مدة القراءة: 22 دقائق

يسر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن يقدم تقريراً أعده الدكتور أسامة الأشقر، الخبير في الشؤون السودانية، بعنوان “الثورة السودانية: الخلفيات والتداعيات والتوقعات“.

لتحميل التقرير، اضغط على الرابط التالي:

>> الثورة السودانية: الخلفيات والتداعيات والتوقعات … د. أسامة الأشقر 
(22 صفحة، حجم الملف 1.7 MB )

>> الثورة السودانية: الخلفيات والتداعيات والتوقعات … د. أسامة الأشقر 
(22 صفحة، حجم الملف 980 KB )


الثورة السودانية: الخلفيات والتداعيات والتوقعات
إعداد: د. أسامة الأشقر، خبير في الشؤون السودانية.

خلفيات:

لم يكن ما حدث في السودان متعلقاً بموجات مرتدة للربيع العربي فالمجتمعات ثقيلة بطيئة لا تعاود حراكها ثانية إلا بزلزال اجتماعي كبير، وليس متعلقاً بعدوى الثورات المجتمعية لا سيما أن السمعة السائدة هو فشل ثورات الربيع العربي في إصلاح الوضع القائم أو الوصول إلى التغيير المنشود، كما أن تداعيات الحراك الجزائري لم تكن قد بدأت بعدُ؛ ولكن الأمر متعلق أساساً بالأزمة الاقتصادية التي باتت خانقة بصورة مؤثرة ظاهرة، وقد اشتدت على الناس سَنةً كاملة متصلة لا استراحة فيها، وجرّب فيها المسؤولون كل علاج ممكن أعلنوه دون نتيجة.

فكانت صفوف الواقفين على منافذ بيع الخبز المدعوم تزداد ثم تتوقف قليلاً وتعود ثانية. وطوابير السيارات التي تنتظر لساعات طويلة لتملأ خزاناتها بالوقود من البنزين والديزل تزداد طولاً، وأصيب الناس بالخوف من عدم توفرها إذا تراجعت حدة الأزمة قليلاً، فأصبح التخزين عالياً دون استهلاك مما يتسبب في أزمة أخرى، وكلما اتسعت الفجوة بين توفر الوقود وانقطاعه تعمقت الأزمة أكثر؛ فأصيب قطاع النقل والمواصلات بالجمود بسبب ذلك؛ وتضرر القطاع الزراعي كثيراً في مواسم الري والحصاد نتيجة انقطاع الديزل فزادت الضغوط على المجتمع الريفي المنتج.

وازداد الأمر سوءاً بأزمة النقد الأجنبي وأزمة عدم توفير السيولة، فأموال الناس في المصارف محجوزة فيها لا يستطيعون أن يسحبوا منها لاستخدامهم اليومي إلا بشق الأنفس في طوابير طويلة صعبة، وأصبح الغني فقيراً لعدم قدرته على استخدام أمواله لا سيما أن نمط التحصيل الإلكتروني ما زال محدوداً جداً، وهو غير مستعمل في مناطق الإنتاج والعمل الميداني لا سيما خارج المدن الكبيرة. وسادت تعاملات تجارية غريبة لعلاج الأمر باختلاف سعر السلعة اختلافاً كبيراً إذا كانت نقداً أو بشيك، ويبدو الفارق كبيراً بينهما.

وهبط سعر الجنية أمام الدولار حتى كاد يصل إلى حافة المئة جنيه بعد أن كان قريباً من الثلاثين أول العام؛ وكان التباين بعيداً بين سعر البنك التأشيري (الرسمي) 47.5 جنيه للدولار وبين سعر السوق السوداء.

وتضاعفت أسعار السلع بجنون، فلا يستطيع الموظف الذي يتلقى راتباً لا يكاد يكفي طعامه وصحته ومواصلاته فعل شيء؛ حتى إن وجبة الفول الشعبية الصغيرة ارتفعت من خمسة جنيهات إلى أكثر من ثلاثين جنيهاً بسبب الارتفاع المتسارع في قيمة الدولار مقابل الجنيه، ثم لا يجد الناس دولاراً ولا جنيهاً.

وفوق ذلك كله شاعت لغة رسمية في ضرورة رفع الدعم الحكومي عن الوقود والدقيق الذي يبتلع بلغة الأرقام مخزوناً هائلاً من العملة الصعبة ويستفيد منه الأغنياء والفقراء، والمستحقون وغير المستحقين، ويتداول الإعلام الحكومي أن التسعيرة الحكومية لهذه السلع باتت غير عادلة بالنظر إلى قيمة الجنيه المنحدرة إلى مستويات غير مسبوقة، مما يعني ارتفاعات جديدة في الأسعار دون زيادة موازية في الرواتب.

ومع زيادة الغضب والأزمة تصاعدت حدة اتهام شخصيات نافذة في النظام بالتكسّب والفساد، وعجز القانون عن محاسبتهم ومعاقبتهم؛ وتراجعت الثقة بالمنظومات التي جرى الإعلان عنها لمكافحة الفساد بعد أن نجحت جزئياً في تقديم بعض الأشخاص للعدالة.

كانت قرون الاستشعار تدرك أكثر من غيرها أن بيئة الاحتجاج ناضجة بما يكفي، وأن الحاضنة الشعبية للاحتجاج باتت مشحونة بالغضب بأكثر من المعدلات الطبيعية، وأن الأداء الحكوميّ بطيء المعالجة ولا يساعد في تنفيس البيئة المُحتقِنة، وكان السؤال الكبير: متى ستبدأ الاحتجاجات؟ ثم السؤال الأكبر: كيف سنتعامل معها هذه المرة قبل، وأثناء، وبعد؟ وكيف يترافق هذا مع حلّ الأزمة من جذورها!

وبدأت الاحتجاجات المتوقعة بعيداً عن العاصمة، في الولايات المستقرة؛ وكانت بدايتها في تنفيذ برنامج رفع الدعم التدريجي عن الخبز برفع أسعار الرغيف المدعوم من جنيه إلى ثلاثة في إطار سياسة الدفع بالدقيق التجاري للولايات بديلاً عن الدقيق المدعوم، وبدأ بها الفقراء والغاضبون كما هو متوقع! وكانت البداية في تاريخٍ عزيزٍ على السودانيين وهو يوم 19 كانون الأول/ ديسمبر وهو يوم الاستقلال الحقيقي للسودان عن الاستعمار الإنجليزي؛ وحدثت إرهاصات لها يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر 2018 في الدمازين بولاية النيل الأزرق وفي جبال النوبة ولكن لم تأخذ صدى إعلامياً آنذاك.

هذه الاحتجاجات كانت نتيجة معاناة طالت في ظلّ واقع اقتصادي صعب، نشأ عن حصار أمريكي خانق طويل تتجاوب معه معظم الدول، حتى بعضها المحسوبة على الأصدقاء بصورة غير مباشرة، وما ينشأ عن ذلك من ترتيبات وسياسات وقوانين تحتال على منظومة الحصار أدت إلى اختلالات وتكسّب وفساد من بعض المستغلين لمواقعهم التنفيذية، مستفيدين من إجراءات تجاوز الحصار واستثناءاتها وضعف الشفافية فيها.

ومع أنه كان هناك حكومة وحدة وطنية هي من إفرازات الحوار الوطني السوداني الذي أطلقه الرئيس الأسبق البشير، وكان هناك طيف من الأحزاب المشاركة في السلطة التشريعية والتنفيذية، فإن هذا لم يشفع لها، كما أن هذه الأحزاب ما تزال تمايز نفسها عن المؤتمر الوطني في مواقفها تجاه الأحداث، وتسمح لعضويتها غير المباشرة للمشاركة في فعاليات الاحتجاج، أو لا تجد مبرراً لمنعهم من المشاركة فيها؛ وكلما تصاعدت الأحداث ازداد الصدع بين مكونات الحكومة المشتركة ولكن دون أن يؤثر على هيكلها العام.

وبدأت المناشط الكبيرة يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر في مسيرة وصلت إلى البرلمان، وكان هذا بمثابة إعلان رسمي عن ولادة عنوان يقود التظاهرات وحركة الاحتجاجات، عرف باسم تجمع المهنيين السودانيين.

وتواصلت دعوات تجمع المهنيين إلى التظاهر والاعتصام والوقفات والخروج الليلي… ولم تستطع في البداية استقطاب النقابات العمالية والمهنية الكبيرة الرسمية، أو استقطاب جماهير غفيرة، على الرغم من توفر حاضنة الغضب الشعبي الشديد، ولم تستطع تقديم نمط ثوري ثابت، فالتجمعات ما تكاد تجتمع حتى تتفرق بسرعة، وهي مرتبة على أزمنة محددة موقوتة، وليست عامة شاملة مشاهَدة لدى عموم الشعب، لكن بات واضحاً من خلال استمرارها لعدة أشهر ومع استمرار التعبئة الثورية وانتشار شعاراتها أنها إرهاصات ثورة قادمة لا سيما مع استمرار الفشل الحكومي في حلّ الأزمات الاقتصادية.

السادس من نيسان/ أبريل بداية البركان:

أكثر من ثلاثة أشهر على انقداح شرارة الأحداث السودانية في 18/12/2018 بدأت فيه مظاهر الحراك تتراجع، وظهر ضعف عام في أيّ حراك أو اعتصام أو وقفة يدعو لها تجمع المهنيين مما أشاع جوّاً من الإحباط في النفوس، إلا أن دعوة واحدة بذل فيها التجمع وأنصار الحراك الشعبي جهداً كبيراً في الدعاية له، وهو اليوم الذي يتوافق مع ذكرى انتفاضة الشعب السوداني على رئيسه محمد جعفر نميري في 6/4/1985، وانحياز القوات المسلحة برئاسة المشير الراحل عبد الرحمن سوار الذهب إلى خيار الشعب… هذه الدعوة شكلت بداية لحظة التغيير التاريخية.

كان الحديث واضحاً أن هذا اليوم يوم فاصل، فإما أن يتواصل الحال على ما كان سابقاً نتيجةَ اليأس من التغيير المنشود، وإما أن يعبر الشعب عن تجديد إرادته ثانية بتغيير السلطة تحت شعار شعبي منتشر “تسقط بس”. وحدث ما لم يتوقعه النظام من حشود ألفية تزيد أعدادها بمرات كثيرة عن التظاهرات السابقة، وظهرت صورة عريضة للحشود على بوابات القيادة العسكرية في قلب الخرطوم، حيث رئاسة الأركان المشتركة، والقوات الجوية، والقوات البحرية، والقوات البرية، وبيت الضيافة … .

كان المشهد عاطفياً بامتياز، وتداعت له الجماهير مع نجاح أولى المجموعات في الوصول إلى المكان المحدد، على الرغم من الإجراءات الأمنية، وتقطيع شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما الواتس آب والفيسبوك، فيما ظلت شبكة الإنترنت تعمل ببطء حسب المكان.

وظلت الحشود تتوسّع بسلميةٍ يصاحبها الهتاف والغناء والمرح والفرح حتى وقت متأخر من الليل، وصدرت دعوات للاعتصام في المكان في الوقت الذي لم يكن هناك أي تخطيط لذلك من المتظاهرين الذين عانوا كثيراً من حرارة الشمس وانعدام مياه الشرب والطعام ومواضع قضاء الحاجة وجميع الخدمات الأخرى، مما استدعى طلب النجدة من خارج مكان الاحتشاد وهو ما كان، لكنه لم يكف حاجات المعتصمين. واستمر اليوم الثاني بالوتيرة نفسها، مع التزام المتظاهرين بالسلمية وإظهار القوات المسلحة المعنيّة بتأمين المكان أقصى درجات الترحاب والتواصل، حتى إنهم فتحوا لهم بوابة قصر الضيافة لقضاء الحاجة وشرب المياه في ساحته العامة قبل أن يخرجوهم منه، وكانت تلك إشارة إيجابية بوجود أطراف داخل القوات المسلحة ترحب بالتغيير.

وقد اتسم حراك 6 نيسان/ أبريل بحضور جماهيري شديد التنوع وكبير العدد، وكان لافتاً أن الحضور شبابي بامتياز من الجنسين وقلّ أن تجد حضوراً للكبار والكهول؛ وبدا واضحاً أن هناك ترتيبات لأحداث كبيرة قادمة بعد ترسيخ شعار “تسقط بس” عبر الطَّرْق الإعلامي المكثف؛ فيما كان المشهد السياسي الرسمي مضطرباً جداً حيث ساهمت القرارات الأخيرة للرئيس السوداني بتغيير الولاة وتعيين قيادات عسكرية مكانهم، وتعيين رئيس مفوض لقيادة المؤتمر الوطني بدلاً منه، وإعلان حالة الطوارئ، وإصدار قوانين طوارئ بمراسيم جمهورية… دون استشارة المكتب القيادي للمؤتمر الوطني، في إضعاف حضور المؤتمر الوطني—الحزب الرئيسي الحاكم—الضعيف أصلاً منذ بدء الاحتجاجات، وشعر هذا الحزب الحاكم العريض بما يشبه الضياع بعد أن نقل رئيس الجمهورية—وهو رئيس الحزب—صلاحياته إلى شخصية موثوقة لديه من خارج المكتب القيادي وهو القاضي أحمد هارون والي ولاية شمال كردفان السابق، وكان لافتاً حضور عضوية طلابية ليست بالقليلة من هذا الحزب في الحشود، أكثرهم من الفئات الغاضبة والمهمّشة تنظيمياً أو المتأثرة بأجواء الحراك الدافئة.

وكان ظاهراً أن هناك حالة استعصاء سياسي حادة في المشهد القائم حيث فقدت السلطة ثقة الجماهير بها، وانصرفت هي عن الحزب الذي احتضنته واحتضنها مدة طويلة، كما أن الجماهير لم تعد تثق في كثير من الأحزاب المعارضة المنهكة، في الوقت الذي لم تبرز فيه قيادة داخلية للحراك لغرض إدارة حوار معه حتى تلك اللحظة.

وقد خلق تعامل القوات المسلحة الإيجابي مع الحشود مساحة التقاء استثنائية بين الجماهير والقوات المسلحة التي ما تزال تحظى أيضاً بدعم السلطة السياسية التي تحولت في معظمها إلى سلطة عسكرية بعد قرارات الرئيس الأخيرة التي جعل فيها ولاة الولايات كلها لشخصيات عسكرية وأمنية، وألزمها بالبزة العسكرية في كل حضور رسمي لها، بل إن وزير الدفاع صار—إضافةً إلى منصبه—نائباً أول لرئيس الجمهورية مما يعني أن الجيش هو الممسك بزمام الأمور تحت قيادة القائد الأعلى المشير عمر البشير؛ وكان ثمة اعتقاد واسع بشدة ولاء القيادات العسكرية الأولى لقيادتها العليا، لا سيما أنها وصلت لمواقعها نتيجة اختبار طويل لولائها في محطات حساسة؛ مثل المفاصلة الشهيرة مع الدكتور حسن الترابي، ثم محاولات الانقلاب العسكري المتعددة على النظام بعد ذلك، وثبوت وقوف هذه القيادات مع قيادتها الأعلى. ومع ذلك فقد أصبح الجيش بهذه المكانة هو الوسيط المقبول للجماهير والسلطة، ولكن المفقود هو وجود قيادة سياسية للحراك الجماهيري بعد الانتعاش الكبير الذي حلّ به بحشود 6 نيسان/ أبريل، حيث كان يخشى الحراك المتنوّع التوجهات والانتماءات من إعلان أسماء بعينها قد تؤدي إلى موجات رفض متعددة للأسماء المعلنة، وبالتالي تفكيك الحراك واشتعال الخلاف فيه.

لكن القوى السياسية الشبابية والفاعلة في الداخل تجاوزت أطر الخارج، وخرجت بموقف ذكيّ تمثل في إعلان مجلس اتصال سياسي مع القوات المسلحة ليمارس مهمة التفاوض والحوار مع الدولة من خلال وسيط مقبول هو الجيش، وكانت الدولة ما تزال تبدي تماسكاً في منظومتها، وثقة بقدرتها على تجاوز الأزمة التي اعترفت بمسبباتها، وأعلنت الحوار الشامل لحلها مع كل فئة مدنية أو مسلحة في الداخل أو الخارج، مع استمرار حراك الشارع في الأحياء لإظهار الرغبة في التغيير وتأكيد ذلك بإصرار؛ فيما ترسخ لدى القيادة المتنفذة في الدولة أنه لا بدّ من فضّ الاعتصام وعدم السماح بتطوره واتساع رقعته، ولا سيما مع توافد أعداد كبيرة إليه بالرغم من كل الإجراءات الأمنية والسياسية.

سقوط النظام:

بعد منتصف ليل الحادي عشر من نيسان/ أبريل نسقت قيادة القوى الأربعة: القوات المسلحة، والأمن والمخابرات، والدعم السريع، وقوات الشرطة مواقفها وقررت تنحية الرئيس السوداني عن السلطة وإبلاغه بأن السلطة انتقلت لمجلس عسكري انتقالي، وبالفعل فقد جرى الأمر بسرعة دراماتيكية دون اعتراض من الرئيس الذي أدرك أن الأمر خرج عن السيطرة حقاً، وهذا يفسر الانتقال السلس الهادئ للسلطة دون إراقة دماء ودون مواجهات تذكر.

كان من المفترض أن يعلن البيان الأول انتقال السلطة إلى مجلس عسكري انتقالي، لكن تأخر البيان من السابعة صباحاً إلى الواحدة والنصف ظهراً أظهر وجود استدراكات كثيرة ينبغي حسمها قبل الإعلان الرسمي عن الوضع الجديد، فهناك اعتراض على شخص رئيس المجلس العسكري، وهو وزير الدفاع الفريق عوض بن عوف ونائبه الفريق كمال عبد المعروف من قطاعات المحتجين، فيما أعلن تجمع المهنيين الذي لم يعلن قيادته في الداخل بعد عن رفضه نقل السلطة إلى مجلس عسكري ومطالبته بحكومة مدنية انتقالية بالتشاور مع الشعب، ورفض الاعتراف بابن عوف ونائبه وطالب الجماهير بالبقاء في أماكنها حتى إنجاز المطالب كاملة، وبقي الأمل بأن الجيش ما يزال هو أمل الشعب في التخلص من النظام، كما حصل في انتفاضة نيسان/ أبريل 1985 ضدّ نميري، وفي انتفاضة 1964 ضدّ إبراهيم عبود.

كانت الجماهير التي تلقت خبر قرب صدور البيان الأول قد خرجت بمئات الآلاف تعلن فرحها الشديد في مواكب ضخمة لم يُر مثلها من قبل، بلغت حدّ البهجة الهستيرية بتوالي أخبار سقوط النظام والقبض على الرئيس ومئات القيادات السياسية والحزبية التي يمكن أن تشكل خطراً على النظام لنفوذها، إضافة إلى اعتقال عدد من إخوة الرئيس المعروفين بنفوذهم الاقتصادي الكبير وبعض رجال الأعمال والقيادات الحزبية.

لقد أعلن البيان الذي ألقاه الفريق ابن عوف بوضوح أن النظام قد سقط واقتلع، وأن مؤسساته قد حُلّت وأن دستورها قد عُطّل، وأبقى المحكمة الدستورية والنظام الولائي بولاته الحاليين، ومؤسسة الوكلاء في الوزارات الحكومية، ومنح نفسه عامين لتجهيز الانتقال السلميّ للسلطة المدنية، إضافة إلى إجراءات أمنية تتعلق بالحركة، مع الالتزام بالحريات العامة، وتخفيض الطوارئ إلى ثلاثة أشهر بدل ستة التي أعلنها الرئيس البشير سابقاً.

إلا أن الجماهير اعترضت بشدة على شخص رئيس المجلس العسكري الذي اعتبروه امتداداً للنظام السابق، وألحت على الجيش أن يستبعده، واعترضت على طول المدة الانتقالية وعلى قصرها حيث كانت بعض الأحزاب تتوقع ستة أشهر إلى عام واحد، بينما تريد أخرى أربعة أعوام؛ واعترضت على الصبغة العسكرية للمجلس الذي لم يعلن تشكيلته في البيان الأول، ووعد بتوضيحها في البيان التالي، وهل سيضم شخصيات مدنية أم لا؛ واعترضت على خلو البيان من لغة محاسبة النظام السابق.

في ضحى اليوم التالي لبيان الفريق ابن عوف، ظهر رئيس اللجنة السياسية في المجلس العسكري الانتقالي الفريق الركن عمر زين العابدين في أول ظهور علني مفتوح يقدم رؤية المجلس السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وكانت خلاصة مؤتمره تتمثل في أن رؤية المجلس في عمومها صفحة بيضاء تريد من يساعدها على وضع الخطوط العريضة للخروج من الأزمة، وأن القيادة العسكرية والأمنية قامت بالخطوة الأولى، وأن مهمتها تأمين البلاد والانتقال بها إلى الحياة السياسية المدنية، وأظهر التزاماً واضحاً بحقن الدماء والحسم في أمن الشعب معاً؛ وملأ المؤتمر الفراغات بأجوبة على أسئلة كثيرة مُشكلة، فأوضح أنهم غير معنيين بتشكيل حكومة أو إدارة سياسية للبلاد، وأنهم يريدون تشكيل حكومة مدنية يقترحها السياسيون والمحتجون بتوافقاتهم، وأنهم ليسوا معنيين بتطبيق القوانين والدستور السابق أو عودة المجلس الوطني وأن القرار بيد الحكومة المدنية إذا أرادت ذلك، وأنهم لن يقْصوا أحداً، وسينزلون للحوار مع المحتجين الذين ليس لهم كيان سياسي يعبر عنهم، ولم يخاطب المحتجين الذين كسروا حظر التجول في اليوم الأول بلغة تصعيدية عدائية بل تجنب ذلك وأعلن أنهم يريدون الآن فتح الجسور الواصلة بين المدن الثلاثة: الخرطوم، وبحري، وأم درمان لتأمين حياة الناس ومعايشهم؛ وحسم الفريق زين العابدين أمر التعامل مع النظام السياسي السابق بقيادة المؤتمر الوطني بأنهم لم يفتحوا حواراً معه ولن يطلبوا منه المشاركة في ترتيبات الوضع الجديد، وأن قرار التغيير استند على تجاوزهم؛ وفنّد الشائعات عن مغادرة الرئيس للبلاد وأنه تحت التحفظ، وهي كلمة محايدة لا تعني الاعتقال ولا تعني الانقلاب عليه رغماً عنه، وفي هذا تلميح إلى تفهّمه لقرار تنحيته، كما تحدث الفريق أنهم لن يسلموه في هذه العهدة العسكرية لاعتبارات تتعلق بالشرف العسكري والأخلاقي وبالتزام عسكري بعدم تسليم أي سوداني لأي جهة خارجية حتى لو كان عدواً، وأن هذا القرار بيد الحكومة المنتخبة بعد ذلك؛ وبدد الشائعات عن أن اعتقالات قيادات المؤتمر الوطني وهمية وأكد أنها حقيقية وسيصدر تفصيل عنها من اللجنة الأمنية؛ ولم يقدم وعوداً بتفكيك الأزمة الاقتصادية وقال إنها تراكمية تحتاج إلى إجراءات أولها العمل على رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، وتحدث عن التزام السودان بالعلاقات والاتفاقات السابقة مع الدول وأنه لا تغيير عليها الآن وألمح أن ذلك ليس أولوية الآن؛ وأما في موضوع ضمانات نقل السلطة وعدم تحول المجلس إلى نظام عسكري جديد فقد أوضح أنهم أبناء سوار الذهب وليسوا أبناء تجارب أخرى، وأن العامين هي الحد الأقصى الذي يرونه للانتقال، وأن الحوار بين القوى السياسية هو من يعجل بنهاية أقرب لهذه المدة.

لم يطل الأمر كثيراً حتى أعلن رئيس المجلس العسكري ابن عوف استقالته ونائبه في اليوم نفسه استجابة لضغط الجماهير وتقديراً لمصلحة الوطن العليا، وأنه قرر تعيين الفريق عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي نيابة عنه، مما أحدث موجات فرح أضخم مما كانت عليه بعد ثبوت قدرة الجماهير على فرض إرادتها وتحديد مسار ثورتها.

وبعد ذلك ابتدأ مسار جديد مختلف للثورة السودانية لقي ترحيباً إقليمياً ودولياً حذراً، مع إصرار تجمع المهنيين على رفض قرارات المجلس العسكري، ومطالبته بسقف أعلى بتسليم السلطة للمدنيين فوراً، وتعيين مجلس سيادة مدنية، وحكومة مدنية، وهيئة تشريعية انتقالية، واجتثاث النظام السباق ومؤسساته وأشخاصه… وتجاوب المجلس العسكري الانتقالي مع مطالبات كثيرة في مجالات كثيرة تتعلق بحركة الأموال والأسهم ومراكز النفوذ.

بداية أزمة سياسية:

كان المشهد مطمئناً إلى حدّ كبير وبدأت البلاد تتنفس، وتراجعت قيمة الدولار كثيراً أمام الجنيه، وساد التفاؤل الحذر في الولايات حتى مساء الأحد 21 نيسان/ أبريل، الموعد المرتقب لإعلان تجمع المهنيين السودانيين عن رؤيته للمرحلة الانتقالية وعن الشخصيات التي اختارها لتقود هذه المرحلة، لكن هذا اليوم الموعود رسم مساراً تصعيدياً في العلاقة بين المجلس العسكري وتجمع المهنيين، حيث أعلن التجمع سقفاً عالياً ومختلفاً في التعامل مع المجلس العسكري وسياسته الانتقالية، تضمنت التالي:

1. تنحي عمر البشير كان المرحلة الأولى من مسار طويل.
2. ندعو لدولة مدنية تعددية تعبر عن الجميع.
3. المدة الانتقالية المنشودة أربع سنوات تعقبها انتخابات حرة.
4. واجهنا تعنتاً من المجلس العسكري في انتقال السلطة، وأثبت عدم الجدية عبر موقفه الذي عبرت عنه اللجنة السياسية، وادّعى أن مقترحاتنا تُدرس عبر مقترحات أخرى قدمتها قوى سياسية أخرى إليهم.
5. لا مساومة في الانتقال إلى المرحلة المدنية.

وصدرت القرارات التالية وفق البيان:

1. الاستمرار في الاعتصام وتعليق التفاوض مع المجلس العسكري، وعدم التعامل معه وعدم تسليمه أي أسماء.
2. التصعيد الثوري في الميدان وفي الأحياء، والتعامل مع المجلس العسكري باعتباره امتداداً للنظام (تسقط تالت).
3. تشكيل هياكل السلطة الوطنية الانتقالية كافة والتي سنعلنها خلال أيام قلائل، وملء كافة مقاعد المجلس السيادي ومجلس الوزراء، ولن نرضى بغير ذلك.
4. إذ نعلن ذلك فإننا نؤكد أن الثورة مستمرة ومنتصرة لا محالة بإرادة الشعب.
5. لا نعترف بأي سلطة انقلابية أو عسكرية وستجد منا الرفض التام، وسنعوّل على شرعية الشارع.

مكونات القوى الثورية:

مع هذا الظهور الكبير وسقوط النظام بدأت ملامح الحراك الثوري بالتكشف، وبرزت تحالفات كثيرة كونت القوى الثورية السودانية أبرزها قوى إعلان الحرية والتغيير، وتضم كيانات عدة منها:

تجمع المهنيين السودانيين – تحالف قوى الإجماع الوطني – قوى نداء السودان – التجمع الاتحادي المعارض – الحزب الجمهوري – الحزب الليبرالي – تيار الوسط للتغيير – مبادرة لا لقهر النساء – حركة قرفنا – التغيير الآن – تجمع القوى المدنية – لجان المقاومة السودانية – مؤتمر خريجي جامعة الخرطوم – كونفدرالية منظمات المجتمع المدني – تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل – منبر المغردين السودانيين – الكيان النوبي الجامع – مجلس الصحوة الثوري – المجموعات النسوية المدنية والسياسية (منسم) – الجبهة الوطنية العريضة – حزب بناء السودان – تجمع أسر شهداء رمضان.

ومن أكبر هذه المكونات في هذا الإطار التحالفي الموقع على إعلان قوى الحرية والتغيير تجمع المهنيين السودانيين الذي قدم نفسه كتيار أفقي ليس له قيادة، وإنما تمثيل لمكونات تحالف بين عدة كيانات منها:

لجنة المعلمين – لجنة أطباء السودان المركزية – التحالف الديمقراطي للمحامين – شبكة الصحفيين السودانيين – رابطة الأطباء البياطرة الديمقراطيين – تجمع أساتذة الجامعات – نقابة أطباء السودان الشرعية – لجنة مبادرة استعادة نقابة المهندسين -لجنة الصيادلة المركزية – تجمع المهندسين السودانيين – تجمع التشكيليين السودانيين – جمعية اختصاصي الإنتاج الحيواني – تجمع ضباط الصحة – اللجنة المركزية للمختبرات الطبية – تجمع الصيادلة المهنيين.

ومن أهم الكيانات الموقعة على إعلان قوى التحرير والتغيير أيضاً تحالف قوى الإجماع الوطني، وتضم:

1. الحزب الشيوعي السوداني سكرتيره أ. محمد مختار الخطيب.
2. حزب البعث الأصل برئاسة أ. علي السنهوري.
3. تجمع النساء السياسيات.
4. حزب البعث بقيادة أ. التيجاني مصطفى.
5. حزب البعث القومي بقيادة أ. كمال بولاد.
6. الحزب الوطني الاتحادي الموحد برئاسة أ. جلاء الأزهري.
7. الحزب الوحدوي الناصري برئاسة د. جمال إدريس.
8. الحركة الاتحادية بقيادة د. عبد الرحيم عبد الله.
9. الاتحاديين الأحرار بقيادة د. محمد محجوب.
10. حزب حشد الوحدوي بقيادة الكابتن أبو فواز.
11. اللواء الأبيض.

وأما قوى نداء السودان الموقعة على إعلان الحرية والتغيير فهي ذات حضور سياسي قوي أيضاً، لا سيما أنها تضم حزب الأمة وحزب المؤتمر السوداني… وبعض الحركات المسلحة في دارفور والنيل الأزرق، وتضم:

1. حزب الأمة القومي برئاسة السيد الصادق المهدي.
‏‏2. حزب المؤتمر السوداني برئاسة م. عمر الدقير.
‏‏3. حزب البعث السوداني برئاسة أ. يحيى الحسين.
4. الحزب الوطني الاتحادي برئاسة د. يوسف محمد زين.
5. حزب التحالف السوداني برئاسة كمال إسماعيل.
6. حركة حق بقيادة أ. أحمد شاكر.
7. الحزب القومي السوداني بقيادة م. ريفي سبو.
8. حزب الاتحاديين المستقلين بقيادة د. محمد مالك.
9. الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة مالك عقار.
‏‏10. حركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي.
‏‏11. حركة العدل والمساواة بقيادة د. جِبْرِيل إبراهيم.
‏‏12. مبادرة المجتمع المدني والتي تشمل مبادرات عديدة منها:
• تحالف أبناء الجزيرة والمناقل.
• مبادرة العمال الزراعيين.

وتضم قوى إعلان الحرية والتغيير أيضاً التجمع الاتحادي المعارض وتحته ثماني كتل، وهناك أطر مستقلة تزيد عن عشرين جهة تشارك أيضاً في إعلان الحرية والتغيير.

ومن القوى الثورية المشاركة في الحراك الثوري الجبهة الوطنية للتغيير، وتشمل كلاً من: حركة الإصلاح الآن برئاسة الدكتور غازي صلاح الدين، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وكتلة قوى التغيير، وحزب الشرق للعدالة والتنمية، ومنبر المجتمع الدارفوري، والحركة الاتحادية، والحزب الاشتراكي المايوي، والمؤتمر الديمقراطي لشرق السودان، وحزب الأمة الموحد، وحزب الوطن، وتيار الأمة الواحدة، ومنبر النيل الأزرق، وحزب الإصلاح القومي، واتحاد قوى الأمة، وحزب مستقبل السودان، وحزب وحدة وادي النيل، وجبهة الشرق، وحركة الخلاص، وحزب التغيير الديمقراطي، وحزب السودان الجديد، وحزب الشورى الفيدرالي، والجبهة الثورية لشرق السودان.

وهناك تحالف نهضة السودان الذي كان يتحاور مع النظام السابق ويشاركه في بعض التقاطعات مع تمايز بينهم، ويضم التحالف: حزب الأمة الوطني برئاسة عبد الله مسار، والتحرير والعدالة القومي بزعامة التيجاني السيسي، وحركة تحرير السودان – الثورة الثانية برئاسة أبو القاسم إمام، ومؤتمر البجا برئاسة موسى محمد أحمد، والأمة المتحد برئاسة بابكر أحمد دقنة، وحزب (الأمة – الإصلاح والتنمية) برئاسة إبراهيم آدم إبراهيم.

إضافة إلى جبهة عريضة من المستقلين ونشطاء المجتمع المدني ولجان الأحياء والمبادرات.

أبرز المواقف السياسية:

المجلس العسكري الانتقالي:

أعلن المجلس مراراً رغبته في تسليم السلطة للشعب في مدة أقصر من الفترة الانتقالية التي تبلغ سنتين في الحد الأقصى، ورغبته في المشاورة مع جميع القوى السياسية دون إقصاء لأحد، وأنه لا يريد الانفراد بالقرار، وأن حكومة كفاءات وطنية هي المدخل للتغيير مع مجلس عسكري سيادي يضمن الانتقال السلمي للسلطة دون تدخلات، وهيئة تشريعية انتقالية تمثل جميع القوى السياسية والثورية، مع عدم مشاركة المؤتمر الوطني في المرحلة الانتقالية، ومحاصرة الفساد وإغلاق منافذه.

تجمع المهنيين السودانيين:

قدم تجمع المهنيين وثيقته (هياكل الحكم وصناعة الدستور للفترة الانتقالية في السودان) والتي شملت إقرار دستور انتقالي، وقسمت هياكل الحكم المدني خلال الفترة الانتقالية التي حدد لها أربع سنوات إلى ثلاث مستويات هي؛ المجلس السيادي الانتقالي المدني، والمستوى الثاني من الحكم “حكومة تنفيذية انتقالية” مكونة من كفاءات مدنية تمثل فيها القوات المسلحة بشخصين يخضعان لمحاسبة الحكومة الانتقالية ولجنة الأمن والدفاع ببرلمان الشعب الانتقالي، والمستوى الثالث هو “برلمان الشعب الانتقالي”، واقترحت الوثيقة ألا يتجاوز عدد أفراده الـ200 عضو، تمثل فيه القوى المدنية بما لا يقل عن 70% من كل أطياف وقطاعات الشعب والثورة وفئات المهنيين والحرفيين ولجان الأحياء مع مشاركة متساوية للنساء؛ وشددت الوثيقة على تفكيك جهاز الأمن الحالي والكشف عن مؤسساته ومصادر تمويله ومحاسبة مسؤوليه.

وتقدمت معظم الكتل والتحالفات والأحزاب التقليدية برؤاها مشتركة أو منفصلة للمجلس العسكري تباعاً، وخضعت كلها لدراسة اللجنة السياسية التي ستقدم رؤيتها استناداً إلى هذا الطيف الواسع من المشاورات؛ وفرضت قوى إعلان الحرية والتغيير نفسها بصفتها ممثلة للحراك الثوري، وتمكنت من انتزاع اعتراف ثمين من المجلس العسكري بذلك، وتشكلت لجنة تشاورية لمتابعة إعداد التصور النهائي للمرحلة الانتقالية.

توقعات سياسية:

أولوية المجلس العسكري الانتقالي الآن أمنية ثم سياسية تتدرج لاحقاً إلى ثلاثية تضم الاقتصاد بغرض استمرار تأمين الاحتياجات الأولية من الوقود والدقيق والسكر ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي وتوفير النقد الأجنبي وزيادة المساعدات الخارجية لتخفيف الضغط على خزينة الدولة.

يعتقد المجلس العسكري أنه قام بتلبية رغبة الجماهير واستجاب لمطلبهم الوحيد المشهور “تسقط بس”، فقام بالإطاحة بالرئيس وأسقط منظومة السلطة التنفيذية والتشريعية والحزبية، وأتاح الفرصة للجماهير لتدير المرحلة بنفسها عبر اقتراح حكومة مدنية انتقالية تعد لانتخابات حرة نزيهة؛ ويصرّ المجلس أنه لا يرغب مطلقاً في الاستئثار بالسلطة أو تطويل مدة ولايته السياسية، وأن تقصير المدة منوط باتفاق القوى السياسية.

شكّل الضغط على المجلس العسكري للاعتراف بتجمع المهنيين السودانيين وإعلان قوى الحرية والتغيير ممثلين للثورة السودانية أولوية سياسية ملحة ستؤسس لترتيبات الوضع الانتقالي عبر الوثيقة الرسمية التي أعلنها تجمع المهنيين في 22 نيسان/ أبريل، وهذا ما جرى التوافق عليه مساء 24 نيسان/ أبريل بعد إعلان قوى الحرية والتغيير وقف التعامل مع المجلس العسكري.

ومن المرجح أن يواصل تجمع المهنيين وحلفاؤه سياسته الصارمة في التعامل مع المجلس العسكري ويصر على الاعتصام الدائم ومحاولة تصعيد الاحتجاجات في الخرطوم والولايات؛ ومن الواضح أنه سيتشدد في مطالبه، وسيحول ساحة الاعتصام إلى منبر وطني مفتوح، وسيكون قادراً على تصعيد العمل الاحتجاجيّ في مسارات عديدة إذا احتاج الأمر لذلك.

ستصر قوى إعلان الحرية والتغيير أنها الكيان الثوري الممثل لحراك الشعب السوداني وأنها المعنيّة بالفترة الانتقالية والحارسة لقيمها، وأن هذه الفترة لا يمكن السماح فيها للنظام السابق أو الأحزاب السياسية التي عملت فيه أن تكون جزءاً من هذه المرحلة مع حفظ حقها في تأكيد حضورها الشعبي من خلال الانتخابات التي ستكون في نهاية الفترة الانتقالية؛ ويبدو أن هذه القوى حازت على موافقة مبدئية من المجلس العسكري الانتقالية بذلك.

من المتوقع زيادة الاستقطاب بين القوى الإسلامية التي شاركت في الثورة والقوى الإسلامية المحايدة والمحافظين من جهة، وبين كيانات قوى الحرية والتغيير وقوى الإجماع الوطني المؤطرة والمؤدلجة فكرياً من جهة أخرى، وسيتركز الاستقطاب على قضايا فكرية إشكالية تتجاوز أسئلة المصلحة الاقتصادية والسياسية للبلد، وسيصرف الجهد نحو اتجاهات بعيدة عن الأولويات؛ وعلى قضية دعم المجلس العسكري وإعطاء الفرصة له حتى تسليمه السلطة؛ وستثور قضية الدستور ومرجعياته والموقف من تحكيم الشرعية وكيفية التعامل معه.

ومن المتوقع أن ينشأ تيار وطني ديني يخشى من تعرضه للإقصاء من قبل تيار متشدد محسوب على قوى الحرية والتغيير الذي يتهم بعض قواها بتمكين النظام السابق والتغطية عليه، وتلعب دعوات غير رسمية صدرت من بعض المحسوبين على هذه القوى تنظّر لإقصاء الإسلاميين وإبعادهم عن المشهد السياسي تماماً وتحقيق علمانية الدولة… دوراً في زيادة مخاوف هذا التيار الإسلامي المتعدد الاتجاهات؛ وهناك ملامح لتيار يحمل شعارات نصرة الشريعة يضم الصوفية وعلى رأسهم الشيخ الطيب الجد خليفة الشيخ ود بدر، والتيار السلفي الحركي ومن أقطابهم الشيخ عبد الحي يوسف ومحمد عبد الكريم وماهر مهران، وتيار الأنصار أتباع المهدية وعلى رأسهم السيد الصادق الهادي المهدي (وهو غير زعيم حزب الأمة السيد الصادق الصدّيق المهدي)، وهناك تيار المستقبل، وتيار الأمة الواحدة بزعامة د. محمد علي الجزولي، واتحاد قوى الأمة بزعامة محمود عبد الجبار، وقطاعات من الحركة الإسلامية التي نأت بنفسها عن المؤتمر الوطني، وشباب ونساء إسلاميين مستقلين، وائتلاف الهيئة الوطنية الإسلامية بقيادة بروفيسور مصطفى إدريس المدير السابق لجامعة الخرطوم، والتيار الوطني العريض بقيادة الناجي عبد الله، وقيادات من حركة “السائحون” وهم المجاهدون الإسلاميون في حرب الجنوب الذين نأوا بأنفسهم عن خلافات الحركة الإسلامية وانشغالها بالسلطة، ومن المرجح أن يسجلوا حضورهم باستعراض بشري كبير يدعو إلى مناهضة الدعوة لعلمانية الدولة، واحتكار الثورة، ويهدف إلى دعم المجلس العسكري الانتقالي أمام الضغوط، والدعوة إلى سلمية الثورة، ومحاربة الفساد بالقانون، وتقصي الحقائق بشأن الشهداء والمعتقلين وتحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين.

ومن المتوقع أن يتعامل المجلس العسكري بطريقة تلقائية هادئة دون تبنٍّ هذا الحراك الشعبي المجتمعي للحراك المناهض لقوى الحرية والتغيير، ومن المتوقع أن ينضم لهذا الحراك بعض الأحزاب السياسية المسجلة التي لم تجد إسناداً أو قبولاً من قوى إعلان الحرية والتغيير.

سيحاول المجلس العسكري إظهار نفسه بمظهر الأب الكبير المسؤول عن حماية أسرته والقيام بمسؤولياته فيها، ولن يسعى لفرض هيبته العسكرية على الاعتصام أو يحاول فضّه بالقوة، وسيظهر قوته وهيبته وقدرته على توفير احتياجات الشعب وحل مشكلاته في الميادين الأكبر على امتداد البلاد لمحاولة إقناع المترددين والمستقلين بدعم خطواته وتخفيف الضغوط عليه.

سيتجه المجلس العسكري في تشكيل الحكومة المدنية إلى حكومة كفاءات تكنوقراط في أسرع وقت ممكن، وسيبتعد عن اختيار الشخصيات السياسية والمحاصصات الجهوية والقبلية والحزبية والفكرية، وسيطلب إسناد المجتمع العربي والدولي والإقليمي لخطواته الانتقالية، وسينسق أكثر مع القوى الأكثر حضوراً في الشارع لضمان قبولها لهذا التوجه.

سيعمل المجلس العسكري على أولوية تماسك الجيش وإعادة هيكلته وفق خطة استراتيجية، ورفع مستوى منسوبيه اقتصادياً، ودمج قوات الدعم السريع فيه، إضافة إلى استكمال هيكلة جهاز الأمن والمخابرات وليس حله.

سيعمل المجلس على ضمان عدم دخول الحركات المسلحة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان على خط الأزمة، من خلال التواصل المباشر مع القوى الدولية المؤثرة عليها ومحاولة التقرب منها ودعوتها للتفاوض النهائي، فيما يخشى المجلس من تأثيرات الأزمة الليبية وامتدادها إلى دارفور ولا سيما في المربع الحدودي بين ليبيا والسودان ومصر وتشاد الذي تزداد فيها العمليات الأمنية بصورة كثيفة.

ليس وارداً أن تصدر قرارات استراتيجية استثنائية تتعلق بالسياسة الخارجية؛ مثل سحب القوات السودانية من اليمن لشدة ضررها على مستوى الدعم السعودي الإماراتي للتغيير الذي كان سببه الرئيس هو بقاء هذه القوات في اليمن، وليس ثمة ضغوط قوية من ميدان الاعتصام على المجلس العسكري بهذا الشأن؛ وليس وارداً خروج السودان من نمط عدم الانحياز إلى محور على حساب محور آخر.

مستوى المحاور الإقليمية:

تبدو التدخلات العربية على أشدها على خلفية النزاع الخليجي ومحاوره ومحاولات الاستقطاب الحادة بين أطرافه، مما ينعكس على الأداء الإعلامي والسياسي لمنصات كل محور، كما أن هناك حضوراً كثيفاً للسياسة المصرية وأذرعها النشطة في السودان نظراً للأهمية الاستراتيجية الكبيرة للسودان في العمق المصري؛ كما تنشغل الإدارة الإثيوبية بتطورات الوضع في السودان لشدة تأثير مجريات الأوضاع على حدودها المفتوحة مع السودان وتشابك المصالح معها؛ ولا سيما في ملف سدّ النهضة ودور السودان فيه.

والمتابع اللصيق لما جرى في السودان يدرك أن ما جرى فيه هو ثورة شعبية سودانية محضة، ربما حاولت بعض الجهات مساعدتها مساعدة خجولة في مرحلة ما، لكن حركة الثورة كانت واضحة أنها حركة مستقلة ذات أبعاد داخلية تماماً وفي سياق محلي.

وكان واضحاً أن صفحة المجلس العسكري الانتقالي بيضاء، ولم يكن لها عند انطلاقتها مرجعيات أمريكية أو إقليمية أو عرقية أو جهوية أو قبلية، وليس لها اصطفافات مبدئية لأنها وليدة أحداث متسارعة حصل فيها الكثير من المدافعات، وهذا ما جعل الجميع يحاول التأثير فيها وتسجيل الحضور المبكر ومحاولة ضمان المصالح بتقديم مساعدات عاجلة للخروج من الأزمة الاقتصادية الحادة التي تضربه منذ أكثر من عام.

إن تشكيلة المجلس العسكري الانتقالي تشكيلة محايدة، وهم في أكثرهم متدينون أو محافظون وبعضهم يسار محافظ، وليس من بينهم أي شخصية معادية للدين، فيما أظهروا التزامهم الكامل بمسار انتقالي منفتح وديموقراطي بالتشاور مع قوى الشعب بكافة توجهاته دون إقصاء أو تمييز بما فيها التيارات الدينية؛ ولديهم مرونة عالية للتأكيد على ذلك من خلال تقديم استقالة العديد من أعضاء المجلس لاستقالاتهم إذا شعر أي عضو أنه سيكون عقبة في تسهيل المرحلة الانتقالية إذا أصرت القوى الثورية على إبعادهم بسبب تاريخهم داخل النظام.

وبخصوص صراع المحاور على خلفية النزاع الخليجي فقد كان واضحاً أن إيقاع المحور السعودي الإماراتي أسرع وأكثر جرأة من إيقاع المحور القطري التركي في التعاطي مع الشأن السوداني؛ مما يعني أن معطياتهم كانت أفضل من المحور الآخر الذي تأخر في إبداء تأييده سياسياً وإعلامياً بصورة واضحة ومتكررة. فقد بادر المحور السعودي الإماراتي البحريني بالتأييد والاتصال وإعلان تقديم مساعدات عينية، ثم ذهبوا في وفود رسمية ونسقوا مع حلفائهم على تقديم الدعم وسرعة الحركة للتأثير في المجلس الجديد وإقناعه بالاقتراب منه، ثم قدموا دعماً معلناً بثلاثة مليارات دولار، فيما كان المحور الآخر متريثاً بطيئاً ومتردداً بعض الشيء مع اتصالات وتصريحات ديبلوماسية إيجابية.

ويعتقد أن الدافع الكبير لهذه الفعالية السعودية الإماراتية هي للحفاظ على المشاركة السودانية البرية الفاعلة في حرب اليمن، والتي يمكن أن يسبب انسحابها انتكاسة حقيقية للتحالف وهزيمة عملية له على الأرض؛ وهي تعلم تأثير الشارع الثائر الآن على قرارات المجلس العسكري الانتقالي، ولهذا كان لا بدّ من إقناع الشارع بجدوى هذه المشاركة من خلال إسناد سياسي واقتصادي مؤثر وكبير يشعر به المواطن السوداني، بالرغم من أن ثمة رفضاً شعبياً كبيراً للاصطفاف مع أي دولة بعينها، وهناك شعور عارم بالاستقلال لدى الثوار ولدى المجلس العسكري الذي أبدى رفضه الكامل لسياسة المحاور، وعدّها انتقاصاً للسيادة الوطنية.

وكان ملاحظاً أن القيادة المصرية تأخرت أربعة أيام قبل إعلان موقفها المؤيد للمجلس العسكري، ويبدو أن ذلك كان لعدة أسباب منها: التأكد بأنه ليس ثمة خديعة مراوغة في حقيقة انتماء الضباط الكبار وتوجهاتهم كما حصل عند تأييد نظام مبارك لثورة الإنقاذ الوطني بقيادة البشير ظناً منهم أنه انقلاب مؤيد لمصر؛ وربما كان اعتراضاً صامتاً على الموقف السعودي السريع الذي أظهر التأييد للمجلس العسكري الانتقالي دون اتفاق مع المصريين على الرغم من العرف السائد بأن سقف العلاقات السعودية السودانية هو سقف العلاقات المصرية السودانية، بمعنى أن مصر هي مفتاح الدخول السعودي للسودان؛ فيما رأى آخرون أن تأخر النظام المصري كان للتشكيك في الآراء التي تتحدث عن مرجعية سرية غير معلنة لصالح المحور السعودي الإماراتي المصري.

وبالرغم من تأخر الموقف القطري الرسمي عدة أيام، فإن الموقف التركي أصدر مواقف اعتبرت مؤيدة في اليوم الثاني من التطورات بعد إعلان الفريق البرهان رئيساً للمجلس العسكري؛ ويرى بعضهم أن تأخر الموقف القطري متعمد لئلا يؤثر التأييد القطري على قضية التفهم الدولي الكبير للتحولات السودانية؛ وأن إمكانيات قطر ودورها السابق في رعاية ملف دارفور يعطيها امتيازاً استراتيجياً سيضمن لها مقعدها الطبيعي في الوقت المناسب، خاصة أن أمير قطر اتصل برئيس المجلس العسكري في 16 نيسان/ أبريل، أي بعد أربعة أيام من تولي البرهان الرئاسة.

ومن الواضح أن الإمارات ترغب في لعب دور محوري في السودان لتأكيد رغبتها في دعم التحولات الأخيرة أو سحب البساط من تحت أقدام قطر التي ترعى اتفاق الدوحة وتفاصيله، ويظهر هذا من خلال استقبال ياسر عرمان نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – جناح الشمال الذي رفض الدخول في اتفاقية سلام الدوحة مع النظام السوداني السابق، حيث طالب عرمان بدور إماراتي في مسيرة السلام.

ويبدو المحور السعودي الإماراتي راضياً عن مستوى العلاقة مع المجلس العسكري الانتقالي مع تأكيد الأخير على استمرار حضوره العسكري في اليمن، ولم يبدِ المحور ردود فعل متأثرة على الاستقبال الشعبي الغاضب للفريق طه عثمان الحسين الذي رافق الوفد المشترك السعودي الإماراتي في دور استشاري على خلفية اتهامات مختلفة للفريق طه أثناء عمله مديراً لمكاتب رئيس الجمهورية الأسبق عمر البشير؛ كما لم يبد المحور انزعاجاً من إزاحة الفريق صلاح غوش رئيس جهاز الأمن والمخابرات الذي عُرف بقربه من المحور السعودي الإماراتي.

وبالرغم من تخوف بعض الأطراف من إشاعة قرب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان من المحور السعودي الإماراتي على خلفية قيادته للقوات البرية التي تقع القوات السودانية المشاركة في اليمن تحت مسؤوليته الفنية العسكرية؛ وإشاعة قرب نائبه الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو قائد قوات الدعم السريع الذي تشارك قواته بفعالية في التحالف العربي في اليمن، فإن المجلس العسكري كان يؤكد على عدم تأثر ذلك بالحسابات السياسية، خاصة أن قرار المشاركة في التحالف مرتبط بالنظام السابق وإدارته، وأن التواصل بينهم وبين قيادات التحالف الأخرى هو تواصل عسكري فني ميداني وليس تواصلاً سياسياً، وأن الذي يحكم السودان الآن ليس أفراداً بل مجلس عسكري أمني شرطي موسع يريد نقل السلطة في أسرع وقت إلى حكومة مدنية مسؤولة عن التواصل السياسي مع جميع الجهات؛ كما أنهم منفتحون على المحور الآخر، ويريدون إقامة علاقات متزنة معهم، ويطلبون منهم الدعم والإسناد دون تحفظات؛ ويعترفون بدورهم المهم في سلام دارفور.

الاتحاد الإفريقي:

استقرار السودان ومنع وصوله للفوضى هو أولوية استراتيجية لمصر وإثيوبيا وجنوب السودان وتشاد وإفريقيا الوسطى ودول عديدة في شرق إفريقيا ووسطها بسبب التحديات الأمنية الكبيرة التي تواجه المنطقة وتهدد كياناتها السياسية.

ولهذا السبب فقد منح الاتحاد الإفريقي الفرصة للمجلس العسكري الانتقالي لتطبيق الانتقال الديموقراطي خلال ثلاثة أشهر، بعد أن أعطى مجلس السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي مهلة 15 يوماً لتسليم السلطة لحكومة مدنية؛ ولعبت مصر بصفتها الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي دوراً مركزياً في إقناع الدول الإفريقية بذلك في قمة تشاورية استثنائية بشأن السودان لأهمية السودان في العمق الاستراتيجي لها؛ فيما توافد المندوبون الأفارقة في الدول المحيطة على المجلس العسكري الانتقالي لتأكيد دعمهم للتغيير في السودان.

المستوى الدولي:

• من الأولويات السياسية المرتبطة بالاقتصاد سيكون مطلب رفع الحصار الأمريكي عن السودان ورفع اسمها من قوائم الدول الراعية للإرهاب، وهذا الأمر على رأس ملفات التفاوض مع الأمريكيين، الذين تحدثوا لأول مرة عن دراسة ذلك، مع قرارهم في الوقت نفسه، تعليق مفاوضات المرحلة الثانية من النقاشات حول ذلك التي بدأت مع النظام السابق، وقدموا الدعوة للمجلس العسكري لزيارة واشتطن في بادرة حسن نية لا سيما بعد الدعم الإقليمي للتغيير في السودان، وهناك توجه أمريكي نحو ذلك بعد إنشاء الحكومة المدنية.

• كانت الولايات المتحدة مترددة في بداية التحولات، وتخشى أن تكون امتداداً للحكم السابق لذلك تأخرتْ في الحكم على المجلس الجديد، وفي الوقت نفسه عاقبتْه بقرصة خفيفة برفع الملف إلى مجلس الأمن في اليوم التالي لعزل البشير، إلا أنهم لم يكونوا حريصين على إصدار بيانات إدانة أو إظهار أي مواقف غير المواقف المعلنة سابقاً، ويبدو أن الأمر قد ظهر للأمريكيين بخلو صفحة المجلس من الانحيازات والانتماءات، وأن برنامجهم انتقالي ديموقراطي سينتهي بسلطة مدنية كاملة، مما جعلهم يتحدثون عن دراسة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي تقدم فيها السودان كثيراً في عهد الرئيس البشير وفق تصريحاتهم الرسمية؛ ثم كان اللقاء الأهم باجتماع نائب رئيس المجلس الانتقالي الفريق حميدتي (الذي تتهمه الولايات المتحدة بالمشاركة في أحداث دارفور) مع القائم بالأعمال الأمريكي؛ وربما كان هذا اللقاء مكافأة وتطميناً له بعد موقفه الرافض من تولي عوض بن عوف لرئاسة المجلس العسكري، ودوره في تحييد قوة النظام السابق بالاعتقالات السريعة لرموزه النافذة؛ ثم توالت اللقاءات الرسمية وكان آخرها زيارة نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية مكيلا جيمس والتي تركزت على دعم خيارات الشعب السوداني وترتيبات المرحلة الانتقالية وضرورة توافقها مع رغبة الشعب والحاجة إلى تشكيل حكومة مدنية في أقرب وقت.

• أما الاتحاد الأوروبي فما يزال يلعب دور المراقب في الساحة السودانية وهو يدعم سياسات الاتحاد الإفريقي ويقدم المساعدات والتسهيلات، كما يدعم الدور الأمريكي وينسق معه؛ ويلعب البريطانيون خاصة دوراً عملياً أكثر في تقديم النصائح للأطراف المختلفة ودفعهم للانتقال الديمقراطي المنفتح.

• في حال تمكن المجلس العسكري الانتقالي من الوصول إلى حلّ توافقي مع القوى الثورية وتمكنه من إعلان حكومة مدنية انتقالية فمن المتوقع له الاستفادة من مبادرة (هبك=HIP)، وهي مبادرة لإلغاء الديون الخارجية للدول الفقيرة والمثقلة بالمديونية وفق معايير محددة تنطبق على السودان، حيث لم يستطع الإفادة منها بسبب اتهامه برعاية الإرهاب مما سيفتح له أيضاً باب التمويل الدولي والمنح.

خاتمة:

إن فرص نجاح الفترة الانتقالية تبدو أكثر من فرص فشلها، لا سيما مع تأكيدات المجلس العسكري الانتقالي على ضرورة نقل السلطة بسرعة إلى حكومة مدنية ورغبته في تقصير المرحلة الانتقالية التي أعلن عنها؛ وفي ظلّ قوى الحراك الثوري المجتمعي الذي ما يزال نشطاً وفاعلاً على الأرض؛ وفي ظلّ انفتاح أفق الحوار والتوافق بين المجلس العسكري وقوى الحراك الثوري، وتوفر الاعتراف الدولي بالتغيير الذي جرى.

ويبقى الأمر مرهوناً بقدرة الفترة الانتقالية على التعامل مع الواقع بروح انتقالية لا انتقامية تنحاز إلى قيم الحرية والعدالة والديمقراطية، وترفض الإقصاء والعزل والاحتكار، وتنفتح على الجميع بدون تحفظات؛ وتؤجل الحسم في القضايا الخلافية المفصلية حتى يستعيد الشعب ديمقراطيته، وتنظر للمستقبل من منظار قانوني قيمي وليس من منظار سياسي فكري، وتفسح المجال للقانون ليمارس سلطته بقوة نحو مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين وبسط هيبة القانون دون تدخلات سياسية؛ وتتحضر جيداً لانتخابات حرة نزيهة معبرة عن الشعب، وتقدم حلولاً سريعة للواقع الاقتصادي الصعب، وتتوازن في علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية دون انحيازات مضرة.

لتحميل التقرير، اضغط على الرابط التالي:

>> الثورة السودانية: الخلفيات والتداعيات والتوقعات … د. أسامة الأشقر
(22 صفحة، حجم الملف 1.7 MB )

>>الثورة السودانية: الخلفيات والتداعيات والتوقعات … د. أسامة الأشقر
(22 صفحة، حجم الملف 980 KB )

 مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 26/4/2019


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.



المزيد من الدراسات والتقارير