مدة القراءة: 5 دقائق

نظم مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، يوم الأربعاء 8 تموز/ يوليو 2026 حلقة نقاش عبر تقنية مؤتمرات الفيديو (الزووم Zoom)،تحت عنوان: ”انعكاسات الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضدّ إيران على القضية الفلسطينية“، بمشاركة نخبة مختارة من الخبراء والمختصين.

أدار حلقة النقاش مدير عام مركز الزيتونة أ.د. محسن محمد صالح، الذي افتتح النقاش مؤكداّ على أن الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران تترك تداعيات واسعة على البيئتين الإقليمية والدولية، وأن الحلقة تركز على انعكاساتها على القضية الفلسطينية، من خلال بحث تأثيرها في السلوك الإيراني والإسرائيلي والأميركي، ومستقبل المقاومة الفلسطينية، والبيئة العربية، في إطار نقاش علمي واستشرافي بمشاركة باحثين ومتخصصين.

وفي مداخلته عن انعكاسات الحرب على السلوك الإيراني تجاه القضية الفلسطينية، أكد د. حسام مطر، المتخصص في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، أن نتائج الحرب ما تزال قيد التَشكُّل، وأن تقييمها النهائي سابق لأوانه. وأوضح أن فهم توجهات إيران المستقبلية يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية هي: كيفية قراءتها لنتائج الحرب، وواقع القضية الفلسطينية، والتحولات في البيئة الإقليمية.

ورأى أن الحرب رسخت لدى إيران قناعة بأن “إسرائيل” تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، كما عززت مشروعية دعم القضية الفلسطينية ومحور المقاومة داخل إيران، لكنها في الوقت نفسه أبرزت الكلفة المرتفعة للمواجهة العسكرية المباشرة، ما سيدفع طهران إلى إعادة ترتيب أولوياتها.

وأشار إلى أن التحولات الإقليمية قد تفتح المجال أمام تفاهمات أوسع مع بعض القوى الإقليمية بما يخدم القضية الفلسطينية، في حين أن الحصار المفروض على غزة والواقع الميداني يقلصان فرص استمرار أنماط الدعم السابقة.

وخلص إلى أن السياسة الإيرانية ستمنح أولوية أكبر للدعم السياسي والدبلوماسي والإنساني، مع السعي إلى تثبيت دور إيران في أي ترتيبات تخص القضية الفلسطينية، وتعزيز صمود الفلسطينيين، ومواصلة الضغط على “إسرائيل”، إلى جانب تطوير أساليب جديدة لدعم المقاومة تتكيف مع المتغيرات التي أفرزتها الحرب.

وتناول د. نهاد الشيخ خليل، المتخصص بالشأن الإسرائيلي، في مداخلته حول انعكاسات الحرب على السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية ترى في وجود الشعب الفلسطيني تهديدًا استراتيجيًا، وتسعى إلى تكريس الضم والاستيطان وتهجير سكان قطاع غزة. وأوضح أن استمرار الحرب يرتبط بأربعة دوافع رئيسية: بقاء بنيامين نتنياهو في السلطة، والصراعات السياسية الداخلية، والأيديولوجيا اليمينية، ومشروع فرض الهيمنة الإسرائيلية على الإقليم.

وأشار إلى أن التقديرات الإسرائيلية تعدّ الحرب على إيران نجاحًا عزز الردع، وأضعف محور المقاومة، ورسخ التعاون مع الولايات المتحدة، مع استمرار اعتبار إيران التهديد الإقليمي الأبرز.

ورأى أن قدرة “إسرائيل” على مواصلة التصعيد ترتبط إلى حد كبير بالموقف الأميركي، إلى جانب تأثير الضغوط السياسية والدبلوماسية والرأي العام الدولي. كما استعرض سيناريوهات محتملة، تشمل استمرار العمليات العسكرية، أو اللجوء إلى مسارات سياسية مشروطة تحقق الأهداف الإسرائيلية تدريجيًا. وختم بالتأكيد أن تنشيط التحرك العربي والإسلامي الرسمي، مدعومًا بالضغط الشعبي الدولي، يمثل العامل الأبرز للحد من التصعيد الإسرائيلي.

وحول انعكاسات الحرب على السلوك اللبناني تجاه القضية الفلسطينية، أكد د. شفيق شقير، الباحث في مركز الجزيرة للدراسات والمتخصص بالحركات الإسلامية، في مداخلته، أن العلاقة بين لبنان والقضية الفلسطينية تقوم على تأثير متبادل، مشيراً إلى أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يمثلون حالة خاصة بحكم قربهم الجغرافي من فلسطين وتاريخهم النضالي. وأوضح أن الموقف اللبناني الرسمي يستند إلى دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية، ورفض التوطين والتهجير، والتأكيد على حق العودة، باعتبار ذلك موقفاً سياسياً ومصلحة لبنانية في آن واحد.

وأشار شقير إلى أن لبنان يعيش مرحلة إعادة تموضع داخلي وإقليمي بعد التحولات الأخيرة، انعكست على الملف الفلسطيني، خصوصاً بعد مشاركة فصائل فلسطينية في المواجهات على الحدود الجنوبية خلال الحرب الأخيرة. وأضاف أن أصواتاً لبنانية بدأت تربط بين القضية الفلسطينية والتكاليف التي تحمّلها لبنان، ما قد يؤثر في مستقبل الوجود الفلسطيني، ولا سيما في ظل النقاش حول سلاح المخيمات والحقوق الفلسطينية. وحذّر من أن بعض التحولات قد تفتح الباب أمام ضغوط تؤدي إلى تهميش الفلسطينيين أو وضعهم في بيئة تؤدي إلى تهجيرهم تدريجياً، مؤكداً أن مستقبل الملف سيبقى مرتبطاً بالتوازنات اللبنانية والإقليمية.

من جهته أكد أ. د. وليد عبد الحي، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الدراسات المستقبلية والعلاقات الدولية، في مداخلته حول انعكاسات الحرب على السياسة الأمريكية تجاه قضية فلسطين، أن الحرب الإيرانية–الإسرائيلية وانعكاساتها الإقليمية ستؤثر في مسار السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن العلاقة الأميركية–الإيرانية منذ عام 1979 اتسمت بدرجة عالية من العداء، وكانت القضية الفلسطينية أحد المحاور الأساسية في هذا الصراع. ورأى أن شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمثل عاملاً مركزياً في فهم توجهات الإدارة الأميركية، موضحاً أن سياساته اتسمت بانحياز استراتيجي واضح لـ”إسرائيل”، من خلال سلسلة خطوات شملت الاعتراف بالقدس عاصمة لها، ونقل السفارة الأميركية إليها، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ودعم الاستيطان، وطرح “صفقة القرن”، وصولاً إلى دعم الحرب على غزة.

وأوضح عبد الحي أن ترامب يتعامل مع الدول العربية من منظور المصالح الاقتصادية والأمنية، ويركز على علاقاته مع الأنظمة أكثر من اهتمامه بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، لافتاً النظر إلى أن الحرب مع إيران قد تُستثمر لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية وإضعاف ارتباط إيران بالقضية الفلسطينية. وأضاف أن واشنطن قد تسعى إلى استخدام المقايضات الدولية مع القوى الكبرى على حساب الحقوق الفلسطينية. وختم بأن مكانة “إسرائيل” الاستراتيجية ستتعزز في الرؤية الأميركية، مع استمرار سياسات التطبيع، وتهميش المؤسسات الدولية، وتأجيل ملفات القدس واللاجئين والسيادة الفلسطينية.

وأكد أ. عاطف الجولاني، رئيس تحرير صحيفة السبيل والخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، في مداخلته حول انعكاسات الحرب على المقاومة الفلسطينية، أن المواجهة على الجبهتين الإيرانية واللبنانية جاءت ضمن تداعيات حرب 7 أكتوبر وطوفان الأقصى، مشيراً إلى أن صمود المقاومة الفلسطينية طوال عامين شكّل عاملاً مؤثراً في حسابات الأطراف الأخرى. وأوضح أن انشغال الاحتلال بالمواجهات مع لبنان وإيران خفف الضغط عن قطاع غزة، ومنح المقاومة فرصة لإعادة ترتيب قدراتها وترميم وضعها الميداني.

وأشار الجولاني إلى أن المواجهة الأخيرة عززت، ميزان الردع في مواجهة الاحتلال، وأعادت الحيوية لفكرة “وحدة الساحات” بعد مشاركة جبهات متعددة في المواجهة، مؤكداً أن فشل محاولات نزع سلاح المقاومة في لبنان وإيران سينعكس على الضغوط الممارسة على المقاومة الفلسطينية. وأضاف أن تجربة تعافي حزب الله بعد الضربات التي تعرض لها قد تشكل نموذجاً تستفيد منه المقاومة الفلسطينية.

وختم الجولاني بالتأكيد أن أولويات المقاومة خلال المرحلة المقبلة تتمثل في الصمود، والحفاظ على القدرات، وتعزيز التواصل الإقليمي، ودراسة مستقبل مشروع وحدة الساحات، معتبراً أن نتائج المواجهة الأخيرة قد تعزز روح المقاومة وشرعيتها السياسية في المنطقة.

وفي مداخلته حول انعكاس الحرب على السلوك العربي تجاه القضية الفلسطينية، أكد أ. فراس أبو هلال، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ورئيس تحرير موقع عربي21، أن الحرب على إيران كشفت حدود القدرة الأمريكية على التحكم الكامل بالمنطقة، وأظهرت أهمية دول الخليج ومصر في معادلات الأمن والطاقة والمصالح الدولية. ورأى أن هذه المعطيات قد تمنح الدول العربية هامشاً أكبر للضغط على واشنطن في الملف الفلسطيني بدلاً من الاكتفاء بتلقي الضغوط.

وأشار أبو هلال إلى أن الحرب أظهرت أيضاً أن الولايات المتحدة قادرة على كبح “إسرائيل” إذا قررت ذلك، ما يعني أن امتلاك العرب لأوراق اقتصادية واستراتيجية يمكن أن يُستخدم لدفع واشنطن نحو سياسات أكثر توازناً تجاه فلسطين. كما رأى أن الحرب أعادت طرح سؤال العدو والصديق في المنطقة، إذ بيّنت أن السلوك الإسرائيلي كان عاملاً رئيسياً في توسيع دائرة الصراع وتهديد أمن الخليج.

وأضاف أن التجربة أثبتت أن التطبيع لا يوفر بالضرورة الأمن، بل قد يزيد من التعرض للمخاطر، داعياً إلى تبريد مسار التطبيع وتعزيز الانفتاح على مختلف القوى الفلسطينية لبناء أوراق قوة عربية أكثر فاعلية في مواجهة التحديات الإقليمية.

وكانت هناك مداخلات وتعليقات مهمة من مجموعة من الخبراء والمتخصصين على الأوراق المقدمة، وإجابات وتوضيحات مقدِّمي المداخلات على تساؤلات المناقشين وملاحظاتهم في ختام حلقة النقاش.


 




مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 9/7/2026