مدة القراءة: 11 دقائق

إعداد: د. عثمان يحيى أبو مسامح وعمران يحيى أبو مسامح.*
(خاص بمركز الزيتونة).

مقدمة:

لقد أثّرت حالة الانقسام الفلسطيني على النظام السياسي الفلسطيني بأكمله، من السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية وليس انتهاء بالسلطة القضائية، بل امتد أثره ليشمل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني والمؤثرات المختلفة (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والإعلامية، وغيرها)، فأصبحت خارجة عن الإطار الدستوري والقانوني وفقاً لما تحابيه الأحزاب السياسية المختلفة الخاضعة لها، وليس بناء على الصلاحيات والالتزامات المناطة بها وفق القانون الأساسي الفلسطيني المعدل والقوانين الفلسطينية الأخرى.

في ورقتنا هذه، سنخطو خطوة كبيرة إلى الأمام، إلى ما بعد نتيجة الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثالثة، خطوة كبيرة نتجاوز فيها عن الكثير من العقبات والإشكاليات الدستورية والقانونية التي ستواجه العملية الانتخابية القادمة.


للاطلاع على الورقة القانونية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة قانونية: تساؤلات حول الإشكاليات الدستورية والقانونية ما بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الثالث (16 صفحة، 2.8 MB)

خطوة كبيرة، نتجاوز فيها، عن ماهية القانون الناظم للعملية الانتخابية، هل هو القانون رقم 9 لسنة 2005 بشأن الانتخابات، والتي جرت على أساسه الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية، أم القرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة، والذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في انتهاك واضح وصريح لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 وتعديلاته لسنة 2005، فالأحكام القانونية بشأن الانتخابات مختلفة بشكل كبير جداً في القرار بقانون عنه في القانون، أم القرار بقانون الأخير بشأن الانتخابات عام 2021 الذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية قبل أيام ونشرته لجنة الانتخابات المركزية على موقعها الرسمي؟!

نتجاوز فيها أيضاً، عن محكمة قضايا الانتخابات، والتي ستنظر في الطعون الانتخابية، وعلى أي أساس سيتم تشكيلها، ومن سيكون قضاتها (رئيس وثمان قضاة)، وعلى أي أساس سيتم اختيارهم، وهل سيتم اختيار قضاة من قطاع غزة ضمنهم، وهل سيكون تنسيبهم من مجلس القضاء الأعلى بغزة أم برام الله؟

نتجاوز فيها أيضاً، إجراءات بدء ولاية المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، وتأدية أعضائه اليمين الدستورية، وافتتاح رئيس السلطة الفلسطينية الدورة العادية الأولى للمجلس، وكذلك إشكاليات انتخاب رئاسة المجلس (رئيس المجلس التشريعي، ونائبيه، وأمين السر).

كذلك، نتجاوز فيها، عن الإشكاليات المتعلقة بتعيين أمين عام للمجلس التشريعي المنتخب، والتي واجهت المجلس التشريعي الثاني، وكذلك الإشكاليات الخاصة بالتغييرات المدخلة على النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني.

إن هذا التجاوز، ليس تقليلاً من شأن هذه الإشكاليات الحقيقية والكبيرة، التي ستواجه العملية الانتخابية، وإنما مدعاة لعدم التكرار، فقد تناولها كثير من الباحثين والقانونيين في أبحاثهم وكتاباتهم ومقالاتهم ومؤلفاتهم بشيء من الاستفاضة.

إذاً ورقتنا هذه، تفترض نجاح تخطي هذه العوائق والإشكاليات الدستورية والقانونية، وبدء ولاية جديدة للمجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، وشروعه بالأعمال المنوطة به، الأعمال التشريعية والرقابية، وفق ما نص عليه القانون الأساسي الفلسطيني المعدل والتشريعات ذات العلاقة سارية العمل بها.

في ورقتنا هذه، سنقف عند بعض الإشكاليات الجوهرية التي تنتظر المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، والتي لم يتم حلها، لا بطريقة قانونية ولا توافقية، مما يعني إمكانية العودة إلى مربع الانقسام الفلسطيني، حتى بعد الانتخابات التشريعية، إذا لم يتم تدارك هذه الإشكاليات، ولن يتم التطرق إلى إشكالية “الموظفين”، والتي أيضاً تمّ تناولها كثيراً.

أولاً: مصير القوانين الصادرة عن المجلس التشريعي الفلسطيني الثاني:

نصت المادة 47 فقرة 1، و2 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل على أن: “1. المجلس التشريعي الفلسطيني هو السلطة التشريعية المنتخبة. 2. بما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون يتولى المجلس التشريعي مهامه التشريعية والرقابية على الوجه المبين في نظامه الداخلي”.

يتضح من نص المادة السابق، أنه يُناط بالمجلس التشريعي الفلسطيني صلاحية سن القوانين، والتي تأتي في المرتبة الثانية بعد الدستور (القانون الأساسي الفلسطيني)، وفق قاعدة الهرم التشريعي.

وفي إطار ذلك، قام المجلس التشريعي الفلسطيني الثاني، بسن العديد من القوانين، التي تنظم العديد من المجالات، وذلك خلال فترة ولايته منذ 25/01/2006.

بعد أحداث الانقسام الفلسطيني سنة 2007، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس حالة الطوارئ، وعدَّ المجلس التشريعي الفلسطيني معطلاً، وذلك لتغيُّب أعضاء كتلة حركة فتح والأحزاب الأخرى عن حضور جلسات المجلس التشريعي، مما قصَّر الحضور على بعض أعضاء كتلة حركة حماس البرلمانية، خصوصاً في ظلّ اعتقال العديد من نواب حركة حماس من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

وقد استغل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس هذا الأمر، وقام بإصدار العديد من القرارات بقانون، مبرراً ذلك بحالة الضرورة، وعدم قدرة المجلس التشريعي على الانعقاد.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قام أيضاً بتشكيل المحكمة الدستورية العليا، في انتهاك واضح وصريح للقانون الأساسي الفلسطيني المعدل وقانون المحكمة الدستورية رقم 3 لسنة 2006، والتي بدورها عدّت المجلس التشريعي الفلسطيني منحلاً، في سابقة قضائية خطيرة، في الطلب التفسيري رقم 10/2018، طلب رقم 10 لسنة 3 قضائية المحكمة الدستورية العليا “تفسير”، في 12/12/2018، حيث قررت:

إن شرعية وجود المجلس التشريعي تكون بممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية، ونظراً لعدم انعقاده منذ سنة 2007، يكن قد أفقده صفته كسلطة تشريعية، وبالنتيجة صفة المجلس التشريعي. … إن المجلس التشريعي في حالة تعطل وغياب تام وعدم انعقاد منذ تاريخ 5/7/2007، وقد انتهت مدة ولايته بتاريخ 25/1/2010، أثناء مدة تعطله وغيابه، وما زال معطلاً وغائباً بشكل كامل حتى الآن، وبناء عليه فإن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ومصلحة الوطن، تقتضي حلّ المجلس التشريعي المنتخب بتاريخ 25/1/2006، وبالتالي اعتباره منحلاً منذ تاريخ إصدار هذا القرار.

وقد أعلن رئيس السلطة الفلسطيني حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني في 22/12/2018، استناداً إلى القرار التفسيري الصادر عن المحكمة الدستورية العليا.

وذلك في خطوة سياسية خطيرة، بعيدة كل البعد عن أحكام القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، والذي لم يجز حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني، حيث نصت المادة 113 منه، على أنه: “لا يجوز حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني أو تعطيله خلال فترة الطوارئ أو تعليق أحكام هذا الباب”.

وفي ظلّ ذلك، فإنه بعد الانتخابات التشريعية القادمة، سيطفو إلى السطح إشكاليات متعلقة بمصير القوانين التي صدرت عن المجلس التشريعي الفلسطيني، خصوصاً في ظلّ اعتباره منحلاً وفقاً لقرار المحكمة الدستورية العليا وقرار رئيس السلطة الفلسطينية.

هل سنكون أمام تغاضي عن هذه القوانين، بما أنها صدرت عن المجلس التشريعي الفلسطيني، أم سنكون أمام إعادة عرض هذه القوانين على المجلس التشريعي الفلسطيني مرة أخرى لإقرارها وفق ما تتطلبه عملية سن تشريع جديد؟

هل يحق للمجلس التشريعي المنتخب إعادة عرض هذه القوانين عليه مرة أخرى؟ وهل سنكون أمام حكم بشرعية عمل المجلس التشريعي الفلسطيني الثاني في حالة موافقة المجلس التشريعي المنتخب عن هذه القوانين أم أمام حكم بعدم شرعيتها في ظلّ رفضها؟

ماذا سيكون مصير المراكز القانونية التي تشكلت في ظلّ هذه القوانين، هل يمكن التغاضي عنها؟ أم عن بعضها؟ أم ماذا؟

ما دور الشعب الفلسطيني في ذلك؟ وما رؤية حركة حماس لذلك؟ وما رؤية حركة فتح كذلك؟ وما رؤية التنظيمات الفلسطينية الأخرى؟

ثانياً: مصير القرارات بقانون الصادرة عن رئيس السلطة الفلسطينية:

لقد أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بعد إعلانه عن تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني في حزيران/ يونيو 2007، العديد من القرارات بقانون، والتي استند فيها إلى حالة الضرورة التي نصت عليها المادة 43 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، حيث نصت المادة السابقة على أنه:

لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون.

ليس هناك خلاف، على أن المجلس التشريعي الفلسطيني كان ينعقد فقط في قطاع غزة، ومعطل في الضفة الغربية، وقد فرض هذا الواقع الانقسام الفلسطيني، في ظلّ تغيب الكتل البرلمانية الأخرى، بخلاف كتلة حماس في غزة، عن حضور جلسات المجلس التشريعي الفلسطيني.

هذا ما دعا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لإصدار قرارات لها قوة القانون، مبرراً ذلك بغياب المجلس التشريعي الفلسطيني وعدم انعقاده وتعطله.

لكن، لنا أن نتساءل، هل هناك حالة ضرورة تستوجب صدور هذه القرارات بقانون؟

كان بالإمكان تجاوز هذه الإشكالية، وذلك بدعوة المجلس التشريعي للانعقاد وبحضور الكتل البرلمانية الأخرى، حتى يتم تفعيله والقيام بالمهام التشريعية والرقابية المنوطة به وفق القانون الأساسي الفلسطيني المعدل والقوانين ذات الصلة.

لكن تداعيات الانقسام كانت أكبر عائق في ذلك، فكانت العصا في دواليب المصالحة الفلسطينية، وعليه عملت كل من حركة فتح من خلال رئاسة السلطة الفلسطينية بإدارة الضفة الغربية، وعملت حركة حماس من خلال المجلس التشريعي الفلسطيني بإدارة قطاع غزة.

حالة الضرورة تعني وجود ظروف استثنائية لا تحتمل التأخير، وفي ظلّ عدم انعقاد المجلس التشريعي، يحق لرئيس السلطة الفلسطينية إصدار قرارات لها قوة القانون لمواجهة هذه الظروف، على أن تعرض على المجلس التشريعي عند أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات.

ومن هذا التعريف يمكننا، استنباط شروط حالة الضرورة، وهي على النحو الآتي:

1. وجود ظروف استثنائية لا تحتمل التأخير.

2. عدم انعقاد المجلس التشريعي الفلسطيني.

3. إصدار رئيس السلطة الفلسطينية لقرارات لها قوة القانون متعلقة بحالة الضرورة.

4. عرض هذه القرارات بقانون على المجلس التشريعي الفلسطيني عند أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات.

وبتطبيق هذه الشروط، على القرارات بقوانين التي أصدرها رئيس السلطة الفلسطينية، منذ حزيران/ يونيو 2007، حتى وقتنا الحالي 2021، فإننا نجد أن أغلب هذه القرارات بقوانين لا ترتبط بحالة الضرورة التي نص عليها القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، وما هو إلا تغول من رئيس السلطة الفلسطينية على اختصاصات وصلاحيات المجلس التشريعي الفلسطيني، ونزع صلاحية سن التشريعات منه، في انتهاك صريح لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني المعدل.

أين الظروف الاستثنائية التي لا تحتمل التأخير في حالة إصدار رئيس السلطة الفلسطينية القرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة؟
وأين هي في حالة القرارات بقانون التي قام بها بتعديل العديد من القوانين، مثل قانون الصحة، وقانون التأمين، وقانون، حماية المستهلك، وقانون مكافحة الفساد، وقانون التقاعد العام، وقانون الخدمة في قوى الأمن، وغيرها؟

أين الظروف الاستثنائية التي لا تحتمل التأخير في حالة إصدار رئيس السلطة الفلسطينية القرار بقانون رقم 7 لسنة 2019 بتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 3 لسنة 2006 وتعديلاته؟

أين الظروف الاستثنائية التي لا تحتمل التأخير في حالة إصدار رئيس السلطة الفلسطينية القرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة؟

أين الظروف الاستثنائية التي لا تحتمل التأخير في حالة القرار بقانون رقم 5 لسنة 2020 بشأن ديوان الرئاسة الفلسطينية؟

أين ارتباط وتعلق هذه القرارات بقوانين (وغيرها الكثير من القرارات بقانون) بحالة الضرورة التي لا تحتمل التأخير؟

نعتقد، أننا كنا أمام انتهاك واضح وصريح من قبل رئيس السلطة الفلسطينية لاختصاصات المجلس التشريعي الفلسطيني، وعدم تعلق هذه القرارات بقانون بحالة الضرورة المنصوص عليها في المادة 43 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، وإنما كانت نتيجة للانقسام الفلسطيني وتغييب دور المجلس التشريعي الفلسطيني.

وفي ظلّ هذه الإشكاليات، هل سنكون أمام حلول لهذه الإشكاليات قبل الانتخابات التشريعية القادمة أم بعدها أم لا حلول لها؟

هل سيتم عرض هذه القرارات بقانون التي صدرت عن رئيس السلطة الفلسطينية في أول جلسة يعقدها المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب؟ ألا يعني عرض هذه القرارات بقوانين الإقرار بدستوريتها وقانونيتها وشرعية ما كان يقوم به رئيس السلطة الفلسطينية في ذلك؟ وفي حال عدم عرضها، هل يعني ذلك رفض المجلس التشريعي لإقرارها؟

هناك حديث يدور، عن اتفاق بين حركتي حماس وفتح، على تعديل رئيس السلطة الفلسطينية للقرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة، وقد صدر هذا التعديل، وقامت لجنة الانتخابات المركزية في فلسطين بنشره على موقعها، لكن حتى هذه اللحظة لم يتم نشره في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية).

هل هذا الاتفاق بين الحركتين، لو كان حقيقة، يعني موافقة حركة حماس على القرارات بقوانين التي أصدرها رئيس السلطة الفلسطينية؟ أم أن هذا فقط في سبيل تخفيف العقبات أمام إنهاء الانقسام الفلسطيني والتمهيد للانتخابات العامة؟

حتى لو كانت هناك موافقة من قبل حركة حماس، هل هذه الموافقة تمنح رئيس السلطة الفلسطينية الشرعية والدستورية والقانونية لقراراته؟

بكل تأكيد، فإننا في مرحلة ما بعد الانتخابات، سنكون أمام تشريعات عدة تنظم المجال الواحد، منها تلك القوانين التي صدرت عن المجلس التشريعي الفلسطيني، وغيرها تلك التي صدرت عن رئيس السلطة الفلسطينية.

ثالثاً: مصير مكونات السلطة القضائية:

هناك سلطة قضائية في قطاع غزة، تتكون من المجلس الأعلى للقضاء، وعدد من القضاة التابعين له، وكذلك النائب العام، وعدد من أعضاء النيابة العامة، وهناك محاكم نظامية وشرعية وعسكرية وإدارية، وهذه تختلف عن السلطة القضائية التي في الضفة الغربية، اختلاف الأشخاص، والمكونات، والمهام والصلاحيات.

يعني، أننا أمام سلطتين قضائيتين، بحكم الواقع، واحدة في قطاع غزة، لها اختصاص محلي على قطاع غزة فقط، وأخرى في الضفة الغربية، لها اختصاص محلي على الضفة الغربية فقط، وذلك على الرغم من صدور بعض الأحكام التي تمس بعض الأشخاص من المحاكم المختلفة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، غير أنها لا تنفذ ولا يمكن تنفيذها، لعدم وجود سيطرة للسلطة التنفيذية في الضفة الغربية على قطاع غزة، وعدم وجود سيطرة للسلطة التنفيذية في قطاع غزة على الضفة الغربية، وكذلك لعدم الاعتراف بالشرعية لأي جهة من تلك الجهات من قبل الجهات الحاكمة في قطاع غزة أو الضفة الغربية.

في ظلّ هذا الوضع المأساوي، قام رئيس السلطة الفلسطينية بإصدار قرارات بقانون جديدة خاصة بالسلطة القضائية، حيث أصدر القانون رقم 39 لسنة 2020 بشأن تشكيل المحاكم النظامية، والقرار بقانون رقم 40 لسنة 2020 بشأن تعديل قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002، والقرار بقانون رقم 41 لسنة 2020 بشأن المحاكم الإدارية، مما أفضت هذه القرارات بقوانين إلى تغول واضح وصريح من قبل السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، ضارباً بعرض الحائط مبدأ الفصل بين السلطات، وكذلك استقلال السلطة القضائية.

في ظلّ القرارات بقانون الجديدة، هل يمكننا الحديث عن استقلال للسلطة القضائية؟ أم اعتبارها مؤسسة من مؤسسات السلطة التنفيذية وتتبع لرئيس السلطة الفلسطينية؟

هل يمكن الدمج بين مجلس القضاء الأعلى في غزة والمجلس الأعلى للقضاء في رام الله أم لا؟ وما مصير القضاة هنا وهناك؟ هل سيقبل أحد القضاة على سبيل المثال بتنزيل مسماه ومكانته من قاضي محكمة عليا إلى قاضي استئناف أو بداية مثلاً؟ أم سيتم الإحالة إلى التقاعد؟ وما الآلية؟

وفي ظلّ عدم الاعتراف بشرعية المحاكم في قطاع غزة، هل سيبقى الأمر كذلك في مرحلة ما بعد الانتخابات؟ ما مصير المبادئ والسوابق والأحكام القضائية التي صدرت من المحاكم في قطاع غزة؟ هل يمكن اعتبار تلك التي صدرت عن المحكمة العليا ومحكمة النقض مبادئ وسوابق قضائية أم ماذا سيكون توصيفها؟

رابعاً: مصير المحكمة الدستورية العليا:

نصت المادة 103 فقرة 1، و2 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل على أن: “1. تشكل محكمة دستورية عليا بقانون، … 2. يبين القانون طريقة تشكيل المحكمة الدستورية العليا، والإجراءات الواجبة الاتباع، والآثار المترتبة على أحكامها”.

ونصت المادة 104 أيضاً على أنه: “تتولى المحكمة العليا مؤقتاً كل المهام المسندة للمحاكم الإدارية والمحكمة الدستورية العليا ما لم تكن داخلة في اختصاص جهة قضائية أخرى وفقاً للقوانين النافذة”.

يتضح من النصين السابقين، أن تشكيل المحكمة الدستورية العليا يكون بقانون يصدر من المجلس التشريعي الفلسطيني، ويرتب طريقة التشكيل، والإجراءات الواجبة الاتباع، والآثار المترتبة على أحكامها، وفي ظلّ عدم تشكلها تتولى المحكمة العليا مؤقتاً كل المهام المسندة إليها، وقد أصدر المجلس التشريعي الفلسطيني قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 3 لسنة 2006.

في 31/3/2016، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية القرار رقم 57 لسنة 2016 بشأن تشكيل المحكمة الدستورية العليا، في استغلال واضح لحالة الانقسام الفلسطيني، وهذا ما رأيناه عندما قررت حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني.

وعلى الرغم من نص قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 3 لسنة 2006 على وجوب أن يؤدي قضاة المحكمة الدستورية اليمين القانونية بحضور رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وذلك قبل مباشرة عملهم، حيث نصت المادة 7 منه على أنه: “يؤدي رئيس المحكمة ونائبه وقضاتها أمام رئيس السلطة الوطنية قبل مباشرة أعمالهم بحضور كل من رئيس المجلس التشريعي ورئيس مجلس القضاء الأعلى اليمين التالية: “أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور والقانون وأن أحكم بالعدل””، إلا إنه لم يتم الالتزام بهذا النص، وقد تمّ تجاوز حضور رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، وقامت المحكمة الدستورية العليا بمباشرة مهامها، بعد خلل قانوني واضح في طريقة تشكيلها.

هل من الممكن اعتماد هذه المحكمة الدستورية العليا بعد الانتخابات التشريعية القادمة، التي تشكلت في ظلّ استغلال ظروف سياسية سيئة، ولتحقيق أهداف سياسية، وبطريقة مخالفة للقانون؟

هل يمكن الاستناد إلى قراراتها، خصوصاً ذلك القرار رقم 10/2018 الذي تمّ حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني بموجبه، في انتهاك واضح لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني المعدل؟

هل يمكن الثقة بأعلى محكمة لدى السلطة القضائية تشكلت في ظروف سياسية، واتخذت قرارات سياسية، وانتهكت أحكام القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، والتي أساس تشكيلها يجب أن يكون الحفاظ على القانون الأساسي والدستور؟

هل يمكن الحديث عن محكمة دستورية عليا، كانت بمثابة الدرع الحامي لقرارات رئيس السلطة الفلسطينية التي أصدرها في انتهاك واضح لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني المعدل؟

خامساً: الأحكام المتعلقة بالنواب المعتقلين:

لا يوجد نص في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل يوضح حكم تغيب أي عضو من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني عن جلساته بأي مانع مؤقت أو دائم، عدا حالة الوفاة، ولا في قانون الانتخابات الفلسطيني، ولا في النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني.

وقد شهد المجلس التشريعي الفلسطيني الثاني، حالات اعتقالات واسعة مست نوابه ورئيسه من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وفي ظلّ ذلك، ولعدم وجود أي نص دستوري أو قانوني يوضح حكم ذلك، قام نواب كتلة التغيير والإصلاح (حركة حماس) المعتقلون بعمل توكيلات لنواب آخرين، تابعين للكتلة البرلمانية نفسها، لحضور الجلسات البرلمانية والإنابة عنهم.

وقد دار خلاف قانوني حول توكيلات النواب المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فاتجه البعض إلى أن هذه التوكيلات غير دستورية وغير قانونية؛ مستندين إلى أنه لا يوجد لها أي سند في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، ولا في النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني، واتجه البعض الآخر إلى أن هذه التوكيلات دستورية وقانونية؛ مستندين إلى أنه لا يوجد نص يحظر التوكيلات، وقياساً على الوكالة في القانون المدني، وأيضاً موافقة المجلس التشريعي على ذلك باعتباره أنه صاحب الصلاحية في تنظيم أموره الداخلية.

ونحن نرى أن هذه التوكيلات غير دستورية وغير قانونية، استناداً إلى قاعدة: “لا تفويض (أو إنابة) في الاختصاصات الدستورية إلا بناء على نص دستوري يجيز ذلك”، إلا أنه من الممكن الخروج من هذا الخلاف بإصدار قانون من المجلس التشريعي يجيز إنابة النواب لبعضهم البعض خصوصاً في ظلّ الظروف التي نحياها في الواقع الفلسطيني، أو تعديل النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني بما يجيز ذلك.

وأخيراً:

إننا أمام معضلات وإشكاليات دستورية وقانونية كبيرة، ستواجه جميع مكونات النظام السياسي الفلسطيني، قبل الانتخابات وبعدها، وكثير من التساؤلات التي تطرح في ظلّ هذا الوضع، وفي مثل هذه الظروف، منها ما هو متعلق بحالة الانقسام الفلسطيني، وأسبابه الدستورية والقانونية، ومنها ما هو متعلق بمرحلة الانتخابات القادمة، وغيرها يتعلق بمرحلة ما بعد الانتخابات، والتي ستكون المرحلة الأكثر خطراً، نظراً لتوارث العديد من الإشكاليات الدستورية والقانونية في النظام السياسي الفلسطيني، والتي لم يتم إيجاد لها أي حلّ دستوري أو قانوني، وإنما تمّ تجاهلها إلى أن تراكمت وأصبحت ثقلاً كبيراً لا يمكن تجاهله.

نتمنى أن نجد إجابات دستورية وقانونية، للتساؤلات المطروحة، أو حتى توافقية، للخروج من الأزمة الدستورية والقانونية التي أورثها الانقسام الفلسطيني، وذلك أيضاً بعيداً عن نظام المحاصصات بين الأحزاب المختلفة، والذي لن يزيد الأمر إلا مزيداً من التعقيد.

هذه التساؤلات، لا تقلل من أهمية الانتخابات الفلسطينية، وإنما نعتقد أن الانتخابات قد تكون مدخلاً حقيقياً لحالة التشتت داخل الأراضي الفلسطينية، وقد تكون سبباً حقيقياً من الأسباب المؤدية إلى حلّ الإشكاليات المتعلقة بحالة الانقسام الفلسطيني وأيضاً بالنظام السياسي الفلسطيني.

وقبل أن نختم، فإنه من الواجب علينا، التأكيد على نقطة أساسية وجوهرية، وهي أن جميع مكونات النظام السياسي الفلسطيني في ظلّ فترة الانقسام الفلسطيني فقدت شرعيتها الدستورية والقانونية، مما يجعلنا نعتقد أن معاملتها على أساس حكم الواقع، أو تطبيق نظرية الموظف الفعلي، سيكون مدخلاً تالياً بعد الانتخابات الفلسطينية لإنهاء آثار الانقسام الفلسطيني، وبطبيعة الحال، مع بعض التغييرات الحقيقية التي تناسب مرحلة ما بعد الانقسام الفلسطيني.


للاطلاع على الورقة القانونية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة قانونية: تساؤلات حول الإشكاليات الدستورية والقانونية ما بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الثالث (16 صفحة، 2.8 MB)

*
د. عثمان يحيى أبو مسامح: أستاذ القانون العام المساعد بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة. مدير مركز الحق والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة. لديه العديد من الأبحاث القانونية المحكمة والمنشورة في مجلات دولية وإقليمية.
عمران يحيى أبو مسامح: باحث دكتوراه في القانون. لديه العديد من الأبحاث القانونية المحكمة والمنشورة في مجلات دولية وإقليمية.


مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 5/2/2021



جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: