مدة القراءة: 5 دقائق

بقلم: أ. د. محسن محمد صالح.

الورقة العلمية التي نشرها الدكتور وليد عبد الحي عبر مركز الزيتونة حول الدراسات والتوقعات بشأن تراجع المكانة الدولية للولايات المتحدة، تستحق الاهتمام والتقدير. إذ لفتت النظر إلى أن الدراسات والمؤشرات المستقبلية تظهر اتجاهاً أمريكياً عاماً نحو التراجع، وصعود قوى منافسة على رأسها الصين.

ليس ثمة اختلاف بين الباحثين على أن الولايات المتحدة ما زالت تتصدر النظام الدولي، وأنها الأكبر في امتلاك عناصر القوة الناعمة والخشنة. إذ إن لديها أكبر اقتصاد عالمي، ولديها أكبر قوة عسكرية في العالم، وميزانيتها العسكرية تساوي تقريباً مجموع أكبر عشر ميزانيات عسكرية من الدول التي تليها في الترتيب، وعملتها الدولار هي العملة العالمية التي تستحوذ على نحو 62 في المئة من المبالغ والاحتياطات في البنوك المركزية في العالم، ونحو نصف قائمة أفضل مئة جامعة في العالم هي جامعات أمريكية. كما أن أكبر الشركات العالمية هي شركات أمريكية، مع التنبه إلى هيمنة الأمريكان على شركات البرمجة الالكترونية والتواصل الاجتماعي (مايكروسوفت، أبل، جوجل، فيسبوك، انستغرام، تويتر، واتساب…).

غير أن أزمة الأمريكان لا تكمن في تزايد مظاهر التراجع لديهم، وإنما في قدرة القوى الدولية الصاعدة، وخصوصاً الصين، على تقليص الفجوة مع الأمريكان، والتقدم بخطى ثابتة نحو “نقطة حرجة” مستقبلية يمكن أن يتجاوزوا فيها المنافس الأمريكي. وهذا التجاوز قد يأخذ شكلاً اقتصادياً، وشكلاً علمياً وتكنولوجياً، قد يتبعه لاحقاً الشكل العسكري.

العنصر الترامبي:

ومع أجواء الانتخابات الأمريكية، يمكن القول إن دونالد ترامب (أو العنصر الترامبي) كان أحد أسباب “قصف عمر” أو تقليص العمر الافتراضي للتفوق الأمريكي. فكما ذكر الأستاذ أسامة أبو ارشيد، فإن ترامب بفوضويته وشعبويته قد جمع في قيادته كافة مساوئ الإدارات الأمريكية السابقة، وقام بحالة غير مسبوقة من التقويض الداخلي الأمريكي، وضرب “القيم” الأمريكية، وتطاول على الدستور وأضعف المؤسسات، ولعب على الحساسيات الدينية والعرقية والأيديولوجية.

وبحسب توماس فريدمان في مقال نشره مؤخراً في نيويورك تايمز، فإن سنوات ترامب كانت الأكثر إثارة للانقسام والأكثر خداعاً في التاريخ الأمريكي، وأنه كسر القواعد ودمّر الأعراف، ولم يحاول ولو ليوم واحد أن يكون رئيساً لكل الشعب الأمريكي، وأن مرحلة ترامب ضربت ركيزتي الديمقراطية الأمريكية؛ وهما الحقيقة والثقة.

ولذلك، فإن باحثي المستقبليات ربما خفضوا المدى الزمني للتفوق الأمريكي بعد صعود ترامب. فالخبير العالمي جوهان جالتنج الذي سبق أن درس في سنة 2004 (حسبما ينقل وليد عبد الحي) تراجع الولايات المتحدة من خلال 14 مؤشراً، توقع أن يكون التراجع واضحاً سنة 2025، غير أنه عاد وقدم التاريخ إلى سنة 2020 بعد تولي ترامب للرئاسة!!

الضعف المجتمعي الداخلي:

وثمة عنصر ثان ارتبط طردياً بظهور “الترامبية” وتأجج في أجوائها، وهو الضعف الداخلي، وتفكك النسيج الاجتماعي لـ”الأمة الأمريكية”، وتنامي الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. وقد ترافق ذلك مع تصاعد النزعات اليمينية.
وبحسب أبو ارشيد، فإن الولايات المتحدة تسير نحو “الانتحار الذاتي”، حيث أخذ خطاب الكراهية والخوف يحل مكان قيم التسامح والاستيعاب، التي طالما تباهى بها الأمريكان، وخصوصاً نجاح الولايات المتحدة في أن تكون “قِدْر الصَّهر” (melting pot) الذي يتفاعل بداخله الجميع، فتُجدِّد من خلاله شبابها وإبداعها، وتستوعب أفضل العقول والكفاءات والقدرات في العالم.

السلوك العنصري “الأبيض” الذي أججه قدوم ترامب، والذي ركز على الحفاظ على هوية أمريكا “البيضاء”، وعلى نزعة الخوف والعداء تجاه تزايد أعداد الأمريكان ذوي الأصول الإسبانية والآسيوية والسود؛ أسس لمزيد من النزاع والتفكك، بعد أن كان يستفيد من حالة التنوع في تحقيق مزيد من الإبداع والتفوق. هذه المخاوف تتحدث عن انخفاض نسبة البيض إلى 49 في المئة بحلول سنة 2040 مقابل ذوي الأصول الأخرى. وقد انعكس ذلك على الانتخابات الأمريكية، حيث كان هناك فرز واضح بين مؤيدي ترامب ومؤيدي بايدن على أسس عرقية ودينية.

تراجع الهيمنة العالمية:

الجانب الثالث في الانحدار الأمريكي مرتبط بتراجع القدرة على الهيمنة العالمية. فإذا كانت الولايات المتحدة قد انفردت بالهيمنة أو ما يُعرف بـ”أحادية القطبية”، خصوصاً في الفترة 1990-2010، فإن مظاهر تفردها تراجعت في السنوات الأخيرة، وتراجعت قدرتها على لعب دور “شرطي العالم” أو الضابط المهيمن الذي يرعى النظام الدولي، ويفرض إرادته واعتباراته ومعاييره ومصالحه على باقي القوى الدولية.

فحسب دراسة جوليا شوبرت (التي أشار إليها عبد الحي) فثمة تراجع أمريكي في القدرة على إنجاز المهام. وهو تراجع تزايد في فترة حكم أوباما (2008-2016) التي اتسمت بالتردد وعدم الرغبة بالتدخل الخارجي والسلوك كـ”بطة عرجاء”، مما شجع قوى دولية أخرى على محاولة ملأ الفراغ كما فعل الروس في شرق أوروبا وفي الشرق الأوسط. وحتى “عنتريات” ترامب لم تنفع في “علاج الخلل” إلاّ مع دول الخليج التي قبلت أن “تُحْلَبَ” باستخدام “فزاعة” الخوف على مستقبلها من إيران ومن تيارات “الإسلام السياسي”؛ في الوقت الذي كان فيه واضحاً أن الرغبة الأمريكية بالتدخل العسكري تميل إلى التراجع، وأن تلك القوى التي أظهرت “العين الحمراء” للأمريكان لم يقم الأمريكان بتنفيذ تهديداتهم “الخشنة” تجاهها، كما في إيران وكوريا الشمالية وروسيا.
وقد زاد من تدهور الدور الأمريكي في البيئة الدولية الفشل الأمريكي في العراق وأفغانستان، والأثمان الباهظة والاستنزاف الكبير في ما يُسمى “الحرب على الإرهاب”. وقد أضاف إليها ترامب “فن خسارة الحلفاء والأصدقاء” من خلال سياساته الرعناء والمتعجرفة في التعامل مع حلفائه الأوروبيين، أو شركائه الدوليين الروس والصينيين وغيرهم.

تراجع التفوق الاقتصادي:

من ناحية رابعة، يبرز تراجع التفوق الاقتصادي الأمريكي عنصراً مهماً من عناصر تقلُّص الفجوة، فالسنوات الماضية شهدت صعود اقتصادات كبرى، كما شهدت تدهور مكانة الدولار الأمريكي. وقد شهدت السنوات العشر الماضية زيادة الدَّين الأمريكي الفيدرالي العام بمعدل تريليون دولار سنوياً. وبدل أن ينجح ترامب في خفض الديون (حيث تعهد بإنهائها في ثماني سنوات)، فإن سنوات حكمه شهدت تزايداً غير مسبوق فيها. ولأول مرة منذ 1946 (نحو 74 عاماً) يتجاوز الدَّين الفيدرالي 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. ووصلت تقديرات الدَّين العام إلى نحو 25 تريليون دولار.

وبالتأكيد، فقد كان لجائحة كورونا وقعٌ قاسٍ على الاقتصاد الأمريكي، إذ اضطرت الحكومة لاقتراض ثلاثة تريليونات دولار لتغطية تكاليف التعامل مع الجائحة وآثارها، ووصل عجز الميزانية إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. وارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من 16 مليوناً، بينما ارتفع عدد من كانوا يعملون عملاً جزئياً من نحو 800 ألف إلى 24 مليوناً.

التراجع الاقتصادي والمالي انعكس على القدرة على الاستثمار في الصناعة والبنى التحتية والتعليم والبحث العلمي، والموازنات العسكرية، والنفقات على النفوذ الخارجي.

وربما استطاعت الولايات المتحدة التعافي ولو جزئياً بعد جائحة كورونا، وطباعة تريليونات من الدولارات لسد احتياجاتها، واستخدام هيمنتها لانتزاع مصادر دخل خارجية. ولكن البُنية الاقتصادية الأمريكية والرأسمالية، وأزماتها المتوالية، وصعود قوى منافسة، سيُسرّع من مظاهر تراجع المكانة الدولية الأمريكية.

الصعود الصيني:

الصعود الصيني يمثل بحد ذاته، من ناحية خامسة، في ضوء الدراسات المقارنة، عنصر قلق أمريكي كبير، ومؤشراً قوياً على تقدُّم لاعبين كبار في طريقهم إلى كسر النظام “أحادي القطبية”. فبالرغم من أن الناتج المحلي الأمريكي يفوق نظيره الصيني بنحو سبع تريليونات في سنة 2019، وبالرغم من أن دخل الفرد الأمريكي يساوي نحو خمسة أضعاف نظيره الصيني؛ إلا أن الصين تسير بخطى ثابتة نحو التساوي مع الناتج المحلي الأمريكي في السنوات العشر القادمة.

والتطور العلمي والتكنولوجي الصيني يسير بخطى متسارعة نحو ردم الفجوة مع الأمريكان، وأعداد براءات الاختراع الصينية المسجلة أخذت مؤخراً تتجاوز أعداد براءات الاختراع الأمريكية؛ وقيمة الصادرات الصينية تفوق قيمة الصادرات الأمريكية، ولا تعاني الصين من أعباء الديون التي تعاني منها أمريكا. وحتى في الجانب العسكري الذي لم تكن تلتفت إليه الصين كثيراً في عقود سابقة، فإن الصين ضاعفت في السنوات العشر الماضية 2011-2020 من نفقاتها العسكرية السنوية؛ من نحو 116 مليار دولار إلى أكثر من 260 مليار دولار، لتُقلِّص بذلك الفجوة مع أمريكا التي حافظت على نفقات بحدود 750 ملياراً سنوياً.

وتظهر الدراسة المقارنة التي أعدها وليد عبد الحي لعشرين من مؤشرات القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية بين الصين والولايات المتحدة في الفترة 2018-2019، أن أمريكا تتفوق في عشر مؤشرات بينما تتفوق الصين في المؤشرات العشر الأخرى، وأن الولايات المتحدة وإن كانت ما تزال تحتفظ بنقاط تفوق أكثر (19 مقابل 16)، إلا أن الاتجاه العام يسير لصالح الصين في جَسْر الهوة.

النزعة “العسكرتارية”:

وثمة ملاحظة تُشير إليها دراسات التراجع الأمريكي، كما نبه عبد الحي، هي أن النزعة “العسكرتارية” الأمريكية في سلوكها الدولي، والإنفاق على قواعدها العسكرية، تسببت بأثمان باهظة واستنزاف كبير، لو استخدمت ميزانياته في تطورها الاقتصادي وتفوقها العلمي لربما حافظت بشكل أفضل ولمدة أطول على تفوقها، وأن الكيان الصهيوني أسهم في تعميق هذه النزعة، وفي التَّسبب بهكذا استنزاف، دونما ضرورة أمريكية خاصة؛ حيث كان السبب الأساس للتدخل الأمريكي هو رعاية المصالح الصهيونية في المنطقة العربية والإسلامية، وإبقاء الهيمنة الصهيونية في المنطقة.

* * *

وأخيراً، فإن هذه القراءة لا تعني انهياراً قريباً للهيمنة الأمريكية، ولكنها تعني اتجاهاً عالمياً نحو تعدُّد القطبية، وأن عناصر الضعف الأمريكي مرشحة للتصاعد، وأن على أولئك المرعوبين من أمريكا أو “المتلحفين” بغطائها أن يصحوا، وأن يعيدوا حساباتهم، وأن يعودوا لأمتهم وشعوبهم وهويتهم الحضارية، لتستعيد منطقتنا حريتها ونهضتها ووحدتها، وتحرر أرضها ومقدساتها.

المصدر: موقع عربي21، 2020/11/8


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: