مدة القراءة: 8 دقائق

English_Versionبقلم: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. 

مقدمة: 

يبدو أن الاتجاه العالمي لمسار التطورات الاجتماعية السياسية، يسير نحو تأكيد عودة دور الدين المتصاعد في الحياة العامة بكافة تجلياتها. لقد وصلت العلمانية عالمياً إلى ذروة غير مسبوقة في ستينيات القرن العشرين؛ غير أن الاتجاه نحو التدين أخذ يسير بدرجات متفاوتة في الكثير من مناطق العالم. وهو تديّن لم ينحصر في “الصحوة الإسلامية” التي شملت مناطق واسعة من العالم الإسلامي منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكنه اتسع ليعبر عن نفسه بأشكال مختلفة في أوساط المسيحيين وأتباع الديانات المختلفة. وفي السنوات الفعلية الماضية، أخذ هذا الاتجاه يتزايد اجتماعياً وسياسياً في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها.

الطريق إلى “ما بعد العلمانية”:

يرصد تقرير المستقبل الصادر حديثاً عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، في عدده رقم 29 ظاهرة “ما بعد العلمانية” Post Secularism والعودة للدين، من خلال مسح الظاهرة بشكل عالمي؛ ويقدم عدداً من النماذج في هذا الاتجاه.

ويبيِّن التقرير أن عصر التنوير أو الحداثة تأسيس على الثورة ضدّ الكنيسة في أوروبا، وضدّ تحكّمها في مناحي الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والقانونية؛ وظهرت في تلك الفترة مقولة “موت الإله” Death of God، (تعالى الله عما يقولون) وهو الاتجاه الذي تطور على يد الفيلسوف الألماني Nietzche فريدريك نيتشه (1844-1900) الذي ركز على مركزية عقل الإنسان في حركة التاريخ، وعلى القضاء على القيود التي فرضتها الكنيسة على حرية التفكير.

وتأسيس مفهوم العلمانية على فكرة فصل الدين عن الحياة العامة؛ وأصبح مفهوم العلمانية خصوصاً في العالم الغربي ملازماً لمفهوم التحديث، أما الدين فبات عندهم ملازماً لمفهوم التقليدية والرجعية. وكان متوقعاً وفقاً لدعاة العلمانية أن المجتمع الحديث سيلبي كافة احتياجات الفرد المادية والمعنوية، دون الحاجة للجوء للدين، وأن التعليم والمعرفة ستوفر الإجابات المنطقية عن كل شيء. والعلمانية، خصوصاً في العالم الغربي، لم تستعدِ الدين أو تهاجمه مباشرة؛ غير أنها توقعت أو افترضت انحسار الدين واختفاءه مع الزمن، غير أن توقعاتها باءت بالفشل. وحتى البلدان التي فرضت علمانية قسربة، وحاربت الدين بشكل مكشوف، كان نصيبها الفشل.

الفكر الشيوعي الذي تمكن من الوصول للحكم في عدد من البلدان كالاتحاد السوفييتي والصين لم يسع فقط لتحجيم الدين، وإنما رفض الدين ذاته، باعتباره معوقاً أمام الطبقة العاملة للانتفاض والمطالبة بحقوقها، وبالتالي أخذت مقولة “الدين أفيون الشعوب” ركناً مهماً في الفكر الشيوعي، فتم إغلاق المؤسسات الدينية، ومحاربة رموزها، ومطاردة مظاهر التدين. غير أن الشيوعية سقطت، وبقي الدين.

من جهة أخرى، فإن ارتباك ما بعد الحداثة، إثر الدمار الهائل الذي أصاب البشرية نتيجة الحربين العالميتين الأولى والثانية، على يد “الإنسان العلماني” والأنظمة “العلمانية” الحديثة، دفع باتجاه “الفكر العدمي” الذي طوره وتبناه الفيلسوف الفرنسي “ميشيل فوكو” Foucault الذي قصد به “موت المنطق”، وتمحور حول فكرة “موت الإنسان” Death of Man، بما يعني سقوط الإيمان بقدرة الفرد على اتخاذ قرارات عاقلة ومنطقية لتطوير الحياة الإنسانية.

ومع العودة المعاصرة للدين وتصاعد دوره، حاول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Hebermas بلورة ذلك، في ضوء حركة التاريخ، من خلال “مجتمعات ما بعد العلمانية” Post Secular Societies؛ حيث أكد أنه لا يمكن وقف تيار عودة الدين للحياة العامة، وأنه لا بدّ من الاعتراف بمنزلة جديدة للدين؛ يتطور فيها المجتمع العلماني إلى ظاهرة مركبة من الطرفين العلماني والديني، وبذلك تكون “ما بعد العلمانية” مساراً تكاملياً بين الطرفين؛ وأن من مصلحة الدولة الدستورية مراعاة كل المصادر القيمية واحترام القناعات الدينية، وأن المجتمع “ما بعد العلماني” يضع ضوابط لتفاعل الدين مثل التسامح واحترام التعددية في إطار “علماني” حسب رأيه.

من مظاهر عودة الدين للحياة العامة:

تتعدد مظاهر عودة الدين لأخذ مساحات أوسع في الحياة الاجتماعية والسياسية. ومن أبرز ما ذكره تقرير المستقبل، أومما يمكن أن نضيفه:

1- أنه إثر انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشيوعية، مع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، اعتمدت روسيا على “الدين” في بناء هوية جديدة تجمع ما يسمى “العالم الروسي” تحت مظلة واحدة، هي الانتماء الأرثوذكسي المسيحي، والتاريخ الأرثوذكسي المشترك؛ بحيث تتمكن روسيا من تجاوز حدودها الجغرافية إلى بلدان مجاورة مثل أوكرانيا وجورجيا. وأصبحت “الشرعية الدينية” ومركز الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو أحد أبعاد الصراع على النفوذ التي اهتم بها الرئيس بوتين. وحتى عندما ضمّت موسكو شبه جزيرة القرم Crimea استخدم بوتين ادعاءات باعتبار أنها منشأ الشعب الروسي، وأنها المكان الذي جرى فيه “تعميد” الأمير فلاديمير في القرن العاشر الميلادي، والذي قام بدوره بتوحيد القبائل والأراضي السلافية حول المسيحية، وتأسيس روسيا. ولذلك، فإن قرار انفصال الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية في كانون الأول/ ديسمبر 2018 عن بطريركية موسكو كان قراراً تاريخياً بعد قرابة 300 عام من الارتباط، حيث أخذ بُعده السياسي إثر النزاع بين موسكو والقيادة السياسية في أوكرانيا.

2- في أوروبا تصاعد الشعور بالانتماء الديني، وظهرت أغلبية تعرف نفسها كمسيحيين، وإن كان معظمها يعترف بأنه ليس “ملتزماً” بالدين. ففي بريطانيا، يُعرِّف نحو 73 في المئة أنفسهم كمسيحيين، من بينهم 18 في المئة يعرفون أنفسهم كملتزمين، بينما ترتفع النسبة في إيطاليا إلى نحو 80 في المئة، نصفهم (أي 40 في المئة) يُعرف نفسه كملتزمين، والنصف الثاني كغير ملتزمين.

وفي وسط وشرق أوروبا، يميل الناس أكثر للتدين مقارنة بغرب أوروبا. ففي روسيا، ارتفعت نسبة من يُعرّفون أنفسهم كمسيحيين أرثوذكس؛ من 37 في المئة سنة 1991، إلى 71 في المئة سنة 2017. وفي أوكرانيا، ارتفعت النسبة من 39 في المئة سنة 1991، إلى 78 في المئة سنة 2017. وفي بلغاريا، ارتفعت النسبة نفسها من 59 في المئة سنة 1991، إلى 75 في المئة سنة 2017.

3- في المقابل، فإنه ما زال في بلدان أوروبا أغلبية (نحو الثلثين) تتراوح بين النصف إلى 75 في المئة؛ مع الفصل بين “الدين” و”السياسة” (ما عدا أرمينيا 36 في المئة وجورجيا 44 في المئة)؛ أي أن الميول الدينية ما زالت محكومة إلى حد ما بالإطار العلماني.

4- المخاوف التي جرى تضخيمها وتوظيفها سياسياً في أوروبا؛ نتيجة التراجع السكاني للأوروبيين المسيحيين وتزايد النمو السكاني للمسلمين، نتيجة الزيادة الطبيعية أو تصاعد موجات الهجرة، انعكست على البيئة السياسية والاجتماعية الأوروبية، في إطار البحث عن الهوية المسيحية. ففي الفترة بين 2010 و2015، زاد عدد وفيات الأوروبيين المسيحيين عن عدد المواليد بنحو ستة ملايين. وكانت خسارة ألمانيا وحدها نحو مليون و400 ألف شخص في الفترة نفسها. أما أعداد المسلمين، فزادت في أوروبا في الفترة ذاتها بنحو مليونين. وقُدّر عدد الذين تقدّموا بطلبات هجرة إلى دول أوروبا في الفترة نفسها بنحو ثلاثة ملايين طلب، معظمهم مسلمون.

ولذلك، تزايدت مظاهر العداء ضد قدوم المسلمين واستيطانهم، وصعدت جماعات اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية التي أخذت تطالب بوقف “غزو المسلمين” لأوروبا، ووجدت في الهوية المسيحية ضالتها الدينية الثقافية والتاريخية. ومن أمثلة الأحزاب التي نحت منحى شعبوياً يمينياً، حزب “البديل من أجل ألمانيا”، وحزب “ديمقراطية السويد”، وحزب الحرية النمساوي، وحزب “رابطة الشمال” الإيطالي، و”الجبهة الوطنية” في فرنسا.

وانتقل الخطاب “المسيحي” إلى الأحزاب الرئيسية الفاعلة في الحكم في غرب أوروبا، ليأخذ الدين حيزاً أوسع باعتباره مكوناً رئيسياً للهوية الأوروبية، ولتستجيب الأحزاب بالتالي لهواجس المسيحيين من ذوي البشرة البيضاء، مع ملاحظة أن الأحزاب المسيحية في شرق أوروبا كانت منذ لحظة ظهورها في تسعينيات القرن العشرين؛ تدمج بين البعدين القومي والمسيحي في هويتها وخطابها وممارستها.

5- على سبيل المثال، في المجر (هنغاريا) نجح رئيس الوزراء فيكتور أوربان في الفوز في انتخابات 2018، في ضوء خطابه وبرنامجه المناهض للهجرة والمسلمين، وقدم نفسه كمدافع عن المجر وأوروبا في مواجهة المسلمين الذين يهددون بـ”أسلمة” أوروبا؛ مؤكداً على ضرورة الحفاظ على القِيم المسيحية. وفي ألمانيا، أصدرت ولاية بافاريا قراراً رسمياً عرف بـ”مرسوم الصليب” يلزم بتعليق الصليب في كل مؤسسات الولاية، والذي بدأ تنفيذه في حزيران/ يونيو 2018.

6- اتساع التحول نحو الدين ظاهرة معروفة أيضاً في الولايات المتحدة، وقد برزت أكثر منذ ثمانينيات القرن العشرين، مع انتخاب رونالد ريجان، وصعود التيارات الدينية، وتيارات اليمين المحافظ ثم المحافظين الجدد، ووجدت تعبيراتها في مسلكيات وسياسات رؤساء كجورج بوش الابن، وفي السياسات الداعمة للمشروع الصهيوني في فلسطين بخلفيات دينية وثقافية، بالإضافة للخلفيات السياسية والمصالح الاستراتيجية، كما في مواقف القيادات الأمريكية، وعلى رأسها ترامب وفريقه في الوقت الراهن.

7- في الصين التي ما زال الحزب الشيوعي يحكمها، هناك اعتراف رسمي بالبوذية والطاوية والكاثوليكية والبروتستانتية والإسلام. وظلت المنظومة الحاكمة لفترة طويلة على عدائها مع الدين… غير أن الدين استعاد حيويته في السنوات الماضية وأخذت تتزايد مظاهره، بالرغم من كل إجراءات السلطات الحاكمة. وأشارت تقارير غير رسمية إلى وجود نحو 350 مليوناً من معتنقي الديانات، وفق تقديرات مؤسسة فريدم هاوس الأمريكية، بينما تقدرها مؤسسة “حرية الدين” الأمريكية بنحو 650 مليوناً. واضطرت الدولة مؤخراً لسلوك أكثر تسامحاً واستيعاباً في التعامل مع الظاهرة الدينية؛ غير أنها ما زالت مستمرة في إجراءاتها القمعية القاسية تجاه معتنقي الإسلام وخصوصاً أقلية الأويجور.

بناء على ما سبق، يظهر أن الدين في طريقه لاسترجاع مكانته في الحياة العامة بدرجات متفاوتة في العالم، وأن بيئة مجتمعات “ما بعد العلمانية” في العالم الغربي وشرق أسيا وروسيا… مضطرة لإفساح المجال له. ماذا عن العالم الإسلامي؟

العالم الإسلامي:

عند الحديث عن العالم الإسلامي (ومن ضمنه العالم العربي)، فينبغي الإشارة إلى عدد من النقاط التي نذكرها باختصار:

1- إن العالم الغربي استخرج نظرياته السياسية من خلال تجاربه التاريخية والفكرية ومن خلال البيئات الدينية والسياسية التي عاشها؛ وبالتالي فإن تطبيق النظريات الغربية على البيئة الإسلامية يفتقر للأساس العلمي والمنهجي، حيث لا مُقومات مشتركة دينية أو ثقافية أو حضارية أو تاريخية أو سياسية. ولذلك فشلت التطبيقات العلمانية واليسارية في مناطقنا. وإن لم يكن هناك ما يمنع من الاستفادة من علوم الغرب وتجاربه وخبراته، بما يتناسب مع بيئتنا وحضارتنا وهويتنا.

2- إن مسببات الثورة على “الدين” أو عزله عن الحياة العامة، في العالم الغربي، غير منطبقة على الإسلام نفسه. فالإسلام يحض على العلم وعمارة الأرض، وفي الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي لم تكن ثمة ممارسات دينية كتلك التي فعلتها الكنيسة في أوروبا من محاولة لاحتكار العلم والحقيقة، وتكفير العلماء المكتشفين لحقائق علمية وسجنهم ومعاقبتهم. والإسلام دين شامل للحياة وصالح لكل زمان ومكان، ومنسجم مع احتياجات الناس المادية والمعنوية والروحية، ومتوازن في التعامل معها.

وإذا كان ثمة لوم على تخلف مناطق المسلمين فهو يعود أصلاً لبعد المسلمين عن دينهم، ولمنظومات الحكم الفاسدة والمستبدة، ولتراجع دور العلماء في التفاعل الفقهي مع قضاياهم المعاصرة، وتعطل ديناميات تقديم الحلول المناسبة لفترة طويلة من الزمن. ثم إن الثورات وحركات التغيير في مناطقنا الإسلامية عبر التاريخ، كانت في العادة سعياً للعودة للنموذج الإسلامي في وجه الإنحرافات، وليس خروجاً عن هذا النموذج.

3- إن الإسلام بالرغم من كل التحديات والحروب التي يواجهها، وبالرغم من تخلف المسلمين وبؤس أنظمتهم السياسية، إلا أنه ظل في عالمنا المعاصر الدين الأكثر جاذبية للناس، خصوصاً عندما يحلّ في بيئة حرّة. وكما أن الملايين يقبلون عليه في إفريقيا، فإن انتشاره يتسارع في أوروبا وأمريكا، خصوصاً في الأوساط المثقفة. وهو ما يعني أن الإسلام استطاع ان يقدم إجابات شافية للكثيرين من الذين عجزت الأديان الأخرى، والعلمانية ومدارسها المختلفة، عن تقديم إجابات لتساؤلاتهم بالرغم من المستوى العلمي والمادي المرتفع الذي وصلوه.

كما أن الإسلام هو أكثر الأديان نمواً سكانياً في العالم. والمسلمون الذين يبلغ عددهم هذه الأيام نحو مليار و800 مليون، ونسبتهم نحو 24.1% من العالم (مقابل 31.2% للمسيحيين)، ستصل نسبتهم وفق التقديرات المستقبلية إلى نحو 31.1% سنة 2060، لتقترب نسبتهم من المسيحيين المتوقع أن تكون بحدود 31.8%، ولتتجاوزهم عددياً في العقد السابع من هذا القرن.

4- إن الدين أصيل في أعماق شعوب العالم الإسلامي، وما زال له دوره الأساس في منظومة حياتها، بالرغم من فترات الاستعمار الغربي، وبالرغم من عقود من الحكم العلماني والأنظمة السياسية التي حاولت عزل الدين عن حركة الحياة. والشعوب عندما تعيش أجواء الحرية والمنافسة الحزبية العادلة تُقدم بشكل عام الإسلام وقيمه والتيارات التي تَحمله إلى صدارة العمل السياسي؛ لأنها لا ترى تعارضاً بين “الدين” و”السياسة”؛ مع إدراك تفاوت درجات الخطاب الإسلامي هنا أو هناك.

5- إن “الصحوة الإسلامية” في عالمنا الإسلامي سبقت ظاهرة العودة للدين في العالم الغربي وباقي دول العالم؛ لأن العلمانية التي فرضتها الأنظمة السياسية كانت فوقية ومصطنعة ومستوردة. و”ظاهرة الصحوة” تعود لسبعينيات القرن الماضي، وهي امتداد لموجات حركة الإصلاح والتجديد التي أخذ العالم الإسلامي يموج بها منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر (الوهابية في الجزيرة العربية، والسنوسية في شمال إفريقيا، والمهدية في السودان، والأفغاني ومدرسته، والنورسية في تركيا، وماشومي في إندونيسيا، والإخوان المسلمين في العالم الإسلامي، والجماعة الإسلامية في القارة الهندية، وجمعية العلماء في الجزائر… وغيرها. وفي الإطار الشيعي الحركة الدستورية (المشروطية)، والثورة الإسلامية في إيران..) ولم يكن المسلمون بحاجة للخوض في مائتي سنة من التجارب العلمانية للعودة للدين، إذ إنه ظل حاضراً بقوة في هويتهم وثقافتهم ووجدانهم، بالرغم من المحاولات التي قامت بها الأنظمة لتغييبه قسرياً، ومحاولات تطويع بعض جزئياته لمصلحتها.

وتشير دراسة ذكر بعض معطياتها تقرير المستقبل، الذي سبقت الإشارة إليه، إلى أن نحو 93% من سكان ما يعرف بـ”الشرق الأوسط” مسلمون؛ وأن ما بين 78.4% إلى 97.3% من أبناء بلدان هذه المنطقة يصفون أنفسهم بأنهم متدينون أو متدينون إلى حدٍّ ما (لبنان 78.4%، تونس 80.8%، الجزائر 88%، فلسطين 92%، المغرب 92.2%، مصر 96.6%، الأردن 97.3%).

6- كما أن الإسلام كان له دور أساس (إن لم يكن الدور الأساس) في الحفاظ على هوية الأمة، وفي مواجهة الاستعمار ودحره من بلدان المسلمين، ومكوناً رئيساً من مكونات الحركات الوطنية القطرية التي ناضلت من أجل الاستقلال؛ فما زال فاعلاً في مواجهة المشروع الصهيوني، وما زال سداً في مقاومة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وما زالت المقاومة ذات الأيديولوجية الإسلامية هي الأكثر فاعلية في المقاومة المسلحة، وما زال ارتباط الأمة بالأقصى والقدس وفلسطين سبباً أساساً في عدم شعور الكيان الإسرائيلي باستقرار أركانه، وفي الأمل المستقبلي بمشروع نهضوي وحدوي تحرري ينهي الاحتلال.

***

وأخيراً، نقول لأولئك الذين يُصرّون على تطبيقات سياسية معادية للدين في المنطقة الإسلامية، وإلى عزل الإسلام والتيارات الإسلامية عن الحياة السياسية؛ إنه آن لكم أن تكفوا عن المحاولة، فالإسلام أصيل في أعماق هذه الأمة. ثم إن تلك النظريات والرؤى التي تستندون إليها قد سقطت في معاقلها، وأصبحت الاتجاهات السياسية تبحث عن مرحلة “ما بعد العلمانية”… فمن باب أولى أن تتصالحوا مع الأمة وعقيدتها، وأن تبحثوا عن الآليات الأنسب ليعود للإسلام دوره الحضاري النهضوي الفعال في صناعة تاريخ الأمة ومستقبلها.

المصدر: موقع “عربي 21″، 9 و21 /2019/6


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: