مدة القراءة: 10 دقائق

إعداد: د. محمد مكرم بلعاوي.[*] 
(خاص بمركز الزيتونة). 


تقدير استراتيجي (143) – نيسان/ أبريل 2026. 

ملخص:

يسعى هذا التقدير الاستراتيجي إلى قراءة وتحليل الاستراتيجية الصينية تجاه الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الجارية ضدّ إيران، مستندةً إلى فرضية مركزية مفادها أنّ بكين تدير هذه الأزمة وفق محددات اقتصادية واستراتيجية وأمنية.

يحكم السلوك الصيني شبكة معقّدة من التوازنات؛ أبرزها حماية أمن الطاقة المعتمد على الإمدادات الإيرانية المخفّضة، والحفاظ على موقع طهران كـعقدة جيوسياسية وجسر أوراسي حيوي لاستدامة مشروع “الحزام والطريق”، بالتوازي مع تجنّب استعداء الشركاء الاستراتيجيين في الخليج العربي.


للاطلاع على التقدير الاستراتيجي بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> التقدير الاستراتيجي (143): محددات وسيناريوهات الموقف الصيني من الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران (14 صفحة، 1.9 MB)


وعلى صعيد الأداء الديبلوماسي والعملياتي، ترصد الورقة المظلّة الأممية لمنع تكريس سوابق دولية تشرعن “الضربات الاستباقية” أو “تغيير الأنظمة” من خلال تحركها في مجلس الأمن والأمم المتحدة، إلى جانب سعيها لتدويل الأزمة عبر منصات “الجنوب العالمي” (بريكس ومنظمة شنغهاي)، مع توفير غطاء فاعل من الدعم التقني والمالي غير المتماثل للالتفاف على سلاح العقوبات الغربية.

ومع تصاعد الأحداث، تضيق تدريجياً هوامش المناورة أمام بكين؛ ففي حين تُفضِّل توظيف الأزمة لاستنزاف الموارد الأمريكية وتشتيت تركيزها عن شرق آسيا، فإنّ اقتراب النظام الإيراني من حافة الانهيار يُمثّل خطاً أحمر يُهدّد صميم الأمن القومي الصيني، وهو ما قد يدفع بكين قسرياً للانزلاق نحو مستويات أعلى من الانخراط الاستراتيجي المباشر لمنع سقوطه.

مقدمة:

تتأسّس القراءة الصينية للمشهد الراهن في الشرق الأوسط على إرث طويل من البراجماتية التي بدأت تتبلور منذ سنة 1979؛ ففي حين كان العالم يترقّب مآلات الثورة الإسلامية في إيران، كانت بكين من أوائل القوى التي سارعت للاعتراف بالنظام الجديد، مدفوعةً برؤية استراتيجيّة تعدّ تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة مصلحة ضرورية، ورأت في سقوط “نظام الشاه” انحساراً لهذا النفوذ الأمريكي.

هذا الموقف لم يكن انحيازاً أيديولوجياً، بل كان تعبيراً عن رغبة صينية مبكرة في إيجاد شريك إقليمي يشاركها التوجّس من الهيمنة القطبية الواحدة.

وعلى مدار العقود الأربعة الماضية، تطوّرت هذه العلاقة بين البلدين وانتقلت إلى مرتبة “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، بلغت ذروتها في سنة 2021 بتوقيع مذكرة تفاهم استراتيجية تمتد لربع قرن.

واليوم، ترى الصين الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، تهديداً مباشراً لمشاريعها الاستراتيجية، ومصالحها الحيويّة، وتمس شريكاً أساسياً في أمن الطاقة الصيني؛ حيث باتت بكين تستورد نحو 90% من صادرات النفط الإيراني في ظلّ نظام العقوبات، إضافة إلى كونها تستهدف ضخّ استثمارات استراتيجية واسعة النطاق في قطاعات البنية التحتية والطاقة الإيرانية.

لم تعد السياسة العامة الصينية تجاه المنطقة تكتفي بدور “المشتري الأكبر للنفط”، بل باتت تطرح نفسها عبر “مبادرة الأمن العالمي Global Security Initiative (GSI)” كقوة وازنة ترفض مبدأ تغيير الأنظمة بالقوة، وترى في العقوبات الأحادية “إرهاباً اقتصادياً” يُقوّض الاستقرار العالمي.

من هنا، يُمثِّل الموقف الصيني من هذه الحرب محدداً أساسياً، حيث تسعى بكين لحماية مصادر الطاقة التي تمنحها إيران بشروط تفضيلية بعيداً عن سيطرة الدولار، وفي الوقت ذاته، ترى في الحرب استنزافاً للقدرات العسكرية الأمريكية، قد تمنحها الفرصة التاريخية لإعادة تشكيل نظام الدولي متعدّد الأقطاب من بوابة الشرق الأوسط.

أولاً: تاريخ العلاقة الصينية الإيرانية:

اتّسم موقف جمهورية الصين الشعبية من الثورة الإسلامية في إيران بالبراجماتية، حيث حافظت على علاقاتها الديبلوماسية مع إيران، على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي الكبير بين الشيوعية الصينية والنظام الإسلامي الثوري. وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) حاولت بكين الحفاظ على سياسة متوازنة، إذ أقامت علاقات مع كلّ من إيران والعراق، وإن كانت أقامت علاقات عسكرية مع كِلا الطرفين وبدرجات مختلفة، لكنها أبقت على خطابها القائم على مبدأ سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها والحفاظ على استقرارها. كما حافظت بكين على قنوات اتصال فاعلة مع إيران، ورفضت كافة المساعي الغربية الرامية لعزل أو إسقاط النظام الإيراني، واستمرت في خطابها الذي يدافع عن مبدأ “سيادة الدول”.

ثانياً: المعطيات البنيويّة ومحدّدات السلوك الصيني:

يتحرّك السلوك الصيني حيال المواجهة العسكرية الحالية ضمن شبكة معقّدة من المحددات الجيوسياسية والاقتصادية، التي تفرض على بكين اتباع سياسة متوازنة ودقيقة. ويمكن تفصيل هذه المعطيات وفق المحاور التالية:

1. محدد أمن الطاقة والمصالح الاقتصادية:

تُمثّل الطاقة عاملاً رئيسياً في الرؤية الصينية لإيران، وتعدّ اتفاقية “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، المُوقَّعة في آذار/ مارس 2021، عصب الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدَيْن، حيث تُشكِّل الطاقة ركيزتها الأساسية. وبحسب ما أُعلن، ستضخّ الصين استثمارات تُقدَّر بنحو 400 مليار دولار أمريكي في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، مقابل ضمان إمدادات ثابتة ومستقرّة من النفط الإيراني بأسعار مخفضة وبشروط دفع ميسّرة، بما يعزّز أمن الطاقة الصيني.

وتهدف الاتفاقية إلى تأمين تدفّقات الطاقة على المدى البعيد، أكثر من كونها عقوداً استثمارية فورية، حيث تستحوذ الصين على نحو 90% من إجمالي الصادرات النفطية الإيرانية؛ إذ تستورد ما بين 1.2 إلى 1.5 مليون برميل يومياً بأسعار تفضيلية.

كما تدمج الاتفاقية إيران في مبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative (BRI)، عبر تطوير موانئ استراتيجية، مثل ميناء جاسك وميناء تشابهار، وبناء شبكات سكك حديدية وطرق سريعة تربطها بدول آسيا الوسطى وصولاً إلى الصين، ما يجعلها عقدة لوجستية حيوية للتجارة الصينية نحو أوروبا والشرق الأوسط. وتشمل الاتفاقيّة أيضاً نقل التكنولوجيا الصينية وتطوير البنية التحتية للاتصالات في إيران. ويتضمّن الاتفاق كذلك بعض البنود العسكرية والأمنية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وقد طوّرت بكين آليات مالية تعتمد على استخدام اليوان الصيني في التسويات لتجاوز العقوبات الأمريكية، مما يعزّز أمن الطاقة الصيني من جهة، ويمنع الانهيار الاقتصادي الإيراني من جهة أخرى.

2. محدِّد الجغرافيا السياسية و”الجسر الأوراسي”:

لفهم المكانة المركزية التي تحتلها طهران في الحسابات الاستراتيجية لبكين، لا بدّ من النظر إلى الجغرافيا بوصفها المحرّك الأساسي للسياسة الخارجية الصينية، حيث تسعى بكين لتأمين مسارات عبور قاريّة آمنة، تفك ارتباطها الإجباري بالممرات المائية التي يهيمن عليها الغرب. وضمن هذه الرؤية، يُعرف “الجسر الأوراسي” باعتباره مشروع سكة حديد صيني استراتيجي ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، يربط شرق الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى، مما يقلّل زمن الشحن مقارنة بالطرق البحرية، ويُعزّز التجارة والروابط اللوجستية بين القارتين.

تُمثّل إيران بالنسبة للصين “عقدة جيوسياسية” ضرورية تربط بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب آسيا وأوروبا دون المرور بممرات بحرية خاضعة للهيمنة الأمريكية، خصوصاً أنّ اعتمادها على المضائق البحرية (مثل مضيق ملقا) يعدّ تهديداً استراتيجياً لأمنها القومي في حال نشوب صراعات أو إغلاقه من قبل الولايات المتحدة، وهنا توفر إيران طريقاً برياً وبحرياً يضمن تدفق الطاقة بعيداً عن الهيمنة الغربية.

لذا، فإن السلوك الصيني محكوم بضرورة حماية هذا الممر ضمن “مبادرة الحزام والطريق” لضمان استمرارية تدفّق التجارة نحو أوروبا، بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية الحساسة.

3. محدِّد التوازن الإقليمي (المثلث الصيني – الباكستاني – الإيراني):

تدرك الصين أنّ أي انهيار في إيران ستكون كلفته الاستراتيجية هائلة عليها، من: تعطيل إمدادات الطاقة،‭و ‬تهديد مشاريع “الحزام والطريق”، وصولاً إلى اضطراب حدود باكستان، أحد أهم محاور نفوذها الآسيوي، ويواجه سلوكها قيداً يتمثّل في ضرورة الحفاظ على توازن دقيق بين حليفها الأمني التقليدي (باكستان) وشريك الطاقة (إيران).‬‬‬

لذلك، حاولت بكين لعب دور القوة الضامنة للاستقرار في المنطقة، من خلال تعميق التعاون مع طهران في إطار غير صدامي، وتوسيع حضورها في المؤسسات متعدّدة الأقطاب، مثل منظمة شنغهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organization (SCO) وبريكس BRICS. وتدرك أنّ أي انحياز عسكري كامل لطهران قد يزعزع علاقاتها مع إسلام آباد أو يثير قلق دول الخليج. لذا، فضّلت بناء شبكة تعاون مرنة تربط الموانئ (مثل جوادر وتشابهار) وتؤمّن الحدود، بدلاً من الدخول في أحلاف عسكرية قد تؤدي إلى اصطفافات إقليمية مضادة تضرّ بمصالحها الأوسع.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

4. محدِّد العلاقة مع واشنطن و”إسرائيل”:

تنظر الصين إلى الحرب الحالية ضمن المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ويمكن توظيفها كساحة لاستنزاف الموارد الأمريكية وتشتيت تركيز واشنطن عن استراتيجية “الاستدارة نحو آسيا Pivot to Asia”، الرامية لتطويق النفوذ الصيني في بحر الصين الجنوبي وملف تايوان.

وتصوغ علاقتها الحالية مع إيران وفق معادلة الحفاظ على النظام ومنع سقوطه، مع تجنّب المواجهة المباشرة والصدام مع الولايات المتحدة، ودون ‬الدعم العسكري المباشر، وهي معادلة تسمح لها بالبقاء لاعباً مؤثّراً دون أن تُصبح طرفاً في المواجهة.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

‬وهذا يسمح لها أيضاً بالحفاظ على علاقة متوازنة مع “إسرائيل”، لحماية مصالحها التكنولوجية والاقتصادية الحسّاسة، مع استخدام الأدوات “الناعمة” مثل الالتفاف على العقوبات، والتجارة بالعملات البديلة للحفاظ على شريان الحياة الاقتصادي لطهران دون التورّط العسكري.

5. محدِّد العلاقة مع الخليج:

تضع الصين ضرورة الحفاظ على شبكة مصالحها الواسعة مع دول مجلس التعاون الخليجي ضمن محددات تعاطيها مع الحرب الحالية، وتستمر في سياساتها القائمة على تجنّب تحويل شراكتها مع طهران إلى عامل قد يستفز شركاءها الاقتصاديين الرئيسيين في الخليج.

وتدرك الصين أنّ كلفة الانحياز المطلق لإيران قد تؤدي إلى خسارات اقتصادية لاستثماراتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي يتجاوز حجم تبادلها التجاري حاجز الـ 300 مليار دولار. وتعدّ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة شريكَيْن تجاريَّيْن وتكنولوجيَّيْن يفوقان في وزنهما الاقتصادي بالنسبة لبكين السوق الإيرانية المثقلة بالعقوبات. كما أنّ دول الخليج العربي، وخصوصاً السعودية، تظل المصدر المستقر والأكبر للطاقة بالنسبة إلى الصين. وأي زعزعة لاستقرار الممرات المائية في الخليج نتيجة الحرب ستضرب عصب الصناعة الصينية، لذلك تحاول بكين لعب دور الوسيط كما حدث في “اتفاق بكين” في آذار/ مارس 2023 لاستئناف العلاقات السعودية الإيرانية، والذي كان يهدف بالأساس إلى “تصفير المخاطر” الجيوسياسية المحيطة بمصادر الطاقة الصينية.

وبناءً على ذلك، فإنّ الموقف الصيني من الحرب الحالية محكوم بضرورة منع انهيار إيران دون استعداء الخليج، لضمان تدفّق النفط الإيراني الرخيص، مع الحفاظ على الاتفاقيات التجارية والاستثمارية العملاقة في دول الخليج.

6. التطلّعات لنظام دولي جديد:

تنطلق الصين في مقاربتها للأزمة من رؤية استراتيجية أشمل، تطمح من خلالها لإعادة هيكلة النظام الدولي القائم، الذي طالما وُجِّهت إليه الانتقادات، واصفة إياه بأنه نظام مبني على الهيمنة الغربية، يعامل الدول الأخرى بازدواجية ونظرة فوقية، ويُقصي المصالح الحيوية لدول “الجنوب العالمي”، وعاجز عن احتواء الأزمات.

وفي هذا السياق، توظّف الصين إدارتها للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كـمحفز لتسريع عجلة التعددية القطبية، فهي تستخدم الارتباك الأمريكي في إدارة الحرب كدليل عملي على إخفاق الأحادية القطبية، مما يعزّز من قبول دور الصين كقطب توازني بديل. ويتجلّى هذا الطموح في تصاعد تصريحات الصين التي تدعو إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بما يتناسب مع قيمها ومصالحها، ويعمل على حلّ الأزمات الدولية بشكل أكثر عدلاً وفعالية، وتسريع وتيرة توسيع نطاق التسويات التجارية باليوان الصيني، وتفعيل شبكات مالية بديلة (مثل نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (سيبس) Cross-Border Interbank Payment System (CIPS)) تتيح للحلفاء والشركاء النفاذ للأسواق العالمية والالتفاف على سلاح العقوبات الغربية.

وتطمح الصين لتكون المرشَّح الأول لإعادة إعمار البنية التحتية في إيران (الطاقة، والنقل، والاتصالات) في مرحلة ما بعد توقّف العمليات العسكرية، على أساس أنّ البنية التحتية الإيرانية محجوزة مسبقاً للشركات الصينية بموجب “وثيقة الشراكة الاستراتيجية”، مثل تحديث الموانئ، وكهربة خطوط السكك الحديدية، وبناء شبكات الجيل الخامس 5G، مما يعني أنّ أي عملية إعمار مستقبلية لابد أن تتقاطع مع بنود الوثيقة.

ثالثاً: الموقف الرسمي والأداء الديبلوماسي:

تُدير الديبلوماسية الصينية مقاربتها للحرب على إيران عبر استراتيجية حذرة، تتجنّب الصدام المباشر، وتوازن بين الخطاب القانوني والديبلوماسي والتحرّك الميداني الحذر. ويمكن رصد هذا الأداء من خلال المسارات التالية:

1. معركة الشرعية في مجلس الأمن Security Council:

تتّخذ بكين من الأمم المتحدة ساحة رئيسية لتقويض السردية الغربية، مستندةً إلى الدفاع عن مبدأ عدم التدخل وسيادة الدول، وإلى “مبادرة الأمن العالمي” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ Xi Jinping سنة 2023، والتي تنص على: الرفض القاطع لتغيير الأنظمة، ومعارضة استخدام العقوبات الأحادية والولاية القضائية طويلة الذراع.

تدرك الصين أنّ تمرير قرار أممي يشرعن الضربات الاستباقية الأمريكية – الإسرائيلية ضدّ منشآت إيرانيّة، سيتحوّل إلى “عرف قانوني” قد تستخدمه واشنطن لاحقاً لتوجيه ضربات استباقية ضدّ مصالحها في بحر الصين الجنوبي أو تايوان بحجة “التهديد المحتمل”. وخلال جلسات مجلس الأمن المتعلّقة بحق الدفاع عن النفس، يكرّر المندوب الصيني الدائم موقفاً قانونياً مفاده أنّ: “المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لا ينبغي أن تُستخدم كشيك مفتوح لتبرير الضربات الاستباقية المتهورة أو انتهاك سيادة الدول”. وصدر عن الخارجية الصينية في 2/4/2026 بياناً عدّت فيه أنّ الهجمات الأمريكية الإسرائيلية هي السبب لأزمة الملاحة في مضيق هرمز، كما ندّدت في 19/3/2026 باستهداف القيادات الإيرانية، وعدّته خطاً أحمر وغير مقبول.

2. توصيف العقوبات بـ”الإرهاب الاقتصادي”:

ترفض بكين جملةً وتفصيلاً العقوبات الأحادية الجانب. وفي تصريحات رسميّة متكرّرة، وصفت الصين الضغوط الاقتصادية الأمريكية على طهران بأنّها “إرهاب اقتصادي” يستهدف معيشة الشعوب، وعملت على تسريع تفعيل نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (سيبس) كبديل موازٍ لنظام “سويفت SWIFT” الغربي.

ويوفّر هذا النظام، الذي ما يزال في طور الانتشار، لطهران وسيلة تضمن استمرار تسويات تجارة النفط باليوان الصيني، بحيث يلتف على نظام العقوبات الأمريكية، لضمان استمرار شريان الحياة الاقتصادي لطهران بعيداً عن مقصلة الدولار الأمريكي.

3. توظيف المنظمات الإقليمية والدولية (بريكس وشنغهاي):

تعمل الصين على تحويل قضية الحرب من صراع “ثنائي” إلى قضية “دولية” تهم الجنوب العالمي، وتسعى من خلال منصات بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، والتي أصبحت إيران عضواً رسمياً فيهما بدعم صيني مباشر، لحشد موقف جماعي يندّد بالعقوبات الأحادية وعسكرة الولايات المتحدة للممرات المائية.

وتروّج بكين لرؤية مفادها أنّ أمن الشرق الأوسط يجب أن يكون قضية إقليمية تعاونية، يُدار من قبَل دول المنطقة نفسها، كما صرّح وزير خارجيتها مراراً، بعيداً عن التحالفات العسكرية الغربية، التي تصفها بكين بأنّها “وقود لصراعات لا حلّ لها”؛ وهو ما ترجمته بكين عملياً عبر رعايتها المصالحة السعودية الإيرانية.

4. الدعم التقني والمعلوماتي غير المباشر:

على الرغم من تجنّب الانخراط العسكري الصريح، إلا أنّ الموقف الصيني الرسمي يوفّر لطهران هوامش أمام “التعاون الأمني والتقني”، يتمثّل ذلك في التعاون الاستخباراتي، والدفاع السيبراني، والأهم من ذلك: إتاحة الوصول إلى شبكة الأقمار الصناعية الصينية للملاحة “بيدو BeiDou”، البديل لنظام تحديد المواقع العالمية GPS الأمريكي، والذي يمنح الترسانة الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية استقلالية وحصانة ضدّ محاولات التشويش الغربية.

وترى بكين أنّ دعم القدرات الدفاعية لإيران (في إطار اتفاقية الـ 25 عاماً) هو حقّ مشروع للدفاع عن النفس، وهو ما يمثّل رداً صينياً غير مباشر على الدعم الأمريكي المطلق لـ”إسرائيل” في هذه المواجهة.

رابعاً: السيناريوهات المستقبليّة:

لا يمكن صياغة سيناريوهات مستقبلية ثابتة لسلوك بكين دون ربطها بحجم التهديد الذي يمسّ مصالحها الحيوية، ومشاريعها الاستراتيجية، ويؤثّر على صعودها ككقوة عالمية. وبناءً على طبيعة تطوّر الحرب ضدّ إيران، ويمكننا رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتدرّج وفقاً لمستوى ونوع الانخراط الصيني:

السيناريو الأول: عدم الانخراط:

في هذا السيناريو، تكتفي الصين بعدم الانخراط المباشر في الأزمة وتجنّب الصدام العسكري والحفاظ على دعمها الديبلوماسي لإيران في مجلس الأمن، مع الاستمرار في تقديم الدعم لطهران عبر استمرار شراء النفط الإيراني بأسعار تفضيلية. ويتحقّق هذا السيناريو إذا ظلّت الحرب في حدودها الحالية وفي حدود الضربات المتبادلة، ولم تصل إلى مرحلة تدمير البنية التحتية الشاملة لإيران أو الغزو البري، مما لا يشكل تهديداً وجودياً لسلاسل الإمداد الصينية.

وهذا هو السيناريو المفضّل لبكين، لأنه يستنزف الموارد الأمريكية وصورتها دولياً، بينما تحافظ الصين على علاقاتها مع دول الخليج العربي و”إسرائيل” دون انهيار النظام الإيراني.

السيناريو الثاني: الانخراط المتوسط:

في هذا السيناريو، تعمل الصين على رفع مستوى الدعم التكنولوجي لإيران، مثل فتح شبكة الملاحة الفضائية الصينية (بيدو) بالكامل لتوجيه الصواريخ والمُسيرات الإيرانية، وتوفير صور أقمار صناعية، ودعم وحدات الحرب السيبرانية، كما قد تلجأ الصين للضغط عبر بريكس ومنظمة شنغهاي لاتخاذ إجراءات اقتصادية.

وقد تضطر الصين لهذا السيناريو إذا اتّجهت واشنطن وتل أبيب نحو تغيير النظام أو شلّ القطاع النفطي الإيراني بالكامل، وهو ما تراه الصين ضربة مباشرة لمشروع “الجسر الأوراسي” ومؤثّر مباشر على مشاريعها الاقتصادية وأمن الطاقة.

السيناريو الثالث: الانخراط الأقصى:

في هذا السيناريو، تتخلّى الصين عن سياستها الهادئة والمتوازنة وتنخرط بثقلها في الحرب. وهذا لا يعني بالضرورة مشاركة عسكرية مباشرة، بل ربما يشمل نشر قطع بحرية في بحر العرب والمحيط الهندي ومضيق هرمز، تحت حجة “مرافقة وحماية السفن التجارية الصينية”، وتفعيل بنود التعاون الأمني المباشر، واتخاذ إجراءات اقتصادية في مسعى لفرض إيقاف سريع للحرب.

قد تلجأ الصين لهذا السيناريو في حالة تضرّر مصالحها الاقتصادية بشكل كبير، كأن تندلع حرب شاملة تؤدي إلى إغلاق كلي وطويل الأمد لمضيق هرمز وبحر العرب وباب المندب، مما يعني انقطاع أكثر من 50% من إمدادات الطاقة الصينية، وانهيار أسواق المال، وتهديد الأمن القومي الداخلي الصيني بانقطاع الكهرباء وانهيار الصناعة.

الخلاصة:

سوف تتجنّب الصين الانخراط المباشر في الحرب؛ غير أنّ مسار العمليات العسكرية والمشهد في حالة ما زال في تدحرج مستمر، وهو ما قد يفرض دينامية تصاعدية واضحة في طبيعة السلوك الاستراتيجي لجمهورية الصين الشعبية حيال الأزمة.

ولم يعد من المستبعد أن تجد بكين نفسها مضطرة للانزلاق التدريجي نحو مستويات أعلى وأكثر مشاركة مباشرة في مسرح الصراع، خصوصاً إذا ما طال أمد الحرب وتحوّلت إلى صراع استنزاف شامل ينذر بانهيار هيكلي للنظام الإيراني، فسقوط طهران ليس مجرد خسارة عابرة لشريك إقليمي، بل هو هدم لـ”الجسر الأوراسي”، وتجفيف لشريان طاقة حيوي، وهو ما يُعدّ خطاً أحمر يمس صميم الأمن القومي الصيني. ومع ذلك، فإنّ هكذا انخراط سيظل مرتبطاً بالحذر الشديد وبحسابات معقّدة، حتى لا تبتعد عن مسارها الاستراتيجي الحالي في “الصعود السلمي”، وتجنّب الصدام مع القوى الكبرى.



للاطلاع على التقدير الاستراتيجي بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> التقدير الاستراتيجي (143): محددات وسيناريوهات الموقف الصيني من الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران (14 صفحة، 1.9 MB)



[*] د. محمد مكرم بلعاوي، رئيس منتدى آسيا والشرق الأوسط، ومتخصص في شؤون القارة الهندية والشرق الأقصى.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 15/4/2026



جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من التقديرات الاستراتيجية: