إعداد: أ. د. وليد عبد الحي.[1]
(خاص بمركز الزيتونة).
منذ نشوء حلف شمال الأطلسي (الناتو NATO) في نيسان/ أبريل 1949، كان يضم 12 دولة كأعضاء مؤسّسين (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والبرتغال، وكندا، وبلجيكا، والدنمارك، وآيسلندا، وهولندا، ولوكسمبورج، والنرويج)، ثم توالى الانضمام له إلى أن بلغ 32 دولة غربية، من بينها تركيا.
وكان الهدف المركزي للحلف هو “مواجهة الاتحاد السوفييتي بشكل خاص والتيارات الاشتراكية بشكل عام في القارة الأوروبية أو حولها، والتي تجسدت بشكل مركزي في حلف وارسو الذي تم تأسيسه سنة 1955.
| للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: >> ورقة علمية: مستقبل مكانة الشرق الأوسط في توجهات حلف الناتو … أ. د. وليد عبد الحي |
وعلى الرغم من التباين في تعريف الحدود الجيوسياسية لمفهوم الشرق الأوسط،[2] لا بدّ من إدراك التباين في النظر للشرق الأوسط كمفهوم جيوسياسي (حيث يتم توصيف الإقليم استناداً للمتغيرات الجغرافية التي تؤثر على السلوك السياسي لوحدات الإقليم أو التعامل الدولي معه كإقليم أو كوحدات منفردة) وكمفهوم جيوستراتيجي (النظر للإقليم من زاوية قيمته الاستراتيجية في إدارة الصراع بين القوى القطبية في النظام الدولي)، وهنا نجد أنّ أوروبا نظرت للمنطقة مرة كـ”شرق Orient” استناداً لمنظور ثقافي في جوهره ويكشف “عقدة المركزية الأوروبية والمنظور الاستعماري”، أو نظرت له جغرافياً كـ”شرق East” باعتباره أوراسياً مستثنية منه روسيا على الرغم من أن لينين كان يعد روسيا دولة آسيوية، كما أن الأدبيات الآسيوية خصوصاً الروسية والصينية تطلق على الإقليم غرب آسيا،[3] وهو توصيف جيوسياسي أكثر منه جيوستراتيجي.
ذلك يعني أنّ المنظور الأوروبي (الناتو الأوروبي) ينظر للشرق الأوسط استناداً للقرب الجغرافي والخلفية الثقافية التاريخية بين الطرفين، وهو ما يعود في جذوره لتوصيف الدولة العثمانية بـ”المسألة الشرقية”، والذي تجزأ لاحقاً لأوصاف مثل الشرق الأدنى والشرق الأقصى والشرق الأوسط، وكان الاستراتيجي الأمريكي ألفريد ماهان Alfred Mahan في دراسته سنة 1902 قد حدّد الشرق الأوسط في المنطقة الواقعة بين “الجزيرة العربية والهند” مركزاً على كلٍّ من العراق وإيران. وفي الحرب العالمية الأولى تم إطلاق “قيادة الشرق الأوسط” على قيادة القوات البريطانية التي اتسع مدلولها ليشمل شمال إفريقيا (العربي) إلى الحدود الغربية للقارة الهندية، وبعد ذلك أنشأ تشرتشل إدارة تابعة لوزارة المستعمرات سنة 1921 أسماها إدارة الشرق الأوسط لتشمل فلسطين وشرق الأردن والعراق.
لكن الملفت للنظر في هذا الجانب أنّ فرنسا، كما تشير الموسوعة الفرنسية (لا روس Larousse)، تضع غالباً آسيا العربية ومصر وتركيا وإيران وليبيا والسودان وأحياناً تضيف أفغانستان وباكستان والهند ضمن مفهوم الشرق الأوسط، مما يعني تغليب البعد الجيوسياسي على البعد الجيوستراتيجي (دون إنكار تأثير المفهومين على بعضهما) في المنظور الأوروبي مقابل تغليب البعد الجيوستراتيجي في المنظور الأمريكي، وهو ما ترتب عليه تباينات سنوضحها لاحقاً.
أولاً: تطوّر التباين في وظيفة حلف الناتو:
من الضروري العودة إلى سنة 1966 عندما نشب الخلاف الفرنسي الأمريكي حول ما اعتبره الرئيس الفرنسي حينها تشارلز ديغول “هيمنة أمريكية على القرار في الحلف، معداً ذلك مساساً بالسيادة الفرنسية بشكل خاص، واعتماداً مفرطاً من أوروبا على الولايات المتحدة من الناحية الدفاعية، وهو ما دفعه للانسحاب من القيادة الموحدة للحلف وإخراج القوات الأمريكية” من بلاده، ناهيك عن توجهه لاعتماد فرنسا على قدرة ردعها النووي وليس اعتماداً على المساندة الأمريكية، وعن هواجس ديغول من خصوصية العلاقة البريطانية الأمريكية، وتأثيراتها على السياسة الفرنسية، وهو ما أدى نتيجة هذه الخلافات إلى نقل قيادة الناتو من باريس إلى بلجيكا.[4]
ذلك يعني أن التنازع حول حدود عمل الناتو وآليات تحديد استراتيجيته في أوروبا أو خارجها تمثل أحد جوانب التباين بين شطري الأطلسي، لكن انهيار حلف وارسو وإعلان حَلّه في تموز/ يوليو 1991، فتح المجال لطرح سؤال محدد وهو ما هي وظيفة حلف الأطلسي بعد انهيار خصمه المركزي؟ وما هي ركائز التباين بين شطري الأطلسي؟:
1. يمكن اعتبار الخطة الاستراتيجية التي قدمها المندوب الأمريكي نيكولاس بيرنز Nicholas Burns في اجتماع مجلس الناتو في براغ سنة 2003 دليلاً على المنظور الأمريكي للوظيفة الجديدة للناتو، فقد جاء في الخطة حرفياً “ما تزال مهمة الناتو الدفاع عن أوروبا وأمريكا الشمالية، ولكننا نعتقد أننا لن نتمكن من أداء ذلك بالمكوث في أوروبا الغربية ووسط أوروبا أو أمريكا الشمالية، لا بدّ أن نوجه انتباهنا وقواتنا شرقاً وجنوباً، فمستقبل الناتو -كما نعتقد- في الشرق والجنوب، أنه في الشرق الأوسط الكبير”.[5] ولعل ذلك تجسد لاحقاً في التدخل الأطلسي بشكل علني في ليبيا لاحقاً، ثم نقل “إسرائيل” إلى تبعيتها للقيادة المركزية الأمريكية بدلاً من تبعيتها للقيادة الأوروبية للقوات الأمريكية سنة 2021، وهو ما يعزز فكرة نيكولاس بيرنز، لكن ذلك يكشف تبايناً بين شطري الأطلسي، إذ أن أوروبا تريد الناتو بمهمة إقليمية بينما تريدها أمريكا بمهمة عالمية، وهو ما اتضح مؤخراً في عزوف أوروبا عن المشاركة في حصار مضيق هرمز.
2. ثمة بعد آخر في الخلاف بين شطري الأطلسي وهو الأعباء المالية في موازنة الحلف، وهي مشكلة أثيرت من قبل خصوصاً من الجانب الأمريكي وقبل تولي دونالد ترامب، فالولايات المتحدة ترى أنها تتحمل العبء الأكبر في نفقات الناتو، بينما تستفيد أوروبا من المظلة الأمنية دون إسهام متكافئ مع أمريكا، وهو ما يراه الأمريكيون تطبيقاً أمنياً لنظرية السلع العامة Public Goods، إذ أن الأمن الجماعي يمثل سلعة عامة، مما يساعد بعض الأطراف على الركوب المجاني Free Riding.ا[6]
3. التداخل بين سياسات الناتو وسياسات التوجهات الدفاعية الأوروبية EU Defense، وهو ما يثير إشكالية حدود العلاقة بين سياسات الناتو وسياسات الدول الأوروبية، بل قد تكون هذه السياسات متباينة من حيث الأولويات (كما ظهر في الموقف الأمريكي من أوكرانيا والموقف الأوروبي من إغلاق مضيق هرمز من الجانب الإيراني خاصة والحرب على إيران عامة).[7] وهو ما اتضح جلياً في الرفض الأوروبي الواضح من مشاركة الناتو في العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والذي رد عليه الرئيس ترامب بالتهديد بالانسحاب من الناتو، وهو ما يتسق مع امتناع وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث Pete Hegseth عن تأكيد استمرار الالتزام الأمريكي بالأمن الجماعي الذي يقوم عليه الناتو في استراتيجيته التقليدية، داعياً إلى منظور جديد يتضح بشكل جلي في دعوته لمواجهة “الإرهاب الإسلامي عبر رؤية صليبية واضحة”، والتضييق على تركيا واليسار الأوروبي، وإعادة النظر في ميدان عمل الناتو وفي توزيع الأعباء التي يضطلع بها.[8]
4. يرى بعض الخبراء أن موقف ترامب وتهديده بالانسحاب من الناتو يطرح سؤالاً استراتيجياً هو: هل ما زال الناتو في ظلّ التغيرات الدولية الكبرى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود الصين وتنامي القوى الإقليمية خارج النطاق الأوروبي أولوية أمريكية؟ هنا تعود النظرة الأوروبية ذات المضمون الإقليمي للناتو لمواجهة المضمون الأمريكي الساعي “لعولمة الناتو”.
ثانياً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل الناتو:
من العسير في ظل اتساع قاعدة عدم الاستقرار السياسي في الساحة الدولية أن تتراخى الحاجة للأحلاف والاتفاقيات الدفاعية، ويشير الجدول رقم (1) إلى عدد الدول في كل إقليم سياسي التي تقع في خانة السالب في مؤشر عدم الاستقرار السياسي حتى نهاية 2024.
جدول رقم 1: مؤشر عدم الاستقرار السياسي في دول العالم[9]
| الإقليم | عدد الدول غير المستقرة (في خانة السالب) |
| إفريقيا | 44 |
| آسيا | 25 |
| الشرق الأوسط | 13 |
| أوروبا | 8 |
| أمريكا الجنوبية | 6 |
| جنوب آسيا وأستراليا | 1 |
| المجموع | 97 |
وفي ظلّ معطيات الواقع الدولي فإن سيناريوهات المستقبل تشير إلى ما يلي:[10]
1. سيناريو استمرار حلف الناتو مع قدر أكبر من الشراكة المتوازنة: وهو ما يعني قبول الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها العسكري (وهو ما شرعت أغلب الدول في اتخاذه على أساس الوصول بمعدلات الإنفاق إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي للدولة حتى سنة 2035)، على أن يكون لأوروبا دور أكبر في تحديد استراتيجيات الناتو، وهو ما عبّرت عنه أدبيات الحلف ذاتها، كما أن الانسحاب الأمريكي من الحلف يقتضي موافقة الكونجرس أو موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، وهو أمر ليس يسيراً تحقيقه في الوقت الحالي، لكنه يبقى محتملاً مستقبلاً.
2. تعزيز الهيمنة الأمريكية: ويمكن أن يتمظهر هذا السيناريو من خلال استمرار الضغط الأمريكي على أوروبا، وربط الحماية والدور الأمريكي بزيادة النفقات الأوروبية، مع تقليص في حجم الالتزامات الأمريكية التي تصل إلى نحو 62% من الإنفاق الدفاعي للحلف. وهو ما قد يُحول الحلف تدريجياً من حلفٍ إلى اتفاقية دفاعية بالتزامات أقل، خصوصاً بعد اعتراض بعض الدول الأوروبية على استخدام مجالها الجوي من قبل الطيران الأمريكي العسكري أو القبول باستخدام قواعد الدول الأوروبية العسكرية للأغراض الحربية الأمريكية ضدّ إيران.[11] وتتضح الهيمنة الأمريكية في أن الرئيس الأمريكي لم يستشر الطرف الأوروبي في الحرب مع إيران، ناهيك عن أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف تشترط للمساعدة أن تكون الولايات المتحدة أو أي طرفٍ من أطراف الحلف قد تعرض لهجوم عسكري، وهو ما لم يقع في الحالة مع إيران، واتّسعت شقة الخلاف الأوروبي الأمريكي بعد الرفض الأوروبي المشاركة العسكرية في محاولة فتح مضيق هرمز.
3. الانفصال الأوروبي التدريجي: من خلال تطوير جيش أوروبي، وإيجاد مؤسسات أوروبية موازية لمؤسسات الناتو، مع استمرار التهديدات بالانسحاب من الحلف، وتتضح ملامح هذا السيناريو في المؤشرات التالية:[12]
أ. تشير خريطة الطريق التي تم نشرها تحت عنوان “الاستعداد 2030” إلى خطة شاملة لإنشاء سوق أوروبية موحدة لمعدات الدفاع، مع قواعد منسقة لزيادة سرعة الإنتاج وحجمه.
ب. التعزيز الصناعي: تهدف خطة “إعادة تسليح أوروبا” إلى زيادة الاستثمار وبناء “اتحاد دفاعي أوروبي”.
ج. المشتريات والتمويل المشترك: تُشجِّع الدول الأعضاء على شراء المنتجات الأوروبية، مع آليات تمويل جديدة، مثل مرفق رأس المال الدفاعي، تُعزز البحث والتطوير التعاوني واقتناء المنتجات الدفاعية.
د. التركيز الاستراتيجي: تشمل الأولويات الدفاع الجوي/ الصاروخي، والطائرات المسيّرة، وإنشاء منطقة تنقل عسكري بحلول سنة 2027.
هـ. التعاون بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي: ومع السعي لتحقيق الاستقلالية الأوروبية، فإن التوافق والتكامل مع توجهات حلف الأطلسي لا يجوز استبعادها.
4. التفكّك التدريجي: عبر انسحاب أمريكي جزئي من بعض مؤسسات أو عمليات الحلف، وهو ما يحول الحلف إلى نوع من الرمزية، ويتعزز هذا السيناريو إذا تصاعدت الخلافات حول استراتيجيات التعامل مع القضايا الدولية الكبرى، خصوصاً أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف تشترط الإجماع لاتخاذ القرار، وهو ما يعطل القرارات في حالة القضايا الكبرى، لا سيّما أن عدد الأعضاء الـ32 يزيد من احتمالات التعارض في المصالح بين هذه الدول.[13]
5. التوجه داخل الناتو إلى تقاسم وظيفي بين أطراف الحلف: أي أن تكون مهمة أمريكا هي المستوى العالمي خارج أوروبا، بينما تكون مهمة أوروبا في تحمل مسؤولية أمنها الإقليمي.
ثالثاً: موضوع الناتو العربي:
في إطار سيناريو عولمة الناتو Global NATO، يمكن افتراض أن الشرق الأوسط سيكون ضمن التوجه الأمريكي لتحقيق هذا السيناريو، كما أشرنا في المقدمة، وهو ما يعني أن الناتو العربي سيكون عبارة عن “امتدادٍ وظيفي” لا كتحالفٍ مستقلٍ بين دول عربية وأمريكا، وهو ما يعني نتائج محددة مثل:
1. توسيع الناتو دون عضوية رسمية من خلال ترابط الشبكات الأمنية على غرار ما طرحته المؤسسات البحثية الأمريكية، ومن تجليات ذلك ظهور ما سمي بالحوار المتوسطي Mediterranean Dialogue أو مبادرة إسطنبول للتعاون Istanbul Cooperation Initiative.ا[14] والهدف من ذلك هو تخفيف التورط الأوروبي في الشرق الأوسط وتحميل أعباء البعد الأمني للأطراف المحلية مع مساندة من الناتو، أو محاولة تعميم تجربة هلسنكي في الشرق الأوسط. وهو النموذج الذي استغلته القوى الغربية بعد مؤتمر هيلسنكي مع الاتحاد السوفييتي سنة 1975 للتعاون الثقافي وفي حقوق الإنسان للتسلل لجسد الكتلة الشرقية وتفكيكها، وهو ما وجدت فيه بعض مراكز التفكير الغربية نموذجاً قابلاً للتكرار في الشرق الأوسط. لكن الفارق أن القوى الليبرالية في الكتلة الشرقية تمكنت من ملء الفراغ في الكتلة الشرقية، بينما لا توجد قوى مسموح لها لملء الفراغ في الشرق الأوسط نظراً لأن القوى البديلة لها موقف عدائي من “إسرائيل” تحديداً. وهو ما دفع بعض المؤسسات الأمريكية إلى طرح تصور يقوم على تشجيع تيارات الإسلام المعتدل تحت عنوان “إيجاد شركاء لتعزيز الإسلام الديمقراطي Finding Partners for the Promotion Democratic Islam”.ا[15]
2. إن الربط بين السيناريوهات السابقة للناتو والناتو العربي يعني:[16]
أ. تحويل القوى العربية إلى ذراع تنفيذي محلي للناتو، كحلقة في جنوب الأطلسي ضمن شبكة أمنية معولمة.
ب. تقاسم الأدوار؛ بأن تقوم الأطراف العربية بتحمل الأعباء لتنفيذ الاستراتيجيات الأطلسية دون تحمل الطرف الأطلسي الأعباء المادية والبشرية.
إن التورط العربي في الحرب الإيرانية مع “إسرائيل” والولايات المتحدة يقع ضمن نظريات العلاقات الدولية الخاصة بالأحلاف العسكرية، سواء نظرية الأحلاف المرنةFlexible Allliances الخاصة بتحول الأحلاف إلى شبكات متعددة المستويات أم نظرية الأمن المعولم Security Globalization أي التحالفات العابرة للأقاليم، أو نظرية تقاسم الأعباء بدلاً من تحميل الطرف الغربي كل الأعباء Externalized Burden Sharing.ا[17]
رابعاً: المفارقة في تداعيات المنظور الأمني العربي:
عندما تنخرط الدولة في تحالف معين، من الضروري أن تحدد هيئة اتخاذ القرار في الدولة ما هي مصادر التهديد الأمني ذات الأولوية لها، والبحث عن الأطر الدولية المعنية بتلك المصادر، والبحث في كيفية توظيف هذه الأطر الدولية لدرء مخاطر التهديد، لكن الطرف العربي يشارك مع مصادر التهديد الكبرى له لدرء مخاطر تُهدد الآخرين، فـ”إسرائيل” كمصدر تهديد استراتيجي للعالم العربي تتشارك مع دول عربية وازنة في علاقات مع الناتو الأكثر حفاظاً على الأمن الإسرائيلي، ففتح القواعد العسكرية للناتو تحت غطاء التعاون والقبول بانطلاق التهديد لدولة ثالثة (إيران) هو المشاركة في العبء دون المشاركة في جني المكاسب في ميدان مصادر التهديد للأمن العربي.
وهنا لا بدّ من التأكيد على أن مفهوم الأمن يجب أن يتم التمييز فيه بين مستويات ثلاثة:
1. أمن النظام السياسي: بقاء القوة الحاكمة على رأس السلطة (سواء أكان حزباً أو رئيساً أو ملكاً).
2. أمن الدولة: وهو المعني بإقليم الدولة الجغرافي أو موارده الطبيعية وحدوده السياسية.
3. أمن المجتمع: وهو المعني بالاستقرار السياسي والرفاه والتقدم العلمي والتقني والثقافي والصحي… إلخ.
ومن الواضح أنّ التحالفات العربية هي في الغالب تحالفات هدفها المركزي هو أمن النظام. وتتباين الدول العربية في ترتيب المتغيرين الآخرين، فبعضها يضع أمن المجتمع ثانياً (بعد أمن النظام) يليه أمن الدولة، بينما البعض الآخر يجعل أمن الدولة ثانياً (بعد أمن النظام) يليه أمن المجتمع. وهنا يمكن القول أن التحالفات العربية تضحي بأمن المجتمع وأمن الدولة لصالح أمن النظام، وهو الوضع الأفضل بالنسبة للدول الغربية و”إسرائيل” وغيرهما.
إن قراءة الوضع الحالي للخلاف داخل الناتو بين أمريكا وأوروبا تشير إلى أن أمريكا و”إسرائيل” -كحليف للناتو- تُغلّبا أمن الدولة على أمن المجتمع، بينما تغلّب أوروبا أمن المجتمع على أمن الدولة. في حين تنفرد الدول العربية بتغليب أمن النظام على غيره، وهو ما يجعل توظيف القوى الخارجية كالناتو للأنظمة العربية أكثر يُسراً.
خامساً: التداعيات المستقبلية للسيناريوهات:
باستخدام تقنية “دولاب المستقبل Futures wheel”،ا[18] يمكن أن نحدد بشكل أولي النتائج التالية المترتبة على تفكك الحلف وانهياره، أو التحلل التدريجي له، أو إعادة رسم حدود الفضاءات الجيوسياسية لعمله كما أشرنا لذلك في تصريحات نيكولاس بيرنز:[19]
1. تحوّل دول المنطقة إلى التحالفات الأمنية المؤقتة بدلاً من التحالفات الدائمة، مما يعزز احتمال التباينات في العلاقات العربية الداخلية.
2. قد يقود غياب المظلة الأمنية الدولية لـ”أمن الُنظم العربية الحاكمة” بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تنامي سباق التسلح في المنطقة بكيفية أكثر حدة مما هو عليه حالياً (ربيع 2026) إذ إن غياب المظلة الأمنية من خلال الدور غير المباشر أو المباشر للناتو سيعزز نزعة الحماية الذاتية، وهو ما يؤجج سباق التسلّح.
3. قد تميل الدول العربية خصوصاً التي اعتمدت أكثر على المساندة الغربية إلى محاولة الموازنة في علاقاتها مع القوى الكبرى كروسيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا.
4. قد يثير تفكّك الحلف أو تحلّله التدريجي هواجس أمنية أعمق لدى “إسرائيل”، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع تزايد الانصراف الأمريكي عن الشرق الأوسط باتجاه فضاءات جيوسياسية جاذبه له أكثر، مثل الشرق الآسيوي أو العودة الأمريكية بعد مرحلة ترامب للانغماس أكثر في الأزمة الأوكرانية، وهو ما قد يقلل من الضغوط على القوى الإقليمية الأخرى خصوصاً إيران ومصر والسعودية والعراق.
5. تشير التقديرات إلى أن نصيب النفط من إجمالي موارد الطاقة العالمية يتراجع، فقد تراجع من 46% في منتصف السبعينيات إلى نحو 30% في أوائل سنة 2025، كما أن التطور التكنولوجي يسير باتجاه الطاقة النظيفة، مما يجعل التنافس على المنطقة العربية أقل حدة،[20] وهو ما يجعل القيمة الاستراتيجية لـ”إسرائيل” أقل، ويعمق عزوف الناتو عن المنطقة.
[1] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.
[2] للتعرف على إشكالية تحديد الإقليم وخلفيات التوصيف له، انظر التفاصيل في:
Michael Bonine, Abbas Amanat and Michael Gasper (eds.), Is There A Middle East? The Evolution of a Geopolitical Concept (Stanford: Stanford University Press, 2012), passim.
[3] Walid El Houri, From MENA to WANA: Why terminologies matter, site of Global Voices, 11/9/2024, https://globalvoices.org/2024/09/11/from-mena-to-wana-why-terminologies-matter/
[4] للاطلاع على تقارير المخابرات المركزية الأمريكية بهذا الخصوص، انظر:
Memorandum: France, NATO and the US, site of CIA, 15/3/1966, https://www.cia.gov/readingroom/docs/CIA-RDP79T00826A000400010062-3.pdf
[5] Nicholas Burns, The New NATO and the Greater Middle East, site of U.S. Department of State Archive, 19/10/2003, https://2001-2009.state.gov/p/eur/rls/rm/2003/25602.htm
[6] للتعرف على تفاصيل هذا الجانب والآراء المتعددة حوله، انظر:
John Oneal and Mark Elrod, “NATO Burden Sharing and the Forces of Change,” International Studies Quarterly journal, vol. 33, no. 44, December 1989, pp. 435–456.
[7] Jordan Becker, “Accidental rivals? EU fiscal rules, NATO, And Transatlantic burden-sharing,” Journal of Peace Research, vol. 56, no. 5, September 2019, pp. 697–713.
[8] John Irish and Steve Holland, Trump threatens NATO exit, scaling up tensions with allies, site of Reuters News Agency, 1/4/2026, https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/trump-threatens-nato-exit-scaling-up-tensions-with-allies-2026-04-01/
وانظر أيضاً:
Pete Hegseth, American Crusade: Our Fight to Stay Free (Nashville: Center Street, 2020).
[9] Political stability – Country rankings, site of TheGlobalEconomy.com, https://www.theglobaleconomy.com/rankings/wb_political_stability
[10] انظر التفاصيل في:
Aleksander Olech, What does NATO’s 2025 report say about its future?, site of Defense24, 1/4/2026, https://defence24.com/defence-policy/what-does-natos-2025-report-say-about-its-future; Patryk Jagnieża, Donald Trump is considering leaving NATO, Defense24, 1/4/2026, https://defence24.com/geopolitics/donald-trump-is-considering-leaving-nato; and European Commission: Joint Research Centre, d’Artis Kancs, European Defence Readiness, site of arXiv, 2025, https://arxiv.org/pdf/2501.00058
[11] Lyse Doucet, What do Trump’s latest comments on leaving Nato mean for the alliance?, site of British Broadcasting Corporation (BBC), 1/4/2026, https://www.bbc.com/news/articles/c79je4vldq5o
[12] للتفاصيل انظر:
White Paper on the Future of European Defence, site of Legislative Train Schedule of European Parliament, 20/3/2026, https://www.europarl.europa.eu/legislative-train/theme-a-new-era-for-european-defence-and-security/file-white-paper-on-eu-defence; and Acting on defence to protect Europeans, site of European Commission, 19/11/2025, https://commission.europa.eu/topics/defence/future-european-defence_en
[13] Robert Tait, Can Trump pull the US out of Nato – and why is he considering it?, site of The Guardian newspaper, 1/4/2026, https://www.theguardian.com/world/2026/apr/01/trump-nato-explainer
[14] انظر التفاصيل في:
Philip Gordon, NATO’s Growing Role in the Greater Middle East (Abu Dhabi: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, 2006), p. 2.
[15] Cheryl Benard, Civil Democratic Islam, Partners, Resources, and Strategies (Santa Monica: RAND Corporation, 2003), https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monograph_reports/2005/MR1716.pdf
[16] The Broader Middle East and North Africa Initiative: Imperilled at Birth, site of Crisis Group, 7/6/2004, https://www.crisisgroup.org/brf/middle-east-north-africa/b014-broader-middle-east-and-north-africa-initiative-imperilled-birth
[17] Chris Donnelly, Building a NATO partnership for the Greater Middle East, site of North Atlantic Treaty Organization (NATO), 1/1/2004, https://www.nato.int/en/news-and-events/events/transcripts/2004/01/01/building-a-nato-partnership-for-the-greater-middle-east
[18] تقوم تقنية دولاب المستقبل على رصد الترابط بين التداعيات (المباشرة وغير المباشرة)، ودفع كل تداعٍ في كلّ مرة في اتجاهات مختلفة. فمثلاً: تفكّك حلف الناتو؛ يبدأ بالتأثير السياسي (التداعي الأول)، ثم التداعي الثاني المترتّب على الأول، ثم الثالث، وهكذا إلى أن نصل إلى نهاية الأفق الزمني للدراسة. بعد ذلك ننتقل إلى دولاب آخر، وهو التأثير الاقتصادي (وبالكيفية نفسها)، ثم التأثير العسكري، ثم الاجتماعي… إلخ. وأخيراً يتم تجميع الحلقات الأخيرة في كلّ تأثير لرسم صورة الواقع في السنة المحدّدة، بهدف بناء مصفوفة التأثير المتبادل بين الحلقات الأخيرة لكلّ التداعيات التي تمّ تتبعها لكل تأثير. انظر التفاصيل في: وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في الوطن العربي (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2007)، ص 53-63.
[19] لمزيد من التفاصيل حول هذه النقاط، انظر:
Giulia Daga, NATO’s Dilemma in the MENA Region: A Critical Reflection, site of Istituto Affari Internazionali, 12/4/2024, https://www.iai.it/en/publications/c05/natos-dilemma-mena-region-critical-reflection; and Mathieu Droin et al., NATO and Its South: Redefining the Terms, site of Center for Strategic and International Studies (CSIS), 17/5/2024, https://www.csis.org/analysis/nato-and-its-south-redefining-terms
[20] Global Energy Review 2025: Key Findings, site of International Energy Agency (IEA), 24/3/2025, https://www.iea.org/reports/global-energy-review-2025/key-findings
| للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: >> ورقة علمية: مستقبل مكانة الشرق الأوسط في توجهات حلف الناتو … أ. د. وليد عبد الحي |
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 4/5/2026
أضف ردا