الصفحات الخمس الأولى من الفصل السادس: “الأرض والمقدسات” (نسخة نصيّة HTML)

النص المعروض هو للصفحات الخمس الأولى من الفصل … للاطلاع على الفصل السادس كاملاً اضغط هنا  (55 صفحة، 4.6 MB)

الفصل السادس: “الأرض والمقدسات”

مقدمة:

شهدت سنتا 2012–2013 قفزات كبيرة في مشروع تهويد القدس، وتمكنت الجماعات المنادية ببناء “المعبد” وهدم المسجد الأقصى المبارك من الاستحواذ على مكانة سياسية غير مسبوقة، خلال انتخابات سنة 2013. وتمكنت في الوقت عينه من تطوير تنظيمها وعملها وقدرتها على التنسيق. وما لا تخطئه عين أيّ متابع أو باحث، هو أن تهويد القدس هو أحد الأهداف المركزية للدولة الصهيونية، والذي تُسخِّر له الموارد والإمكانات والطاقات، وأنه يتقدم على الأرض بشكلٍ فعال وغير مسبوق؛ وأنه بات يحظى بغطاء أمريكي متزايد.

وما زال التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يسير جنباً إلى جنب مع برامج مصادرة الأراضي، وبناء الوحدات السكنية، وتدمير الزراعة الفلسطينية، والسيطرة على المياه الفلسطينية، ومدّ الطرق الالتفافية، وهدم منازل الفلسطينيين. هذا، بالإضافة إلى متابعة حصار قطاع غزة والعدوان العسكري عليه، وتدمير بناه التحتية، وإعاقة الصيد البحري، وغيرها من برامج الاعتداء على الأرض والإنسان.

أولاً: المقدسات الإسلامية والمسيحية

1. المسجد الأقصى المبارك:

‌أ. تطور الموقف السياسي والديني والقانوني من المسجد الأقصى:

بعد احتلال المسجد الأقصى سنة 1967، سنَّت سلطات الاحتلال قانوناً أسمته “قانون حماية الأماكن المقدسة”، تكوَّن في حينه من خمسة بنود ضمت الحفاظ على الأماكن المقدسة من التدنيس والاعتداء، وحددت عقوبة لمن يعتدي عليها أو على “حرية دخول أعضاء مختلف الأديان إلى الأماكن المقدسة لهم” . في التطبيق، فسرت الحكومة الصهيونية هذا النص عملياً بتوجيه الشرطة الإسرائيلية لمنع اليهود من دخول المسجد الأقصى المبارك، لظروف واعتبارات كثيرة، ووُضع المسجد تحت إدارة وزارة الدفاع، في اعتراف ضمني بأن المسجد الأقصى أرض محتلة شأنه كشأن سائر أراضي الضفة الغربية التي احتلت في حرب سنة 1967، بخلاف ما كانت تقتضيه نظرياً القرارات الصهيونية بضم القدس.

أمام هذه الحقائق التاريخية، شكَّل هذا القانون وتفسيره من قبل الشرطة الإسرائيلية عائقاً أمام الجماعات اليهودية المتطرفة المنادية ببناء المعبد، ومع صعودها التدريجي منذ تسعينيات القرن العشرين كانت هذه الجماعات أمام خيارين: إما أن تتمكن من سنّ تشريع بديل في الكنيست ينص صراحة على “حقوق اليهود” في المسجد الأقصى، أو أن تلجأ إلى المحاكم الإسرائيلية أملاً في الحصول على تغيير تدريجي في تفسير هذا القانون.

منذ سنة 1993 بدأت هذه الجماعات لعبة تبادل أدوار مع المحاكم الإسرائيلية، فقدمت في أول الأمر استفساراً إلى “المحكمة العليا” سألت فيه إن كان ما تسميه “جبل المعبد” Temple Mount جزءاً من “أرض إسرائيل”، فجاء الرد بالإيجاب، ثم تقدمت مطلع القرن الـ 21 بطلب لدخول اليهود إلى المسجد مرتكزة على الحكم الأول، فصدر في سنة 2003 حكم يسمح بدخول اليهود إلى المسجد، ليغير بذلك مهمة الشرطة الإسرائيلية لأول مرة من منع اليهود من الدخول، إلى السماح لهم. ثم صدر سنة 2005 حكم جديد يبيح دخول اليهود بشكل جماعي “في غير وقت صلاة المسلمين”، لتفصح المحكمة لأول مرة ولو بشكل ضمني عن أجندة تقسيم المسجد الأقصى المبارك. في سنة 2010 قدمت هذه الجماعات طلباً بتقديم القرابين داخل المسجد الأقصى، فردت المحكمة طلبها لأسباب أمنية .

ويبدو أن مسار المحاكم هذا قد وصل إلى أقصى ما يمكن تحقيقه، إذ تغيرت بالفعل قواعد الدخول إلى المسجد الأقصى المبارك، ومع تراكم قرارات السماح لليهود بدخول المسجد فرادى وجماعات، تبدلت مهمة الشرطة الإسرائيلية من منعهم من الدخول إلى تأمين الحماية لهم ولاقتحاماتهم، وتشكلت قوة خاصة لحماية اليهود داخل المسجد، وفُرض مجال أمني من الكاميرات والمجسات الحرارية وبرامج المحاكاة ثلاثية الأبعاد على المسجد الأقصى المبارك بكامل أجزائه المسقوفة وغير المسقوفة.

وبالرغم مما أنتجه هذا المسار من وقائع على الأرض، وجدت الجماعات اليهودية المتطرفة نفسها أمام خيار الذهاب إلى الكنيست من جديد لاستكمال مشروعها، وأمام إغراء امتلاكها لمجموعة ضغط محدودة تتكون من سبعة نواب في الكنيست السابق؛ قدّم نواب هذه المجموعة في 9/8/2012 مشروعاً لتقسيم المسجد الأقصى تقسيماً زمانياً تاماً، بواقع تسع ساعات يومياً للمصلين اليهود، وتسع ساعات يومياً للمصلين المسلمين، وقَصْر الدخول إليه على اليهود في الأعياد اليهودية وعلى المسلمين في الأعياد الإسلامية . وبالرغم من سحب رئيس الكنيست هذا البند من التداول في تلك الجلسة خوفاً من تداعيات مناقشته، إلا أن هذا المشروع أفصح بشكل واضح، لا يحتمل اللبس أو التأويل، عن أهداف تلك الجماعات.

جاءت انتخابات الكنيست الـ 19 في 22/1/2013 لتمنح جماعات المعبد تأثيراً سياسياً أكبر، ومع تشكيل الحكومة المنبثقة عن تلك الانتخابات بات لهم كتلة من ستة وزراء ونواب وزراء، هم :

1. أوري أريل Uri Ariel أحد أكبر دعاة الاقتحامات الدائمة للمسجد، وأحد مقتحميه الدائمين، من حزب البيت اليهودي، وزيراً للإسكان والبناء.
2. نفتالي بينت من حزب البيت اليهودي وزيراً للصناعة والتجارة والعمل والشؤون الدينية، ومتولياً لحقيبة القدس.
3. داني دانون Danny Danon صاحب مشروع قانون منع أذان الفجر في المساجد، من حزب الليكود، نائباً لوزير الدفاع.
4. زئيف ألكين Zeev Elkin صاحب مشروع قانون التقسيم الزماني للأقصى الذي قدم في 9/8/2012، نائباً لوزير الخارجية.
5. تسيبي حوتوفلي Tzipi Hotovely شريكة دانون في مشروع منع الأذان، من حزب الليكود، نائب وزير النقل والبنية التحتية.
6.  إيلي بن دهان Eli Ben–Dahan من حزب البيت اليهودي، نائب وزير الأديان.

إضافة إلى موقعين قياديين على مستوى الكنيست هما: الحاخام موشيه فيجلين من كتلة الليكود – “إسرائيل بيتنا” البرلمانية نائباً لرئيس الكنيست، وميري ريغف Miri Regev رئيسة لجنة الداخلية والأمن في الكنيست .

على الرغم من هذا التقدم غير المسبوق، لم تَعُد تلك الجماعات لتقديم مشروع قانون جديد للتقسيم في الكنيست، بل آثرت استخدام سلطاتها الجديدة في الضغط على أجهزة الدولة لتحقيق تقدم في أجندتها، فطرحت للتداول فكرة مقتضاها أن المسجد الأقصى ليس تحت السيادة الإسرائيلية، وأن على أجهزة الدولة بأكملها أن تدرس كيفية إخضاعه للسيادة الإسرائيلية، فانعقدت لجنة الداخلية والأمن لمناقشة هذا الموضوع أكثر من مرة، كما ناقشه تقرير خاص لمدعي عام الدولة، وخرجت بدءاً من 14/4/2013 مسيرات واعتصامات لهذه الجماعات تحت هذا العنوان لاستثارة الرأي العام، وبدأت تحت سقف هذه الحملة ثلاثة مسارات متوازية:

1. مسار الضغط على الشرطة الإسرائيلية لتعديل قواعد الدخول إلى المسجد، وتقييد دخول المسلمين إليه مع التركيز على الأوقات المستهدفة بالتقسيم، وبالذات وقت الضحى، وقد أدى هذا الضغط لإدخال تعديلات منهجية في قواعد الدخول التي تفرضها الشرطة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وإلى اعتداءات أمنية متواصلة على المسلمين المرابطين فيه.

2. مسار التضييق على أعمال الأوقاف الإسلامية، وفرض رقابة على أعمال الترميم التي تجريها.

3. مسار الإلغاء السياسي للوضع القائم، وتوّج هذا المسار في 25/2/2014 مع طرح بند “نزع السيادة الأردنية” عن المسجد الأقصى للنقاش في الكنيست . وواقع الأمر أن للأردن سلطات إدارية محدودة على المسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية، من خلال دائرة الأوقاف الإسلامية ومجلس الأوقاف، أما السيادة فمفهوم مرتبط بامتلاك القوة القهرية، وبالقدرة على فرض القانون باستخدام هذه القوة وهي بحكم الأمر الواقع بيد الاحتلال بالفعل.

وتنظر جماعات المعبد إلى ما حصل سنة 1967 من تكريس لسلطة الأوقاف الإدارية على المسجد الأقصى بوصفها خطيئة تاريخية، وهي تتطلع اليوم إلى استخدام نفوذها الجديد لتصحيح هذا المسار، ولوضع المسجد الأقصى المبارك تحت سلطة وزارة الأديان الإسرائيلية ليدار من قبل الدولة الصهيونية مباشرة، مستغلة حالة الفراغ الإقليمي من حولها، والدعم الأمريكي غير المسبوق لأجندتها، وقد تجلى ذلك في الوثيقة التي كشفت عنها مؤسسة الأقصى للوقف والتراث في 11/10/2013، إذ تقدمت مجموعة “القيادة اليهودية” داخل حزب الليكود بمخطط إلى وزير الأديان يشمل التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، والأسس التي يجب أن تديره على أساسها وزارة الأديان الإسرائيلية. وأفصح المخطط صراحة لأول مرة عن خطة للتقسيم المكاني للمسجد، ويستهدف المخطط تحديد مساحتين لصلاة اليهود في الساحات الشرقية للمسجد: الأولى باللون الأخضر وتخصص للصلوات الفردية لليهود، والثانية باللون الأحمر وتخصص للصلوات الجماعية، حسبما تشير الخريطة التالية :

إلى جانب النفوذ السياسي داخل الكنيست والحكومة الإسرائيلية، شكلت المؤسسات العاملة لتأسيس “المعبد” مكان المسجد الأقصى ائتلافاً لها بات يعرف بـ”الائتلاف من أجل المعبد”، وقد بدأ هذا الائتلاف نشاطه الفعال في 21/3/2013 ، وقد كشفت تقارير لاحقة بأن عدد مؤسسات هذا الائتلاف بات 19 مؤسسة مسجلة رسمياً .

أ‌. الحفريات والإنشاءات تحت المسجد وفي محيطه:

سُجل آخر ارتفاع في أعداد الحفريات المعلنة قبل تاريخ 21/8/2012، إذ أضيفت أربع حفريات جديدة في الجهة الغربية أبرزها حفريات الحي اليهودي، وحفريات الباب الجديد للبلدة القديمة ، وموقع واحد في الجنوب، وآخر في الشمال هو حفرية مغارة الكتان، إذ بدأت سلطات الاحتلال بعمليات تأهيل لهذه المغارة التاريخية المعروفة، وفتحت في كانون الأول/ ديسمبر 2011 في سور مدينة القدس فتحة جديدة إلى الشرق من باب المغارة، اتضح لاحقاً بأنها فتحة لحفرية ألحقت بالمغارة، وادعت السلطات في حينه أنها تشكل مخرج طوارئ لزوار المغارة. وما تزال أعمال الحفر جارية في هذه المغارة التي تمتد بشكل طبيعي مسافة 250 م نحو الجنوب، ومن المحتمل أن تكون هذه الأعمال تهدف لإضافة مساحة جنوبية إضافية للمغارة، لربطها بشبكة الأنفاق أسفل المسجد الأقصى المبارك، لتشكل مدخلاً شمالياً لهذه الحفريات .

منذ ذلك الحين، يبدو أن أعداد الحفريات قد استقرت، وأن الجهد طوال سنة 2013 قد انصب على أعمال وصل تلك الحفريات ببعضها البعض وتأهيلها للزوار، لتشكل مدينة سياحية متكاملة تحت الأرض.

النص المعروض هو للصفحات الخمس الأولى من الفصل … للاطلاع على الفصل السادس كاملاً اضغط هنا  (55 صفحة، 4.6 MB)