “إسرائيل” إلى إلغاء جميع إجراءاتها الرامية إلى تغيير وضع القدس.
• والقرار رقم 446 لسنة 1979.
• والقرار رقم 452 لسنة 1979.
• والقرار رقم 465 لسنة 1980.
• قرار مجلس الأمن رقم 478 لسنة 1980، الذي دان إقامة المستوطنات ورأى أنّها ليست لها أي سند قانوني، وطالب بوقف الأنشطة الاستيطانية في الأراضي العربية والقدس، وتفكيك المستوطنات، وعدم الاعتراف بالقانون الأساسي الذي وضعه الاحتلال بشأن القدس، كما دعا الدول إلى سحب بعثاتها.
وما تقدّم ليس إلا عدداً يسيراً من القرارات الأممية التي تدين الخروقات الإسرائيلية المستمرة لقواعد القانون الدولي واستعمال القوة غير المشروعة، التي يرهب بها الاحتلال الفلسطينيين لتهجيرهم والاستيلاء على أرضهم وممتلكاتهم، دون جدوى من هذه القرارات التي لم تحمِ الحقوق الفلسطينية، على الرغم من الإدانة الصريحة للأعمال الإرهابية باعتبارها تُشكّل عدواناً جسيماً على حقوق الشعب الفلسطيني وفق قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ونورد على سبيل المثال قرار الجمعية العامة رقم 2787 لسنة 1971، ونقتبس منه حرفياً ما يلي:
وإذ تؤكّد [الجمعية العامة] رسميّاً من جديد أنّ إخضاع الشعوب للاستعباد الأجنبي والسيطرة والاستغلال الاستعماري يُشكّل انتهاكاً لمبدأ تقرير المصير وإنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية، ويتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة،
(…..)
وإذ تؤكد أنّ الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره، بما في ذلك أساليب الاستعمار الجديد، يُشكّل تعدياً صارخاً على حقوق الشعوب وعلى حقوق الإنسان والحريات الأساسية،
(…..)
وإذ تؤكّد من جديد ما لجميع الشعوب، ولا سيّما شعوب زمبابوي وناميبيا وأنغولا وموزامبيق وغينيا (بيساو) والشعب الفلسطيني، من حقوق غير قابلة للتصرف والحرية والمساواة وتقرير المصير، وشرعية كفاحها في سبيل إقرار هذه الحقوق،
(…..)
1. تؤكّد شرعية كفاح الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرّر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاستعباد الأجنبي، ولا سيّما في الجنوب الإفريقي، وبشكل أخص شرعية كفاح شعوب زمبابوي، وناميبيا، وأنغولا، وموزامبيق، وغينيا (بيساو) والشعب الفلسطيني بكل ما في متناولها من وسائل متمشية مع ميثاق الأمم المتحدة،
2. وتؤكّد الحق الأساسي لكل إنسان في النضال في سبيل تقرير شعبه لمصيره بنفسه عندما يكون شعبه رازحاً تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية.
لكنّ الواقع أنّ الكيان الإسرائيلي يتنكّر لكل قواعد القانون والقرارات الأممية والأعراف الدولية، ويستعمل كلّ وسائل القوة غير المشروعة لتكريس استعمار الشعب الفلسطيني واستعباده، وينكر أنّه يحتل أرض فلسطين بالقوة، على الرغم من أنّ دول المجتمع الدولي تؤكّد أنّه يحتل أراضي الفلسطينيين التي تنطبق عليها اتفاقيات جنيف. ونذكر مثالاً للقرارات الأممية المؤكّدة لذلك قرار الجمعية العامة رقم 42/160 لسنة 1987، الأمر الذي يجعل مقاومة الفلسطينيين للاحتلال أمراً مشروعاً.
فإذا وقع أي فلسطيني، نتيجة لذلك، أسيراً بأيدي قوات الاحتلال، فإنّه، وفقاً لقواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، يتمتّع بالحماية القانونية لحقوقة الأساسية، وفي مقدمتها حقّه في الحياة.
وتأكيداً لذلك، يعترف القانون الدولي والمعاهدات الدولية وقرارات الأمم المتحدة بشرعية نضال الفلسطينيين ضدّ الاستعمار والتسلّط الإسرائيلي الأجنبي. ونذكر على سبيل المثال قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3103 لسنة 1973، فبعد ديباجته التي تذكّر بمبادىء القانون الدولي والقرارات الدولية التي صدرت تطبيقاً لها في الحالة الفلسطينية، ذكر القرار إعلان الأمم المتحدة رسمياً المبادىء الأساسية للوضع القانوني الخاص بالمقاومين الذين يناضلون ضدّ السيطرة الاستعمارية والأنظمة العنصرية بالنص التالي:
“1. إنّ نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية، في سبيل تحقيق حقّها في تقرير المصير والاستقلال، هو نضال شرعي، ويتّفق تماماً مع مبادىء القانون الدولي.
2. إنّ أيّ محاولة لقمع الكفاح ضدّ السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية هي مخالفة لميثاق الأمم المتحدة…. .
3. إنّ النزاعات المسلّحة التي تنطوي على نضال الشعوب ضدّ السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية، يجب النظر إليها باعتبارها نزاعات دولية مسلّحة بالمعنى الوارد في اتفاقية جنيف لسنة 1949…. .
واستناداً إلى ما تقدّم، فمن المؤكّد انطباق اتفاقيات جنيف على الأسرى الفلسطينيين لدى الاحتلال. ومن ثمّ، فإنّ من يؤسر من المقاومين الفلسطينيين للاستعمار الإحلالي الإسرائيلي يتمتّع بالحماية المقرّرة لحقوق الأسير في القانون الدولي واتفاقية جنيف الثالثة، التي عرّفت المادة الرابعة منها الأسير، وبيّنت المادة الخامسة من الاتفاقية أنّ هذه الاتفاقية تنطبق على الأسرى ابتداء من وقوعهم في يد العدو إلى أن يتم الإفراج عنهم وإعادتهم إلى الوطن بصورة نهائية.
وقد كفلت اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة الأسرى حقوقاً أساسية للأسير، منها أن تلتزم الجهة الآسرة، كحد أدنى، بألا يكون إصدار الأحكام على الأسرى وتنفيذ العقوبات بحقّهم إلا بعد إجراء محاكمة حقيقية أمام محكمة مُشكّلة تشكيلاً قانونياً، تكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة، وليس بمجرد قرارات عسكرية لا يحكمها قانون مشروع، وتنكر حقوق الأسير في القانون الدولي، بحيث يكون هدف القرار حرمان الأسير من حقّه في الحياة أو إهدار كرامته وكسر روحه المعنوية.
وتقضي اتفاقيات جنيف لسنة 1949 بالتزام طرف النزاع بأحكام الاتفاقيات الأربع حتى مع غير الأعضاء فيها. كما أنّ الاتفاقيات تحظر أخذ الرهائن، وهو ما يسمّيه الاحتلال بالاعتقال الإداري، دون ارتكاب المعتقل أي عمل مسلّح ضده. فالاحتلال يعتقل المدنيين ويضعهم في الأسر لسنوات فيما يسمى بالاعتقال الاداري، وهو ما يسمى بالأسر خارج نطاق القانون الدولي لأشخاص محميين في اتفاقيات جنيف لسنة 1949.
وما تقدّم من ممارسات الاحتلال بحق الفلسطينيين يشكّل تمرّداً على القانون الدولي، ويُمثّل مثالاً صارخاً لإرهاب الدولة، بارتكاب أكبر أنواع الجرائم وأكثرها خطورة على البشرية، وتهديد السلم والاستقرار في العالم، والخروج على القوانين والاتفاقيات والأعراف الدولية التي وصلت إليها الدول بعد تضحيات بشرية راح ضحيتها الملايين.
ولذلك، اعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أنّ انتهاك اتفاقيات جنيف وما تقرّره من حقوق للمحميين وفقاً لها يُعدّ من الجرائم الخطيرة. ومن ثم، فإنّ انتهاك الحقوق التي تقرّرها الاتفاقيات الدولية للأسرى، ومنها اتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني، يُعدّ جريمة حرب، كما جاء في المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في فقراتها، على النحو التالي:
1. القتل العمد. [كما تفعل قوات الاحتلال بقتل الفلسطينيين في الميدان بدون محاكمة حتى قبل الأسر].
2. التعذيب أو المعاملة اللا إنسانية… .
3. تعمّد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة.
وكذلك ترتكب قوات الاحتلال الإسرائيلي، بحق الأسرى وجميع الفلسطينيين المحميين وفقاً لاتفاقيات جنيف، جرائم ضدّ الإنسانية، كالتي نصّت عليها المادة 7/هـ من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك بالحرمان الشديد من الحرية البدنية، وحبس آلاف الفلسطينيين بقرارات صادرة عن العسكريين في الميدان، أو بقرارات صادرة عن محاكم عسكرية صورية لا تراعي أيّ حقّ من حقوق التقاضي، وإصدارها أحكاماً بمئات المؤبدات على من تعتقلهم.
كما ترتكب أفعالاً لا إنسانية تتسبّب عمداً في معاناة شديدة أو أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية، وهذه الأفعال تُعدّ، وفقاً للمادة السابعة، الفقرة ك، من الجرائم الخطيرة ضدّ الإنسانية.
إنّ تمرّد الكيان الإسرائيلي الصهيوني على قواعد القوانين والقرارات الدولية يتبجّح به قادة الاحتلال. فهذا ما يسمّى بوزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير Itamar Ben-Gvir، يُعلن في 17/5/2026 بدء إجراءات تطبيق قانون عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين. كما أنّ قائد القيادة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي وقّع في التاريخ ذاته على تعديل يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين. وأقرّ الكنيست Knesset في 12/5/2026 إنشاء محكمة عسكرية خاصة لمعتقلي 7/10، الأمر الذي يعني التجسيد على أرض الواقع للبدء في تنفيذ ما أعلنه قادة الاحتلال.
وتشهد مؤسسات الأمم المتحدة على ارتكاب قادة الكيان الإسرائيلي، السياسيين والعسكريين، للجرائم الأكثر خطورة، كالإبادة وجرائم الحرب والعنف الجنسي، كما أعلنت ممثلة الأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع إدراج جيش الاحتلال ومصلحة السجون الإسرائيلية ووحدات أمن على قائمة المتورطين في أنماط مستمرة من الاغتصاب والعنف الجنسي.
وعليه، فإنّ تلك الأقوال والأفعال الصادرة عن قادة الكيان الإسرائيلي تُثبت أنّها أقوال وأفعال إرهاب صادرة عن دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأنّ المجتمع الدولي بات يدرك خطورتها على السلم والأمن الدوليين. لذلك، يجب علينا استدعاء المنظمات الأممية ودول العالم لمواجهة ذلك بمواقف دولية ضدّ كيان متمرد على كلّ القوانين والأعراف الدولية.
[*] أستاذ القانون الدستوري، وعميد كلية القانون بجامعة النجاح (سابقاً)، ورئيس لجنة صياغة مشروع الدستور الفلسطيني، ووزير العدل في الحكومة الفلسطينية العاشرة.
| للاطلاع على الرأي القانوني والسياسي بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: |
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 15/6/2026
أضف ردا