مدة القراءة: 12 دقائق

عقد مركز الزيتونة مؤتمراً صحفياً في 9/1/2020، لإعلان أبرز نتائج المجلد الحادي عشر من التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنتي 2018-2019 والمسارات المستقبلية لسنتي 2020-2021. وقد قام أ. د. محسن محمد صالح محرر التقرير، والمدير العام لمركز الزيتونة، بعرض أبرز نتائج التقرير، وتضمن العرض نتائج الأوضاع الداخلية الفلسطينية، والتطورات السكانية والاقتصادية الفلسطينية، والأرض والمقدسات، والمقاومة الفلسطينية، والمشهد الإسرائيلي وأوضاعه السياسية والاقتصادية والعسكرية، والبيئات العربية والإسلامية والدولية وانعكاساتها على الشأن الفلسطيني.

للاطلاع على عرض لأبرز النتائج والمسارات المحتملة، اضغط على الرابط التالي:

>> أبرز نتائج التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنتي 2018-2019 والمسارات المستقبلية (14 صفحة، 555 KB)



 


أبرز نتائج التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2018-2019

مقدمة:

يصدر التقرير الاستراتيجي الفلسطيني بشكل دوري منذ سنة 2005 عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت. وهو مركز دراسات مستقل، يهتم بالدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، ويولي الشأن الفلسطيني تركيزاً خاصاً. وهذا الإصدار هو المجلد الحادي عشر من مجلدات التقرير الاستراتيجي؛ والذي يغطي بشكل شامل قضية فلسطين خلال سنتي 2018-2019، ويستشرف المسارات المستقبلية.

ويعالج التقرير الاستراتيجي، الذي قام بتحريره أ. أ. د. محسن محمد صالح (الأستاذ في الدراسات الفلسطينية والمدير العام للمركز)، بالرصد والاستقراء والتحليل للأوضاع الفلسطينية الداخلية، والمؤشرات السكانية والاقتصادية الفلسطينية، والأرض والمقدسات، ويناقش العلاقات الفلسطينية العربية والإسلامية والدولية، كما يناقش الوضع الإسرائيلي وعمليات المقاومة ومسار التسوية. والتقرير موثق ومدقق وفق مناهج البحث العلمي، ومدعّم بعشرات الجداول والإحصائيات والرسوم التوضيحية.

وقد شارك في كتابة التقرير وإعداده 14 من الأساتذة والباحثين المتخصصين، هم: أ. أشرف بدر، وأ. إقبال عميش، وأ. باسم القاسم، ود. جوني منصور، وأ. ربيع الدنان، وأ. زياد ابحيص، وأ. ساري عرابي، ود. سعيد الحاج، وأ. د. طلال عتريسي، وأ. د. معين محمد عطا رجب، وأ. هاني المصري، وأ. وئام حمودة، وأ. وائل سعد، وأ. د. وليد عبد الحي. كما يقوم بمراجعة التقرير هيئة استشارية متخصصة.

وفيما يلي أبرز نتائج التقرير، الذي يصل حجمه الأصلي إلى 400 صفحة.

الشعب الفلسطيني: المؤشرات السكانية:

1. قام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بإعادة النظر في إحصائياته السابقة، وقدم أرقاماً محدَّثة، خفض من خلالها تقديراته لأعداد الفلسطينيين، خصوصاً في الداخل الفلسطيني؛ وقد قمنا باعتماد الإحصائيات وفق المعطيات التي قدمها الجهاز. أما تلك التي لا يوفرها الجهاز، فقد بنينا إحصاءاتنا على ما يتوفر لدينا من معطيات. مع ملاحظة الصعوبة الشديدة في معرفة أعداد الفلسطينيين في الخارج، والتضارب في بياناتها.

2. تشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن عدد أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج مع نهاية 2019 (مطلع 2020) بلغ نحو 13.350 مليوناً. نصفهم تقريباً (49.7%) داخل فلسطين التاريخية، والنصف الآخر خارج فلسطين، أي نحو 50.3%. وفي داخل فلسطين يقيم 6.637 مليون فلسطيني موزعين على الضفة الغربية 3.02 مليون، وفي قطاع غزة 2.019 مليون، و1.598 مليون في فلسطين المحتلة 1948.

وفي خارج فلسطين يقيم نحو 6.713 ملايين فلسطيني، من بينهم نحو 4.29 مليون في الأردن (معظمهم يحمل الجنسية الأردنية)، و1.696 مليون في باقي الدول العربية، و727 ألف فلسطيني في باقي دول العالم.

3. يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا 6.172 مليون لاجئ.

أما العدد الحقيقي للاجئين الفلسطينيين الذي يضم أيضاً أعداداً كبيرة من اللاجئين غير المسجلين لدى الأونروا، فيبلغ نحو 8.990 مليون لاجئ أي 67.4% من مجموع الشعب الفلسطيني. مع الإشارة إلى وجود 794 ألف لاجئ في الضفة الغربية، و1.335 مليون لاجئ في قطاع غزة، ونحو 150 ألفاً من أبناء 1948 مهجرون من أرضهم، والباقي خارج فلسطين.

وتبقى نسبة اللاجئين الفلسطينيين هي أعلى نسبة لجوء لشعب مهجر من أرضه مقارنة بأي شعب في العالم.

الأرض والمقدسات:

1. مع إعلان الولايات المتحدة في 6/12/2017 الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي ونقلها سفارتها إليها في منتصف أيار/ مايو 2018، ضاعف الصهاينة جهودهم لحسم مستقبل الصراع على المدينة من خلال توفير غطاء دولي غير مسبوق. وقد قابل ذلك تحركات شعبية مقدسية أساساً، وتحركات فلسطينية وعربية وإسلامية أقل حضوراً لمواجهة هذه المحاولات، ومنعها من التحقق. وحتى الآن فشل الإسرائيليون والأمريكان في توفير غطاء دولي لإجراءاتهما؛ لكن المخاطر الكبيرة ما تزال تحيق بالقدس ومستقبلها.

2. تابع الصهاينة خطتهم في ضرب رموز الوجود الفلسطيني في القدس بالإغلاق والتعطيل كما نفذوا عملية هدم كبيرة في مخيم شعفاط ووادي الحمص والعيزرية، وأقروا حزمة مشروعات استيطانية لتغيير وجه المدينة.

3. على مستوى العدوان على الأقصى تم السير في اتجاهات ثلاث متوازية:

– مسار التقسم الزماني واقتحامات المستوطنين للأقصى.

– مسار تفريغ دور الأوقاف الأردنية من مضمونه، ومحاولة الحلول مكانه.

– مسار التقسيم المكاني الذي كان يستهدف باب الرحمة من الجهتين الداخلية والخارجية.

4. في الوقت نفسه، مُني الصهاينة بتراجعين كبيرين في منطقة القدس خلال 2018-2019؛ الأول اضطرار الحكومة الإسرائيلية لإعلان تأجيل هدم تجمع الخان الأحمر شرقي القدس في 20/10/2018 بعد خمسة أشهر من المواجهات والضغوط الفلسطينية والدولية. والثاني فتح مصلى باب الرحمة في المسجد الأقصى بقوة الجماهير في 22/2/2019 بعد 16 عاماً من إغلاقه.

5. ما زال النشاط الاستيطاني الصهيوني التهويدي يزداد ويقضم مساحات واسعة من الضفة الغربية؛ حيث توجد نحو 200 مستوطنة و220 بؤرة استيطانية تسيطر على كافة المناطق الاستراتيجية في الضفة. أما الجدار العنصري العازل فيصادر نحو 11% من الضفة ويعزل القدس عن باقي الضفة. وهناك نحو 600 حاجز تفتيش ثابت ومتحرك في الضفة. وهناك مئات الكيلومترات من الطرق التي يُمنع استخدامها إلا للمستوطنين اليهود.

أما المجتمع الاستيطاني اليهودي في الضفة فيزيد عن 800 ألف مستوطن، ولديهم العديد من الممثلين في الكنيست.

6. أخذ النشاط الاستيطاني دفعاً أمريكياً كبيراً بإعلان وزير الخارجية الأمريكية في 18/11/2019 أن الاستيطان لا يخالف القانون الدولي.

أبرز المؤشرات الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة:

1. نجح الاحتلال الإسرائيلي في جعل اقتصاد السلطة الفلسطينية اقتصاداً تابعاً، حيث تُصادر الأرض، وتُستنزف الثروات، ويُتحكم في صادرات السلطة ووارداتها، وتُدمر بناها التحتية، وتُعَّوق أي عملية تنموية حقيقية، بينما يفرض الاحتلال حصاراً خانقاً على قطاع غزة.

2. بلغ الناتج المحلي الإجمالي للسلطة الفلسطينية وفق تقديرات 2019 نحو 16.82 مليار دولار، مقابل الناتج المحلي الإسرائيلي الذي بلغ وفق تقديرات 2019 نحو 390.36 مليار دولار. أي أن الناتج المحلي للسلطة يساوي 4.3% من الناتج المحلي الإسرائيلي. وبعبارة أخرى، فالناتج المحلي الإسرائيلي يزيد عن 23 ضعف الإنتاج المحلي للسلطة؛ مما يشير إلى مدى الاستغلال والتأثير البشع للاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني والإنسان الفلسطيني.

3. بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية وفق تقديرات 2019 ما معدله 3,600 دولار، مقابل نحو 43,240 دولار للفرد الإسرائيلي وفق تقديرات 2019. أي أن الفرد الإسرائيلي يحصل على أكثر من 12 ضعف دخل الفرد الفلسطيني تحت الاحتلال.

4. تعتمد إيرادات السلطة الفلسطينية بشكل أساسي على مصادر لا تتحكم بها، حيث إن نحو 84.3% من الإيرادات في سنة 2018 جاءت من إيرادات المقاصة التي يجمعها الاحتلال الإسرائيلي ومن المنح الدولية؛ وهو ما يشكل أدوات ضغط هائلة بأيدي العدو وبأيدي عدد من القوى الدولية، التي تقدم وفق اشتراطات سياسية وأمنية تمس استقلالية القرار الفلسطيني. فقد بلغ إجمالي إيرادات سنة 2018 نحو 3,463 مليون دولار، تضمنت مبلغ 2,255 مليون دولار إيرادات المقاصة بنسبة 65.1 %، بينما بلغ مجموع المنح والمساعدات الدولية 665 مليون دولار بنسبة 19.2%.

5. ما زال الاحتلال الإسرائيلي يهيمن على التبادل التجاري الخارجي للسلطة الفلسطينية، حيث بلغ حجم استيرادها من الكيان الإسرائيلي 3,632 مليون دولار سنة 2018 بنسبة 55.5% من مجمل وارداتها البالغة 6,540 مليون دولار، في حين بلغ حجم التصدير إلى “إسرائيل” 967 مليون دولار بنسبة 83.7% من صادرات السلطة البالغة 1,156 مليون دولار.

الوضع الداخلي الفلسطيني:

1. ما زال المشروع الوطني الفلسطيني يعاني أزمة حقيقية خانقة، متمثلة في تردي وتراجع دور المؤسسات الرسمية الفلسطينية وأدواتها التشريعية والتنفيذية، وتحديداً غياب منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وانعدام فاعليتها، واستفراد فصيل فلسطيني واحد بالهيمنة وبصناعة القرار، وتحوّل السلطة الفلسطينية إلى سلطة تخدم أغراض الاحتلال أكثر مما تخدم المصالح العليا للشعب الفلسطيني؛ وتغييب فلسطينيي الخارج عن دورهم الوطني. يضاف إلى ذلك حالة الانقسام التي تشهدها الساحة الفلسطينية، وحالة التجاذب والشد بين تيارَي المقاومة والتسوية، وغياب البرنامج الوطني الفلسطيني، وغياب أي خريطة طريق حقيقية للخروج من المأزق. ولا يوجد للأسف في آفاق السنة القادمة ما يوحي أو ما يشجع على التفاؤل بالخروج من الأزمة.

2. تابعت قيادة منظمة التحرير، التي هي قيادة السلطة الفلسطينية، مُضيّها في سياقات التفرد والهيمنة، وحاولت فرض رؤيتها على الساحة الفلسطينية؛ فعقدت المجلس الوطني الفلسطيني في نيسان/ أبريل 2018 في رام الله، بخلاف التوافق الفلسطيني وبمقاطعة فصائل فلسطينية كبيرة وازنة. وعقدت لقاءات المجلس المركزي، مع تزايد مقاطعة الفصائل الفلسطينية داخل منظمة التحرير وخارجها، حتى كادت حركة فتح تجد نفسها وحيدة، وتابعت عقوباتها على قطاع غزة، ووقفت قيادة السلطة وراء حل المجلس التشريعي في كانون الأول/ ديسمبر 2018 وسط معارضة فصائلية وشعبية واسعة، ثم شكلت حكومة “فتحاوية” في آذار/ مارس 2019 بعيداً عن التوافق ومسار المصالحة الفلسطيني. وهو ما عقَّد من الأزمة الداخلية الفلسطينية، وأضعف المناعة الفلسطينية في مواجهة التحديات وخصوصاً برامج التهويد و”صفقة القرن”.

3. بالرغم من أن سنة 2019 انتهت بحديث إيجابي متصاعد عن انتخابات المجلس التشريعي، وبالرغم من موافقة حماس والفصائل الفلسطينية على اشتراطات الرئيس عباس، بما في ذلك اعتماد النسبية الكاملة، وفك التزامن بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، إلا أن الأجواء العامة لا تشجع على توقع عقد انتخابات حرة نزيهة خلال السنة القادمة. ليس فقط بسبب تعقيدات الاحتلال الإسرائيلي واحتمال منع الانتخابات في شرقي القدس؛ وإنما لعدم وجود رغبة حقيقية لدى قيادة السلطة (وكذلك الجانب الإسرائيلي والبيئة العربية والدولية) بعقد انتخابات يمكن أن تفوز فيها حماس أو ما يعرف بتيار “الإسلام السياسي” أو تيار المقاومة.

4. بالرغم من قرارات المجلس المركزي بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي؛ والتي تكررت في 2015 و2018. وبالرغم من إعلان الرئيس عباس في تموز/ يوليو 2019 وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الكيان الإسرائيلي؛ إلا أن التنسيق الأمني استمر. وبينما أوقفت الولايات المتحدة كافة أشكال دعم السلطة، إلا أنها أبقت على دعم الأجهزة الأمنية للسلطة بمبلغ 61 مليون دولار لمواصلة التنسيق الأمن. كما صدرت تقارير إسرائيلية في أيار/ مايو 2019 تشير إلى أن أمن السلطة أحبط 40% من العمليات ضدّ “إسرائيل”. وليس في الأفق القريب ما يشير إلى وقف حاسم لهذا التنسيق.

العدوان الإسرائيلي ومسار المقاومة:

1. بالرغم من شدة القمع الصهيوني، وبالرغم من حصار قطاع غزة، والتنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال الإسرائيلي، إلا أن المقاومة استمرت بأشكال مختلفة في فلسطين المحتلة، بما يؤكد إصرار الشعب الفلسطيني على تحرير أرضه وإنهاء الاحتلال.

2. بلغت عمليات المقاومة التي سجلها جهاز المخابرات الإسرائيلي الشاباك 3,006 عمليات سنة 2018، و2,682 عملية سنة 2019.

3. استشهد 314 فلسطينياً سنة 2018 وجرح 31,603 آخرين معظمهم في مسيرات العودة المنطلقة من قطاع غزة؛ واستشهد 149 فلسطينياً وجرح 15,287 آخرين سنة 2019.

أما الطرف الإسرائيلي فقتل منه 14 سنة 2018 و9 سنة 2019.

4. ظهر تطور واضح في العمل المقاوم الفلسطيني من خلال تشكيل غرفة العمليات المشتركة للفصائل الفلسطينية في القطاع؛ ومن خلال ظهور تطور نوعي في سلاح المقاومة في القطاع كزيادة القوة التفجيرية للصواريخ وزيادة دقتها، والقدرة على اختراق ما يعرف بالقبة الحديدية الإسرائيلية، وتطوير استخدام الطائرة المسيرة، والحرب الإلكترونية.

5. ظهر تطور نوعي إبداعي في وسائل المقاومة الشعبية من خلال مسيرات العودة والتي نفذها أبناء قطاع غزة على مدى 86 أسبوعاً منذ 30 آذار/ مارس 2018 وحتى نهاية 2019؛ وقد تجسد فيها الإجماع الفلسطيني بمختلف قواه وفصائله ومؤسساته المدنية. وبالرغم من التضحيات الكبيرة التي قدمتها المسيرات، إلا أنها أكدت بشكل حاسم حق العودة للاجئين، وأسهمت فلسطينياً في إرباك وإفشال “صفقة القرن”، وفي تخفيف الحصار عن قطاع غزة.

6. استمرت معاناة الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي طوال سنتي 2018-2019 وبلغ مجموع الأسرى نحو 5,000 أسيراً في نهاية 2019، بينهم 185 طفلاً وسبعة نواب من المجلس التشريعي. وبلغ عدد أسرى الضفة الغربية 4,622 أسيراً، وأسرى القطاع 308 أسرى، وأسرى فلسطينيي 1948 ما مجموعه 70 أسيراً. ومن بين الأسرى 458 معتقلاً إدارياً.

مسار التسوية:

1. مسار التسوية عملياً في موت سريري، ومنذ 2014 لم يحدث ما يمكن أن يبث فيه روحاً جديدة.

2. الطرف الأمريكي تحت إدارة الرئيس ترامب تماهى مع اليمين الصهيوني؛ وحسم بشكل سافر الانحياز الأمريكي التاريخي الدائم للكيان الإسرائيلي؛ وانتقل إلى ما يشبه الشراكة الكاملة في الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية.

3. ما يسمّى إعلامياً “صفقة القرن”، مع أنها شغلت العالم طوال أكثر من عامين، ولكن لم يُعلن عن مضمونها السياسي رسمياً حتى الآن. وما تسرب منها يتخلى عن المرجعيات المعتمدة سابقاً في مسار التسوية كالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويسعى لتكريس مرجعية الأمر الواقع.

4. الخطوط العامة لما تسرب من الصفقة تركّز على:

‌أ. التطبيع قبل التسوية: بمعنى بناء العلاقات مع الدول العربية مع تجاوز الطرف الفلسطيني، ليُستخدم ذلك في الضغط عليهم لقبول الشروط والإملاءات الإسرائيلية.

‌ب. السلام الاقتصادي: التعامل مع قضية فلسطين كقضية إنسانية تحل بتحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية. وليس بوصفهم شعباً تحت الاحتلال، وينشد التحرير.

‌ج. إنهاء حل الدولتين، وإعطاء فلسطينيي الضفة والقطاع حكم ذاتي (باسم الدولة) وتحت الهيمنة الإسرائيلية.

‌د. شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وفرض السيادة الكاملة على القدس، وشرعنة المستوطنات.

‌ه. تغيير بوصلة الصراع: بإدخال “إسرائيل” في تحالفات في المنطقة ضد ما يسمى “الإرهاب” والإسلام السياسي، وإيران. وإشغال المنطقة بصراعات طائفية وعرقية.

5. إن وحدة الشعب الفلسطيني ضد “صفقة القرن”، وتصاعد قوة المقاومة الفلسطينية، والمعارضة الشعبية العربية والإسلامية الواسعة للتطبيع، واهتزاز أوضاع الأنظمة العربية المؤيدة للتطبيع… من المتوقع أنها ستقطع الطريق على صفقة القرن وتُفشلها كما أفشلت عشرات الخطط قبلها.

المشهد الإسرائيلي:

1. يتجه المجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من التطرف الديني و”القومي”، وفرض المزيد من القوانين العنصرية والتهويدية، كقانون يهودية الدولة؛ غير أن بنية النظام السياسي تواجه أزمة حقيقية بسبب الفشل في تشكيل حكومة بعد تنفيذ الانتخابات لمرتين متتاليتين، والسير باتجاه انتخابات ثالثة خلال أقل من سنة واحدة.

2. بلغ عدد اليهود في الكيان الإسرائيلي نحو 6.77 مليون نسمة. مع ملاحظة أن نحو 3.3 مليوناً هاجروا إلى فلسطين المحتلة منذ 1948، منهم نحو 1.45 هاجروا منذ 1990 أو بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. مع ملاحظة أن معدلات الهجرة العكسية من الكيان تكاد تقترب من معدلات الهجرة إليه خلال العقدين الماضيين. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة اليهود في فلسطين تبلغ نحو 45% من مجموع يهود العالم البالغ عددهم 14.6 مليون.

3. بلغ الناتج المحلي الإسرائيلي سنة 2019 نحو 390 مليار دولار، بمعدل نمو 4.7% أما معدل دخل الفرد الإسرائيلي فبلغ نحو 43,200 دولاراً للسنة نفسها. وهو معدل يضارع الدول الأوروبية المتقدمة، ويتفوق حتى على بعض بلدان الخليج.

4. ومع ذلك، فما زالت “إسرائيل” تتلقى دعماً أمريكياً سنوياً مقداره 3.8 مليار دولار، ويتركز معظمه في الدعم العسكري والسلاح.

5. بالرغم من التقدم الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، وبالرغم من الضعف والتشرذم العربي، مع سعي دول عربية للتطبيع مع “إسرائيل”، وبالرغم من الغطاء الأمريكي والدولي الذي يجعل من الكيان “دولة فوق القانون”. إلا أن “إسرائيل” تواجه العديد من الأزمات والمخاطر الاستراتيجية أبرزها تصاعد قوة المقاومة وقدراتها القتالية النوعية، واستمرار الرفض الشعبي العربي والإسلامي للكيان الإسرائيلي، والصعوبة البالغة في تحوله إلى كيان “طبيعي” في المنطقة، وعدم استقرار البيئة المحيطة بـ”إسرائيل”، واحتمال حدوث تغيرات وثورات تشكل خطراً وجودياً مستقبلياً على الكيان الإسرائيلي.

القضية الفلسطينية والعالم العربي:

1. ما زالت البيئة العربية، خصوصاً البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين، تعاني من الضعف والانقسام، ومن نزيف المشاكل والصراعات الداخلية، التي شغلت الكثيرين عن قضية فلسطين. كما تعيش البيئة العربية حالة من التشكّل وإعادة التشكل، والتي تحمل في طياتها العديد من المخاطر، كما تحمل العديد من فرص التغيير المستقبلي.

2. ما زال النظام الرسمي العربي، يتسم بالعجز وانعدام الفاعلية، وما زال يتبنى مسار التسوية السلمية، وما يعرف بـ”المبادرة العربية”؛ ويوفر الدعم السياسي اللازم لقيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. وهو بشكل عام يقف موقفاً سلبياً تجاه تيارات المقاومة وتيارات “الإسلام السياسي”. وهو ما يُصعّب على قوى فلسطينية رئيسية فاعلة مثل حماس الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته. مع ملاحظة احتفاظ حماس بعلاقة جيدة مع عدد من البلاد العربية وعلى رأسها قطر، وكذلك لبنان ودول شمال إفريقيا.

3. خففت مصر، خصوصاً بعد انطلاق مسيرات العودة، من قيودها على حركة الأفراد والبضائع مع قطاع غزة؛ مما أسهم في تخفيف حدة الحصار الذي يعاني منه القطاع. ونشطت مصر بشكل أكبر في تفعيل ملفات المصالحة الفلسطينية وفي تقريب وجهات النظر بين القوى الفلسطينية الرئيسية. كما أعطت مؤشراً إيجابياً آخر بالسماح لإسماعيل هنية رئيس حركة حماس بمغادرة قطاع غزة في جولة خارجية في كانون الأول/ ديسمبر 2019، بعدما اضطر للبقاء في القطاع لأكثر من عامين ونصف.

4. تزايدت مظاهر التطبيع الرسمي، وخصوصاً الخليجي، مع الكيان الإسرائيلي، غير أن هذا الملف ما زال يواجه برفض شعبي واسع، بالرغم من الجهود السياسية والإعلامية لتسويقه.

5. أعطى فوز قيس سعيّد برئاسة تونس دفعاً معنوياً لقضية فلسطين وفي مواجهة التطبيع خصوصاً أن ذلك كان أحد أبرز برامجه الانتخابية.

القضية الفلسطينية والعالم الإسلامي:

1. ما زالت “منظمة التعاون الإسلامي” تعاني من حالة العجز شبه التام عن تلبية تطلعات الأمة الإسلامية. ولذلك فقد كانت دعوة ماليزيا لعقد القمة الإسلامية المصغرة لخمس دول (ماليزيا، إندونيسيا، تركيا، الباكستان، قطر) في كانون الأول/ ديسمبر 2019 محطّ ترحيب شعبي على أمل تحريك الإمكانات الهائلة المذخورة في الأمة. وقد كان لافتاً مشاركة إيران في الوقت الذي اضطر فيه زعماء إندونيسيا وباكستان للاعتذار نتيجة ضغوط، كما كان لافتاً حضور المقاومة الفلسطينية ممثلة بحماس في المؤتمر.

2. لعبت تركيا دوراً إيجابياً في دعم القضية الفلسطينية، واحتفظت بعلاقات متوازنة مع السلطة الفلسطينية ومع قوى المقاومة، وانتقدت بشدة السلوك الإسرائيلي خصوصاً تجاه القدس وتجاه حصار قطاع غزة.

3. لعبت إيران دوراً إيجابياً في دعم القضية الفلسطينية، وفي تقديم الدعم العسكري والمالي لقوى المقاومة، واستمرت على نهجها الثابت في رفض الاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وفي الدعوة إلى إزالته.

4. ما زالت قضية فلسطين تحظى بتفاعل ودعم واسع في بلدان إسلامية كثيرة، خصوصاً ماليزيا واندونيسيا والباكستان ونيجيريا…

القضية الفلسطينية والوضع الدولي:

1. ما زال الأمريكان يوفرون للجانب الإسرائيلي كُلَّ ما يحتاجه من غطاء دولي، ويعطلون أي قرارات متعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني في مجلس الأمن والأمم المتحدة والوكالات المتخصصة التابعة لها. وكما أشرنا في الحديث عن مسار التسوية، فإن الأمريكان تحولوا من خلال ما يعرف بـ”صفقة القرن” إلى حالة تماهٍ وشراكة مع الاحتلال واتجاهاته اليمينية المتطرفة.

2. ما زال الاتحاد الأوروبي يدعم حل الدولتين، وربما أسهم خروج بريطانيا من الاتحاد في جعله أكثر تحرراً من الضغوط الأمريكية. حيث صوّت الأوروبيون في سنتي 2018-2019 لصالح الحقوق الفلسطينية في نحو 76% من قرارات الأمم المتحدة.

3. حافظت الصين وروسيا على سياساتهما تجاه القضية الفلسطينية والعلاقة مع “إسرائيل”؛ مع سعي روسي لحضور أكبر في الشرق الأوسط، ورغبة صينية في مزيد من التغلغل الاقتصادي عبر مشروع “الحزام والطريق”.

4. اتجهت الهند تحت حكم حزب جاناتا الهندوسي في تعزيز علاقاتها مع الجانب الإسرائيلي، والابتعاد أكثر عن دعمها التقليدي للقضية الفلسطينية. وشهدت المواقف البرازيلية الداعمة لفلسطين انتكاسة بفوز رئيس جديد له سياسات متطابقة مع المواقف الإسرائيلية. بينما ظلت جنوب إفريقيا أقرب في معظم توجهاتها للمواقف الفلسطينية.

5. ثمة تحوّل “هادئ” في الرأي العام الدولي لصالح الحقوق الفلسطينية، وتزايد في تقارير الهيئات والمنظمات الدولية الداعمة للقضية، واتساع في التأييد لحركات المقاطعة لـ”إسرائيل” المعروفة بـ بي دي أس BDS.

6. تثبت دراسة مؤشرات التصويت في الأمم المتحدة طوال الثلاثين سنة الماضية، أن تزايد عدد الأصوات الداعمة للقضية الفلسطينية مرتبط بتصاعد المقاومة والانتفاضات الفلسطينية، بينما تتراجع نسب التصويت في فترات عقد الاتفاقات وتحريك مسار التسوية. وهو ما يؤكد أن المقاومة تمثل رافعة إيجابية للدعم الدولي، وليس كما يظن داعمو مسار التسوية السلمية.

7. حققت قضية فلسطين مكسباً مهماً في قرار المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية في 20/12/2019 بوجود أساس معقول وتوافر جميع المعايير القانونية، لفتح تحقيق في الوضع في فلسطين المحتلة، بشأن جرائم حرب ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي.

أبرز المسارات المحتملة لسنتي 2020-2021

• استمرار أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وتدهور مكانة منظمة التحرير الفلسطينية وانعدام فاعليتها، واستمرار حالة الانقسام الفلسطيني، وحالة التجاذب بين مسارَي التسوية والمقاومة، في ضوء إصرار القيادة الفلسطينية الحالية على الهيمنة على صناعة القرار.

• استمرار تآكل السلطة الفلسطينية، واستمرار سعي الاحتلال لإفراغها من مضمونها الوطني، وتضخيم دورها الوظيفي المعيشي والأمني تحت هيمنته.

• من المستبعد عقد انتخابات حرة نزيهة للمجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، بمشاركة جميع القوى الفلسطينية، خلال سنة 2020.

• استمرار التنسيق الأمني بين السلطة في رام الله وبين الاحتلال الإسرائيلي.

• استمرار الحصار على قطاع غزة (بدرجات متفاوتة) طالما ظل تحت سيطرة قوى المقاومة.

• تزايد مخاطر التهويد على القدس والمسجد الأقصى، وتزايد الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية، سعياً من الاحتلال الصهيوني لقطف ثمار التردي العربي والإسلامي والدعم الأمريكي غير المسبوق.

• تزايد احتمالات ضم الاحتلال الإسرائيلي رسمياً لأجزاء من الضفة الغربية مثل مناطق الأغوار وما وراء الجدار العنصري العازل.

• استمرار تبعية الاقتصاد الفلسطيني في مناطق السلطة للاحتلال الإسرائيلي.

• انسداد مسار التسوية السلمية، وتهاوي حل الدولتين.

• الفشل الأمريكي في إنفاذ ما يعرف بـ”صفقة القرن” فلسطينياً وعربياً، بالرغم من استمرار السعي لفرض بعض جوانبها على أرض الواقع.

• استمرار الصمود والتزايد السكاني للشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية، بما يتجاوز أعداد اليهود.

• تطور إمكانات العمل الفلسطيني المقاوم، وازدياد قدراته القتالية النوعية.

• اتجاه المجتمع الصهيوني نحو مزيد من التطرف الديني والقومي.

• زيادة المخاطر الاستراتيجية التي قد تواجه الكيان الإسرائيلي.

• بلوغ “الموجة المضادة” للربيع العربي مداها، واستنزافها، وحدوث تشقّق في جدرانها، مع تزايد المؤشرات على بدء استعادة قوى التغيير الحضاري الداعمة لخط المقاومة حيويتها بالتدريج.

• مزيد من الارتباك وإعادة الحسابات لدى الدول التي سارعت بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي.

• متابعة الدور الإيجابي التركي تجاه القضية الفلسطينية.

• متابعة الدور الإيراني الداعم للمقاومة الفلسطينية، والرافض للكيان الإسرائيلي، مع تزايد فرص الاحتكاك المباشر وغير المباشر بين إيران و”إسرائيل”.

• استمرار الموقف الدولي الرسمي تجاه قضية فلسطين على خطه العام، بالرغم من تزايد التماهي الأمريكي مع الاحتلال الإسرائيلي.

• تزايد بطيء ومتدرج في تعاطف الرأي العام الدولي مع قضية فلسطين، وتزايد أنشطة حركات المقاطعة بي دي أس BDS، وكذلك فعاليات تجريم الاحتلال الإسرائيلي.

للاطلاع على عرض لأبرز النتائج والمسارات المحتملة، اضغط على الرابط التالي:

>> أبرز نتائج التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنتي 2018-2019 والمسارات المستقبلية (14 صفحة، 555 KB)


مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 9/1/2020