مدة القراءة: 4 دقائق

بقلم: أ. وسيم جابر الشنطي*.

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الخامسة للعدوان الإسرائيلي على غزة سنة 2014، والذي يصادف 8/7/2019، والذي نتج عنه انتهاكات جسيمة لشتى قوانين الحرب أسفرت عن استشهاد 2,219 مدني فلسطيني، من بينهم 556 طفل، و299 امرأة، فيما بلغ عدد الجرحى 11,036، من بينهم 2,647 طفل، و1,442 إمرأة.

في 16/1/2015، أعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إجراء دراسة أولية للوضع في فلسطين، وتقوم المدعية العامة بإجراء الدراسة الأولية بموجب نظام روما الذي نصت المادة 53 منه على “يشرع المدعي العام في التحقيق، بعد تقييم المعلومات المتاحة له، ما لم يقرر عدم وجود أساس معقول لمباشرة إجراء بموجب هذا النظام الأساسي”. ومن خلال تلك الدراسة يقوم مكتب المدعية العامة بتقييم أولي للمعلومات التي تلقاها، ويصنفها للتحقق من كونها تقع في نطاق اختصاص المحكمة أم لا، ويقوم مكتب المدعي العام بدراسة القضايا المتصلة بمسألة اختصاص المحكمة من عدمه في الجرائم المزعومة، كما يتم دراسة ما يتعلق بمسألة مقبولية القضية.

وحسب نظام روما لا يوجد مدة محددة لإتمام الدراسة الأولية، مما يعني أن المدعية العامة ليس لها موعد نهائي محدد، ومن الممكن أن تستمر لعدة أعوام، ويعتمد ذلك على جهود مكتب المدعي العام، فمنذ سنة 2015 والمدعية العامة للمحكمة تجري دراسة أولية فيما يتعلق بالحالة الفلسطينية والجرائم المرتكبة خلال عدوان 2014، وبناء على الحالات الأخرى، فعلى ما يبدو أن المدعية العامة تحتاج وقت أطول من ذلك بكثير لإنهاء الدراسة الأولية التي تقوم بها. ففي أفغانستان بدأت المدعية العامة دراستها الأولية سنة 2007 وأنهتها سنة 2019، وفي كولومبيا يخضع الوضع للدراسة الأولية منذ سنة 2004، وفي غينيا منذ سنة 2009، وفي نيجيريا منذ سنة 2010، وما زال الفحص في تلك الدول مستمر حتى اليوم، وهذا ما يعطي انطباع أن الدراسة الأولية التي تجريها المدعية العامة فيما يتعلق بالحالة في فلسطين ستستمر أعواماً أطول، الأمر الذي من شأنه أن يقوض مصداقية مكتب المدعية العامة في نظر المجتمع الفلسطيني، في حين أن المزيد من التأخير في بدء التحقيقات قد يؤدي إلى مشكلات عملية عديدة تجعل تحقيق العدالة أكثر صعوبة. ومع تقديرنا لازدحام جدول الأعمال لدى مكتب المدعية العامة، إلا أنه يجب أن لا يتسبب في تأخير فتح تحقيق في الحالة الفلسطينية، وفي السعي لإسقاط الإفلات من العقاب، وعلى الدول أعضاء المحكمة الجنائية الدولية تصعيد الدعم للمحكمة لضمان نيل جميع ملفات الفحص التمهيدي التي فتحتها المدعية للاهتمام المستحق.

وذكرت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في تقريرها المنشور حول أنشطة الدراسة الأولية لسنة 2018: “أن الدراسة الأولية ما زالت في المرحلة الثانية، وأنها تلقت أكثر من 125 بلاغاً فيما يتعلق بالحالة في فلسطين منذ 13 حزيران 2014، وأن مكتبها يواصل النظر في المذكرات والمعلومات المتاحة بشأن المسائل المتصلة بممارسة المحكمة لاختصاصها الإقليمي والشخصي في فلسطين”. وفيما يتعلق بالعدوان على غزة عام 2014 ذكرت المدعية العامة أنها تركز في دراستها على بعض الحوادث المبلغ عنها من بين آلاف الحالات التي وثقها مكتبها سابقاً، وأن مكتبها “اختار الحوادث الخطيرة جداً على المدنيين والتي تتوفر بشأنها مجموعة من المصادر والمعلومات الكافية”. وذكر التقرير أن مكتب المدعية أحرز تقدماً كبيراً في تقييم المسائل القانونية اللازمة لتقرير إن كان هناك أساس معقول للشروع في إجراء تحقيقٍ من عدمه، وأن الدراسة الأولية ما زالت مستمرة.

الخيارات المتوقعة بعد انتهاء الدراسة الأولية:

بعد انتهاء المدعي العام من الدراسة الأولية، يعلن إن كان سيجري تحقيق في الجرائم الإسرائيلية المرتكبة خلال عدوان 2014، أم سيرفض إجراء التحقيق، ويغلق الملف.

وبعد انتهاء الدراسة الأولية، ستحدد المدعية العامة كيف تتعامل مع الحالة الفلسطينية داخل المحكمة، خصوصاً في ظل وجود إحالة من قبل دولة فلسطين، ووجود إعلان صادر عن دولة فلسطين بموجب الفقرة الثالثة من المادة 12، والذي بموجبه قد قبلت فلسطين اختصاص المحكمة، بدءاً من تاريخ 13/6/2014. وقد وضعت فلسطين الإعلان بأثر رجعي حتى يستطيع المدعي العام التحقيق بجرائم الحرب المرتكبة في العدوان على غزة سنة 2014.

1. في حال قررت المدعية العامة معاملة الإعلان الصادر بموجب الفقرة الثالثة من المادة 12 على أنه منفصل عن الإحالة، ففي هذه الحالة يجب على المدعية العامة أخذ الموافقة من الدائرة التمهيدية للمحكمة قبل مباشرة التحقيق، ويكون للدائرة التمهيدية الخيار بين الرفض والقبول، وفي حال رفضت الدائرة التمهيدية إجراء تحقيق، فتستطيع المدعية العامة تقديم طلب جديد للدائرة التمهيدية يحتوي على وقائع وأدلة جديدة. والجدير بالذكر أن الدائرة التمهيدية رفضت مؤخراً بالإجماع طلب المدعية العامة فاتو بنسودة Fatou Bensouda في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، فتح تحقيق في جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية خلال النزاع المسلح الوحشي في أفغانستان.

2. في حال قررت المدعية العامة التعامل مع الإحالة، واعتبرت الإعلان بمثابة إحالة، فلا يلزم موافقة الدائرة التمهيدية لإجراء التحقيق، وهذا ما أكدت عليه المدعية العامة في بيان صحفي صدر عنها سابقاً “الإحالة لا تؤدي تلقائياً إلى بدء التحقيق، ومع ذلك، إذا قررتُ أخيراً أن الحالة المحالة تُبرر إجراء تحقيق وفقاً للمعايير الواردة في النظام الأساسي، نتيجة لهذه الإحالة، لا يتطلب النظام الأساسي أن يطلب المدعي العام الإذن من الدائرة التمهيدية للمحكمة من أجل الشروع في التحقيق”.

3. تستطيع المدعية العامة أن تقرر من تلقاء نفسها عدم فتح تحقيق، وفي حال قررت عدم فتح التحقيق في حالة معينة، فبإمكان الدولة تقديم مستندات وأدلة أخرى لإقناعها بإعادة فتح دراسة أولية مرة أخرى، وهذا ما حدث في الحالة العراقية؛ حيث قرر المدعي العام للمحكمة سنة 2006 لويس مورينو أوكامبو Luis Moreno Ocampo، عدم فتح تحقيق رسمي قائلاً أنه على الرغم من وجود سند معقول للاعتقاد بارتكاب جرائم حرب، فليس عددها كافياً لدفع المحكمة الجنائية الدولية للتدخل. وبعد تلقيه مراسلات أخرى أكثر استفاضة قرر في كانون الثاني/ يناير 2014 إعادة فتح الدراسة الأولية للحالة في العراق.

4. في حال رفضت المدعية العامة فتح تحقيق فيما يتعلق بعدوان 2014، وكان سبب رفض التحقيق مستنداً إلى اعتبارات مصالح العدالة، فتستطيع فلسطين أن تقدم التماساً للدائرة التمهيدية من أجل عمل مراجعة صارمة للقضية. أما إن كان قرار رفض فتح التحقيق بسبب المقبولية؛ ففي هذه الحالة لا يمكن للدائرة التمهيدية إلا أن تطلب من المدعي العام إعادة النظر دون أن تأمره بذلك.

إن ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية بمثابة معركة قانونية معقدة، لا بدّ لإنجاحها من جهد عربي وإسلامي موحد، مدعم بقدرات قانونية ومالية كبيرة، وجهد مثابر، من دون أي مراعاة لضغوط الدول الكبرى؛ لأن حقوق الضحايا لا يمكن إخضاعها بأي حال من الأحوال لأي ضغط خارجي.

وبعد كل هذه الأعوام الطويلة من الإفلات من المحاسبة والعقاب، حان الوقت للمسؤولين عن الجرائم الخطيرة بحق الفلسطينيين، أن يدفعوا الثمن، وعلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية المضي قدماً في التحقيق في الجرائم المرتكبة من قبل الإسرائيليين لتتحقق للضحايا العدالة، التي كانت صعبة المنال وحتى الآن، ودون إحقاق العدالة، سيبقى عدوان غزة لسنة 2014 جرحاً نازفاً.

* أ. وسيم جابر الشنطي، محامي وباحث قانوني. حاصل على درجة الماجستير في القانون العام من الجامعة الإسلامية بغزة سنة 2017.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 27/7/2019


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: