أبرز العناوين لنشرة فلسطين اليوم
بن غفير يقتحم سجن ‘عوفر’ ويهدد الأسرى
رام الله: اقتحم وزير ‘الأمن القومي’ الإسرائيلي إيتمار بن غفير، اليوم[أمس] الجمعة، زنازين الأسرى في سجن ‘عوفر’ لمقام على أراضي غرب رام الله. وأظهر مقطع فيديو نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، مشاهد لاعتداءات وقمع للأسرى تزامنا مع اقتحام الوزير المتطرف للسجن. حيث أطلقت قوات الاحتلال قنابل الغاز والصوت داخل الزنازين، ووجهت الأسلحة للأسرى في زنازينهم، وأخرجت عددا منهم من زنازينهم ونكلت بهم في ساحة السجن. ووجه بن غفير تهديدات للأسرى بعدم القيام بأي تحركات خلال شهر رمضان، متفاخرا بالتغييرات التي أدخلها على أوضاع السجون منذ توليه منصبه ومهددا بإعدام الأسرى، ومعتبرا أن السجون أصبحت ‘سجنا حقيقيا وليست فندقا’.
وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 13/2/2026
في قبضة المقاومة… عميلة إسرائيلية تجمع معلومات عبر زوجات الأسرى
كشفت منصة ‘الحارس’ التابعة لأمن المقاومة عن معطيات جديدة في قضية أمنية تتعلق بعميلة استغلت الأوضاع الإنسانية لعائلات الأسرى في قطاع غزة، في سياق ما تصفه مصادر أمنية بـ’حرب الأدمغة’ التي يخوضها الاحتلال الإسرائيلي ضد البيئة الاجتماعية للمقاومة، عبر أدوات ناعمة تقوم على الخداع النفسي وجمع المعلومات من الحاضنة الشعبية.
ووفق ما سُمح بنشره، أقرّت العميلة، التي أطلق عليها اسم مستعار ختام، بأنها استدرجت زوجات أسرى بحجة تسليم أمانات أو تقديم مساعدات، من أجل جمع معلومات تتصل بطبيعة عمل أزواجهن داخل فصائل المقاومة. وأوضحت، بحسب المنصة، أنها كلّفت مباشرة من أجهزة مخابرات الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ هذه المهمة، مستندة إلى روايات إنسانية مفبركة تتقاطع مع واقع النزوح وفقدان المنازل والظروف المعيشية القاسية التي تعيشها العائلات في القطاع. وتشير المعطيات إلى أن الأسلوب اعتمد على بناء علاقات ثقة تدريجية مع الزوجات، وتوظيف خطاب عاطفي يلامس معاناتهن اليومية، بما يدفعهن إلى الإدلاء بتفاصيل شخصية أو تنظيمية عن أزواجهن، من دون إدراك البعد الأمني للمعلومات المتداولة.
المركز الفلسطيني للإعلام، 13/2/2026
خلافات حادة بميونخ بين الأوروبيين وإدارة ترمب بشأن مستقبل غزة
غارديان: شهد اليوم الأول من أعمال مؤتمر ميونخ للأمن خلافا حادا بين الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل قطاع غزة، حيث قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس إن ‘مجلس السلام’ -الذي أنشأه الرئيس دونالد ترمب– ما هو إلا أداة شخصية في يده تُعفيه من المساءلة أمام الفلسطينيين أو الأمم المتحدة.
وفي نفس الاتجاه، اتهم وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس الرئيس ترمب بمحاولة تجاوز التفويض الأممي الممنوح لمجلس السلام، وقال إن أوروبا -وهي أحد الممولين الرئيسيين للسلطة الفلسطينية- تم استبعادها من تفعيل المجلس.
وفي كلمتها أمام مؤتمر ميونيخ الجمعة، قالت كالاس إن الهدف الأصلي لقرار الأمم المتحدة بشأن إنشاء مجلس السلام هو مساعدة قطاع غزة، إلا أن هذا الهدف قد تم تحريفه، إذ لم يتضمن ميثاق المجلس أية إشارة إلى غزة أو الأمم المتحدة. وأضافت المسؤولة الأوروبية أن قرار مجلس الأمن الدولي نصّ على إنشاء مجلس سلام لغزة، وحدد مدة عمله حتى عام 2027، ومنح الفلسطينيين حق المشاركة فيه، وأشار إلى غزة، بينما جاء النظام الأساسي لمجلس السلام خاليا من كل هذه الأمور.
وتعليقا على تلك المواقف، قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن هذه هي المرة الأولى التي تحتدم فيها الخلافات بهذه الدرجة بشأن مشروع ترمب المتعلق بغزة، قبل الاجتماع الأول لمجلس السلام المُقرر عقده في واشنطن الأسبوع المقبل.
وفي مناقشات حادة مع كالاس، هاجم السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز ما وصفه بـ’التردد’ بشأن مجلس السلام، وقال إنه يجب الخروج من الوضع الراهن في غزة المتمثل في حرب لا نهاية لها. وأشار الدبلوماسي الأمريكي إلى أن إندونيسيا وافقت على المساهمة بـ8000 جندي في قوة الاستقرار الدولية بغزة، وتوقع أن يتم الإعلان عن المزيد من نشر القوات في الأسبوع المقبل.
وأفادت الغارديان بأن مايك والتز ادعى أن بعض الدول لا تشعر بالارتياح لضخ مليارات الدولارات لإعادة الإعمار من خلال منظومة الأمم المتحدة، وقال إن ‘سياسات ترمب تعتمد مقاربة متعددة الأطراف، بينما تحتاج الأمم المتحدة إلى إعادة ضبط من أجل العودة إلى أساسيات صنع السلام’.
الجزيرة.نت، 2026/2/14
تقرير: عودة أجواء الحرب مع إيران: تعزيزات أميركية إضافية… وتأهّب إسرائيلي
لم يكد رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، يعود من زيارته واشنطن، حتى استعجل عقد اجتماع رفيع المستوى مع قادة الأجهزة الأمنية، أمس، في وقتٍ تقدّر فيه المنظومة الأمنية الإسرائيلية أن ‘الاتفاق مع إيران لن يُوقَّع’. ويأتي ذلك ليعاكس ‘التفاؤل’ الذي تبديه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حيال مسار المفاوضات مع طهران، والذي يشير إلى فجوة بين الخطاب الأميركي العلني والحسابات الأمنية في تل أبيب. وعلى أيّ حال، يبدو أن ‘ترامب ونتنياهو قرّرا في أثناء اجتماعهما مواصلة الضغط على إيران بالتوازي مع استمرار المفاوضات’، وفق ما نقله موقع ‘أكسيوس’ عن مسؤول أميركي.
أما ترامب نفسه فوصف اجتماعه مع نتنياهو بأنه ‘جيد للغاية’، مضيفاً أن الأخير ‘يتفهّم الأمر’ في إشارة إلى المفاوضات مع إيران. وشدد ترامب على أن ‘القرار النهائي يعود إليه’، وأنه إذا لم يكن الاتفاق مع إيران ‘عادلاً جداً وجيداً جداً’، فإن المرحلة المقبلة ستكون ‘صعبة للغاية’. ورداً على سؤال حول ما إذا كان نتنياهو يريد إيقاف المحادثات، قال ترامب إن ‘هذا الأمر لم يُطرح’، وإنه سيتحدّث إلى الإيرانيين ‘طالما شاء’، وإذا لم يتمّ التوصل إلى اتفاق فستكون هناك ‘مرحلة ثانية’ ستكون ‘صعبة جداً عليهم’، مؤكداً أنه لا يسعى إلى ذلك. وأقرّ بصعوبة التوصل إلى اتفاق مع إيران، مشيراً إلى أنه ‘كان يعتقد سابقاً أن الاتفاق بات قريباً’. كما كشف ترامب أن إدارته طلبت دفعةً كبيرةً من طرازات فائقة التطور من قاذفات ‘B-2’ التي ضربت منشآت إيران النووية، وأنها أرسلت مجموعة حاملة طائرات كبيرة ثانية (جيرالد فورد) إلى المنطقة.
وعلى المقلب الإسرائيلي، أشار مراسل قناة ‘كان’ العبرية، سليمان مسودة، إلى أن نتنياهو غادر واشنطن وسط أجواء من ‘التفاؤل الحذر’. وبحسب التقرير، يشعر نتنياهو بأنه حقق ‘إنجازاً’ تمثّل في ‘التأثير’ على المقاربة الأميركية بشأن طبيعة الهجوم أو آلية التحرّك ضدّ إيران. وفي المقابل، تشير التقديرات في إسرائيل إلى أن ‘ترامب لا يزال يمنح المسار الدبلوماسي فرصةً إضافيةً’، غير أنها تلمّح إلى أن ‘صبره بدأ بالنفاد’، وأنه لن ينتظر طويلاً قبل الانتقال إلى خيارات أكثر حزماً إذا فشلت المفاوضات. واعتبر مسودة أن إسرائيل نجحت في ‘تسميم’ أجواء الاتفاق السهل الذي كانت إيران تسعى إليه، وأن ‘الكرة باتت في ملعب طهران قبل أن يتحوّل صبر واشنطن إلى فعل عسكري شامل’.
على أن ‘القناة 12’ العبرية نقلت عن مسؤولين أميركيين تأكيدهم لصحيفة ‘نيويورك تايمز’، أن ترامب لم يحسم بعد قراره بشأن توجيه ضربة إلى إيران. ومع ذلك، فقد جرى بحث خيار عسكري يستهدف البرنامج النووي الإيراني وقدرة طهران على إطلاق الصواريخ الباليستية، إلى جانب ‘دراسة إمكانية إرسال وحدات كوماندوز لتنفيذ مهام عسكرية محددة داخل الأراضي الإيرانية’. وأضاف المسؤولون أن ‘قاذفات B-2 المتمركزة في الولايات المتحدة لا تزال في حال تأهّب قصوى، في مؤشر إلى إبقاء الخيار العسكري مطروحاً على الطاولة’.
وفي ضوء ذلك، رأى مراسل موقع ‘واللا’ العبري أمير بوخبوط، أن التحركات الحالية هي أقرب إلى ‘خداع بصري’ أو ‘ذرّ للرماد في العيون’، معتبراً أن الهدوء القائم قد لا يعكس ما يجري خلف الكواليس. وحذّر بوخبوط من أن وتيرة الأحداث قد تتسارع نحو ‘أقصى درجات التصعيد’ بصورة مفاجئة وفورية، مسلّطاً الضوء على ما سمّاه ‘عنصر المفاجأة الإيراني’، ومتسائلاً عمّا إذا كانت طهران تمتلك القدرة على ‘مباغتة مختلف الأطراف بخطوات غير متوقعة تقلب الموازين’. كذلك، رصد التقرير استمرار تعزيز القوات الأميركية في المنطقة بآليات وكوادر إضافية، مشكّكاً ‘في جدوى هذا الحشد الضخم إذا كانت المساعي الدبلوماسية تتجه فعلياً نحو التهدئة’.
ومن جهته، أشار مراسل ‘القناة 14’ العبرية، نوعم أمير، إلى قرار واشنطن إرسال الحاملة ‘جيرالد فورد’ بدلاً من ‘بوش الأب’، مبيّناً أن وصول الأولى إلى المنطقة سيستغرق شهراً، أي ضعف المدة التي كانت ستحتاجها ‘بوش’، وهو ما يعني تمديد الجدول الزمني للتوتر. ومع ذلك، ووسط تحذيرات من إمكان انفجار الوضع تزامناً مع مدة الأعياد اليهودية، ذكر موقع ‘واللا’ أن المؤسسة الأمنية تدرس احتمال أن يؤدي انهيار المفاوضات إلى ضربة أميركية استباقية ضد إيران، قد تُقابَل بردّ إيراني قاسٍ يشمل إطلاق صواريخ باليستية ثقيلة في اتجاه دولة الاحتلال.
ولا يقتصر السيناريو المتداول على إطلاق صواريخ من الأراضي الإيرانية، بل يمتدّ إلى احتمال تنفيذ هجمات صاروخية من قبل حلفاء طهران في لبنان والعراق واليمن، وهو ما يعني فتح جبهات متزامنة وإغراق أنظمة الدفاع الإسرائيلية بوابلٍ من الصواريخ الثقيلة. وفي هذا الإطار، تستعد قيادة الجبهة الداخلية في دولة الاحتلال، برئاسة اللواء شاي كلابر، للتعامل مع ‘احتمال قصف باليستي مكثف قد يطاول مراكز مدنية وبنى تحتية استراتيجية، مع التركيز على ضمان استمرارية عمل المرافق الحيوية حتى في ظلّ ضربات واسعة النطاق’. وفيما عززت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في المنطقة عبر نشر بطاريات منظومة الدفاع الصاروخي المتقدمة ‘THAAD’ وأنظمة كشف وإنذار مبكر تحسباً لأي تصعيد محتمل، يعمل سلاح الجو الإسرائيلي على رفع مستوى جاهزية القواعد العسكرية والمنشآت التكنولوجية الحساسة.
الأخبار، بيروت، 14/2/2026
نحو تقييم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى… أ. د. محسن محمد صالح
التقييم الموضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية واجب وضرورة وليس ترفا؛ وهو وسيلة أساسية لاستخلاص الدروس والعبر وتطوير الأداء وتجاوز الثغرات، وهو منهج علمي عالمي، كما أنه منهج إسلامي أصيل برز في تقييمات وتوجيهات مفصلة وشاملة لغزوات بدر (سورة الأنفال) وأُحد (سورة آل عمران) وتبوك (سورة التوبة) وغيرها من التجارب والأحداث.
غير أنّ ثمة قوى متربصة بالمقاومة تسعى لتحطيمها وإفشالها وتشويه صورتها، وإبراز السلبيات وإخفاء الإيجابيات، والطعن في النوايا، والتغاضي عن الظروف الموضوعية التي دفعت المقاومة لقراراتها، والبيئات القاسية التي عملت فيها. وإلى جانب هؤلاء أناس مخلصون قد يفتقدون المعايير أو تنقصهم المعلومات الكاملة والمعطيات، وتختلط انطباعاتهم وأحكامهم بالشائعات وأدوات التحريض والتشويه الصهيوني والغربي.
يحاول هذا المقال أن يضع عددا من المؤشرات للوصول إلى تقييم موضوعي للمقاومة:
أولا: تتصف المقاومة الفلسطينية بسلوك موجي يصعد ويهبط، ولكنه لا يتوقف. والمقاومة مستمرة منذ بدايات الاحتلال البريطاني لفلسطين، ومع ظهور أول تنظيم عسكري فلسطيني مقاوم هو ‘جماعة الفدائية’ سنة 1919، أي قبل نحو 107 أعوام.
والحديث عن طوفان الأقصى باعتباره نهاية الحرب، ونهاية تجربة المقاومة غير صحيح علميا ومنهجيا، والتاريخ الفلسطيني مليء بالموجات والانتفاضات والثورات، التي تتفجر وتحقق منجزات كبيرة مرحلية في وقتها، ثم لا تلبث أن يصيبها الإنهاك، في أجواء من شراسة العدو والتفاوت الهائل في موازين القوى، وخذلان أو ضعف أو تواطؤ البيئة الرسمية المحيطة؛ فتهبط موجتها، بانتظار استكمال العناصر المؤدية لموجة جديدة، مع ملاحظة أن الموجة التالية تكون أقوى من سابقتها عادة، كما في موجة انتفاضة الأقصى (2000-2005) التي تلت موجة الانتفاضة المباركة/ انتفاضة الحجارة (1987-1993)، حيث وصلت الموجات إلى ذروتها في طوفان الأقصى الذي كان الموجة الأقوى منذ إنشاء الكيان الصهيوني. ولذلك، فنحن الآن في حالة ما بين موجتين، وليس ثمة إغلاق لملف المقاومة، فطالما أنّ المشروع الصهيوني لم يندحر، فإنّ المقاومة لن تتوقّف.
ثانيا: قد يتّفق البعض أو يختلفون حول الرابح أو الخاسر في طوفان الأقصى، أو من فاز بالنقاط؛ لكن أي تقييم استراتيجي يستند إلى معطيات اللحظة الراهنة فقط، سيكون قاصرا أو فاشلا، لأنّه لا يستقرئ المشهد العام، ولا يستند إلى الاتجاهات والمسارات الكليّة للأحداث، ويخلط ما بين الحدث والاتجاه الفرعي وبين المسارات العامة والمسار الأعظم (Mega Trend). ولذلك، فإنّ التركيز فقط على قسوة الأوضاع ومعاناة أهلنا في قطاع غزة، بالرغم من أهميته، لا يصلح وحده أساسا للتقييم.
فإلى جانب الوضع الراهن والنتائج السياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بتطبيقات خطة ترامب، فإنّ التقييم يجب أن يشمل الانعكاسات على الاحتلال الإسرائيلي والهزة العنيفة التي شهدها في أصل فكرة وجوده، ودوره الوظيفي، وسقوط سرديته، وسقوط مشروعيته الأخلاقية (اعتذاريات: الهولوكوست وواحة الديمقراطية والدفاع عن النفس والعداء للسامية..)، وخسائره الكبيرة العسكرية والاقتصادية، والهجرة العكسية (التي تقدر بنحو 550 ألف يهودي في الأشهر الستة الأولى لمعركة طوفان الأقصى)؛ وتصَدُّر قضية فلسطين الأجندة العالمية مصحوبة بتعاطف عالمي هائل غير مسبوق، ووصول عدد الدول التي اعترفت بفلسطين إلى 159 دولة، وظهور الاحتلال والصهيونية في شكلها الأبشع بشريا وإنسانيا، وتعطُّل عملية التطبيع، واحترام العالم للشعب الفلسطيني وتضحياته وبطولاته، وتحوله إلى حالة إلهام عالمية، بدلا من اتهامه بالتقصير في الدفاع عن أرضه ومقدساته. وبالتالي، فبالرغم من التغوُّل الحالي للاحتلال الإسرائيلي فإنّ المسارات العامة تضعه في أوضاع مأزومة، وبأرض تهتز تحت أقدامه في المدى الوسيط والبعيد.
ثالثا: لا بدّ من دراسة الظروف التي دفعت إلى طوفان الأقصى، قبل المسارعة بلوم المقاومة بالتسرّع، وعدم تقدير العواقب، والتَّسبُّب بـ’كارثة’. إذ إنّ الحكومة الإسرائيلية التي تشكّلت في آخر يوم من سنة 2022 بالتحالف بين الليكود والصهيونية الدينية، جاءت على أساس إنفاذ ‘خطة الحسم’ من خلال تسريع إجراءات التهويد والضم للمسجد الأقصى والقدس والضفة الغربية، وبدأت خطوات فعلية واسعة في الأشهر التي سبقت الطوفان، كما تسرّبت معلومات عن خطة إسرائيلية لضرب المقاومة في غزة ومحاولة تطويع القطاع، وظهرت مؤشرات واضحة عندما وقف نتنياهو مخاطبا الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/ سبتمبر 2023 -قبل نحو أسبوعين من طوفان الأقصى- وعارضا خريطة لـ’إسرائيل’ تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة أيضا، مؤكدا على تجاوزه الملف الفلسطيني من خلال عزله عن البيئة العربية، في ضوء السّير في عملية التطبيع. أي أنّ الاحتلال الإسرائيلي كان يتجه إلى شطبٍ ‘هادئ ومجاني’ لقضية فلسطين في بيئة اعتراضات ‘سلمية خجولة’ يمكن التعامل معها بسهولة.
نعم، كان قرار عملية طوفان الأقصى قويا وجريئا ومُكلِّفا، ولكنه جعل محاولة شطب قضية فلسطين ذات أثمان هائلة على الاحتلال الإسرائيلي، وفتح فرصٍ قوية لإفشالها وإسقاطها وتعطيلها، وأظهر للعالم أجمع استحالة تجاوز الشعب الفلسطيني وإرادته. ولذلك، حظي طوفان الأقصى بدعم شعبي فلسطيني ساحق، إلى جانب الدعم العربي والإسلامي والعالمي، وأظهرت كل استطلاعات الرأي أغلبية داعمة للمقاومة على مدار سنتي الحرب بالرغم من الخسائر والمعاناة الهائلة، وبالرغم من الإعلام المضاد الذي كان يملأ الفضاءات العربية والدولية.
رابعا: أولئك الذين يمارسون الحكمة بأثر رجعي عليهم أن يراجعوا أنفسهم، إذ إن العديد من الكُتّاب والمثقفين والمتصدرين لوسائل الإعلام دعموا طوفان الأقصى وساندوه أشهرا طويلة، ولكن عندما ظهر حجم التضحيات وظهرت خطة ترامب، أخذوا يركزون على الجوانب السلبية ويتناسون الجوانب الأخرى.
خامسا: ماذا لو لم تنطلق عملية طوفان الأقصى ‘وتحلَّت’ المقاومة بـ’الحكمة’ والهدوء الذي يطالب به الناقدون؟! وماذا لو استفاد الصهاينة من هكذا ظروف ‘مثالية’ فتابعوا مسيرة تهويد وضمّ الأقصى والقدس وباقي الضفة الغربية، وضربوا المقاومة في غزة.. وأغلقوا الملف الفلسطيني.. دون تكاليف أو بأقل التكاليف؟ ألن يأتي هؤلاء اللائمون أنفسهم بعد سنة أو سنتين ليتهموا المقاومة بالضعف والتخاذل وإيثار السلطة والمصالح الذاتية.. وعدم تحمل المسؤولية؟ ويكون السؤال الأساس: أين كنتم وماذا فعلتم؟!
لقد قدَّرت المقاومة المخاطر الهائلة في حينها، وفق أفضل ما لديها من معلومات، واستعدت للمعركة وفق أفضل ما لديها من إمكانات (في أجواء الحصار والتخاذل والتآمر والتطبيع)، وقامت بالواجب؛ لم تكن تعلم الغيب، ولم تكن هي ولا غيرها ليحددوا ‘بالقلم والمسطرة’ ما سيحدث بدقة، ولكنها قدمت قادتها السياسيين والعسكريين والتنظيميين وفلذات أكبادها والآلاف من كوادرها وأنصارها شهداء. لم تكن ترى أنها تملك ترف الاختيار؛ ولكنها أدَّت ما عليها في لحظة حرجة من تاريخ الشعب الفلسطيني والأمة؛ وقدّمت ملحمة هي الأعظم منذ بداية المشروع الصهيوني.
هل من حق ‘أصحاب العقول المستريحة’ أن يلوموا المقاومة في كل حال، ولأي قرار تتخذه، سواء أطلقت طوفان الأقصى أم لم تطلقه!! وسواء قامت بالواجب أم لم تقم به؟!
سادسا: المقاومة لم تُهزم؛ ولكنها سعت لوقف الحرب لأنها أخذت شكل إبادة جماعية للشعب الفلسطيني وسط ضعف وتخاذل وعجز عربي ودولي. المقاومة ما زالت قائمة، واعترف الاحتلال الإسرائيلي بفشله في تحقيق أهدافه في سحقها، ولم يتمكن من تحرير ولو أسير واحد من أسراه دون إرادتها؛ وتمكنت حتى بتقديرات إسرائيلية وغربية من تعويض عديدها، وكان لديها مع بدء الهدنة أكثر من 30 ألف مقاتل، وتولت السيطرة مباشرة بعد وقف الحرب على كل الأماكن التي لا يوجد فيها احتلال. واعترف الاحتلال بفشله في الاجتياحات التي حاولت إخضاع القطاع في الأشهر الأخيرة للحرب وخصوصا عملية ‘جدعون 1’، بينما كانت تسير عملية ‘جدعون 2’ نحو الفشل، وجاءت توصيات رئيس الأركان إيال زامير للقيادة السياسية في الأيام الأخيرة للحرب بضرورة الذهاب للحل السياسي، في ضوء عدم وجود أفق قريب لحسم الحرب.
سابعا: نعم هناك خطر حقيقي يتهدد المقاومة ويتهدد قضية فلسطين؛ ولكن لا ينبغي تقييم الأمور وكأن الصفحة قد طويت وأن العدو انتصر وأن إرادته تتحقق. هذا الكلام يسمعه ويقرؤه المراقب من البعض في حرب 1948 وحرب 1967، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، وفي أجواء الانتفاضة المباركة (1987-1993). كما يسمع عن إغلاق ملف المقاومة بعد مؤتمر شرم الشيخ 1996، وبعد انتفاضة الأقصى (2000-2005)، كما يحلو للبعض أن يردده الآن.
غير أنه بعد كل الاستحقاقات ‘الوجودية’ كانت المقاومة تقوم وتنهض من جديد. هذه قضية حقّ وعدل وحرية، والشعب الفلسطيني وأمته سينتصران في النهاية، وحركة التاريخ تسير إلى جانبهما؛ ولا ينبغي لعقلية ‘الهزيمة’ أن تحكم مسار تفكيرهما.
ثامنا: في التقييم الموضوعي لمقاومة وشعب يؤدي أداء ملحميا، ويقدم أفضل ما لدى البشرية من تضحية وصبر وثبات وإبداع، ويقدم نموذجا عالميا ومدرسة إنسانية كبرى، ويكسب المعركة الأخلاقية والقانونية، ويُدخل عدوه في أزمات متتالية.. لا ينبغي أن يكون مركز أو جوهر التقييم هو الخسائر والتضحيات، ومحاولة تكريس عقدة ‘الكارثة’ وعقدة ‘كيّ الوعي’، فهذا أفضل ما يريده العدو والقوى المعادية للمقاومة، لأنه يخدم في نشر ثقافة الإحباط والفشل والاستسلام؛ وهو ما يشتغل عليه الإعلام الصهيوني والغربي وحتى الكثير من الإعلام العربي. وهنا تنتقل الرواية من اتهام المجرم إلى لوم البطل، ومن معاقبة المحتل إلى معاقبة الضحية.
إن التقييم في حركات التحرر ولدى الشعوب التي تتطلع للحرية يجب أن ينبع من مركزية التضحية وسموّها لتحقيق الغايات الكبرى، وليس من مركزية ‘الخسائر’ المرتبطة بطريقة تكييف الحياة تحت الاحتلال، وتوفير أجواء مستقرة له للاستمرار.
تاسعا: المقاومة ليست حالة فلسطينية محلية، يُحصر تقييمها في إطار قُطري ضيّق، فالمقاومة تعبِّر عن إرادة الأمة العربية والأمة الإسلامية وعن أحرار العالم؛ وهي خط دفاعٍ أول وأساس عن الأمة في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يستهدفها، ويستهدف الهيمنة على المنطقة. وهي عندما تُدافع عن الأقصى والقدس وأرض فلسطين المقدسة المباركة وهويتها فهي تنوب عن الأمة في ذلك، وتقيم الحجّة عليها. ولذلك، يجب أن يتّسق تقييمها مع طبيعة دورها ومهمتها الجوهرية العظيمة التي تقوم بها.
عاشرا: إن خطة ترامب ليست نهاية المطاف، وليست قدرا، وهي تحمل بذور فشلها في ذاتها، ومجموعة الظروف والتغيرات لا تَصبُّ كلها في صالح المشروع الصهيوني ولا المشروع الأمريكي، فكلاهما له أزماته، وهناك حالة تدافع كبرى تشهدها البيئة الإقليمية والعالمية. ولا ينبغي الجلوس فقط لندب الحظ ولوم المقاومة؛ وإنما إعادة استجماع عناصر القوة في الشعب الفلسطيني والأمة العربية ولإسلامية وأحرار العالم لاستئناف مسيرة المقاومة بكافة أشكالها وصولا إلى التحرير. وأخيرا، فلا بدّ من المراجعات، ولا بدّ من دراسة التجربة ونقدها بشكل موضوعي، على ألا يكون النقد مِعوَل هدم، وإنّما أداة بناء وارتقاء.
عربي 21، 13/2/2026