مدة القراءة: 13 دقائق

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتاباً جديداً بعنوان “توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية نحو الصراع العربي -الإسرائيلي”، للدكتور عزام عبد الستار شعث.

ويهدف هذا الكتاب الواقع في 288 صفحة من القطع المتوسط، إلى تقديم بحث متكامل عن آليات تشكّل النخب في إطار النظام السياسي الفلسطيني بمكونيه: منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية. بالإضافة إلى تحليل توجهات أعضاء النخبة السياسية الفلسطينية نحو مستقبل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والكشف عن طبيعة دور النخبة السياسية الفلسطينية في إدارة الصراع.

وتأتي أهمية هذه الدراسة في أنها تتناول قضية راهنة تتصل بواقع ومستقبل ومصير الشعب الفلسطيني، لجهة مكانة النخبة السياسية في صنع وتنفيذ القرار السياسي، وإن في حدود الشروط الموضوعية الحاكمة للوضع الفلسطيني. ومن حيث التوقيت، فإن الدراسة أُجريت في وقت تتجه فيه الأنظار نحو النخب السياسية الفلسطينية؛ لابتداع أساليب نضال جديدة تُلبي الحقوق الوطنية الفلسطينية، في ضوء انسداد الأفق أمام المشروع الوطني الفلسطيني.

ويسر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن يوفر الفصل الثاني منه للتحميل المجاني.

لتحميل الفصل الثاني، اضغط على الرابط التالي:
الفصل الثاني: نخبة السلطة الوطنية الفلسطينية (52 صفحة، حجم الملف 2.1 MB)
معلومات النشر:

– العنوان: توجهات النخبة السياسية الفلسطينية نحو الصراع العربي – الإسرائيلي
– تأليف: د. عزام عبد الستار شعث
– الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
– عدد الصفحات: 288 صفحة
– تاريخ الصدور: 2019
– السعر: 15$
– ISBN: 978-9953-572-78-9

 


– الكتاب متوفر للشراء، عبر: || || || ||



عرض كتاب: توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية نحو الصراع العربي – الإسرائيلي

حسام شاكر

“توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية نحو الصراع العربي – الإسرائيلي” هو عنوان كتاب للدكتور عزام عبد الستار شعث، يمثِّل إضافة في مجاله بتسليط الضوء على هذه النخبة وتشكّلها وتوجّهاتها. تتوزّع مضامين الكتاب على أكثر من مائتي صفحة، تليها ملاحق من عشرات الصفحات، وهو يقوم على دراسة أنجزها الباحث وكرّسها لفحص توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية وتحليلها والكشف عن طبيعة دورها في إدارة الصراع مع الاحتلال وقياس اتجاهاتها.

صدر الكتاب الجديد عن “مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات”، الذي نشر سابقاً ما يدخل في مباحث النخبة السياسية، لاسيما كتاب “سمات النخبة السياسية الفلسطينية قبل وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية” الصادر عام 2009، وهو من تأليف سمر جودت البرغوثي.

ويكتسب الكتاب الجديد للدكتور عزام شعث، الواقع في زهاء ثلاثمائة صفحة من القطع الكبير، أهمية إضافية بالنظر إلى أنّ الدراسة تتناول قضية راهنة تتّصل بواقع الشعب الفلسطيني ومستقبل قضيّته في لحظة دقيقة، خاصة مع حالة الانسداد القائمة والمآزق المتراكمة التي تعتريها من جانب؛ وتفاقُم مخاطر استشراء الاحتلال وتصفية القضية في هذه المرحلة من جانب آخر.

فصول الدراسة ومضامينها

يقع كتاب “توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية نحو الصراع العربي – الإسرائيلي”، في فصول خمسة تسبقها مقدمة وتليها خاتمة، والفصول مكرّسة على التوالي لبحث نخبة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم نخبة السلطة الفلسطينية، ثم دور المقاومة الفلسطينية في معادلة الصراع، ثم دور التسوية السياسية في معادلة الصراع، يليها الفصل المشتمل على نتائج الدراسة الميدانية.

يستعرض الفصل الأول من الدراسة؛ المساعي الرسمية لإنشاء الكيان الفلسطيني، وبنية النظام السياسي الفلسطيني، ومراحل تشكّل النخبة السياسية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير خلال المرحلة الممتدة من سنة 1964، أي عندما تأسست المنظمة، وحتى سنة 2017، وعبر هذه المدة التي تتجاوز نصف قرن تقلّبت القضية الفلسطينية ونخبتها السياسية بين محطات شائكة وحرجة. يتناول هذا الفصل آليّات تشكّل النخبتيْن التشريعية والتنفيذية من خلال المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية للمنظمة، والظروف التي أثّرت في إنتاجهما، ومن ذلك نظام المحاصصة (الكوتا) التي كانت، وما زالت، فصائل منظمة التحرير تلجأ إليها لتصعيد نخبتها إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية وإلى أطر المنظمة ولجانها المختلفة. الأمر الذي يعني أنّ المنظمة لم تكن تعتمد نظاماً انتخابياً في اختيار أعضائها أو من يتولّون المناصب القيادية في مؤسساتها، وكان لهذا تبريراته عادة (ص 37-38، 221).

في الفصل الثاني تتناول الدراسة هيكل مؤسسات السلطة الفلسطينية وبنيتها، باعتبارها المكوِّن الثاني للنظام السياسي الفلسطيني، وآليّات تشكّل النخبة السياسية في أطرها، وهي التي تأسّست في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو (1993-1994)، وذلك عبر لجوئها إلى تنظيم الانتخابات العامة التشريعية والتنفيذية في مناطق السلطة في السنوات 1996، 2005، 2006. وتشير الدراسة إلى أنّ هذه الانتخابات تُعَدّ أول مظاهر الديمقراطية في النظام السياسي الفلسطيني بعد ما يزيد على ثلاثين عاماً أبقت فيها المنظمة على نظام المحاصصة في مؤسساتها كافّة، وهذا ما ميّز السلطة الفلسطينية من جهة الآليّات التي لجأت إليها لاختيار أعضاء النخبة السياسية في السلطة التشريعية (ص 71). كما مهّد قيام السلطة الطريق أمام تشكّل نخبة سياسية فلسطينية جديدة لها سماتها ومواصفاتها الخاصّة، التي جمعت ما بين “النخبة المحلية”، أي نخبة الضفة والقطاع، و”النخبة العائدة” إلى مناطق السلطة عقب توقيع اتفاق أوسلو. وميّزت الدراسة في هذا الفصل بين مرحلتين من مراحل توليد النخبة السياسية في إطار السلطة؛ المرحلة الأولى تلت الانتخابات التشريعية والرئاسية سنتي 1996 و2005، وقد عُرفت النخبة السياسية المتشكِّلة في هذه المرحلة بالنخبة التقليدية ذات الطيف السياسي الواحد وهي النخبة التي أيّدت اتفاق أوسلو، ثم المرحلة الثانية بعد الانتخابات التشريعية سنة 2006 التي عرفت مشاركة واسعة للفصائل الفلسطينية، وبناء على ذلك تجدّدت النخبة السياسية وتنوّعت في المؤسستين التشريعية والتنفيذية للسلطة. كما ترافق ذلك مع بروز تمظهرات أخرى للنخب الفلسطينية. لكنّ مفارقة مرحلة النخبة السياسية في السلطة ذات الطيف الواحد تلازم مع حالة انقسام في البيت السياسي الفلسطيني بعد سنة 2006، كما تلحظ الدراسة.

أما الفصل الثالث فيستعرض تطوّرات الصراع العربي – الإسرائيلي، ويسرد الخيارات التي لجأ إليها الفلسطينيون في إدارة الصراع. جاء من ذلك استخدام القوى والمنظمات الفدائية أداة المقاومة بصورتيها الشعبية المسلّحة والشعبية السلمية، وتأثُّر خيار الكفاح المسلح بشروط الواقع وحرية الحركة المتاحة له وبالظروف الإقليمية. ويتناول الفصل ذاته مفهوم المقاومة المسلّحة والسلمية في الفكر السياسي الفلسطيني.

ثمّ يأتي الفصل الرابع ليصف التحوّلات السياسية التي شهدتها منظمة التحرير بانتقالها من هدف التحرير الشامل إلى التسوية السياسية والحلول المرحلية بوساطة دولية، وهذا بدءاً من سنة 1974. ويستعرض الفصل تطوّرات المشهد الفلسطيني على صعيد التسوية والعلاقة مع الجانب الإسرائيلي والوساطات والمبادرات الدولية والإقليمية ذات الصلة.

وفي الفصل الخامس تتحرّى الدراسة توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية نحو الصراع العربي – الإسرائيلي، بسؤال أعضاء النخبة ذاتها عن رؤيتهم لمستقبل الصراع في ضوء المأزق القائم الذي يتجلّى في عدم تحصيل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ويقوم الفصل على دراسة ميدانية تشتمل على مبحثين: تضمّن أولهما الإجراءات الميدانية للدراسة وعرض الثاني لنتائج الدراسة ومناقشتها. وتمّت الدراسة على عيِّنة قصدية من خمسين شخصية من النخبة السياسية الفلسطينية من اتجاهات متعدِّدة، من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وأعضاء المجلس التشريعي، ووزراء الحكومة السابعة عشرة المسماة “حكومة التوافق الوطني”، وأعضاء في المكاتب السياسية لستة فصائل هي حركتا “فتح” و”حماس” والجبهتان الشعبية والديمقراطية والجهاد الإسلامي وحزب الشعب. وتمّ سؤال العينة عبر استمارة تتضمّن أسئلة تتوزّع على قسمين؛ البيانات الشخصية لعضو النخبة والأسئلة المتعلقة بالموقف السياسي. وتوزّعت هذه الأخيرة على محاور ثلاثة: الأهداف الوطنية الفلسطينية، وآليّات حلّ الصراع، وآليات الحل الدولية والإقليمية للصراع.

حيرة النخبة واضطراب الخيارات

تمنح نتائج الدراسة الميدانية التحليلية انطباعاً بأنّ النخبة السياسية الفلسطينية تقف بحالة انتظارية بلا خيارات ملموسة تحظى بقدر كافٍ من الوضوح والتوافق، فهي غير راضية عن مآل مشروع التسوية لكنها لا تملك رؤية متماسكة أو مشروعاً بديلاً على ما يبدو من إجاباتها. فمعظم النخبة تؤيد إنهاء اتفاقات أوسلو (72%)، وثمة إقرار جارف بأنّ المفاوضات بعد إعلان ترمب بشأن القدس لم تعد ذات جدوى وطنية (80%) (ص 215). لكنّ الدراسة تشي بحيرة النخبة السياسية الفلسطينية في التعامل مع واقع الانسداد القائم، وتعبِّر بعض التوجّهات عن اضطراب في الخيارات. فبينما تؤيد ثلاثة أرباع النخبة (76%) عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات على أساس الشرعية الدولية لحل الصراع، فإنّ أكثر من النصف (52%) أفصحوا عن رأيهم بأنّ ميزان القوى الحالي لا يسمح ببلورة مبادرة سياسية دولية جديدة لحلّ الصراع.

تبدو نتائج كهذه مدعاة للتساؤل عن فرصة عقد مؤتمر دولي مع استبعاد إمكانية بلورة مبادرة دولية جديدة أساساً، وهو ما يُحتمَل فهمه – بمعزل عن ما ورد في الكتاب – ضمن المراهنة التقليدية على خيارات دأب الخطاب السياسي للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير على المناداة بها منذ تعثّر ما عُرِف بـ”عملية سلام الشرق الأوسط”. تتأكّد سمة الاضطراب هذه لدى ملاحظة مدى التشاؤم ممّا تحمله إدارة ترمب للقضية الفلسطينية، فالدراسة تبيِّن أنّ 96 في المائة من النخبة السياسية الفلسطينية المبحوثة لا تعتقد بأنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سيتقدّم بخطة سلام تلبِّي تطلّعات الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، كما لا يعتقد 76 في المائة من المبحوثين بإمكانية أن يتراجع ترمب عن قراره بشأن القدس، أي الاعتراف بها عاصمة للاحتلال ونقل السفارة الأمريكية إليها، كشرط لاستئناف المفاوضات واستمرار العملية السياسية (ص 216).

تُفهَم هذه النتائج، نسبياً، بالتعويل على دور دولي بديل عن الرعاية الأمريكية للمفاوضات، وهو ما يتّضح مع قناعة 54 في المائة من المبحوثين بإمكانية إيجاد راعٍ لعملية السلام بديل عن الولايات المتحدة إلى حدّ ما. في التفاصيل يقبل 48.2 فى المائة بالأمم المتحدة كراعٍ للتسوية، و17.9 في المائة يقبلون بأعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية لهذا الغرض، و16.1 في المائة يقبلون برعاية الاتحاد الأوروبي، و8.9 يقبلون برعاية روسيا، و7.1 في المائة يقبلون برعاية صينية، أمّا الولايات المتحدة فلم تحظَ بأكثر من 1.8 في المائة في هذا الشأن، وهو ما يحمل دلالة عميقة بشأن خبرة ربع قرن من التسوية المتعثرة التي تم استهلالها بالمراهنة على الدور الأمريكي (انظر الفصل الرابع، ص 143-172).

ثمة إقرار واضح في هذا السياق بما طرأ من تغيّرات في آفاق التسوية، حتى أنّ 8 في المائة فقط يعتقدون أنّ المبادرة العربية ما زالت صالحة لحل الصراع (ص 217)، وهو ما يثير تساؤلات بشأن جدية قناعة النخبة السياسية الفلسطينية بالخيارات المعروضة عربياً في المستوى الرسمي لحل الصراع، أخذاً بعين الاعتبار أنّ قمّة الظهران العربية “قمة القدس” المنعقدة في سنة 2018 واصلت التمسّك بالمبادرة العربية للسلام التي تم إطلاقها سنة 2002. تشير النتائج أيصاً إلى أنّ 44 في المائة من المبحوثين يؤيدون حلاً سياسياً إقليمياً يضمن إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 (ص 216).

يمكن فهم أمارات الحيرة الماثلة في بعض توجّهات النخبة والاضطراب النسبي في خيارات التعامل مع الانسداد القائم، حسب ما يتضح من نتائج الدراسة؛ في واقع التكبيل الذي آلت إليه القضية الفلسطينية عموماً، و”القيادة الفلسطينية” والنظام السياسي الفلسطيني الناشئ بعد اتفاقيات أوسلو خصوصاً، وهو تكبيل قائم بالاتفاقات الموقعة وما ترتّب عليها، فالقيادة ومعها السلطة والمؤسسات والنخبة السياسية ذاتها، محاصرة جغرافياً وسياسياً ومالياً باشتراطات واقع يتحكّم به الاحتلال وتهيْمن عليه الولايات المتحدة، علاوة على تضعضع الواقع الإقليمي العربي وغياب الظهير الدولي.

وجسّدت المؤتمرات العامّة لحركة “فتح” المنعقدة بعد قيام السلطة الفلسطينية، أي بدءاً من المؤتمر السادس المنعقد سنة 2009 في بيت لحم، واقع الانسداد ومأزق الارتهان للوضع القائم دون الانفتاح على خيارات بديلة، وهو ما يُلحظ في تفاصيل السرد الذي تضمنته الدراسة (ص 148 مثلاً).

ما يُفاقم المعضلة أنّ النخبة السياسية الفلسطينية، خاصة المرتبطة منها بمشروع السلطة القائم على التسوية السياسية وعلى أنّ المفاوضات خيار استراتيجي؛ تواجه في المرحلة الراهنة تحديداً مأزق تضعضع مشروع الدولتين بالصفة التي حدّدتها الرباعية الدولية في العقد الماضي. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تدفع باتجاه تصفية القضية الفلسطينية خطوة خطوة لا تسويتها كما يقضي بذلك اتفاق أوسلو أو خطوط الرباعية، وهذه الإدارة ماضية على ما يبدو في حسم بعض ملفّات القضية، كما اتضح في شأن القدس، بمعزل عن المسار التفاوضي، علاوة على ما يلوح في الأفق الوشيك تحت عنوان “صفقة القرن”. ويفرض الاحتلال واقعاً مستشرياً على الأرض يتكرّس فيه الاستيطان وتتقلًص فيه فرص التواصل الجغرافي لمناطق الدولة الفلسطينية المفترضة حسب مشروع الرباعية؛ فلا تعود معه أي فرصة لدولة فلسطينية مرتقبة “قابلة للحياة” أساساً. ويتكرّس مع الوقت الدور الوظيفي لأجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية بصفة تقف على النقيض من خيار المقاومة المسلّحة وبما لا ينسجم مع ثقافة المقاومة الشعبية أيضاً، بينما يتعمّق الانقسام في البيت السياسي الفلسطيني وتتسع الهوّة الإدارية بين الضفة والقطاع.

ما يزيد من خطورة هذا المأزق، أنّ النخبة السياسية الفلسطينية تبدو متشائمة في إمكانية رأب الصدوع الداخلية والاتفاق على وجهة فلسطينية واحدة، فالدراسة تُظهر أنّ أقل من نصف النخبة السياسية الفلسطينية حسب العينة المبحوثة (48%) تعتقد بإمكانية أن تتفق القوى السياسية الفلسطينية على برنامج سياسي واستراتيجية موحّدة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي إلى حدّ ما (ص 215).

مفعول التحوّلات الضاغطة

لا تنفكّ توجّهات النخبة السياسية عن شروط الواقع وتحوّلاته. وقد وقف الباحث في دراسته على مفعول الهزائم والانكسارات الميدانية التي عرفها الإقليم العربي، علاوة على التحوّلات الدولية الضاغطة على الوضع العربي والفلسطيني، وتأثيراتها على خيارات النخبة السياسية الفلسطينية وتوجّهاتها. تجلّى ذلك مثلاً في تداعيات هزيمة حزيران/ يونيو 1967 (ص 40، ص 152) وحرب الخليج 1990 – 1991 (ص 158) التي تزامنت مع تفكك الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية التي شكّلت ظهيراً دولياً نسبياً للموقف الفلسطيني، واتضحت التأثيرات الارتدادية لبعض التطوّرات الجسيمة مع منعطف 11 أيلول/ سبتمبر 2001 وتوجّهات إدارة جورج بوش الابن من بعده (ص 163). كما تلحظ الدراسة، ضمناً، تأثيرات الموقف العربي وتراجعاته المطّردة على خيارات النخبة السياسية الفلسطينية (ص 153). ويُلاحَظ أيضاً تأثير الواقع الميداني الذي اكتنف الثورة الفلسطينية والعمل الفدائي على الخيارات السياسية الفلسطينية، مثل فقدان الفدائيين قواعدهم في الأردن ولبنان وخروج مصر من المواجهة (ص 154)، وتآكل طوق المقاومة المحيط بفلسطين من حالة “الطوق الكامل” إلى “الطوق المنقوض” إلى “الطوق المفقود” (ص 125).

ورصدت الدراسة نشوء مقولة إقامة الدولة الفلسطينية ثم نموّها وتضخّمها التدريجي في الخطاب السياسي الفلسطيني بعد سنة 1967، وتقديم الدولة بالتالي على أولوية التحرير، حتى انتهى الأمر بمقولة الدولة إلى شعار بلا فحوى مؤكدة؛ فقد تكون هذه “دولة” فاقدة للسيادة أو قد تعني في بعض الخيارات حالة مطوّرة عن سلطة الحكم الذاتي مع اشتراط أن تبقى منزوعة السلاح وعاجزة عن حماية شعبها، وهو ما ترصده الدراسة في سياق تناول ملف التسوية (ص 153-156). أمّا في نتائج الدراسة؛ فقد اتّضح أنّ 44 في المائة من العينة المبحوثة يؤيدون إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 في ضوء مشروع الدولتين.

لا تمنح النتائج يقيناً في هذا الشأن إن كان هذا التوجّه يتعلّق بمفهوم الحل المرحلي أو الخيار الدائم، فالنخبة ذاتها لا تؤيد في معظمها الاعتراف بدولة الاحتلال، كما أنّ 60 في المائة لا يؤيدون “الاعتراف بدولة إسرائيل وحقها في الوجود”، و72 في المائة يؤيدون هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني، و86 في المائة يرون أنّ المشروع الوطني الفلسطيني لا يقتصر على الدولة فقط.
عموما؛ تُفصح هذه النتائج عن افتراق بيِّن عن الخطاب الرسمي المعتمد في السلطة الفلسطينية، الذي يحصر “المشروع الوطني” في نطاق ما عُدّ سابقاً حلاّ مرحلياً، وفق “برنامج النقاط العشر” لسنة 1974 (ص 154-155).

مأزق أم فشل؟

تكشف نتائج الدراسة في ثناياها عن شعور النخبة السياسية الفلسطينية بمأزق جسيم آلت إليه القضية الفلسطينية، ومن ذلك ما يستنتجه الباحث من أنّ الإجابات “تشير إلى أنّ السلطة الفلسطينية لم تَعُد قادرة، بوضعها الحالي، على تحمُّل مسؤولياتها في سبيل تحصيل التحرّر والاستقلال الوطني جراء الضغوط الواقعة عليها والظروف التي تمرّ بها” (ص 200).

وإذ تواجه الساحة الفلسطينية تعثّراً مزمناً في عملية التسوية السياسية، وانسداداً مديداً في المفاوضات، وتآكلاً جسيماً في فرص قيام دولة فلسطينية بمواصفات الرباعية الدولية ذاتها التي تدنو بكثير عن مواصفات ما عُرف بالمشروع الوطني الفلسطيني أساساً؛ ينقشع الموقف عن سؤال جوهري مستحقّ: هل أخفقت التسوية السياسية أم لم تخفق بعد، أم أنها تعثّرت وحسب؟ يجوز الاستنتاج بأنّ الأطراف التي بنت توجّهاتها واستراتيجياتها وحساباتها السياسية على هذه التسوية كخيار أوحد، ومنها أطراف شاركت في صناعة الحالة أساساً، معنية بعدم إشهار انهيارها أو فشلها مع ملاحظة ارتباط مصائر بعض النخبة السياسية بنجاح الخيارات أو فشلها أحياناً، فلم يقع إعلان الفشل بعد حتى مع انهماك إدارة ترمب في إهالة التراب على التسوية ومحاولة فرض مشروع بديل للتصفية لا يستجيب للحدّ الأدنى الذي يمكن لأي من الأطراف الفلسطينية أن تقبل به. إنّ تحاشي إعلان الفشل، قد يكون محاولة متذاكية من المجتمع الدولي، أوروبا مثلاً، لإبقاء الحالة على شعار التسوية الأجوف لانتفاء الوعود البديلة التي يمكن تسويقها للشعب الفلسطيني.

تتجاوز دراسة “توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية” سؤال فشل التسوية من عدمه، فبعض أسئلتها صيغت أساساً بتعبير يستبعد حصول الإخفاق حتى الآن: “في حال فشلت جهود التسوية السياسية..”، وهو مفهوم في ضوء غياب الاعتراف الرسمي من الأطراف ذات الصلة بانهيار التسوية وانسداد مساراتها بإطلاق. ثمة سؤال مشروع، بالتالي، عن إمكانية إعلان الفشل أو المصارحة به حقاً من قبل صانعي الحالة أو مَن ساهموا فيها أو ممّن لا يحتملون تبعات المكاشفة بالإخفاق الذي يتسارع تحت الأسماع والأبصار؛ لانتفاء البدائل المعروضة منهم أو استبعادها مسبقاً في الخطاب الرسمي الفلسطيني تحت وطأة واقع التكبيل الموضوعي القائم بموجب الاتفاقات وما بعدها.

في كل الأحوال؛ لا تبدو الخيارات البديلة عن الأمر الواقع واضحة، فمثلاً يرى 46.8 في المائة من النخبة السياسية الفلسطينية حسب العينة المبحوثة، أنه في حال فشلت جهود التسوية السياسية يجب حلّ السلطة الفلسطينية وتحمُّل منظمة التحرير المسؤولية عنها، بينما يؤيِّد 32.1 في المائة الإعلان عن دولة فلسطينية من جانب واحد، و14.3 في المائة يوافقون على الإبقاء على الوضع الراهن، أي استمرار السلطة والمنظمة، و7.1 في المائة يؤيدون استمرار السلطة الفلسطينية بمهامها حتى اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية كاملة العضوية. (ص 216)

أشكال النضال والمقاومة

من النتائج الجوهرية أنّ معظم العيِّنة النخبوية مقتنعة بأنّ “كافة أشكال النضال، وفي مقدمتها الكفاح المسلّح، لا زالت صالحة لنيل الشعب الفلسطيني حقوقه في الحرية والاستقلال الوطني”. فقد وافق على هذه المقولة بالكامل 72 في المائة، ووافق عليها إلى حدّ ما 22 في المائة، ولم يوافق عليها 6 في المائة فقط من العيِّنة المبحوثة. لكنّ عموم التأييد لذلك يتبعثر لدى المفاضلة بين “الخيارات الأكثر جدوى لحل الصراع”، فالمقاومة الشعبية حازت 28.2 في المائة، والمقاومة المسلّحة 16.9 في المائة، والمفاوضات 5.6 في المائة، والجمع بين المقاومة المسلحة والمفاوضات 9.2 في المائة، والجمع بين المقاومة الشعبية والمفاوضات لقيت 8,5 في المائة من التأييد، والعمل الدبلوماسي لتطبيق الشرعية الدولية مال إليه 13.4 في المائة، والانضمام للمؤسسات الدولية وتوظيفها لصالح دعم الحقوق الفلسطينية كسبت 18.3 في المائة من العينة. لا تبدو في الخيارات التي تعرضها الدراسة في هذه النقطة أنّ إمكانية الجمع بين المقاومة المسلّحة والمقاومة الشعبية السلمية قائمة أو واضحة بما يكفي، رغم أنّ الجمع بينها ممكن، وعرفته عملياً تجارب الشعب الفلسطيني في الماضي والحاضر كما بيّنت الدراسة في فصولها، وهو ما يتجلّى أيضاً مع أسلوب “مسيرات العودة الكبرى” التي انطلقت في ربيع 2018، أي بعد الحدّ الزمني للدراسة (حتى 2017)، وهي فعاليات شعبية سلمية أساساً ولم تقضِ بوقف خيار المقاومة المسلّحة في قطاع غزة وإنما تلازمت معه بصفة جديرة بالتأمّل.

عموماً، تشير هذه الملاحظة إلى إشكالية مفهومية عرفتها الساحة الفلسطينية في تناولها للمقاومة الشعبية، وبما يتجاوز الدراسة التي بين أيدينا. وإذ تناولت الدراسة توجّهات النخبة السياسية الفلسطينية من المقاومة الشعبية، أو المقاومة الشعبية السلمية، وأظهرت تأييداً واضحاً لها؛ فإنّ هذا التأييد لا يمنح تصوّراً كافياً عن طبيعة هذه المقاومة ومداها. فهل يقضي هذا المفهوم بالاقتصار على تحرّكات موضعية محددة في بعض قرى الضفة، مثل بلعين ونعلين والمعصرة والنبي صالح؛ أم يتخطّاه إلى استراتيجية وطنية أشمل لمقاومة الاحتلال بأدوات شعبية متعددة؟ ثمّ إنّ إبراز المقاومة الشعبية في خطاب السلطة الفلسطينية وحكومة سلام فياض تحديداً، بدءاً من سنة 2007، قابل لأن يُقرَأ أيضاً ضمن مسوِّغات طيّ صفحة “انتفاضة الأقصى” التي انتهجت خيار المقاومة الشعبية والمسلّحة معاً، وأنّ ذلك ذلك جاء ليمنح الانطباع بتعدّد خيارات القيادة الرسمية مع تعثّر مسار التسوية السياسية، وهو ما تشير إليه الدراسة بشكل ما (ص 115). وما يعزِّز هذا الاستنتاج أنّ قرارات التوجّه إلى المقاومة الشعبية (ص 114) لم تتنزّل في الواقع بصفة ملموسة ودؤوبة وجادة، شأن قرارات أخرى نادت بوقف “التنسيق الأمني” مثلاً.

يُلاحظ في هذا السياق أنّ أسئلة الدراسة وضعت العينة المبحوثة إزاء خيارات استبعدت ضمنياً الجمع بين المقاومة المسلّحة والمقاومة الشعبية السلمية، رغم الجمع بين أحد شكليْ المقاومة كل على حدة مع المفاوضات ضمن الأسئلة.

عن النخبة السياسية الفلسطينية

رغم أهمية الدراسة واستفاضتها وانضباطها الواضح في أدوات البحث، علاوة على أنها رسالة جامعية محكّمة علمياً، إلاّ أنّ الإشارة واجبة إلى محدودية اشتمال صفة النخبة السياسية الفلسطينية فيها، فقد اقتصرت الدراسة عملياً على قيادات مقيمة في الضفة الغربية وقطاع غزة (بنسبة 96 في المائة) أو 48 من أصل 50 شخصية شكّلت العيِّنة القصدية، فغابت عنها بالتالي قيادات في الخارج الذي يمثل ثلثي الشعب الفلسطيني على الأقل، كما غابت قيادات الحركة الأسيرة —وهذا مفهوم لاعتبارات موضوعية— وقيادات فلسطينيي الداخل المحتل سنة 1948 بالأحرى. ثمة نقاش مطلوب في هذا الصدد عن جدوى حصر مفهوم النخبة السياسية في الحالة الفلسطينية بقيادات الفصائل والمنظمة والسلطة، تشريعياً وتنفيذياً، دون فئات أخرى حاضرة بأقدار متفاوتة في المشهد السياسي الفلسطيني وحالة النضال الفلسطيني الواسعة؛ التي تتجاوز هذه التصنيفات الضيقة نسبياً، خاصة مع ترهّل المؤسسات الفلسطينية وتقادم الهياكل ذات الطابع التنفيذي وضعف تجدد النخبة القيادية ذاتها والفجوة القائمة بين الأجيال، وهو ما تشير إليه الدراسة أيضاً وتقف على شواهده من واقع العينة المبحوثة (ص 193-194).

تبحث الدراسة توجهات النخبة السياسية الفلسطينية بعد أن تسلِّط الأضواء على هذه النخبة، وتتكشّف في سياقها اختلالات مزمنة عرفها النظام السياسي الفلسطيني بين الأنظمة المقررة والممارسة المتّبعة. من المظاهر الإشكالية، مثلاً، ما يأتي باسم “القيادة الفلسطينية”، التي قد تعني في التداول الإعلامي صفة عامة تشير إلى قيادة السلطة والمنظمة من حول الرئيس، أو قد تكون تلك الهيئة التي اعتمدها الرئيس الراحل ياسر عرفات لتقوم بوظيفة مجلس استشاري وهيئة لإضفاء الشرعية على قرارات الرئيس؛ وتضمّ أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهيئة رئاسة المجلس الوطني، والمجلس الوزاري، وبعض رؤساء الأجهزة الأمنية، وبعض المحافظين، وبعض رؤساء البلديات، ورئاسة المجلس التشريعي، وشخصيات مستقلة من المجلسين التشريعي والمركزي، وعدداً من المستشارين السياسيين وقيادة حركة “فتح”، وعدداً من المستشارين العسكريين (ص 94).

يخلص الباحث الدكتور عزام عبد الستار شعث، في الكلمات الأخيرة من خاتمة الكتاب، إلى أهمية التأسيس “لمرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني حتى تحقيق الأهداف المشروعة سياسياً وقانونياً (…)”. ويبقى السؤال الشائك الذي يتولّد في الأذهان من روح هذه التوصية؛ عن قدرة النخبة السياسية الفلسطينية المزمنة على الدفع باتجاه هذا المطلب وقيادة مرحلة جديدة بجدارة، وكيف ستبدو سمات النخبة في هذه المرحلة المنشودة، أم سيبقى المهيْمنون على الحالة الراهنة والضالعون بأقدار ما في إنتاج مآزقها، في صدارة مشهدها؛ بكل ما يعنيه ذلك بالنسبة للشعب الفلسطيني ومستقبل قضيته؟


لتحميل الفصل الثاني، اضغط على الرابط التالي:
الفصل الثاني: نخبة السلطة الوطنية الفلسطينية (52 صفحة، حجم الملف 2.1 MB)

– الكتاب متوفر للشراء، عبر: || || || ||



مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 6/4/2019



المزيد من الكتب