مدة القراءة: 4 دقائق

بقلم: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

تحدثت بعض وسائل الإعلام عن التفاهمات الجديدة بين قوى المقاومة في قطاع غزة (وعلى رأسها حماس) وبين الطرف الإسرائيلي، والتي تمت مؤخراً عبر الوسيط المصري، وبدعم من الأمم المتحدة، وبدورٍ قطري أساسي في دعم القطاع وتغطية العديد من احتياجاته، ضمن هذه التفاهمات.

وقد أكد العديد من قيادات حماس، كإسماعيل هنية ويحيي السنوار وخليل الحية، أن هذه التفاهمات جاءت في سياق انتزاع الشعب الفلسطيني لحقوقه من العدو الصهيوني، وثمرةً للتضحيات والفعاليات التي يقوم بها أبناء القطاع، وعلى رأسها مسيرات العودة، لكسر الحصار. كما أكدوا أن هذه التفاهمات تمت أساساً عبر الوسيط المصري، ودون لقاءات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وأنه لا أثمان ولا أبعاد سياسية لها، ولا تتضمن من قريب أو بعيد اعترافاً بـ”إسرائيل” أو بشروط الرباعية، ولا تتضمن تنازلاً عن سلاح المقاومة. وهي أيضاً ليست بديلاً عن السعي للوحدة والشراكة الوطنية؛ واستئناف المصالحة وإعادة بناء البيت الوطني الفلسطيني.

مضمون التفاهمات:

سيلتزم الطرف الفلسطيني في قطاع غزة بوقف إطلاق النار 2014، وبوقف الفعاليات الخشنة (البالونات، الكاوتشوك، قص السلك، الإرباك الليلي…)، وبعدم اقتراب المتظاهرين من السلك الفاصل.

أما من جهة الطرف الإسرائيلي، فتضمنت التفاهمات (التي لم يعلن عنها رسمياً) الوقف الإسرائيلي التام لإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وتقليص طلعات طيران الاستطلاع الذي يتسبب بإزعاج وترويع المواطنين.

وفيما يتعلق بالكهرباء والطاقة، تضمنت استمرار إدخال الوقود القطري لمحطة الكهرباء حتى تاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر 2019، وإنشاء خزانات الوقود للطاقة (محطة الكهرباء)، حيث سيتم إنشاء خزان واحد بسعة 30 مليون لتر بتمويل من النرويج. كما سيتم انشاء خزانين بتمويل من دولة قطر؛ واستمرار الإعفاء الضريبي للوقود في حال عدم تجديد المنحة القطرية، واستمرار تزويد القطاع بالكهرباء من الخطوط الإسرائيلية بالطريقة الحالية نفسها. وتضمنت اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الخط 161 لتزويد القطاع بالكهرباء، بتمويل من دولة قطر والبنك الإسلامي للتنمية، حيث سينفذ المشروع على مرحلتين على مدى سنة ونصف. كما تم وضع جدول زمني لمد خط غاز لمحطة توليد الطاقة، حيث وافقت قطر على تمويل المشروع، الذي سينفذ على مدى ثلاث سنوات. كما تمت الموافقة على ادخال مستلزمات الطاقة الشمسية للبيوت.

أما بالنسبة لمسافة الصيد البحري، فقد تمت الموافقة على توسيعها، بحيث تتزايد تدريجياً من شمال غزة إلى رفح حتى 15 ميلاً، ومن الممكن أن تصل إلى 18 ميلاً بعد ثلاثة أشهر.

وفي ما يتعلق بالمعابر، تمت الموافقة الإسرائيلية على استمرار فتح المعابر وزيادة الحركة فيها، بحيث يتم تشغيل معبر كرم أبو سالم بأقصى طاقة، بحيث يتم إدخال 1100 شاحنة يومياً (استيراد) وتصدير حتى 120 شاحنة يومياً. كما تمت الموافقة على تقليص منع استيراد المواد ثنائية الاستخدام، فسُمح بإدخال 30 في المئة من المواد التي كانت ممنوعة. ووافق الطرف الإسرائيلي على تسريع خطوات الاستيراد (دورة الأذونات والاستيراد)، وتسهيل حركة التجار ورجال الأعمال على المعابر مع الاحتلال، ومعبر رفح، ومضاعفة تصاريح التجار.

أما بشأن تدفق المساعدات (قطرية أو غيرها)، فسُمح بإدخال 30 مليون دولار شهرياً حتى نهاية 2019، منها عشرة ملايين للفقراء، وعشرة ملايين مساعدات (رواتب) للموظفين، وعشرة ملايين لدعم تشغيل خريجين. كما تمت الموافقة على السماح بدخول أي منح مالية من أي جهة أو دولة ترغب في ذلك، شريطة ألا يذهب ذلك لحركة حماس، وأن تكون الجهة المستفيدة معروفة. وكان هناك توافق على استمرار وزيادة برامج التشغيل المؤقت من المؤسسات الدولية، حيث ستتم تغطية تكاليف توفير 40 ألف فرصة عمل لمدة 6 شهور قادمة، أعلن ميلادينوف مندوب الأمم المتحدة عن 20 ألفاً منها.

وتم الاتفاق على إنشاء وتشغيل منطقتين صناعيتين واحدة شرق الشجاعية والثانية في المنطقة الصناعية ببيت حانون، تستوعبان 15 ألف عامل؛ على أن تُوفر للمصانع كافة احتياجاتها بما في ذلك المواد ثنائية الاستخدام.

