مدة القراءة: 5 دقائق

بقلم: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. English_Version

تجنح العديد من القراءات للانتخابات الإسرائيلية ونتائجها وانعكاساتها إلى استقراء البيئة السياسية الراهنة والمكونات الحزبية ورموزها وتقسيماتها التقليدية (يمينية – يسارية – دينية…)؛ دون استيعاب خصوصية المنظومة السياسية والحزبية الصهيونية الإسرائيلية، مما قد يتسبب بتحليلات واستنتاجات خاطئة. وفي هذا المقال، نستقرئ سمات الظاهرة الحزبية المستندة إلى الأيديولوجية الصهيونية، دون أن ننشغل بتحليل نتائج الانتخابات الأخيرة، ودون أن ندخل معها الأحزاب والقوى العربية.

نتوقف هنا للحديث عن ست سمات تتميز بها المنظومة الحزبية الصهيونية في “إسرائيل”:

السمة الأولى: كثرة الأحزاب وتوالي ظهور أحزاب جديدة:

شارك في الانتخابات الأخيرة أربعون قائمة حزبية، بعضها ائتلاف لحزبين أو أكثر. وعادة ما يشارك في الانتخابات ما بين 25 إلى 40 قائمة.

فحزب كاديما الذي أسسه أريل شارون سنة 2005، تمكَّن من الفوز في الانتخابات بعد بضعة أشهر من تأسيسه، بالرغم من دخول رئيسه في غيبوبة لم يستفق منها؛ وحكم الكيان الإسرائيلي في الفترة 2006-2009 عندما تولى إيهود أولمرت رئاسة الوزراء. أما حزب أزرق أبيض الذي تأسس قبل نحو شهرين من الانتخابات الأخيرة برئاسة بني جانتس، فقد تمكن من تحقيق صعود صاروخي بحصوله على 35 مقعداً ليتساوى مع أقوى الأحزاب الإسرائيلية (الليكود). ويتسق مع هذه الظاهرة بروز حزب يش عتيد (يوجد مستقبل) برئاسة يائير لبيد، الذي حصل على 19 مقعداً في انتخابات 2013؛ وكذلك حزب “كلُّنا” برئاسة موشيه كحلون فظهر في انتخابات 2015 حاصداً عشرة مقاعد.

وتعكس كثرة الأحزاب الصهيونية مجموعة التباينات الداخلية والاختلافات الدينية والسياسية والاقتصادية، وتنوع الخلفيات القومية والاجتماعية والثقافية. وهي اختلافات ما زال المشروع الصهيوني قادراً على استيعابها والاستفادة منها. كما تعكس حالة من الحيوية السياسية في المنظومة الصهيونية.

السمة الثانية: كثرة الانشقاقات والاندماجات بين الأحزاب:

وهي ظاهرة قديمة متجددة؛ بحيث تجد نفسك وكأنك أمام لعبة “حل وتركيب” Lego. وقد ينشق البعض ليشكلوا حزباً جديداً، ثم ما يلبثوا أن يتحالفوا مع رفاقهم السابقين أو خصومهم، بل وربما العودة للاندماج ثانية، بحسب “بورصة” الانتخابات. غير أنه يجب ملاحظة أن حالات الشراكة والاندماج عادة ما تكون ضمن تيارات أو مدارس متشابهة إلى حد ما (عمالية – يمينية – دينية). والأمثلة على ذلك كثيرة.

فحزب العمل مثلاً، تشكل سنة 1968، باتحاد مباي مع حزبي أحدوت هعفودا، ورافي؛ وكلاهما حزبان كانا قد انشقا عن مباي. أما الليكود فقد تأسس سنة 1973 من أحزاب حيروت والأحرار؛ والمركز الحر والقائمة الرسمية، وحركة “أرض إسرائيل الكاملة”. وقد انشق عنه ديفيد ليفي سنة 1996 (الذي كان وزيراً للخارجية في حكومة شامير) وأسس حركة غيشر Gesher، ثم عاد للتحالف مع الليكود، ثم تحالف مع العمل ثم انسحب منه!! وخسر الليكود نفسه أغلب كوادره ونحو 70% من ناخبيه، عندما انشق عنه رئيسه شارون، وانخفضت مقاعده من 38 مقعداً سنة 2003 إلى 12 مقعداً سنة 2006، قبل أن يسترد عافيته من جديد بقيادة نتنياهو.

وقِس على ذلك تسيبي ليفني، التي كانت إحدى أبرز قيادات الليكود، والتي انشقت عنه لتنضم إلى كاديما، وتصبح وزير للخارجية في حكومة أولمرت، ثم أصبحت رئيسة لكاديما، ثم انشقت عن كاديما وأسست حزب الحركة (هتنوعا)؛ ودخلت في شراكة مع الليكود في الحكومة التي شكلها نتنياهو سنة 2013؛ ثم تحالفت مع حزب العمل في تشكيل “المعسكر الصهيوني” لخوض انتخابات 2015. الذي أصبح القوة الحزبية الثانية في الكنيست؛ ثم خرجت ليفني خالية الوفاض بعد انسحابها من الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.

السمة الثالثة: الدور العسكري والأمني البارز في الحياة السياسية:

إذ إن المؤسستين العسكرية والأمنية لهما دور أساسي في صناعة القرار السياسي. وتحظى المؤسسة العسكرية باحترام كبير في الوسط الصهيوني، فـ”إسرائيل” هي بتعبير آخر “جيش له دولة” حيث يقوم تأسيسها على مفاهيم القوة والأمن وفرض الحقائق على الأرض.

كما يشارك أفراد الجيش في الانتخابات ضمن طريقة تصويت خاصة بهم. والقادة العسكريون حال تقاعدهم سرعان ما يتحولون إلى قادة سياسيين ناشطين في العمل الحزبي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك موشيه ديان الذي كان رئيساً للأركان، وتولى بعد ذلك وزارات الزراعة و”الدفاع” والخارجية؛ وإسحق رابين الذي كان رئيساً للأركان وصار رئيساً لحزب العمل ورئيساً للوزراء، والجنرال أرييل شارون الذي تولى وزارات “الدفاع” والزراعة والبنى التحتية، وأصبح رئيساً لليكود ثم رئيساً لكاديما. وقس على رئيس الأركان السابق إيهود باراك الذي أصبح رئيساً لحزب العمل.

وكان من أبرز الأمثلة في الانتخابات الأخيرة حزب أزرق أبيض الذي برز كحزب “جنرالات” إذ تصدَّر قيادته ثلاثة من رؤساء الأركان السابقين هم بَني جانتس، وجابي أشكنازي، وموشيه يعلون.

السمة الرابعة: معظم الأحزاب الكبيرة والقديمة ليست أحزاباً سياسية فقط، وإنما لها أنشطة اجتماعية واقتصادية وتعليمية وصحية واسعة النطاق:

ويعود ذلك إلى أدوارها السابقة في الهجرة والاستيطان قبل إنشاء الكيان الصهيوني، وهي عندما تتولى مناصب حكومية، فإنها لا تتردد في تقديم الدعم والخدمات لمؤسساتها، مثل المخصصات المالية لاتحاد العمال “الهستدروت”. كما أن الأحزاب الدينية تشترط في مشاركتها الحكومية تقديم الدعم لمؤسساتها الدينية والتعليمية.

السمة الخامسة: قدرة الأحزاب على التعايش، والوصول إلى حلول وسط وتوافقات:

وذلك بحسب الأوزان النسبية للأحزاب، واستغلال حاجة الأحزاب الكبيرة لتشكيل أغلبية برلمانية في سبيل تشكيل الحكومة، وكذلك استغلال حاجة الأحزاب الصغيرة لتحقيق مكاسب عن طريق التحالف مع أحزاب كبيرة. إذ لم يُتح لأي حزب مهما كانت قوته أن يأخذ أكثر من نصف المقاعد منذ نشأة الكيان الصهيوني؛ مما جعل أي حزب كبير مضطراً للدخول في التحالفات والتسويات.

السمة السادسة: إن الأيديولوجية الصهيونية هي الأيديولوجية الأساس في المكون السياسي الحزبي الإسرائيلي.

فكأنما الأحزاب الإسرائيلية (الصهيونية اليهودية) هي أحزاب أو تيارات في “الحزب الأم” الذي هو الحركة الصهيونية؛ والذي أثبت مرونة كافية لاستيعاب تيارات مختلفة، يظهر عليها التناقض. كما أثبتت التيارات الصهيونية (يسارية، ويمينية، ودينية، وثقافية) إمكانية التعايش، والشراكة في الحكم في أجواء الاختلاف. وظلت الأفكار السياسية (اشتراكية، ليبرالية، علمانية…) مضامين فكرية مضافة إلى بنية الأيديولوجية الصهيونية، يمكن حذفها أو الاستغناء عنها أو عن بعضها عند الحاجة، دون أن تتأثر البنية الأساسية.

ولذلك فإن تقسيمات الأحزاب إلى يسارية ويمينية ودينية لم يرتبط بالمصطلحات والطروحات التقليدية المعتادة في الأدبيات السياسية؛ بل ترجع أساساً إلى الموقف من ثلاث قضايا هي: مصير الأرض المحتلة سنة 1967، وعلاقة الدين بالدولة، والنظام الاقتصادي. وعلى ذلك فإن الأحزاب الصهيونية متفقة على ما يُسمى “حق إسرائيل” في الوجود، وما يرتبط بذلك من هجرة واستيطان وسيطرة وأغلبية يهودية؛ وهي مهما كانت اختلافاتها تتوافق على رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، وعلى بقاء القدس (الموحدة) عاصمة للكيان الإسرائيلي، وعلى الإبقاء على الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية… لكنها قد تختلف في التفصيلات المتعلقة بمدى ما يمكن أن “يُعطى” للفلسطينيين في مسار التسوية، تحت السقف المشار إليه.

وهكذا يتم تصنيف حزبي المباي (العمل) والمبام كأحزاب يسارية اشتراكية، لكنهما تحالفا مع أمريكا والغرب وأيّدا التدخل الأمريكي في فييتنام، ووافقا على الاستثمارات الأجنبية الخاصة في “إسرائيل”. كما اتسع صدر النظام السياسي لحزب “أغودات إسرائيل” الذي يرفض الاعتراف بـ”إسرائيل” من ناحية دينية، ويرفض شبانه الخدمة في الجيش الإسرائيلي، ومع ذلك يشارك في الانتخابات منذ إنشاء الكيان الإسرائيلي، وله مقاعده في الكنيست ويشارك بوزراء في الحكومة!!.

***

وأخيراً، فإن قراءة السمات الرئيسية للأحزاب الصهيونية تشير إلى أنها تمارس “صهيونية توفيقية” أو ما يعرف بـ”الصهيونية الحقَّة” التي تستوعب كافة التيارات، وتوظفها لخدمة المشروع الصهيوني. وهو ما يستدعي تنبيه المتابعين ألا يراهنوا كثيراً على بعض التطورات السياسية الانتخابية في الجانب الإسرائيلي، الذي سيظل ذا سقف محدود، في بيئة لا تفهم سوى لغة القوة وفرض الحقائق على الأرض.

تم نشر أصل هذا المقال في موقع ”TRT“ تي آر تي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية) – تركيا، 25/4/2019


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: