مدة القراءة: 6 دقائق

قراءة استخبارية أمريكية في تأثيرات الحرب على غزة
شن حرب جديدة على غزة بين مصلحة حماس ومصلحة الأنظمة القائمة

بطاقة التعريف بالترجمة

العنوان: تأثير الثورات العربية على حماس و”إسرائيل”
المؤلفون: جورج فريدمان – مدير مركز ستراتفور الاستراتيجي
جهة الإصدار: مركز ستراتفور الاستراتيجي – واشنطن
تاريخ الإصدار: 12 نيسان 2011
عدد الصفحات: 5 صفحات
جهة إصدار الترجمة: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة: 15 نيسان 2011


مقدمة:

يوجد أمر ملفت واحد غائب عن الأحداث التي جرت في الشرق الأوسط في الشهور الماضية وهو “إسرائيل”، فعلى الرغم من الإتيان على ذكر “إسرائيل” وإدانتها، لم يتمحور أي من المظاهرات حول قضيتها، بل كانت قضية هامشية بالنسبة إلى المتظاهرين الذين آثروا التركيز على إسقاط حكامهم البغيضين.

إنه لأمر غريب، فقد كانت معاداة الصهيونية قوة دافعة تحرّك الشعوب العربية حتى قبل إقامة دولة “إسرائيل”، وربما كان تأثيرها فيهم أقوى من تأثيرها في الحكومات العربية. صحيح أن قلة هي الحكومات التي كانت مستعدة لإقامة علاقات دبلوماسية علنية مع “إسرائيل”، لكنّ حكومات عربية كثيرة حافظت على علاقات غير رسمية معها، بل إن عدداً كبيراً من الحكومات العربية على استعداد لإقامة علاقات في السرّ مع “إسرائيل” يُرافقها تعاون مكثّف في المسائل الاستخبارية وما إلى ذلك. لكنها غير مستعدة لمواجهة استياء الجماهير العربية من التعاون العلني معها.

ومما يزيد الوضع غرابة أن حركات المعارضة العربية، من ليبيا إلى البحرين، لم تجعل من التعاون مع “إسرائيل” في السرّ وفي العلن قضية مركزية، ولو لم يكن المقصود من ذلك سوى تعبئة الجماهير العربية. ولو عدنا إلى صعود الرئيس المصري جمال عبد الناصر وثورته التي دعت إلى الوحدة العربية وإلى تبنّي الاشتراكية، نجد أن القضايا التي أثارها في وجه الملك فاروق ارتبطت بقوة بمعاداة الصهيونية. وبالمثل، طالما جعل “الإسلاميون” الراديكاليون “إسرائيل” قضية مركزية، لكنها قضية لم تبرز في موجة الاضطرابات هذه. وقد فاجأ ذلك على الخصوص نظماً مثل النظام المصري الذي يقيم علاقات رسمية مع “إسرائيل”.

لم يتضح سبب عدم كون إسرائيل أداة لتعبئة الناس. لكن هناك تفسير محتمل لذلك وهو أن المظاهرات في العالم الإسلامي ركزت على القادة البغيضين ونظمهم، وكانت مسألة الحكم المحلي جوهر مطالبها. إنه تفسير محتمل، لكنّ إثارة قضية إسرائيل بدت منطقية مع انخفاض أعداد المشاركين في المظاهرات لأنها تضفي الشرعية على قضيتهم. وربما يكون هناك تفسير آخر وهو أن أغلب تلك الانتفاضات فشلت إلى هذه اللحظة على الأقل في إحداث تغيير جوهري. فلا يوجد حركات شعبية تضم في صفوفها أفراد من كافة طبقات المجتمع، بل إن عمادها الشباب والمثقفين.

ونظرة هذه الفئة تجاه العالم أكثر تعقيداً وهي أدركت أنها في حاجة إلى الدعم الأميركي والأوروبي على الأمد الطويل، وفهمت أن إدراج “إسرائيل” في قائمة مآسيها سيُضعف على الأرجح الضغطَ الغربي على أهداف انتفاضاتها. ونحن نعرف أن العديد من قادة الانتفاضة المصرية مثلاً وثيقو الصلة بحماس لكنّهم تعمّدوا التقليل من شأن تلك العلاقة. إنهم شديدو العداء لإسرائيل بالتأكيد، لكنهم لم يرغبوا في أن تكون تلك قضية محورية. وفي حالة مصر، لم يشأ هؤلاء القادة تنفير الجيش أو الغرب. في الواقع، كان لديهم من الذكاء ما يكفي للسير بالأمور خطوة خطوة.

الانتفاضة المصرية فرصة ذهبية لحماس

العنصر الثاني الغائب عن الاضطرابات هو أنه عدم اندلاع اضطرابات أو انتفاضة في الأراضي الفلسطينية، فبالنظر إلى موجة الاضطرابات العامة التي عمّت المنطقة، ستكون ممارسة الشعب الفلسطيني ضغوطاً على كل من السلطة الوطنية الفلسطينية وحماس لتنظيم مظاهرات معادية لـ”إسرائيل” أمراً منطقياً، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحصل.

الواضح أن ذلك لم يزعج السلطة الفلسطينية التي لا ترغب في دعم انتفاضة أخرى كانت ستثير ردود فعل صهيونية عارمة وتُعرقل اقتصاد الضفة الغربية، لكنّ العلة مختلفة بالنسبة إلى حركة حماس في قطاع غزة. فالحركة عالقة بين حصار صهيوني مصري يحدّ من قدرتها على اقتناء الأسلحة فضلاً عن الحصول على المؤن الأساسية اللازمة لبناء اقتصاد عامل بأقل قدرة ممكنة. كما أنه يحدّ من قدرتها على بناء خلايا قوية في الضفة الغربية يمكنها تحدّي قيادة “فتح” للسلطة الفلسطينية هناك.

تعيش حماس عزلة وحصاراً في غزة. وقد وفرت الانتفاضة في مصر فرصة ذهبية للحركة لأنها أتاحت لها إمكانية إيجاد واقع جديد في غزة. ولو أن المظاهرات نجحت في فرض تغيير حقيقي للنظام لا في إسقاط حسني مبارك فقط، لشرّعت الأبواب أمام الحركة لزيادة قدراتها وهامش المناورة المتاح لديها بدرجة كبيرة. عرفت حماس أن لها مناصرين وسط شريحة من المتظاهرين وأن المتظاهرين أرادوا تغيير السياسية المصرية تجاه إسرائيل وغزة. لكنّ الحركة قنعت بالانتظار لا سيما أن السلطة الفلسطينية ليست مستعدة لإشعال انتفاضة في الضفة الغربية ولأن اندلاع انتفاضة جديدة في غزة لم يكن ليحدث أثراً كبيراً. لذلك آثرت الحركة الانتظار.

ترى حركة حماس أن تغيّر السياسة المصرية بمثابة فرصة تسمح لها بزيادة فاعليتها على الصعيدين العسكري والسياسي، لكنّ ذلك لم يحصل. والأحداث التي جرت في الشهور القليلة الماضية دلّت على أنّ الجيش غير مستعد لقطع العلاقات بإسرائيل، ولا لتغيير سياسته تجاه غزة، مع أنه أراد إسقاط مبارك. والأهم من ذلك أن الأحداث التي وقعت إلى الآن أظهرت أن المتظاهرين ليسوا في وضع يمكّنهم من إرغام الجيش المصري على فعل شيء لا يريد فعله. وفي ما عدا إرغام مبارك على التنحّي وربما إخضاعه للمحاكمة، بقيت السياسات الأساسية لنظامه على حالها.

كما اتضح في الأسابيع القليلة الماضية للعديد من المراقبين، منهم قيادة حماس، أن آمالهم المتعلقة بمصر لن تتحقق قريباً بل قد لا تتحقق على الإطلاق. واتضح في الوقت نفسه أن شعبية الحركة في العالم العربي لم تتبدّد بعد. فإذا استطاعت حماس الجمع بين العداء التاريخي لإسرائيل في العالم العربي والاضطرابات الحالية، ربما تتمكن من إحداث تغييرات في سياسات العالم العربي بأكمله لا في سياسات مصر فقط، علماً بأن الاكتراث بالقضية الفلسطينية لم يعد كما كان في هذه المنطقة.

بات العالم العربي يرى في غزة رمزاً للمقاومة الفلسطينية والقمع الإسرائيلي. وباتت الحرب الأخيرة التي اندلعت في غزة، وأعني عملية “الرصاص المصبوب”، تُستخدم كرمز في العالم العربي وفي أوروبا لإذكاء مشاعر العداء لإسرائيل. والمثير في هذا الصدد أن ريتشارد غولدستون، مُعدّ التقرير الأممي الذي تضمّن انتقادات شديدة لإسرائيل، تراجع عن كثير من اتهاماته في الأسبوع الماضي.

ونشير إلى أن أحد الإنجازات الكبيرة التي حققها الفلسطينيون كان صياغة الرأي العام في أوروبا حيال عملية الرصاص المصبوب من خلال تقرير غولدستون. لذلك يشكل تراجعه هزيمة لحماس. وبعد اتضاح القرار الذي اتخذه المتظاهرون العرب بعدم التركيز على “إسرائيل”، وبعد إخفاق الانتفاضة المصرية الواضح في إحداث تغييرات سياسية حاسمة، وبعد تراجع غولدستون عن كثير من التهم التي كان قد وجهها لإسرائيل، يتبين أن حماس شعرت بأن فرصة قد ضاعت، وأن تغيراً ربما يحدث في الرأي العام الغربي (برغم أنه اعتبار ثانوي في نظر الحركة).

المزايا التي تراها حماس في اندلاع صراع آخر في قطاع غزة

ربما يولّد هجومٌ “إسرائيلي” آخر على قطاع غزة قوة نافعة لحماس، فأثناء عملية “الرصاص المصبوب” استطاعت الحكومة المصرية الالتفاف على الدعوات التي طالبتها برفع حصارها عن غزة وقطع علاقاتها بـ”إسرائيل”،

وربما لن تكون مقاومة هذه الدعوات إذا ما اندلعت حرب أخرى في سنة 2011 بمثل سهولتها غداة تنفيذ عملية “الرصاص المصبوب”. وعليه ومع تبدد زخم الانتفاضة المصرية، ربما تُسهم حرب أخرى في غزة في إلهاب حماس وتُغريها باستخدام ما يمكن وصفه بالوحشية “الإسرائيلية” لجذب حشود أكبر إلى الشوارع وإرغام نظام مصري ضعيف على تقديم تنازلات تعني الكثير لحماس.

إن مصر عنصر أساسي في حسابات حماس، وإذا تحولت القاهرة إلى نصير لحماس وعدو لإسرائيل، يعود قطاع غزة إلى سابق عهده حربة مصوّبة نحو تل أبيب، ولا شك أنه سيكون قاعدة عمليات وبديلاً مهماً لفتح. لكنّ اندلاع هذه الحرب سيكون نافعاً لحماس في إطار أعمّ من ذلك أيضاً.

وفي ما يتعلق بتركيا، رأى فريدمان أن هناك تحولاً في نظرة تركيا إلى قطاع غزة قد طرأ منذ حادثة “أسطول الحرية” تجاوز الحصار المفروض على غزة، وعليه فإن شن حرب صهيونية جديدة على القطاع سيزيد علاقة تركيا بـ”إسرائيل” تردّياً، ويُحمّل مصر وتركيا على تبنّي موقف عدائي من “إسرائيل”، مما سيُحسّن موقف حماس. وإذا استطاعت حماس إقناع “حزب الله” بالمشاركة في القتال على الجبهة الشمالية، تُصبح “إسرائيل” في وضع عسكري مليء بالتحديات، وربما يدفع ذلك أمريكا، التي تخشى انهيار نظام تحالفاتها الإقليمية، إلى إرغام “إسرائيل” على الموافقة على تسوية لا ترتضيها.

حماس تدفع “إسرائيل” نحو الخيار العسكري في غزة

تملك حماس الوسائل نفسها التي كانت تملكها قبل عملية “الرصاص المصبوب” والتي كان يملكها “حزب الله” قبل عام 2006، ولا يزال في إمكانها إطلاق الصواريخ على “إسرائيل”. وعلى الرغم من أن صواريخ “القسام”، المحلية الصنع، وقذائف “المورتر” لا تُلحق أذى بـ”إسرائيل” في عامة الأحوال، لكنّ بعضها يُصيب أهدافاً صهيونية، وإطلاق هذه الصواريخ بشكل متواصل تحت أي ظرف كان سيُؤجّج غضب شعب “إسرائيل” المتبرّم من الاستخبارات “الإسرائيلية” لفشلها في تحديد مخازن تلك الصواريخ وتدميرها.

فضلاً عن ذلك، فإن الصاروخَ الذي سقط على مسافة 32 كلم جنوبيّ تل أبيب، وتصورات الشعب “الإسرائيلي” حيال مجزرة راح ضحيتها أغلب أفراد أسرة يهودية في الضفة الغربية، بينهم رضيع، يوضح بأن حماس تهيئ الظروف التي لا تترك للإسرائيليين خياراً سوى مهاجمة غزة.

تركيا والسعودية تتدخلان لمنع حماس من إطلاق الصواريخ في غزة

تدخلت دولتان عقب إطلاق سلسلة الهجمات الصاروخية، فتدخلت تركيا علناً عبر سوريا وأقنعت حماس بوقف هجماتها. فتركيا تعي هشاشة العالم العربي وهي غير مهتمة بانتفاضة تُكسب زخماً إضافياً باندلاع حرب في غزة.

أما السعودية، والتي (يُشكل السعوديون مصدر التمويل الأساسي لحماس عبر سوريا)، تسعى لتثبيت الوضع في منطقة تمتدّ من اليمن الواقع على حدودهم الجنوبية، إلى البحرين الواقعة على حدودهم الشرقية، ولا ترغب في صبّ مزيد من الزيت على تلك النار، ونتيجة لهذين التدخلين “أذعنت” حماس.

حماس تستأنف إطلاق الصواريخ لكسب فرصة تاريخية

ثم استأنفت حماس هجومها في نهاية هذا الأسبوع، دون معرفة سبب لذلك، لكن يمكن التخمين وبصرف النظر عما تريده تركيا أوالسعودية أو سوريا أو أي طرف آخر، تلك هي فرصة تاريخية لحماس. فإذا عادت مصر إلى الوضع الراهن، تعود حماس إلى مصيدتها. وبصرف النظر عما قد يقوله أصدقاؤها أو حلفاؤها، سيكون تضييع تلك الفرصة عملاً طائشاً. إن الحرب مؤلمة، لكنّ الهزيمة فيها قد تتحول إلى نصر سياسي.

“إسرائيل” ستمارس ضبط النفس تحسباً من نتائج أي عدوان على الأنظمة الحليفة لها

لم يتضح السقف الذي حدده “الإسرائيليون” لهذا التصعيد. لكنّ الواضح أنهم يحاولون تجنّب شنّ هجوم شامل على غزة فاقتصر ردهم على تنفيذ بضع غارات جوّية. إن نصب نظام “القبة الحديدية”، يُوفّر لـ”إسرائيل” بعض الراحة النفسية، بيد أن هناك سنين تفصلها عن إكمال نشره، علماً بأن فاعليته لم تتأكد بعد.

وفي هذه الأثناء، يمكن احتمال وجود الصواريخ طالما أنها لم تنطلق من منصاتها، وتراجع غولدستون يمنح الإسرائيليين براءة بدرجة معيّنة توفر لهم حيزاً أكبر للمناورة. ويبدو أن في حوزة حماس الكثير من الصواريخ، وسوف تستخدمها في شنّ هجمات إلى أن تردّ إسرائيل عليها. وستوظّف حماس الردَّ الإسرائيلي في إثارة حركة عربية واسعة تُركّز على “إسرائيل” وعلى النظم التي تتعاون معها في السرّ أو في العلن. وفوق هذا كلّه، تأمل حماس بإسقاط النظام المصري على يد حركة حديثة التنظيم،

وهذا آخر شيء ترغب إسرائيل في حدوثه. لذلك ستمتنع عن الردّ على حماس طالما أنها تستطيع ذلك، لكنّ قدرتها على ضبط النفس محدودة بالنظر إلى الوضع السياسي في إسرائيل، وهذا بالضبط ما تعوّل عليه حماس.

قرار إشعال الحرب في يد حماس

بالنسبة إلى أمريكا وأوروبا، فإن الجمع بين “الإسلاميين” والديمقراطيين توليفة متفجرة، فكل طرف لا يُمكنه بمفرده فعل الكثير، لكنهما إذا اجتمعا يستطيعان زعزعة الاستقرار في المنطقة بشكل خطير أو حتى تقويض الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في محاربة الجهاديين. وإذا كانت أمريكا وأوروبا تُريدان من “إسرائيل” ممارسة ضبط النفس، فهما لا تستطيعان ضبط حماس، لذلك فإن اندلاع حرب أخرى ليس أمراً مستبعداً، وعليه فإن القرار الذي سيُشعل تلك الحرب في النهاية في يد حماس.

المصدر: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية، سلسلة ترجمات (197)، 2011/4/15