مدة القراءة: 4 دقائق

بقلم: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

عندما ينطلق حراك شعبي لبناني واسع وشامل، عابر للطوائف و الأطياف والأحزاب السياسية، فهي لحظة تاريخية استثنائية في تاريخ لبنان.

إنها حالة شعبية وحَّدها “الوجع” والمعاناة وتراكم الضغوط، ووحَّدها الغضب تجاه الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفشل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ولتفشي الفساد الذي ينخر أجهزة الدولة ومؤسساتها.

لبنان المتميز دائماً بالاصطفافات الطائفية والحزبية طوال سبعين عاماً؛ أعاد عملية الاصطفاف هذه الأيام، لتتوحّد الجماهير الغاضبة ضدّ رؤسائها وزعمائها ورموزها على طريقة “كلن يعني كلن”.

كان إقرار مجلس الوزراء لمشروع الضريبة على استخدام الواتس آب ووسائل الاتصال المجانية (6 دولارات شهريّاً) الشرارة التي أطلقت الاحتجاجات، بعد أن شعر الناس أن الدولة تلاحقهم على آخر متنفساتهم، بينما يستمرّ الهدر المالي والإسراف والاستنفاع من المواقع القيادية والإدارية لمصلحة هذه الطبقة السياسية.

مظاهر الحراك:

تميز الحراك الشعبي اللبناني بمشاركة فئات المجتمع كافة، خصوصاً الشباب، واتسم بالجرأة الشديدة على رموز النظام السياسي، بأشكال النقد كافة، وحتى الشتائم الجارحة والكوميديا الساخرة، وتَعرَّض النظام السياسي الطائفي والحزبي لنقد قاسٍ باعتباره سبباً للفساد وحامياً له ومعوقاً حقيقياً لأي حالة نهضوية في البلد.

واتخذ الحراك نكهة لبنانية خاصة، فلم يخلُ من مظاهر الغناء والفرح والدبكة، بطريقة عبّرت عن “إنسانية” الحراك، وسلمية التظاهرات، وحب اللبنانيين للحياة. غير أن محاولة بعض وسائل الإعلام تعميم بعض المظاهر الاستثنائية لم يكُن صحيحاً.

رافق الحراك تعطل التعليم وإغلاق البنوك وقطع الشوارع بين المناطق والمدن مما تسبب في شبه شلل للحياة الاقتصادية ولحركة المواصلات، وهو ما تسبب بضغط هائل على الحكومة.

اللافت للنظر أن القيادات السياسية والحزبية أخذت تشارك في الهجوم على الفساد والهدر المالي، بينما هي نفسها التي تتولى إدارة المنظومة الحكومية والسياسية المتهمة بالفساد.

فساد وغلاء ومديونية:

حسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية، فإن لبنان يحتل المرتبة 138 بين دول العالم في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2018، ولم يحصل إلا على 28 نقطة من أصل 100 نقطة. وتشير الدراسات إلى أن “كلفة الفساد” المالي السنوية في لبنان تبلغ نحو ثلاثة مليارات دولار. ويعتقد 92% من اللبنانيين أن الفساد زاد في البلد.

الفساد جعل بلداً مليئاً بالأنهار والينابيع يعاني انقطاع المياه، والمياهَ المالحة، في كثير من مناطقه بما في ذلك العاصمة بيروت، وجعله بلداً يعاني انقطاعات الكهرباء لفترات طويلة يوميّاً تصل إلى 12 ساعة في بعض المناطق.

وعلى الرغم من أن البلد زاخر بالطاقات والكفاءات والخبرات، وشعبه مليء بالنشاط والحيوية، فإنه يعاني بنى تحتية متخلفة، وتردِّياً في الخدمات، مع غلاء فاحش في الأسعار جعل بيروت ثاني أغلى عاصمة عربية.

وهو ما يتسبب في حالات إحباط واسعة تدفع إلى الهجرة، ليجد اللبناني مجالاً واسعاً لإبداعه خارج وطنه. وحسب الخبراء فإن بنية النظام السياسي الطائفي، وأساليب المحاصصة، وشراء الموالين، قد أدّت إلى توفير بيئة مناسبة للفساد، مع توفير الحماية للمتهمين به، لذلك لم يُحاسَب أحد من كبار المسؤولين بتهم الفساد منذ إنشاء الدولة اللبنانية.

الهدر المالي وسوء الأداء الاقتصادي أوقع لبنان في أزمة ديون خانقة، إذ بلغت نحو 85 مليار دولار (بعد أن كانت سنة 2007 تبلغ 40 ملياراً)، وبكلمة أخرى يُولَد كل لبناني وفي رقبته نحو 15,450دولاراً (على اعتبار أن عدد اللبنانيين حاملي الجنسية بلغ في نهاية 2018 نحو 5.5 مليون نسمة)، وهي ديون تُقدَّر بنحو 140% من حجم الاقتصاد اللبناني، مما جعل لبنان الثالث عالمياً من حيث نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي. وأصبحت خدمة الدَّين تستهلك مبالغ هائلة، في الوقت الذي يزداد فيه الدّين بنحو ستة مليارات دولار سنوياً.

صعوبات وتحديات:

يعاني الحراك عدداً من التحديات أبرزها أن البنية الطائفية السياسية في البلد متجذرة وعميقة في المنظومة السياسية، ولدى الأحزاب المستندة على قواعد طائفية بنى تحتية قوية وقدرات تعبوية كبيرة، مما يعطيها الفرصة لإعادة إنتاج نفسها في أي انتخابات حرة نزيهة قادمة.

ومن ناحية ثانية، فالحراك نفسه لا رأس ولا برنامج محدداً له. وبالرغم من أن ذلك من مزاياه المهمة في البداية، إلا أنه إن لم تتصدره قيادات شعبية حقيقية، تعبر عن هموم الجماهير وتلقى قبولهم، فقد يتراجع وينطفئ تدريجياً قبل أن تتحقق مطالبه.

وإذا كان ثمة انعدام ثقة بالحكومة وأحزابها في تنفيذ مطالب الإصلاح، فليس ثمة جاهزية لدى الحراك في المقابل للحلول مكان الحكومة. وهو ما قد يتسبب من جهة ثالثة في حالة من الفراغ أو فتح المجال أمام مخاطر الانفلات والفوضى.

ولأن الناس، من جهة رابعة، خرجت أساساً لعلاج مشاكلها الاقتصادية؛ فإن أيّة جهة ستتولى الحكم مهما كانت كفاءتها وإخلاصها ستحتاج وقتاً غير قصير لتدوير عجلة الاقتصاد بشكل صحيح. كما يبرز احتمال وجود قوى “دولة عميقة” معطِّلة لإصلاحاتٍ تراها تضر بمصالحها، ووجود قوى فساد تحاول المحافظة على نفوذها أو الهروب برؤوس أموالها، فضلاً عن تدخل قوى دولية وإقليمية في السياسة المحلية وممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية مختلفة لرعاية مصالحها.

وثمة تحدٍّ خامس مرتبط بالمحافظة على بوصلة الحراك في تحقيق أهدافه، وقطع الطريق أمام أيّة قوى تسعى لركوب الموجة، أو لتغيير البوصلة، لتصفية حسابات سياسية، أو لخدمة أجندات تصبّ في مصلحة قوى خارجية متربصة بلبنان.

الحراك إلى أين؟:

حاولت الحكومة، التي اعترفت بالأزمة وبالمطالب المُحقَّة للمتظاهرين، تقديمَ برنامج لحلول مستعجلة تثبت من خلاله جديتها في الاستجابة لمطالب المتظاهرين؛ فأكدت على تخفيض مظاهر الإنفاق، وعلى عدم فرض ضرائب جديدة، وعلى حلّ مشكلة الكهرباء، وإطلاق قانون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وقانون استعادة الأموال المنهوبة، وخفض رواتب الوزراء والنواب والرؤساء بنسبة 50%. كما تبنى رئيس الجمهورية العديد من قضايا المتظاهرين وهمومهم وطالبهم بتقديم رؤاهم الإصلاحية، للتوصل إلى تفاهم بشأنها.

وكان من الواضح أن العديد من القوى النافذة في الدولة والمجتمع (حزب الله، وأمل، والتيار الوطني الحر،…)، تتبنى العديد من المطالب الاقتصادية والاجتماعية، لكنها ترفض إسقاط الحكومة والرئاسة، كما ترفض إغلاق الشوارع وتعطيل الحياة العامة. ويجري النقاش في أوساطها حول إنزال جماهيرها وأنصارها، لمواجهة ما ترى أنه استهداف لها ولبرامجها ومواقفها السياسية.

وبالتالي، فإن الحراك يسير باتجاه أحد السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول: الاستجابة لمطالب المتظاهرين المتعلقة بحزمة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وتحسين الخدمات ورفع المعاناة عن المواطنين، مع توفير ضمانات لتنفيذها، كإعادة تشكيل الحكومة وتطعيمها.

السيناريو الثاني: الاستجابة للسقف العالي لمطالب قطاع فاعل من المتظاهرين، بإسقاط الرئاسة والحكومة، وتشكيل حكومة انتقالية جديدة، وعمل انتخابات مبكرة على أسس غير طائفية، بالإضافة إلى حزمة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

السيناريو الثالث: إصرار الطرفين على مواقفهما، وإنزال الطرف المؤيد للحكومة أنصارَه إلى الشارع، بما قد يُهدد (لا قدر الله) بتعطُّل البلد أو بالفوضى، وبمزيد من التردي والانهيار الاقتصادي.

السيناريو الرابع: تراجع الحركة الاحتجاجية، ونجاح القوى الرسمية في امتصاصها واحتوائها، ومتابعة القوى الحاكمة لسياساتها المعتادة، مع بعض الديكورات الجديدة؛ مع بقاء جوهر الأزمة في البنية الطائفية السياسية.

تجدر الإشارة إلى أننا نكتب هذا المقال في خضم الحراك، وفي أوضاع متحركة ومتغيرة يصعب توقعها. غير أن السيناريو الأول ربما كان هو الأقرب للتحقق حتى الآن.

ولكن ما قد يعيقه أن هناك أزمة ثقة لدى الحراك الشعبي في القيادة السياسية، باعتبار أن أولئك المسؤولين عن الفساد أو الساكتين عنه غير قادرين أو غير مؤهلين لمحاربته، ولا لتقديم علاجات جذرية لمشاكل البلد.

وربما لو نجح أنصار الحراك الشعبي في إدارة برنامجهم ومفاوضاتهم، لتحسنت فرصهم في تحقيق بعض المطالب في السيناريو الثاني كالانتخابات المبكرة، والحكومة الانتقالية، ووضع أسس جديدة للانتخاب تتجاوز، ولو جزئياً، المحاصصة الطائفية لتعطي فرصة لإنتاج أسس أفضل للدولة الحديثة.

كما يجدر الانتباه إلى أن العقلية السياسية اللبنانية تجيد لعبة “حافة الهاوية”، وليس من السهل دفع أيّة قوة كبيرة، خصوصاً المستندة إلى أرضية طائفية، إلى التنازل، إلا ضمن حسابات وتوافقات وتحالفات صعبة ومتداخلة، وقد تستغرق زمناً طويلاً. وبالرغم من ذلك، فإن الحراك وفّر فرصة استثنائية للإصلاح السياسي والاقتصادي.

المصدر: موقع ”TRT“ تي آر تي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية) – تركيا، 27/10/2019


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: