مدة القراءة: 3 دقائق

إعداد: د. رائد محمد حلس.
(خاص بمركز الزيتونة).   

تناولت ورقة علميّة جديدة أصدرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بعنوان “التحولات في الجغرافيا الاقتصادية لقطاع غزة وتداعياتها على الأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية”، أعدّها الدكتور رائد محمد حلّس، التحولات البنيوية القسرية التي طرأت على الجغرافيا الاقتصادية لقطاع غزة في سياق حرب الإبادة الجماعية (2023–2025)، وما أفرزته من إعادة تشكيل عميقة للحيّز المكاني والقطاعات الإنتاجية، وانعكاس ذلك على الأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية.

وأوضحت الدراسة أنّ فرض خطوط السيطرة العسكرية أدى إلى انكماش حاد في الحيز الجغرافي المتاح للسكان والأنشطة الاقتصادية، حيث ارتفعت نسبة المناطق المقيّدة والمحظورة إلى نحو 64% من إجمالي مساحة القطاع، في حين تشير التقديرات الميدانية إلى أنّ المساحة الفعلية الصالحة للعيش لا تتجاوز نحو 9% من إجمالي مساحة القطاع، بما يعكس انكماشاً مكانياً حاداً ناجماً عن اتّساع نطاق الدمار وتراجع القدرة الاستيعابية العمرانية في مختلف مناطق القطاع.

وبيّنت الدراسة أنّ هذا الانكماش المكاني تزامن مع تدهور واسع في البنية الإنتاجية، ولا سيّما القطاع الزراعي، الذي تعرّض لتدمير هيكلي واسع النطاق.

وكشفت الدراسة عن تعرّض المنظومة الاقتصادية لتدمير واسع النطاق، شمل 96% من الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة و92% من المنشآت الاقتصادية، بما أدى إلى شلل شبه كامل في بنية الاقتصاد المحلي.

وأشارت الدراسة إلى أنّ تراجع فرص التشغيل وارتفاع البطالة أسهما في اتساع رقعة الفقر، في وقت كانت معدلات الفقر قد تجاوزت 63% حتى قبل اندلاع الحرب، بينما لم يعد الوضع يقتصر على الفقر بمفهومه التقليدي، بل امتد إلى مستويات حادة من المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، في ظل تراجع إجمالي الاستهلاك في القطاع بنحو 80%، بما يعكس التدهور العميق في القدرة الشرائية للأسر.

كما تناولت الدراسة التداعيات الإنسانية والبيئية لانكماش الحيز المكاني واستمرار النزوح القسري، مشيرة إلى أنّ ما لا يقل عن ثلثي السكان، أي نحو 1.4 مليون شخص، يعيشون في نحو ألف موقع نزوح ضمن ظروف شديدة الاكتظاظ. وتزامن ذلك مع تدهور حاد في منظومات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات.

وخلصت الدراسة إلى أنّ التحولات الجغرافية الاقتصادية التي شهدها قطاع غزة أفضت إلى إعادة تشكيل قسرية وعميقة في البنية المكانية والديموجرافية والاقتصادية، وقيّدت قدرة السكان على استغلال الأراضي والموارد الطبيعية بصورة فعالة، كما أدت إلى تدمير واسع للقطاع الزراعي وشلل في القطاعَيْن الصناعي والتجاري، وانعكس ذلك في ارتفاع البطالة والفقر واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي والاعتماد على المساعدات الخارجية.

وأكدت الدراسة أنّ استمرار القيود الجغرافية والسيطرة الميدانية عمّق هشاشة البنية التنموية في القطاع، وقيّد إمكانيات التعافي الاقتصادي، ورسّخ حالة من الاعتماد البنيوي على المساعدات الخارجية، بما يهدد استدامة الأمن الغذائي ويحد من فرص التعافي طويل الأمد.

واقترحت الدراسة مجموعة من الإجراءات لتعزيز الصمود الاقتصادي، من بينها إعادة هيكلة الإنتاج الزراعي والحيواني ضمن المساحات المتاحة فعلياً، والتوسع في الزراعة الرأسية والزراعة المائية، وإعادة تأهيل الآبار الزراعية وتزويدها بأنظمة الطاقة الشمسية، وإنشاء وحدات مجمعة للإنتاج الحيواني وتربية الدواجن. كما دعت إلى تنشيط القطاعَيْن الصناعي والتجاري ودعم المشاريع الصغيرة من خلال إنشاء تجمعات صناعية وحرفية صغيرة ومرنة، وإطلاق برامج للتمويل الصغير غير الربحي ومِنَح للتعافي السريع، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز العمل عن بُعد.

وأوصت الدراسة كذلك بتوسيع برامج التشغيل المؤقّت و”النقد مقابل العمل” في مشاريع كثيفة العمالة، مثل إزالة الركام وإدارة النفايات وإعادة تدوير الأنقاض، إلى جانب تطوير شبكات أمان اجتماعي موجّهة، وتحسين إدارة المياه والنفايات في مخيمات النزوح، وإنشاء وحدات معالجة وتحلية متنقلة، وتنفيذ برامج شاملة لمكافحة القوارض والأوبئة.

كما دعت إلى تعزيز الجهود الدولية لرفع القيود الجغرافية والميدانية بما يضمن تمكين السكان من الوصول الآمن والحر إلى الأراضي الزراعية والموارد الحيوية واستعادة القدرة الإنتاجية، وإطلاق خطة وطنية عاجلة لإعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي المبكر، والاستثمار في البنية التحتية المستدامة والبديلة، وتبنّي استراتيجية وطنية للأمن الغذائي في ظلّ الحيّز الجغرافي المنكمش، ودمج برامج الإغاثة الإنسانية ببرامج التشغيل والتنمية الاقتصادية.


للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة علمية: التحولات في الجغرافيا الاقتصادية لقطاع غزة وتداعياتها على الأمن الغذائي والاستدامة الاقتصادية… د. رائد محمد حلس (27 صفحة، 3.7 MB)

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 25/8/2026



جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من الأوراق العلمية: