مدة القراءة: 4 دقائق

بقلم: أ. د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

بصراحة، فإن لدى كاتب هذه السطور مشكلة حقيقية في التعامل مع مصطلح “الوحدة الوطنية” في الحالة الفلسطينية. إذ إن هذا المصطلح أصبح لدى كثيرين مصطلحاً “ملغوماً” أو فارغاً من محتواه اللغوي والفكري والعملي.

هذا المصطلح، إلى جانب مصطلح “إنهاء الانقسام”، يستخدمان منذ سنوات كـ”كليشيه” أو “عنوان” يتم ترديده على “الفاضي والمليان” في الكتابات والحوارات والنقاشات في أوساط السياسيين والإعلاميين والمثقفين وعامة الناس؛ ويتم استخدامه دونما مضمون، باعتباره شهادة حسن سلوك أو صك براءة للمتحدث بين يدي حديثه عن الوضع الفلسطيني.

وإذا كان ثمة جانب إيجابي في ظاهر الأمر للدلالة على أهمية الوحدة الوطنية، وهو ما لا خلاف عليه؛ فإن تحويله إلى “وصفة سحرية” فاقدة للمعايير، وللون والطعم والرائحة؛ يجعله مجرد كلام رومانسي رغائبي، ذي تأثير مخادع ومُخدِّر، بحيث يطمئن الجميع عند “تعاطيه”، في الوقت الذي يتم فيه التهرّب من وضع الإصبع على الجرح، ومن تحميل المسؤولين عن التعطيل والتعثر أوزار مسؤولياتهم، والضغط عليهم إما للقيام بواجباتهم أو لإفساح الطريق لمن يستطيع القيام بذلك.

* * *

هل يمكن للوحدة الوطنية أن تقوم على أسس غير وطنية؟!

وهل يجوز لقيادة الحركة الوطنية أن تمارس وظائف وأدواراً “غير وطنية”، وأن تساوم على الأرض وعلى الشعب بحجة أنها تدرك “المصالح الوطنية” أكثر من القوى والتيارات والرموز الأخرى، وأكثر من الشعب الفلسطيني نفسه، الذي فرضت نفسها وصية عليه، والذي تتحدث باسمه وغصباً عنه؟

* * *

هل يمكن أن نتحدث عن “وحدة وطنية” دون تحديد المعنى المقصود بالوطنية؟! وما هو الحد الأدنى المقبول لوجود الشخص في دائرة “الوطنية”؟

في سؤالنا عن “الوطنية” نبدأ بالسؤال المتعلق بالثوابت، وهي باختصار متعلقة بالأرض والشعب والهوية والسيادة.

فالأرض هي فلسطين الكاملة من نهرها إلى بحرها، ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش. أما من يقدم لنا فلسطين على أنها الضفة الغربية وقطاع غزة، أو أنها الجزء العربي من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181، فيجب أن تكون وطنيته موضع مساءلة. ومن يُعرِّف فلسطين المحتلة سنة 1948 على أنها “إسرائيل”، ويعترف لليهود الصهاينة بأي حق على أي جزء من فلسطين، فيجب أن تكون وطنيته موضع مساءلة، ومن هو مستعد لذلك فليكف عن الحديث عن الوطن وعن إعطائنا دروساً في الوطنية.

والشعب الذي يملك الأرض هو شعب فلسطين، وهو جزء من أمته العربية وأمته الإسلامية، وهو كل أبناء هذه الأرض سواء من سكن فيها في فلسطين 1948 أم في الضفة أم في القطاع أم في خارج فلسطين. ومن يَقْصِر الشعب الفلسطيني على أبناء الضفة والقطاع؛ وكل من يتنازل عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى منازلهم التي أُخرجوا منها أو لم يتمكنوا من العودة إليها، فإن وطنيته موضع مساءلة.

وهؤلاء المستعدون للتنازل عن حق العودة مقابل دولة في الضفة والقطاع (وتحديداً أولئك الذين وقعوا على وثيقة جنيف سنة 2003، ومن لفَّ لفهم) ويجعلون الموضوع مجالاً للمساومة في سوق التسوية، نقول لهم أنتم تخرقون الثوابت، وتهدمون أي أساس “وطني” للالتقاء معكم.

والشعب الفلسطيني هويته عربية إسلامية ولا يحق لأي أحد أن يصطنع لهذا الشعب هوية مزورة غير هويته، ومن حقه أن يمارس سيادته على أرضه كجزء من أمته. وأولئك الذين يفرطون بهوية فلسطين وبسيادة شعبها على أرضها أو أي جزء منها، ويرضون للصهاينة المعتدين أو أي احتلال ظالم أن يفرض هويته وسيادته، فإن وطنيتهم موضع مساءلة.

* * *

من ناحية أخرى، هل يمكن من أجل استرضاء فصيل معين أن يكون تحقيق الوحدة الوطنية مرهوناً بالتنازل عن أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين؟! تحت غطاء الالتزام بالاتفاقات والتعهدات التي التزمت بها منظمة التحرير؟!

وإذا كانت هناك أطراف فلسطينية تفشل في تعريف فلسطين وفي رسم خريطة لها، وتريد أن تحشرنا في قمقم التسوية ومساراتها وتصوراتها، التي لا تستطيع أن تعطينا في أفضل أحوالها خريطة للوطن تسمى فلسطين إلا على 22 في المئة من أرضنا، وإذا لم يعترف بذلك أي طرف فهي لا ترغب به شريكاً “وطنياً” ولا تريده عضواً أو صانع قرار في مؤسساتنا (وليس مؤسساتها) الوطنية الرسمية التي تحتكرها؛ بمعنى أن السلوك الوطني الحقيقي أصبح خارجاً على “الشرعية الوطنية”، بينما صار من يتنازل عن الوطن هو الذي يوزع “شهادات” الوطنية.

لا ندري كيف يظن البعض أنه يُحقق إنجازاً على قاعدة “وضع الوسخ تحت السجادة”، وتحت شعار “الوحدة الوطنية” من خلال التجميع الشكلي لفصائل وتيارات ورموز متنازعة، وتتحرك بقوى شد وجذب متعاكسة، وتفتقد البوصلة، ومتشاكسة في الأولويات، خصوصاً بين مسار المقاومة ومسار التسوية، وليس لديها برنامج سياسي، وتتسلط عليها قيادة ترفض الشراكة، وتركيبتها العقلية والنفسية معادية للبناء المؤسسي والدستوري.

هذه ليست “وحدة وطنية” وإنما وصفة مثالية لتعطيل أي عملية إصلاحية جادة، ولاستمرار تحكُّم شبكات الضعف والفساد في قرارنا الوطني ومؤسساتنا الوطنية؛ ولاستهلاك الجهود والأوقات في محصلات صفرية أو سلبية.

* * *

عندما ينتقد المخلصون القيادةَ الرسمية المتنفذة، تتم ممارسة حملات دعائية مغرضة بحقهم، باعتبار أن ما يقومون به “طعنٌ” في العمل الوطني و”ضربٌ” للوحدة الوطنية؛ وبحيث تصبح الوحدة الوطنية فزاعة لإسكات المعارضين، وممارسة الإرهاب الفكري ضد من يسعون لإحداث إصلاح حقيقي، ووسيلة لتكريس الوضع القيادي البائس للسلطة والمنظمة.

وعندما تدعو جموع الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ومعظم فصائله ورموزه وشخصياته العامة لإصلاح منظمة التحرير، التي اهترأت مجالسها الدستورية وفقدت شرعيتها التمثيلية الحقيقية، بينما تعاني مؤسساتها التنفيذية من العجز والتردي والانهيار؛ يرفع المتنفذون عقيرتهم بأن ذلك خروج عن العمل “الوطني”، ويُقدمون المنظمة بحالتها المزرية كـ”صنم مقدس” لا يجوز المساس به. بل، ويصبح معيار “وطنيتك” أن تصفق لقيادة فشلت في قيادة الشعب الفلسطيني على مدى عشرات السنوات، وأوقعته في كارثة أوسلو، وتعاونت مع المحتل لضرب قوى المقاومة تحت ادعاء تحقيق “المصالح الوطنية”!!

وفوق ذلك، فإن معيار “الوطنية” الآخر لاعتبارك مؤهلاً للدخول والمشاركة في هذا البيت المتهاوي هو أن تعترف بالاتفاقات والالتزامات التي التزمت بها المنظمة، بما في ذلك التنازل عن معظم فلسطين، والتنكّر لمعظم بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي قامت المنظمة على أساسها. فإما أن تكون شريكاً معهم في تحطيم ما تبقى من البيت المتهاوي للمنظمة، وإما أن تظل خارجاً حتى يُتموا هذه المهمة “الوطنية” بأنفسهم.

* * *
في إطار “الوحدة الوطنية”، من الطبيعي الترحيب بحالة التنوع الفلسطيني، وتشجيع إدارة الاختلاف بالطرق الحضارية، والاستفادة من هذه الحالة الغنية في عملية الإبداع وتفجير الطاقات والإمكانات. لكن عندما يتم تضييع الثوابت والبوصلة والقيم والمعايير؛ ويُصبح مصطلح الوطنية “ملطشة”ـ وتصبح الوطنية إطاراً حاضناً يستوعب الفاسدين والمنافقين والمتسلقين، بل ويُمكَّن لبعضهم من رقاب المخلصين والمضحين وأصحاب الكفاءات، فإن ذلك إيذان بأن صبر الشعب الفلسطيني قد وصل منتهاه، وأنه آن لهذا المفهوم أن يقوم على أسس صحيحة، وأن يتم تنظيف “البيئة الوطنية” من عناصر الهدم داخلها، بأساليب “شورية ديمقراطية” صحيحة؛ وإلا فلينتظر الناس مزيداً من الانهيار والدمار.

ليس مقبولاً أن تُميَّع المصطلحات، ولا أن تفقد اللغة معانيها، ولا أن يتهرب المعنيون من مسؤولياتهم والاستحقاقات المترتبة عليها. وليس من المقبول أن ما كان يَعُدّه الشعب الفلسطيني طوال تاريخه “خيانة”، يصبح لدى البعض مجرد “وجهة نظر”، لا تمنع صاحبها من قيادة “المشروع الوطني الفلسطيني”.

* * *

وباختصار، فإذا كان مطلب “الوحدة الوطنية” مطلباً شعبياً عاماً، فإنه لا بد لهذه الوحدة من معايير؛ أولها الالتقاء على برنامج وطني يحافظ على الثوابت المتعلقة بالأرض والشعب والهوية والسيادة، وثانيها فتح المجال بجدية وإخلاص لإعادة بناء منظمة التحرير على أسس “وطنية” حقيقية، وثالثها تحديد أولويات المرحلة وإعادة الاعتبار لبرنامج المقاومة، ورابعها إيجاد الآليات المناسبة لتحقيق التمثيل الشعبي للفلسطينيين في الداخل والخارج، والتعبير عن إرادتهم في مؤسساتهم التمثيلية والدستورية.

المصدر: موقع ”عربي 21“، 2020/6/26


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: