بقلم: أ. د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
حتى يحقق أي نظام سياسي درجة معقولة من الثبات والمصداقية، يجب أن تنطبق عليه مجموعة من الشروط والمواصفات أهمها:
أولاً: الشرعية الشعبية: بحيث تكون قيادة النظام السياسي نابعة من إرادة الغالبية، وتحظى بالثقة، نتيجة عملية انتخابية نزيهة وعادلة. وهو للأسف ما لا ينطبق على القيادة الفلسطينية الحالية لمنظمة التحرير، التي فقدت صلاحيتها منذ سنوات عديدة، والتي تجمع كافة استطلاعات الرأي إلى افتقادها للشرعية الشعبية، وإلى حالة من انعدام الثقة، والمطالبة باستقالة رئيس النظام السياسي نفسه محمود عباس من غالبية كبيرة من الفلسطينيين تزيد عن 80 في المئة.
ثانياً: الشمول (استيعاب الجميع): أن يمثّل النظام السياسي جميع مكونات المجتمع، وألا يتم إقصاء أو استبعاد القوى ذات الوزن السياسي والاجتماعي والشعبي، وأن تكون لدى القيادة القدرة على إدارة الاختلاف والتنوّع، واستيعاب مختلف الطاقات والكفاءات بغض النظر عن خلفياتهم. وفي الحالة الفلسطينية تهيمن حركة فتح على النظام، وتحتكر السلطة منذ نحو 58 عاماً (شباط/ فبراير 1969)؛ بينما يتم استبعاد قوى ذات شعبية واسعة ومؤثرة مثل حماس والجهاد الإسلامي وقوى المقاومة بشكل عام؛ وتوضع لذلك عوائق متعمدة ومصطنعة. من ناحية أخرى، فثمة تغييب شبه كامل لفلسطينيي الخارج ودورهم في صناعة القرار وإدارة المؤسسات.
ثالثاً: المرجعية الدستورية والقانونية: التي تُحدّد بشكل واضح صلاحيات وحدود السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وفي الحالة الفلسطينية، فإنّ ثمة احتكار للسلطة بيد الرئيس عباس الذي يُمسك عملياً بتلابيب هذه السلطات، ويتمتع بكونه رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة الفلسطينية ورئيس حركة فتح ورئيس دولة فلسطين. وخلال نحو عشرين عاماً أصدر المئات من القوانين والقرارات بمراسيم، مُلغياً عملياً دور المجلس التشريعي، ومهيمناً على العمل التنفيذي، وواضعاً السلطة القضائية تحت جناحه.
وكان أحد أخطر التجاوزات هو استخدام هذه الصلاحيات المصطنعة في استبعاد وإقصاء القوى الفلسطينية المنافسة وتحديداً حماس؛ واصطناع مرجعية للمشاركة في منظمة التحرير لا تستند إلى أساس قانوني أو دستوري، وهي اشتراط الموافقة على اتفاقات أوسلو وما ترتب عليها من التزامات منظمة التحرير تجاهها؛ بينما في الحقيقة فإنّ عضوية منظمة التحرير متاحة دستورياً لكل فلسطيني؛ والمرجعية المعتمدة هي الميثاق الوطني الفلسطيني، وليس اتفاق أوسلو، الذي يُفترض أن يكون محكوماً بقواعد الميثاق وضوابطه. ومن حق القيادة الشرعية المنتخبة أن تغيّر أو تُعدّل في الاتفاقات وفق المصالح العليا للشعب الفلسطيني؛ خصوصاً أنّ هذا الاتفاق تجاوزه الزمن، كما تجاوزه الطرف الإسرائيلي وأفقده قيمته.
رابعاً: عقد اجتماعي متفق عليه، أو على الأقل مصالح وطنية عليا (أمن قومي) متفق عليها.
لقد تسببت كارثة اتفاقات أوسلو في شرخ عميق متعلق حتى بالبديهيات أبرزها:
– تعطيل الميثاق الوطني الفلسطيني نفسه، والاختلاف على مجرد تعريف فلسطين وعمل خريطة لها (فلسطين التاريخية، أم الضفة والقطاع؟!)؛
– ودخول البيئة الفلسطينية في حالة تعارض واصطدام بين خطي التسوية والمقاومة،
– والنزاع على الأولويات والمسارات المطلوبة للعمل الفلسطيني،
– وانعدام وجود برنامج سياسي وطني متفق عليه،
– والخلاف على “الثوابت” الفلسطينية، وما الذي يُعَدُّ نقاطاً حمراء؟! حتى إن ما كان يُعَدُّ “خيانة” في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أصبح مجرد “وجهة نظر”، كما توقّع مناضلون قدماء.
وهو ما أضعف المساحات المشتركة ونقاط الالتقاء، المفترض أن تكون بين أبناء الشعب الواحد.
خامساً: بنية مؤسسية فعالة: حيث يُفترض أن تكون مؤسسات النظام السياسي التشريعية والتنفيذية والقضائية فعالة، وأن تتسم وزاراته ودوائره وهيئاته بالقدرة على تنفيذ الأهداف والخطط والبرامج بكفاءة عالية. أما في حالة منظمة التحرير، فنحن أمام كارثة حقيقية تتحمل مسؤوليتها القيادة الحالية، التي عطّلت معظم دوائر المنظمة وأفرغتها من محتواها، وحوّلت أجهزة المنظمة إلى حالة “موت سريري”، بينما أَدخلت المنظمة نفسها في “غرفة الإنعاش” ليتم استخدامها كـ”ختم” لشرعنة إجراءات القيادة؛ لتتحول عملياً إلى دائرة من دوائر السلطة في رام الله.
سادساً: الاستقلالية: أن يكون القرار الوطني مستقلاً، لا يخضع للاعتبارات الخارجية.
وفي الحالة الفلسطينية يبدو “العَوار” واضحاً؛ حيث يتمّ استبعاد حماس وقوى المقاومة التزاماً بالمعايير الإسرائيلية الأمريكية، ومعايير “الرباعية الدولية”. وحيث يتم صناعة القرار الفلسطيني تحت “بساطير الاحتلال” في رام الله؛ وحيث توضع المخاوف من المقاومة ومن “الإسلام السياسي” كمعوقات تَمنع الشراكة السياسية وفق المعايير والرؤية التطبيعية العربية وبحسب الرؤية الغربية. ووصل الأمر إلى درجة تضمين اشتراطات أوسلو ونزع أسلحة المقاومة في بيان نيويورك العالمي المتعلق بحلّ الدولتين في أيلول/ سبتمبر 2025. وفي هذه الحالة لا يمكن الحديث عن قرار وطني مُستقل يُعبّر عن الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني؛ بقدر ما يعبِّر عن ضوابط ومعايير الاحتلال والقوى الخارجية.
سابعاً: المُسَاءلة والشفافية: من خلال خضوع القيادة للمحاسبة، وتوافر المعلومات، وسلامة آليات اتخاذ القرار.
وهذا أمر غائب في الحالة الفلسطينية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئاسة السلطة والمنظمة، مع تغييب كامل لدور المجلس التشريعي في الضفة والقطاع، و”هندسة” المجلس الوطني والمجلس المركزي بطريقة تتوافق مع أهواء القيادة “المتنفذة”، وبآليات عمل واجتماعات متباعدة غير فعّالة، تمنع أي حالة رقابية جادة.
عن أي انتخابات نتحدث:
الانتخابات بحدِّ ذاتها إذا كانت حرة شفافة نزيهة وتستوعب كلّ المكونات الفلسطينية بطريقة عادلة في كلّ أماكن تواجد الشعب الفلسطيني؛ فهي مدخل صحيح لرحلة الإصلاح وإعادة البناء الجاد للنظام السياسي الفلسطيني.
أما الانتخابات المعروضة الآن على الشعب الفلسطيني، فهي ليست أكثر من وصفة سطحية للتعامل مع الأزمة، وهي مصممة مسبقاً لإعادة إنتاج القيادة نفسها، وإنتاج “شرعية مزيَّفة”، تُعيد إنتاج الأزمة وتعمِّق الانقسام وتستجيب لشروط الخصوم والأعداء.
لا ندري كيف تشعر القيادة الحالية وهي تجلس على “حطام” المنظمة، بعد أن نزعت منها عناصر قوتها وفعاليتها وطبيعتها التمثيلية الجامعة، وكيف تستمتع بـ”ترف الوقت”؛ بينما نحتاج لكل ثانية لمسيرة حقيقية جادة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، واستنهاض عناصر القوة الهائلة لدى الشعب الفلسطيني، ولدى الأمة ولدى أنصار فلسطين في العالم.
وكيف سنخطو خطوات حقيقية بقيادة متسلِّطة تعاني من أزمة في الشرعية والكفاءة، ولا ترى إلا نفسها، وتفتقر للرؤية، وتفتقر للبنية المؤسسية التمثيلية الفعالة، وتفتقر للاستقلالية، كما تفتقر للقدرة على استيعاب الآخر وإدارة التنوع والاختلاف؟!
وأخيراً، فإن الانتخابات بالشكل الذي تتم هندسته من قيادة المنظمة، ليست أكثر من حبَّة مُسَكِّن “بنادول”، لنظام سياسي فلسطيني يعاني من أزمات جوهرية بنيوية، ولوضع فلسطيني يواجه معارك وتحديات وجودية تستهدف شطب قضية فلسطين وإلغائها.
المصدر: موقع “عربي 21″، لندن، 2026/8/28.
أضف ردا