مدة القراءة: 5 دقائق

بقلم: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

أطلقت الحركة الإسلامية في الأردن في 17 يونيو/حزيران 2019 أحد أبرز وأهم أدبياتها في الفكر السياسي والممارسة السياسية، على مدى العقود الماضية. و”الوثيقة السياسية” التي أطلقتها بعد نحو عام من النقاشات والحوارات الداخلية، تتميز بتقديم رؤية ناضجة وشاملة لمجمل القضايا التي تخصّ الحركة الإسلامية والشأن الأردني. وتجيب بشكل هادئ ومتزن عن كثير من التساؤلات حول الحركة ومواقفها. ومع ذلك لم تَسْلم الوثيقة من بعض الانتقادات.

تتوزع الوثيقة التي طُبعت في 23 صفحة على مقدّمة وستة محاور، وحمل الغلاف شعارَي الإخوان المسلمين وجبهة العمل الإسلامي. غير أن نصوص “الوثيقة” لا تشير إلى الانتماء إلى جماعة الإخوان، وإن أشارت في المقدمة إلى الاستفادة من فكر الأستاذ حسن البنا رحمه الله.

ولعلّ ذلك يتّسق مع خط “جماعات” الإخوان في الأقطار المختلفة في التركيز على بُعدها الوطني المحلي، وتجاوز حملات التحريض والاتهام المختلفة حول الانتماءات والمرجعيات “الخارجية” وعدم استقلالية القرار، خصوصاً في بيئات “الموجات المضادة” التي تلت “الربيع العربي”.

تؤكّد الوثيقة في مقدمتها أن الحركة الإسلامية جزء أصيل من نسيج الوطن والأمة، عاشت همومهما، وواجهت التحديات بكل ما تتطلَّبُه من استحقاقات. وتعترف بأنها أخطأت أحياناً، غير أنها سعت دائماً لاستدراك الأخطاء والاستفادة من الدروس والعبر.

وهو ما يُظهِر أن الحركة تتعامل بموضوعية وواقعية في توصيف نفسها، وأنها لم تلجأ إلى الأساليب “التبريرية” في تقديم نفسها.

وأشارت الوثيقة في دوافع إصدارها إلى اتِّسام الفكر الإسلامي بالتطور والتكيف الإيجابي، وحاجة الحركة إلى التعبير عن فكرها ومواقفها المعتدلة في ضوء الأحداث الجسام التي شهدها الأردن، وفي ضوء تنامي بعض الأفكار المتشددة وممارسات العنف في المنطقة، كما أن داخل الحركة الإسلامية نفسها رغبة في بلورة رؤية موحدة وفهم مشترك تجاه القضايا الأساسية.

وفي المحور الثاني تعرض الحركة الإسلامية أهمّ منطلقات الوثيقة السياسية، فتؤكد أن الحركة الإسلامية في الأردن “وطنية الانتماء، عربية العمق، إسلامية الهُويَّة والمرجعية، وسطية المنهج، تسعى للإسهام في نهضة الوطن، وتحقيق الإصلاح الشامل، وإنجاز المشروع الحضاري النهضوي للأمة”.

وهو نصّ جامع مكثَّف يحاول تقديم صورة متوازنة للأبعاد الإسلامية والعربية والوطنية للحركة، ولطبيعة مسارها، وأهدافها الكبرى. وتؤكّد المنطلقات أن دين الأردن هو الإسلام، وأن الأردن دولة مستقلة تنتمي إلى عمقها العربي والإسلامي وتتفاعل بإيجابية مع فضائها الإنساني.

ولخّصَت الوثيقة المصالح الوطنية العليا للأردن في المحور الثالث في الهُويَّة الوطنية الجامعة، والانتماء الأردني القوي إلى العمق العربي والإسلامي، وفي الدولة الحديثة المتطورة، والاقتصاد القوي، والاستقرار السياسي والأمني، وحماية الأردن من المشروع الصهيوني، وإسناد جهاد الشعب الفلسطيني من أجل التحرير.

وطرحت الوثيقة في المحور الرابع 16 هدفاً سياسيّاً تسعى لتحقيقها بالتعاون مع المجموع الوطني، على رأسها نشر الفكرة الإسلامية، وتعزيز روح الانفتاح والتعاون والاعتدال، وبناء الإنسان بناءً متكاملاً بالاستناد إلى مبادئ الأمة وعقيدتها وثقافتها وقيمها، وصيانة استقلال الوطن، وتحقيق مصالحه العليا، وتعزيز الوحدة الوطنية والمجتمعية، وتحقيق الحكم الرشيد، وتوسيع مشاركة المواطنين في الحياة السياسية، والنهوض الاقتصادي، والإصلاح الاجتماعي، وتعزيز دور الشباب والمرأة، ودعم صمود الشعب الفلسطيني وإسناده، ودعم القضايا العربية والإسلامية والإنسانية العادلة، وتعزيز الحضور الأردني عربيّاً وإسلاميّاً ودوليّاً.

أما المحور الخامس فتحدَّث عن مبادئ وتوجهات سياسية عامَّة كالعدل والحرية والتعددية، والمشاركة السياسية والشعبية والإصلاح الشامل والمعارضة السياسية، ودولة المواطنة والدستور والأمن الوطني، والمرأة والشباب والتربية والتعليم، ومقاومة الاحتلال، والموقف من العنف والتطرف والإرهاب.

وقد أخذ المحور قسطاً كبيراً من الوثيقة، إذ جمع بين الإطار المفاهيمي والسياسات والمواقف والمسارات المقترحة. مع ملاحظة أن عدداً من النقاط والمبادئ مضمَّنة في المحاور الأخرى من الوثيقة. وربما لو أضاف نقطة حول الاقتصاد، ونقطة ثانية حول الجوانب الاجتماعية، ونقطة ثالثة حول العمل الشعبي والنقابي والخيري، لكان أفضل وأشمل.

في المحور السادس والأخير تحدثت الوثيقة عن العلاقات السياسية على المستوى الوطني، وعلى مستوى القضية الفلسطينية، وعلى المستويات العربية والإسلامية والدولية، مؤكّدة عدداً من النقاط التي سبقت الإشارة إليها، أو شارحةً ومتوسعةً فيها.

إذ أكّدَت في السياق الوطني الانفتاحَ مع الجانب السياسي الرسمي على المستويات كافة، وعلى رأسها ملك البلاد، وتقديمَ الرؤى والمبادرات وممارسة النقد الإيجابي.

كما أكدت في الجانب الشعبي المجتمعي أنها جزء من المجتمع وخادم له وليست وصيَّة عليه. وشددت على انفتاحها على القوى الوطنية، واحترامها حق الاختلاف، والتعاون لخدمة الوطن في المساحات المشتركة الواسعة.

وإذا كان مع الوثيقة وقفة عامة، فيمكن إجمال أبرز الملاحظات في ما يلي:

1. تميزت الوثيقة بلغة سياسية هادئة ومتزنة وناضجة، حرصت على إعلاء الشأن الوطني، وتجاوز قضايا الخلاف.

2. تميزت الوثيقة بروح الانفتاح على المستوى الرسمي والحزبي والشعبي والمجتمعي.

3. أكّدت نصوص الوثيقة الشراكة، وتجاوز المصالح الحزبية، وسعت لتكريس مفهوم “الجماعة الوطنية” في “دولة المواطنة”.

4. قدمت الوثيقة الهُويَّة الإسلامية للحركة، في ضوء طبيعتها السلمية الوسطية الإصلاحية المعتدلة، المنسجمة مع بيئتها الوطنية، ومع انتمائها العربي والإسلامي، والمنفتحة على فضائها الإنساني.

5. قدمت الوثيقة نقدها للواقع السياسي الأردني بأسلوب إيجابي، فلم تتحدث عن عيوب وجوانب قصور بعينها، بل تحدثت عن المعالجات والتصورات المقترحة لتجاوز الأزمات والتحديات. وبالتالي، لم تناقش قضايا تعدُّها الدولة حساسة بالنسبة إليها، وهو ما كان محلّ انتقاد من بعض المحللين، ومثال ذلك أنها خَلَت من تحديد جوانب الخلل في بنية وإدارة النظام السياسي، ولم تتعرض لبعض القضايا المطروحة كالملكية الدستورية، وتغيير قانون الانتخابات، وتشكيل الحكومة النيابية، و”تجاوز” بعض مؤسسات الدولة في استخدام صلاحياته.

6. أخذت قضية فلسطين مساحة مستحقة في الوثيقة، فتم تناولها في المصالح الوطنية العليا، وفي الأهداف السياسية العامة، وفي المبادئ والتوجهات السياسية العامة، وفي العلاقات السياسية. ويتّسق ذلك مع فهم الحركة الإسلامية وتراثها ودورها وتجربتها. غير أنه طُرحَت القضية في سياق العمل الوطني والواجب العربي والإسلامي، وضمن أولويات العمل، مع تأكيد مكانتها الخاصة.

وعلى الرغم من اعتراض الحركة الإسلامية على العلاقة مع الكيان الإسرائيلي، ورفضها التطبيع، فإن الوثيقة لم تذكر اتفاقية “وادي عربة” بالاسم، كما أن أسلوب الصياغة ركّز على “حماية” الأردن من المشروع الصهيوني، لا على “مواجهة” المشروع الصهيوني، وركز على “دعم” الشعب الفلسطيني في تحرير فلسطين، لا على أدبيات “الحشد والرباط” و”الشراكة” في الصراع. ولعل ذلك كان نوعاً من الإدراك الواقعي لطبيعة المرحلة، بما فيها من ضعف وتشرذم عربي، وانكفاء قُطري، ولكون النظام السياسي على علاقة رسمية بالكيان الإسرائيلي، وربما لتجاوز كثرة الانتقادات بأن الحركة الإسلامية منشغلة بالملف الفلسطيني على حساب الملفات المحلية الداخلية.

7. سحبت الوثيقة معظم الذرائع التي احتجّ بها المنشقُّون عن الحركة الإسلامية أو التاركون لها، والذين شكّلوا أحزاب وجمعيات جديدة، وقدمت خطاباً سياسياً ورؤية إصلاحية تغطي معظم المطالبات والانتقادات التي كانوا يحتجّون بها. ربما جاء ذلك متأخراً بالنسبة إلى البعض، ولكنه على الأقلّ فتح فرصة لعديدين للعودة، وجعل مهمة هؤلاء أصعب في تشكيل أحزاب وتيارات جديدة، كما جعل الحركة الإسلامية أكثر تماسكاً في صفها الداخلي.

8. نزعت الحركة الإسلامية بهذه الوثيقة كثيراً من الذرائع التي يستند إليها خصومها وأعداؤها في محاولة ضربها أو عزلها أو تهميشها، إذ قدَّمت نصّاً مرجعيّاً حاكماً لفهمها ورؤيتها، بعيداً عن الانطباعات الخاطئة أو تصيُّد الهنَّات والزلات عبر تاريخها. وعلى الرغم من أن بعض الخصوم سيستمرون في خصومتهم، ولن يعدموا الوسيلة لتبرير ذلك، فإن الوثيقة جعلت الحركة الإسلامية في موقع أقوى وأفضل.

وأخيراً، فإن الوثيقة تعدُّ مبادرة نوعية للحركة الإسلامية، إذ قَدَّمت رؤيتها بنفسها عن نفسها، لا كما يقول غيرها، وحسمت الجدل في عديد من المسائل التي كانت محطّ التباس أو موضع هجوم وتشكُّك. ومن المفترض أن تكون محل ترحيب ممّن تهمّه أمور البلد، وممّن كان لديه نقاط ملتبسة تجاه الحركة، غير أن البعض قد لا تُسعده هذه الوثيقة لأنها ستُفقِده بعض أسلحته وجدلياته في الهجوم على الحركة.

وقد يكون هنا أو هناك ملاحظة على الوثيقة، فهذا من طبيعة عمل البشر، غير أنها خطوة في الطريق الصحيح، وتستحقُّ الترحيب والإشادة، وأن تحظى بالاهتمام والنقاش، وأن تكون محلّ استفادة واسترشاد، لا من القوى السياسية في الأردن فحسب، بل من القوى والتيارات السياسية في المنطقة، خصوصاً التيارات الإسلامية.

المصدر: موقع ”TRT“ تي آر تي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية) – تركيا، 16/7/2019


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: