مدة القراءة: 3 دقائق

عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات حلقة نقاش، في مقره في بيروت، تحت عنوان: “انعكاسات الأزمة اللبنانية على اللاجئين الفلسطينيين وسبل تجاوزها”، وذلك يوم الثلاثاء 3 كانون الأول/ ديسمبر 2019، بمشاركة نحو ثلاثين متخصصاً وخبيراً في الشأن اللبناني والفلسطيني.

امتدت الحلقة على جلستين واتسمت بغنى المضمون والحوار البناء. وكانت البداية مع مدير مركز الزيتونة الدكتور محسن محمد صالح، الذي رحب بالحضور، واستعرض الحالة الفلسطينية التي كانت تعاني قبل بداية الأزمة الداخلية اللبنانية في تشرين الأول/ نوفمبر 2019، جرّاء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها، وقد رفع منسوب معاناتها قرار وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان، الذي زاد من صعوبات العمل في وجه اللاجئين الفلسطينيين.

ومع بداية الأزمة اللبنانية تضاعفت معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ إذ خسر عدد كبير من العمال الفلسطينيين وظائفهم وأعمالهم بسبب الأوضاع الاقتصادية التي بات يعاني منها لبنان. وقد حذر صالح من أن تدفع هذه الأوضاع اللاجئين إلى المزيد من نزيف الهجرة إلى خارج البلاد، كما نبّه إلى مخاطر استغلال هذه البيئة لتجنيد اللاجئين لأجندات معنية داخلية أو خارجية. وأكد صالح على ضرورة التزام الفلسطينيين في لبنان سياسة النأي بالنفس، وعلى أهمية أن يبقى لبنان في أفضل حالاته.

وقد قدم الأستاذ جابر سليمان خبير شؤون اللاجئين الفلسطينيين مداخلة حول انعكاسات الأزمة على اللاجئين، كما قدم الدكتور شفيق شعيب، الأستاذ في الجامعة اللبنانية مداخلة حول السلوك اللبناني تجاه اللاجئين. وعلى ضوء هذه الأرضية تابع الخبراء والمختصون نقاشاتهم.

وأكدت حلقة النقاش أن الأزمة الاقتصادية الحالية التي سبقت الحراك الشعبي وترافقت معه، كانت ضربة قاسية لما تبقى من قدرة الفلسطينيين على الصمود. هذا في الوقت الذي كان يعاني حوالي 65 في المئة من اللاجئين الفلسطينيين من البطالة، قبل بداية الأحداث. ومن جهة ثانية، هنالك خشيةٌ من أن يواصل الأمريكان ضغوطهم باتجاه إنفاذ “صفقة القرن”، والسعي لتوطين ما يتبقى من الفلسطينيين في لبنان، باتجاه إغلاق ملف اللاجئين. ومن ناحية ثالثة، فإن حالة الفقر والبطالة والبؤس والإحباط وإغلاق الأبواب في وجه اللاجئ الفلسطيني، يُخشى أن تؤدي إلى تفشي المشاكل الاجتماعية والنفسية، والانحراف الأخلاقي والسلوكي، وإلى التعبير عن نفسها من خلال الانتماء إلى اتجاهات متطرفة. ومن ناحية رابعة، فقد يُسهل ذلك على بعض الاتجاهات محاولة استغلال أوضاع الناس في تجنيد الشباب العاطل عن العمل لأجنداتها الخاصة، أو ليكونوا وقوداً لحالة التنافس والاحتراب الداخلي والخارجي. مع العلم أن الوجود الفلسطيني أثبت حتى الآن وعياً عالياً في النأي بالنفس عن الشأن الداخلي اللبناني.

وقد عبّر المشاركون عن الحاجة إلى زيادة اهتمام البيئة العربية والإسلامية والدولية لرفع المعاناة عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ ما يستدعي منظومة طوارئ عاجلة على الأقل لتدارك آلاف العائلات التي تسحقها قسوة الظروف. وأن المطلوب من الأونروا، في ظل الظروف الراهنة، استنفار جهودها ودعوة الجهات المانحة لتقديم معونات طارئة للاجئين، بما يكفي احتياجات ستة أشهر على الأقل. وأن على الجهات الخيرية والمعنية بالشأن الفلسطيني في لبنان أن تسارع بتقديم مشاريع محددة للجهات الخيرية العربية والإسلامية والدولية، لتقوم بدعمها؛ كمشاريع السلة الغذائية للفقراء، ومشاريع الإغاثة الطبية، وتغطية تكاليف التعليم، والمشاريع الإنتاجية، وكفالات الأيتام وغيرها. ذلك أن دعم فلسطينيي لبنان ليس مجرد حالة دعم إنساني، بل هو دعم لصمود أحد أهم تجمعات اللجوء الفلسطيني، وهو دعم ضروري في مواجهة “صفقة القرن” ومؤامرات “التوطين” والتهجير. ثم إن الضربات القاسية التي تعرَّض لها الوجود الفلسطيني في العراق وسوريا (وقبل ذلك في ليبيا) يزيد من أهمية وحيوية الحفاظ على الوجود الفلسطيني في لبنان.

وقد خلصت حلقة النقاش إلى مجموعة من التوصيات، أهمها:

– الحاجة إلى إنشاء شبكة أمان اقتصادية لتأمين الدعم اللازم للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

– ضرورة تشكيل لجنة فلسطينية لبنانية مشتركة للتواصل مع الجهات اللبنانية المختلفة وشرح مطالب ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

– الدفع باتجاه قيام عمل من الجهات والمؤسسات المسؤولة عن الوضع الفلسطيني في لبنان بمضاعفة أنشطتها في المرحلة الراهنة: كالأونروا، والمؤسسات الخيرية، والمنظمات والأحزاب السياسية الفلسطينية.

– وضع دراسات وإحصائيات تُعنى بالوضع الفلسطيني في لبنان وتقديمها للجهات والمؤسسات العربية والإسلامية والدولية لتوجيه وتفعيل المساعدات الاقتصادية للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

– أهمية صناعة الوعي من خلال مجموعة مبادرات سياسية وتعبوية، لا تنتظر الإعلام اللبناني، وهذا يتطلب التجنيد من قبل عشرات الإعلاميين والباحثين والمختصين؛ ليقدموا مبادرات لوسائل الإعلام اللبنانية وغير اللبنانية تعرض الموقف الفلسطيني والمعاناة الفلسطينية بطريقة علمية ومدروسة وموجهة.

– تفعيل دور التكافل الاجتماعي، من خلال تحديد حاجيات المجتمع الفلسطيني ومتطلباته في المرحلة الراهنة والمستقبلية، وإعادة اعتبار للتضامن الاجتماعي الفلسطيني.

– زيادة الدعم المالي للمشاريع الإنتاجية الفلسطينية، والتشجيع على منح قروض ميسرة من قبل الجمعيات والمؤسسات للاجئ الفلسطيني، لما في ذلك دور في دعم صموده وتحسين وضعه الاقتصادي.

– إعادة إدخال العنصر الفلسطيني في المنظومة الاقتصادية اللبنانية، بعد فترة الاقصاء الماضية، من خلال إعادة سن قوانين وتشريعات لبنانية تسهل انخراط الفلسطينيين في الدورة الاقتصادية اللبنانية، والاستفادة من الخبراء ورجال الأعمال الفلسطينيين.

– اعتبار بحث الوضع الفلسطيني في لبنان والعمل على تحسينه، من قبل الأطراف اللبنانية مصلحة لبنانية في الدرجة الأولى؛ لما لذلك أثر على استقرار الأوضاع في لبنان، وعدم فتح مجال لاستغلال معاناة اللاجئ الفلسطيني، وتوظيف هذه المعاناة لإدخال اللاجئ الفلسطيني في لعبة التجاذبات اللبنانية.



مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 4/12/2019