وفي القطاع الطبي، تم الاتفاق على توفير مستلزمات القطاع من الأدوية والأدوات الطبية بصورة شهرية وفق قائمة تم تقديمها، مع الإشارة إلى أن النرويج ستدخل جهازاً لعلاج مرضى السرطان بالإشعاع بقيمة 1.6 مليون يورو، وسيتم إنشاء مستشفى دولي للأمراض الخطيرة (سرطان، قلب، عظام) يعمل فيه حوالي 250 طبيبا دوليا في شمال القطاع، بالقرب من معبر إيرز.

أما فيما يتعلق بالمياه، فقد تم توقيع عقد تشغيل محطة تحلية المياه المركزية في غزة بتمويل عدة جهات عربية ودولية. ويشمل المشروع خطاً لنقل المياه من شمال القطاع إلى جنوبه، ومن المتوقع أن يُشرع في تنفيذ المشروع في شهر أيلول/ سبتمبر 2019، وستبلغ تكلفة المشروع 560 مليون دولار.

أبرز الملاحظات:

صحيح أنه من طبيعة العدو الصهيوني المراوغة ونكث العهود، واستخدام وسائل الابتزاز المختلفة لفرض شروطه، غير أن المقاومة نفسها يمكن أن تحقق مكاسب وتفرض أيضاً شروطها ضمن إمكاناتها المتاحة. وميدان “التدافع” بين الطرفين هو حالة مستمرة، والطرف الإسرائيلي يضطر أحياناً بحكم ظروف وحسابات مختلفة داخلية وخارجية لتقديم بعض “التنازلات”. ولذلك، فليس مستغرباً أن يسهم الفشل الإسرائيلي في تطويع قطاع غزة، وما أنجزته المقاومة الشعبية من خلال مسيرات العودة، في الدفع باتجاه تقديم هذه “التنازلات”. ومن حقّ قوى المقاومة مُراكمة منجزاتها، طالما أنها تتم دون تنازلات سياسية للطرف الإسرائيلي.

الملاحظة الثانية، أن هذه التفاهمات تظل في إطار تخفيف الحصار، وليس كسره بشكل نهائي، وبالتالي فهي تحمل طبيعة مؤقتة بالنسبة للجانب الفلسطيني، الذي يجب أن يواصل سعيه لكسر الحصار واستعادة حقوقه الوطنية؛ إذ إن التفاهمات لم تؤد مثلاً إلى فتح المعابر وحركة البضائع بشكل كامل ودونما قيود، ولم تتحدث عن فتح المطار أو الميناء وغيرها.

الملاحظة الثالثة، أن الطرف الإسرائيلي يتعامل كعادته مع هذه التفاهمات في إطار تكتيكي. وهو كما فعل سابقاً، أوقف العمل بالكثير من تعهداته والتزاماته، أو قدم تفسيرات تتناسب مع هواه؛ أو احتج بأي أعذار لإعادة الأمور إلى المربع الأول. وهو إذا لاحظ تغيراً في الظروف السياسية، أو ضعفاً في الموقف الفلسطيني، أو إمكانية “ناعمة” لإسقاط قوى المقاومة، فإنه لن يتردد في استخدام أدواته لفرض وقائع جديدة تتناسب مع خططه وبرامجه.

الملاحظة الرابعة، أن على قوى المقاومة أن تتنبه إلى أن مسيرات العودة، وفق التفاهمات الجديدة، لم تعد تمثل حالة خطر أو عنصر قلق حقيقي للعدو الصهيوني، أي أنها لم تعد أداة فاعلة لممارسة الضغوط لانتزاع حقوق جديدة للشعب الفلسطيني ضمن الظروف والحسابات الحالية. وبالتالي، فعلى قوى المقاومة أن تواصل البحث عن وسائل جديدة لمتابعة برنامجها ولكسر الحصار بشكل نهائي.

الملاحظة الخامسة، أنه يجب الوقوف في وجه المحاولات الإسرائيلية الأمريكية لإنفاذ “صفقة القرن”، وتكريس انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية؛ ومواجهة أي محاولات تسعى لتحويل قطاع غزة إلى “كيان وظيفي” في إطار أي تسوية سياسية قادمة، بحيث يبدو حصول أهل قطاع غزة على حقوقهم الطبيعية في حياة مستقرة، وفي الأمن والعمل والتنقل وكأنه “سقف” العمل الوطني، مع شلّ قدرة المقاومة على ممارسة أي أدوار ضدّ العدو الصهيوني. والحقيقة، أن هناك الكثير من التصريحات لقوى المقاومة التي تؤكد وعيها بهذه المخاطر، وإصرارها على متابعة خط المقاومة، ومشروع التحرير. ولعل اللقاء الجامع لكل القوى الفلسطينية الذي دعت له حماس مؤخراً في القطاع لمواجهة “صفقة القرن”؛ يصب في هذا الاتجاه.

وعلى ذلك، فإن الأداء السياسي والمقاوم لقطاع غزة وفعالياته يجب أن يظل متكاملاً ومتناغماً مع المشروع الوطني الفلسطيني في الضفة والـ48 والخارج، وأن يسعى الجميع للعمل ضمن منظومة واحدة ترفض التجزئة، وتخدم أنشطتهاوفعالياتها ومقاومتها مجمل المشروع الوطني ومشروع التحرير؛ مدعومة ببعدها العربي والإسلامي والإنساني.

المصدر: موقع “عربي 21″، 26/4/2019


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.