مدة القراءة: 11 دقائق

إعداد: أ. د. وليد عبد الحي.[*] 
(خاص بمركز الزيتونة). 

مقدمة:

تأسّست منظمة شنغهاي للتعاون Shanghai Cooperation Organization في سنة 2001، وتمّ التوقيع على ميثاقها سنة 2002، ودخل الميثاق حيّز التنفيذ سنة 2003. وضمّت المنظمة في عضويتها في البداية ستّ دول هي الصين وروسيا وكازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان. ثم انضمت إليها كلّ من الهند وباكستان سنة 2017، ثم إيران في سنة 2023، وتلتها بيلاروسيا سنة 2024، مما يجعل مجموع الأعضاء عشر دول.

ويتّسم ميثاق المنظمة بقدر من المرونة للتعاون مع دول أخرى من خلال ثلاثة مستويات هي:



للاطلاع على تقدير الموقف بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>>  تقدير موقف: النزوع العسكري لمنظمة شنغهاي وتداعياته المستقبليّة على الشرق الأوسط … أ. د. وليد عبد الحي (13 صفحة، 2.1 MB)


1. العضوية (10 دول أعضاء): وتعني المشاركة الكاملة في جميع هياكل المنظمة، مع الحق في التصويت على قرارات المنظمة (التي يتم اتّخاذها بالإجماع)، وهو ما يجعل للدولة العضو وزناً مساوياً لأي طرف آخر. ويترتّب على العضو التزامات أمنية، خصوصاً في محاربة “الإرهاب والتطرّف والنزعات الانفصالية”، التي تُشكل بُعداً يتزايد النزوع إليه في استراتيجية المنظمة.

2. المراقب Observer (دولتان): وهما افغانستان ومنغوليا، وهي حالة تمنح الدولة الحق في حضور القمم والاجتماعات رفيعة المستوى بشكل منتظم، ولكن لا يحقّ لها التصويت. إلّا أنّ الحضور يمنحها فرص التأثير غير المباشر أو استثمار وجودها في المنظمة.

3. “شريك حوار dialogue partner”: وهو ما حصلت عليه 15 دولة، من بينها ستّ دول شرق أوسطية عربية هي: مصر، وقطر، والإمارات العربية، والسعودية، والبحرين، والكويت. إضافة إلى مجموعة من الدول الآسيوية هي: تركيا، والمالديف، وماينمار، ونيبال، وسريلانكا، وكمبوديا، وأذربيجان، وأرمينيا، ولاوس. ويُمنح شريك الحوار المشاركة في “بعض” الاجتماعات والحوارات مع مؤسسات المنظمة، ولا تترتّب عليه أيّ التزامات أمنية أو سياسية، كما توفّر المنظمة فرصة استكشاف مواقف الدول الأخرى الأعضاء أو التي تتمتّع بمركز المراقب.

من جانب آخر، فقد طرح أكاديميون وسياسيون إسرائيليون فكرة السعي لنيل موقع “شريك حوار” أو “مراقب” في المنظمة مع استمرار الحوار مع المنظمة، وهو ما عبّرت عنه السفيرة الإسرائيلية في بكين إيريت بن أبّا فيتالي Irit Ben-Abba Vitali، خلال لقائها مع أمين عام منظمة شنغهاي. لكن موضوع العضوية الإسرائيلية من الصعوبة بمكان لأنّه يحتاج إلى ظروف إقليمية ودولية خاصّة لـ”إسرائيل”. فمثلاً، تُبدي إيران معارضة شديدة، كما ستعارض أو تتحفّظ باكستان وبعض دول آسيا الوسطى على أيّ طلب إسرائيلي بهذا الخصوص، ناهيك عن أنّ المنظمة ذات توجّه مرجعيّته الأمنية والسياسية مناقضة للتوجّه الغربي الذي تتبنّاه “إسرائيل”. لكن ذلك يستوجب التنبّه لاحتمال الانخراط المحدود (شريك حوار غير رسمي)، خصوصاً مع تصاعد المصالح الإسرائيلية مع دول آسيا الوسطى أو الصين والهند، وفصل المسارات السياسية عن الاقتصادية في عمل المنظمة، إلّا أنّ ذلك يبقى احتمالاً ضعيفاً في المدى الزمني القصير والمتوسط.

أولاً: التحوّل الهادئ في استراتيجية المنظمة:

من الملاحظ أنّ بداية التمهيد لتأسيس المنظمة كان سنة 1997، مع عقد معاهدة لتعميق الثقة العسكرية في المناطق الحدودية بين الصين وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان. ثم وقّعت الدول نفسها على معاهدة الحدّ من القوات العسكرية في المناطق الحدودية في اجتماع عُقد في موسكو، وهو ما يشي بأنّ الهواجس الأمنية والدفاعية كانت ثاوية في التفكير الاستراتيجي للدول المُؤسِّسة للمنظمة.

ذلك يعني أنّه، على الرغم من التركيز في الميثاق على تعزيز سياسات حسن الجوار والتعاون في المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية وقطاعات النقل والتعليم والطاقة والسياحة وحماية البيئة، فإنّ السنوات 1997-2001 كانت تشير إلى علاقات وبيانات تتركّز على موضوعات ذات نزعة أمنية دفاعية. وهو ما يتّضح في الإشارة في أدبيات المنظّمة الرسميّة إلى “توفير السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، ومحاربة الإرهاب، وتدعيم الأمن، ومكافحة الجريمة وتجارة المخدرات، ومواجهة حركات الانفصال والتطرّف الديني أو العرقي”، وهو ما يؤكّد إدراك صنّاع القرار بترابط الجوانب الأمنية وغير الأمنية.

وكما تمّ إنشاء هيئات معيّنة داخل المنظمة معنيّة بالأغراض التنموية والتعاون السلمي، فقد نشأت أيضاً هيئات ذات طبيعة أمنية أو دفاعية، وهو ما يتّضح في بنية المنظمة التي أصبحت منذ سنة 2004 تضم مؤسسة تُسمى “الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب Regional Anti-Terrorist Structure (RATS)”، يضم مجلساً وله لجنة تنفيذية وممثلاً دائماً في اجتماعات المنظمة. وتتركّز أعماله على مقاومة أبعاد ثلاثة هي: الإرهاب والنزعات الانفصالية ومقاومة نشر الفكر المتطرّف (الديني والعنصري…إلخ).

وتعزّز دور هذا المجلس بعد توقيع المنظمة اتفاقاً مع منظمة معاهدة الأمن الجماعي Collective Security Treaty Organization (التي تضم دولاً كانت ضمن الاتحاد السوفييتي) سنة 2007. وتكمن أهميّة الاتفاق في أنّه وضع إطاراً للتنسيق بين المنظّمتَيْن في القضايا الأمنية على أساس مكافحة التهديدات المشتركة والتنسيق لدعم الاستقرار في آسيا الوسطى من خلال وضع ترتيبات للترابط بين الهياكل الامنية للطرفين. وهو ما يعني التعاون بين تحالف عسكري تقوده روسيا (منظمة معاهدة الأمن الجماعي) ومنظمة شنغهاي التي تشارك الصين فيها، وهو ما يمكن اعتباره توزيعاً للأدوار بين المنظمتين، باعتبار منظمة شنغهاي منصة سياسية أمنية متعدّدة الأطراف، واعتبار منظمة الأمن الجماعي ذراعاً عسكرياً في الفضاء الأوراسي.

ومع أنّ منظمة شنغهاي للتعاون ليست كتلة عسكريّة بالمعنى التقليدي، إذ لا يتضمن هيكلها سمات التحالفات الدفاعية، كالهيئات القيادية فوق الوطنية أو الوحدات العسكرية المشتركة، إلا أنّ الاتفاق بين أعضاء المنظمة سنة 2007 وضع أساساً للنزوع العسكري، حين أشار إلى “إجراء مشاورات بين دول المنظمة في حال حدوث تطورات تهدّد أمن أيّ من أطراف الاتفاق”.

وتطوّرت أدبيات المنظمة تدريجياً من خلال تكرار الإشارة إلى التعاون “الأمني” بين الدول الأعضاء لضمان تحقيق ميثاق المنظمة بشكل خاص ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة بشكل عام، مع التركيز بشكل خاص على “الاحترام المتبادل لسيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها، وحرمة الحدود، وعدم الاعتداء، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام القوّة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، وعدم تحقيق أيّ تفوق عسكري أحادي في المناطق الحدودية، وعدم الانحياز ضدّ دول أخرى أو منظمات دولية، والحل السلمي لأيّ خلافات محتملة بين الدول الأعضاء”. وهي موضوعات تقع في معظمها في نطاق الاستراتيجيات الأمنية والدفاعية، وهو ما يتّضح في بيان اجتماع مجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين في 1/9/2025، بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة.

ثانياً: توجّهات الأدبيات السياسية الغربية نحو منظمة شنغهاي:

لاحظ الكثير من الباحثين أنّ غالبية أدبيات السياسة الغربية التي تتناول موضوع منظمة شنغهاي، خصوصاً منذ سنة 2008 إلى الآن، تنظر للمنظمة باعتبارها “المعادل الأمني للناتو NATO” لضمان الفضاء الجيوسياسي للصين وروسيا. وهو ما اتّضح في رفض المنظمة طلباً تقدّمت به الولايات المتحدة سنة 2005 للحصول على صفة “مراقب”، لكنّ روسيا والصين نظرتا للطلب الأمريكي من منطلق التناقض الاستراتيجي بين الطرفين.

ومعلوم أنّ الولايات المتحدة التي خاضت حرباً في أفغانستان سنة 2001، قامت بوضع قواعد عسكرية لها في السنة نفسها في كلّ من قرغيزستان وأوزبكستان. لكن منظمة شنغهاي طالبت سنة 2005 بإغلاق القواعد أو التسهيلات العسكرية “الأجنبية” في الدولتين العضوَيْن فيها (أوزبكستان وقرغيزستان). ولعل ذلك غير منفصل عن إدراك الدلالات الاستراتيجية في ما أعلنه المندوب الأمريكي في حلف الناتو نيكولاس بيرنز Nicholas Burns في مؤتمر الناتو في براغ سنة 2003، أيّ بعد عامَيْن من تأسيس منظمة شنغهاي، بقوله حرفياً “ما تزال مهمة الناتو الدفاع عن أوروبا وأمريكا الشمالية، ولكننا نعتقد أنّنا لن نتمكن من أداء ذلك بالمكوث في أوروبا الغربية ووسط أوروبا أو أمريكا الشمالية، لا بدّ أن نوجّه انتباهنا وقواتنا شرقاً وجنوباً، فمستقبل الناتو، كما نعتقد، في الشرق والجنوب، إنّه في الشرق الأوسط الكبير”.

وهنا لا بدّ من الإشارة الى التداخل الجيوسياسي والجيوستراتيجي بين الشرق الأوسط الكبير (بالمفهوم الأمريكي) وإقليم أوراسيا (بمفهوم منظمة شنغهاي)، فمناطق إيران وأفغانستان وباكستان ودول القفقاس تُمثّل مناطق تماس جغرافي، ناهيك عن تشابك طرق نقل مصادر الطاقة عبر الإقليمين، وهو ما يعني أننا أمام فضاءَيْن استراتيجيَّيْن، أحدهما يتمركز حول روسيا والصين وآسيا الوسطى، والآخر تصوّر أطلسي يتداخل مع الأول وينازعه النفوذ في كلّ منهما.

ثالثاً: مؤشّرات التحوّل في منظمة شنغهاي نحو الشرق الأوسط:

يُمكن وصف علاقة منظمة شنغهاي بالشرق الأوسط بأنّها أولوية “ثانوية تتصاعد”، فإذا كانت آسيا الوسطى هي محور التركيز، فإن الشرق الأوسط يأتي بعدها، لكنّ أهميّته تتصاعد في توجهات المنظمة، بل إنّه يتحوّل من “هامش استراتيجي متصاعد” إلى امتداد استراتيجي” للمنظمة. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال المؤشّرات التالية:

1. انضمام إيران كعضو كامل، ثم منح مصر وقطر والسعودية والإمارات والكويت صفة ” شريك حوار”، يعزّز حضور المنظمة في المنطقة. ومن المؤكّد أنّ المنظمة تدرك تبعات الانضمام الإيراني في ضوء الوزن الإقليمي لإيران وتوجهاتها الاستراتيجية. فالحضور الإيراني في المنظمة، مع إدراك الدول الأعضاء بانخراط إيران في المواجهات السياسية والعسكرية مع أمريكا و”إسرائيل”، يؤكّد الإحساس بالمصالح الأمنية المشتركة والمتبادلة بين المنظمة والشرق الأوسط، لا سيّما أنّ هذه العضوية أسّست لتنامي الشراكات الاستراتيجية بين إيران وكلّ من روسيا والصين، ووقفت وراء امتناع المنظمة عن قبول “إسرائيل” في أيّ مستوى من مستويات العضوية التي أشرنا لها.

2. من غير الممكن إغفال المكانة الاستراتيجية للشرق الأوسط من زاوية موضوع الطاقة، فالشرق الأوسط له أهمية كبرى للصين والهند وغيرهما في هذا المجال، ومن المتعذّر فصل “الأمن الطاقوي” عن الاستراتيجيات الأمنية لدول منظمة شنغهاي. وهو ما تعزّز في السنتين 2025-2026 بعد الحروب الأمريكيّة الإسرائيلية مع طهران، ونشوب أزمات غزة وباب المندب والبحر الأحمر ومضيق هرمز. وعلى الرغم من أنّ طرق عبور النفط والغاز من آسيا الوسطى لا تعبر الشرق الأوسط إلا بنسبة قليلة، فإنّ الاضطراب الشرق أوسطي يؤثّر على الأسعار والعرض والطلب للطاقة، كما أن لدى دول آسيا الوسطى مشروعات مستقبليّة باتجاه إيصال مصادر طاقتها إلى جنوب آسيا، وهو ما سيمرّ عبر أفغانستان وباكستان اللتان تجمعهما حدود مشتركة مع إيران.

3. التأكيدات من القوى الكبرى في المنظمة، خصوصاً الصين وروسيا، على “تعميق التعاون في مجالات الدفاع والأمن والدفاع الحازم عن النظام الدولي”، طبقاً لتصريحات وزير الدفاع الصيني في مؤتمر المنظمة سنة 2025. وحيث إنّ إيران دولة عضو، فإنّ ذلك يعني الترابط بين النزوع الصيني لتكييف بنية النظام الدولي وبين القيمة الاستراتيجية للدور الإيراني في إنجاز هذا الطموح.

4. شكّلت بعض الحركات الدينية في الشرق الأوسط بيئة للتطرّف الديني الذي امتدت بعض شرائحه إلى آسيا الوسطى، التي تمثّل محور منظمة شنغهاي، وهو أمر من غير الممكن السيطرة عليه دون تعاون بين المنظمة ودول الشرق الأوسط، التي يُنظر لها “كمنبع” لهذه الحركات. والملاحظ أنّ بيانات وأدبيات المنظمة تُركّز نقدها واتهاماتها لغير منظمات المقاومة التي تقاوم “إسرائيل” والوجود الأمريكي في المنطقة، مثل حماس وحزب الله…إلخ، بل تستضيف بعض نشاطات تنظيمات المقاومة وتتحاور معها، كما أنّ القوى المركزية في المنظمة (الصين، وروسيا، وباكستان، وإيران) تتعاون، بمستويات مختلفة، مع تنظيمات المقاومة الفلسطينية، بينما توجد دول، وخصوصاً الهند، لا تبدي هذا التعاون.

5. أكّدت قرارات المنظمة في قمّتها سنة 2025 على مسألتين مهمّتين في الشرق الأوسط، هما:

أ. إنّ السبيل الوحيد لكفالة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط هو التوصّل إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية. وتُشكّل هذه القناعة تضاداً مباشراً مع السياسات الأمريكيّة والإسرائيلية، فبيانات المنظمة عند تحليل مضمونها تربط ربطاً وثيقاً بين الاضطراب في الشرق الأوسط (من تطرّف، أو إرهاب، أو نزعات انفصاليّة، أو اضطراب أسواق الطاقة، أو تزايد الإنفاق العسكري،…إلخ) وبين عدم تسوية الصراع العربي الإسرائيلي. وهو ما ينعكس على الفضاء الاستراتيجي لمنظمة شنغهاي، بل ويُشكّل نقطة تقارب مع التوجّه العام في الاتحاد الأوروبي الذي يُساند فكرة حلّ الدولتين.

ب. رفض أيّ تدخّل عسكري خارجي في شؤون المنطقة، إذ تربط أدبيات المنظمة، وأدبيات أعضائها على انفراد، بين الوجود العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط واستمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وترى أنّ ذلك الوجود يمسّ أمن منظمة شنغهاي من خلال الموضوعات التي أشرنا إليها.

6. تزايد النزوع الشرق أوسطي في توجّهات ونشاطات المنظمة نحو البُعد الأمني والدفاعي، والذي يتّضح في الآتي:

أ. دعوة وزير الدفاع الصيني إلى “تعزيز التعاون الدفاعي لمواجهة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط”، وهو ما ساندته الدول الأعضاء، على الرغم من بعض التحفّظ الهندي، خصوصاً مع تطوّر العلاقات الهندية الإسرائيلية منذ تولي حزب بهاراتيا جاناتا Bharatiya Janata Party الهندوسي للسلطة في الهند سنة 2014، وإن يكن مارس السلطة في فترات قصيرة للغاية قبلها في سنتَي 1996 و1998.

ب. تواصل المباحثات الإيرانية الروسية الصينية التي تتناول الموضوعات النووية والمناورات العسكرية المشتركة، خصوصاً البحرية، ومبيعات الأسلحة الروسية لإيران، لا سيّما أنظمة الدفاع الجوي وقاذفات الهيلوكوبتر، مقابل مساعدات موازية من طهران لموسكو في حرب أوكرانيا.

ج. تسارع وتيرة التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، مثل مناورات “التفاعل 2024″، والتدريبات التي أُطلق عليها “سهند 2025″، والتي استضافتها إيران وشملت قوات هندية وصينية وروسية وستّ دول أخرى، وشارك فيها مراقبون من السعودية والعراق. وهي أوّل تدريبات عسكرية لمنظمة شنغهاي على الأراضي الإيرانية.

د. إنّ انضمام إيران لعضوية البريكس BRICS عزّز الحضور الإيراني في شنغهاي، نظراً لوجود قدر من التكامل بين وظيفة المنظّمتين اللتين تجتمع فيهما إيران مع روسيا والصين.

هـ. تضمّنت بيانات المنظمة بخصوص المواجهات الإيرانية الأمريكيّة الإسرائيلية لسنَتَي 2025 و2026 إدانة للموقف الإسرائيلي والأمريكي، واعتبار ذلك خرقاً للمواثيق الدولية و”تهديداً للأمن والسلم الإقليمي والدولي”، على الرغم من امتناع الهند عن تأييد موقف المنظمة بهذا الخصوص. كما انتقدت المنظمة الهجوم الاسرائيلي على قطر في أيلول/ سبتمبر 2025، وعدّته خرقاً فاضحاً للقوانين الدولية.

رابعاً: الانعكاسات على قضية فلسطين:

يبدو أنّ السعي لتوسيع قاعدة العضوية في المنظمة يتّضح في النزوع لجذب تركيا (وهي الآن في مرحلة شريك الحوار)، ثم في سعي المنظمة لإنشاء مراكز متخصّصة لمواجهة المخاطر الأمنية، خصوصاً في مجال أمن المعلومات والأمن السيبراني، إلى جانب التطرّف والإرهاب والنزعات الانفصالية التي تمّ النص عليها مبكراً.

لكن اتّساع دور منظمة شنغهاي في البُعد الأمني والدفاعي سيقود لنتائج محدّدة على الموضوع الفلسطيني، من خلال:

1. تعزيز المساندة الدولية للطرف الفلسطيني وأنصاره، سواء في جانب كبح الهيمنة الغربية، أم دعم المطالبة بالحل العادل، أم التضييق على الخيارات الإسرائيلية، ولو في حدود معيّنة، خصوصاً أنّ المنظمة تؤيّد حلّ الدولتين، وهو ما يضع استراتيجيتها في تضاد مع توجّهات حكومة اليمين الإسرائيلية.

2. قد تُشكّل المنظمة مستقبلاً، مع التطوّر الذي أشرنا إليه، نوعاً من الحماية لإيران (وهي مصدر رئيسي لموارد الطاقة الصينية، وهو ما يجعل الموقف الإيراني أقل قابلية للتراخي في المواجهة مع “إسرائيل”).

3. ما سبق يجب أن يُراعي الشراكات الصينية مع “إسرائيل”، خصوصاً الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما ينطبق بقدر ما على روسيا.

خامساً: مؤشرات التوسّع المستقبلية:

1. استمرار توسّع العضوية في منظمة شنغهاي، مما سيزيد من وزنها الدولي.

2. اتّساع قاعدة الروابط بين أعضاء المنظمة، خصوصاً في مجالات مثل تقدّم المشروعات الكبرى، كمبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative الصينية، أو مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروباIndia-Middle East-Europe Economic Corridor (IMEC)، أو استخدام العملات المحلية بدلاً من الدولار، أو توسيع التعاون الطاقوي خصوصاً بين آسيا الوسطى والخليج.

3. نظراً لتشارك العضوية من كلّ من دول مجلس التعاون الخليجي من ناحية، وإيران من ناحية ثانية، فإنّ المنظمة يمكن أن تكون إطاراً تنظيمياً لتسوية أيّ منازعات مستقبلية بين الطرفين. ولعل نجاح الصين، كقوّة مركزية في منظمة شنغهاي، في آذار/ مارس 2023 في التقريب بين كلّ من السعودية وإيران، يُمثّل مؤشّراً على تحوّل في الدور الصيني من مجرد شريك تجاري للطرفين إلى فاعل جيوسياسي في الشرق الأوسط، وهو ما يعزّز دور المنظمة الاستراتيجي خارج نطاق الجوانب الاقتصادية التقليدية.

سادساً: عراقيل على الطريق:

ينطوي عمل منظمة شنغهاي على بعض المعطيات التي قد تؤثّر، بقدر ما، على آلية اتخاذ القرار فيها، مثل:

1. التنافس الصيني الروسي الداخلي، والذي، على الرغم من التقارب الاستراتيجي بين الدولتين في قضايا مهمة، قد يؤثّر على وظيفة منظمة شنغهاي، مثل النفوذ التقليدي الروسي في آسيا الوسطى مقابل مشاريع صينية تفرزها مبادرة الحزام والطريق الصينية. كما أنّ الهواجس الأمنية لدور منظمة شنغهاي هي موضع العناية الروسية، بينما يُعدّ التوظيف الاقتصادي للمنظمة هو المسعى الصيني الأقوى.

2. هواجس دول خليجية من تداعيات التحالفات الأمنية التي تتبناها منظمة شنغهاي، فقد تُقلِّص بعض دول الخليج آمالها في دور إيجابي للمنظمة لصالحها، خصوصاً مع تطوّر العلاقات الروسية والصينية مع إيران في إطار التضييق على المشروعات الغربية، خصوصاً الأمريكيّة، في المنطقة. وهو ما يضع دول الخليج في موقف حرج بين ارتباط تقليدي مع الولايات المتحدة من ناحية، وارتباط جديد مع روسيا والصين من خلال منظمة شنغهاي من ناحية ثانية. والملاحظ أنّ إيران أصبحت عضواً، بينما ما تزال دول الخليج “شريك حوار” في المنظمة.

3. استمرار النفوذ الأمريكي في المنطقة، فمن المؤكّد أنّ الولايات المتحدة تنظر لمنظمة شنغهاي نظرة حذرة، ومع الاتّساع المتواصل في عضوية المنظمة وتزايد النزوع العسكري لها، فإنّها ستسعى لعرقلة نشاطات المنظمة.

4. إرباك الصراعات الإقليمية أو الداخلية بين الأعضاء لتنامي دور منظمة شنغهاي، مثل علاقات الهند مع “إسرائيل” التي تثير قلقاً إيرانيّاً، والتنافس التاريخي الهندي الباكستاني، أو الصيني الهندي، وروابط دول الخليج مع الولايات المتحدة، وروابط بعض دول آسيا الوسطى مع “إسرائيل”،…إلخ.

الخلاصة:

إنّ التوسّع في القطاع الأمني والدفاعي ثابت بشكل واضح في تطوّر منظمة شنغهاي خلال الـ 25 سنة الماضية. وعلى الرغم من أنّ الدور الأمني والدفاعي للمنظمة ما يزال دون الانخراط الاستراتيجي في الشرق الأوسط، إلا أن تطوّره وتسارعه مرجّح خلال المدى الزمني المتوسط (من خمس إلى عشر سنوات). وإذا اقترن هذا التوسّع مع تنامي مظاهر التراجع الأمريكي، تزداد أهميّة المنظمة للطرف العربي.

ولما كانت منظمة شنغهاي في توجّهها الاستراتيجي لا تتّسق مع عمق الروابط الإسرائيلية الغربية، فإنّ مساندة إيران تُمثّل مقدمة قد تتطوّر باتجاه مواقف أكثر تشدّداً من طرف المنظمة تجاه “إسرائيل”، على الرغم من الموقف الهندي، وهو ما يستوجب على الطرف العربي توظيف علاقاته مع الهند لجعل موقفها أقرب إلى توجّه منظمة شنغهاي تجاه الصراع العربي الصهيوني.

والملاحظ أنّ روابط “إسرائيل” مع الكتلة الغربية، وخصوصاً مع الولايات المتحدة، تجعل من الصعوبة قبولها في أيّ مستوى من المستويات الثلاثة التي أشرنا إليها في العلاقة مع منظمة شنغهاي. كما أنّ وجود إيران ودول عربية أعضاء أو شركاء حوار في المنظمة سيزيد من عقبات قبول “إسرائيل”، وهو ما يحرم الديبلوماسية الإسرائيلية ثمار جهود هذه المنظمة.

لقد اتّخذت كلّ من الصين وروسيا موقفاً موحّداً في إدانة “إسرائيل” وتوجيه انتقادات مباشرة وغير مباشرة للولايات المتحدة خلال الصراع الحالي مع إيران تحديداً، مؤكّدتَيْن على أهمية الحلول الديبلوماسية ومنتقدتَيْن الهجمات باعتبارها انتهاكات لميثاق الأمم المتحدة وتعدياً على سيادة إيران. ويتجلّى هذا الموقف بوضوح في بيانات المنظمة، مما يدلّ على تقارب استراتيجي متزايد في الخطاب، حيث تضعان نفسيهما في موقع أخلاقي رفيع في مقابل ما يُنظر إليه على أنّه ازدواجية معايير غربية، إذ يصف الغرب روسيا بأنّها عامل زعزعة للاستقرار لغزوها أوكرانيا، بينما يلتزم الصمت حيال الهجوم الإسرائيلي على إيران، بل ويشجّعه أحياناً.

وتسعى الصين وروسيا إلى الترويج لخطاب مناهض للهيمنة ضدّ الأحادية القطبية الأمريكيّة، مستخدمتَيْن الخطاب إيّاه لتبرير تحدياتهما للنظام الدولي القائم الذي تقوده الدول الغربية، وهو أمر سيكون له تأثير إيجابي على القضية الفلسطينية، خصوصاً إذا تطوّرت الديبلوماسية العربية باتجاه توظيف ذلك لصالحها.


[*] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.

للاطلاع على تقدير الموقف بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>>  تقدير موقف: النزوع العسكري لمنظمة شنغهاي وتداعياته المستقبليّة على الشرق الأوسط … أ. د. وليد عبد الحي (13 صفحة، 2.1 MB)


مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 14/5/2026


جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات


المزيد من تقادير الموقف: