مدة القراءة: 3 دقائق

بقلم: أ. د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

حققت زيارة قيادة حماس إلى لبنان نجاحاً كبيراً، ربما فاق توقعات المراقبين والمعنيين بالشأنين الفلسطيني واللبناني. وقد جاءت الزيارة في إطار اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية المقيمين خارج فلسطين، بالتزامن مع أقرانهم في رام الله.

نجحت الزيارة تحديداً على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: تحقيق هدف الزيارة المتمثل في لقاء الأمناء العامين؛ والذي بذلت حماس جهداً كبيراً في سبيل إنجازه، والذي كان أيضاً مطلباً دائماً للفصائل الفلسطينية من قيادة منظمة التحرير وفتح لسنوات عديدة.

 وجاء هذا اللقاء ضمن مسار تفعيل الوحدة الوطنية، وتوحيد الجهود في مواجهة صفقة ترامب ومشاريع ضم أجزاء من الضفة الغربية والتطبيع مع العدو الصهيوني. وهو مسار تجاوبت معه قيادة فتح في ضوء التحديات والاستحقاقات التي تواجهها قضية فلسطين، فكان المؤتمر الصحفي المشترك لجبريل الرجوب وصالح العاروري عبر الأثير، والاجتماع القيادي الفلسطيني في رام الله الذي شارك فيه وفد من حماس، وبعض الفعاليات الشعبية التي تم تنسيقها بين الطرفين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثم إن مخرجات لقاء الأمناء العامّين، التي تمثلت بتفعيل ثلاث مساراتٍ للعمل وطني، تُعدُّ “مقبولة” في ضوء سقف التوقعات المتواضع من هذا اللقاء. وهي مسارات ركزت على تشكيل لجنة وطنية موحدة في الضفة الغربية لتفعيل المقاومة الشعبية من جهة أولى، ومسار إنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة من جهة ثانية، ومسار تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بما يضمن مشاركة جميع الفلسطينيين وقواهم السياسية من جهة ثالثة. وسيتم اختبار جدية قيادة المنظمة والسلطة وباقي الفصائل في إنفاد هذه المسارات، خلال الأسابيع الخمسة التالية التي حُدّدت لإنجاز رؤية مشتركة حولها.

من جهة أخرى، كانت هناك فرصة للقاء قيادات بحماس، وخصوصاً رئيس مكتبها السياسي الأستاذ هنية بقيادات الفصائل الفلسطينية في الخارج، وتبادل الآراء وتنسيق الجهود، وبالذات بين القوى الداعمة لخط المقاومة.

المستوى الثاني: النجاح الكبير على المستوى الشعبي الفلسطيني، والذي وصل ذروته بزيارة قائد حماس إسماعيل هنية وإخوانه لمخيم عين الحلوة “عاصمة الشتات الفلسطيني”. وقد أسهمت الروح الشعبية والشخصية الكاريزمية لهنية في تحقيق تفاعل شعبي واسع، لم تشهد مثله المخيمات مع قيادة فلسطينية منذ سنوات عديدة. حيث شعر أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان بمن يعيش همومهم، ويتلمس معاناتهم، ويحمل تطلعاتهم، ويحمي ثوابتهم.

نجحت حماس بالرغم من الوضع اللبناني والفلسطيني المعقد، في تجاوز عنق الزجاجة، من خلال التركيز على التفاعل مع الواقع الشعبي الفلسطيني. وقد أضفى لقاء قيادة حماس بوجهاء المخيمات، وبالعلماء، وبالفعاليات الشعبية مزيداً من القوة، ومن الناتج النوعي للزيارة.

وقد صبَّ في هذا الرصيد الخطاب الوطني الإسلامي الجامع لقائد حماس إسماعيل هنية ورفاقه، والروح الوطنية المستوعبة للمصالح العليا للشعب الفلسطيني وتطلعاته. وتجاوز الجوانب الشكلية والحزبية، والتركيز على الأولويات، واستيعاب “الكل” الفلسطيني.

المستوى الثالث: التعامل مع البيئة الرسمية والحزبية اللبنانية بقدر عالٍ من التوازن والحكمة. فقد جاءت زيارة قيادة حماس للبلد في ظروف أزمة سياسية غير مسبوقة، وبيئة انتفاضة شعبية ضد الطبقة السياسية؛ وفي ظروف انهيار اقتصادي، وحالة احتقان وتدافع وإحباط واسعة مصحوبة بالارتدادات السلبية الكبيرة لجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت. وهو ما جعل هذه الزيارة تبدو سيراً في حقل “ألغام”. غير أن حماس بالرغم من علاقاتها الوثيقة بحزب الله وقوى المقاومة، دخلت البيوت من أبوابها، فجاءت بعد ترحيب الخارجية اللبنانية بها. وقامت قيادة حماس بزيارات إلى مختلف القيادات الرسمية والحزبية، وتعاملت بانفتاح مع الجميع، وحرصت على النأي بنفسها عن الشأن اللبناني الداخلي، معزيةً الشعب اللبناني في كارثة المرفأ، متمنية له الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية والنهوض من جديد.

***

وبالتأكيد، فإن مثل هذا النجاح، لم يَرُقْ لبعض الجهات السياسية والإعلامية المدعومة خليجياً، أو التي لها مواقف سلبية تجاه التواجد الفلسطيني في لبنان، أو تجاه التيار الإسلامي وخط المقاومة. فاحتدم الهجوم الإعلامي خصوصاً بعد حالة “الأَلَق” التي وصلت إليها حماس في زيارة مخيم عين الحلوة. وهو هجوم حاول أن يُشوّه الزيارة، وأن يُحرّض اللبنانيين عليها، ووصل بعضه لدرجة أن ينسب لهنية تصريحات مفبركة كاذبة، ليستخدمها في الهجوم عليه؛ وهو أسلوب أقل ما يقال فيه أنه “رخيص” ولا يليق بوسائل إعلامية محترفة.

يبقى أن نشير إلى أن ما حققته حماس في إطار تلاحمها مع شعبها ومخيماتها في الخارج، قد يكون أكثر مما قد يحققه لقاء الأمناء العامين وما انبنى عليه من إجراءات. فبالرغم من تمنياتنا بنجاح المصالحة الفلسطينية، وإعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل دورها، وتصعيد المقاومة في الداخل الفلسطيني؛ وبالرغم من تقديرنا للجهود التي بذلتها حماس وفتح والفصائل الفلسطينية للسير في هذا الاتجاه؛ إلا أن تجربتنا التاريخية، واستقراءنا للسلوك السياسي لقيادة المنظمة والسلطة، لا يعطي نتائج مشجعة أو مطمئنة، وهو بحاجة لاختبار مصداقية على أرض الواقع. خصوصاً وأن هذه القيادة ما تزال تضع نفسها في مربع التسوية، والاستناد إلى الشرعية الرسمية العربية والشرعية الدولية، والاستعداد للعودة للمفاوضات، وتبني المقاومة الشعبية السلمية. وهو ما قد يشير إلى أن سلوك قيادة فتح ما زال يصب في الإطار التكتيكي وتقاطع المصالح المؤقتة، مما يجعل المراهنة على التغيير “الاستراتيجي” في سلوكها أمراً بعيد المنال.

ولذلك، ينبغي الحذر من رفع سقف التوقعات، حتى لا نعيش حالة إحباط جديدة تُضاف إلى إحباطات سابقة تلت بيئات وأجواء مشجعة مشابهة أو قريبة من ذلك. ثم إن ربط خط المقاومة أداءه على الأرض بسقف السلطة، قد يضعف قدرته على التحرك الفعال، وعلى التأثير في مواجهة الاحتلال، وهو ما ينبغي التّحوط منه. مع تأكيدنا دائماً على سعادتنا بأي خطوات جادة تجاه لملمة الصف الفلسطيني وإعادة بناء مؤسساته على قواعد راسخة من المحافظة على ثوابت الشعب الفلسطيني وثوابت الأمة في التحرير الكامل والعودة، وإنهاء المشروع الصهيوني.

 

المصدر: موقع “عربي 21″، 2020/9/11


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: