مدة القراءة: 4 دقائق

بقلم: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. English_Version

لا أدري لماذا تُصرُّ قيادة السلطة الفلسطينية (التي هي قيادة منظمة التحرير وقيادة فتح) على أن تكون كمن يطلق النار على قدمه، خصوصا في تعاملها مع الشأن الداخلي الفلسطيني؟

إذ يتم اتخاذ عدد من القرارات والإجراءات، وتبني سياسات أقل ما يقال فيها إنها تخالف المنطق، وتخالف توجهات معظم الفصائل الفلسطينية، وغالبية الجمهور الفلسطيني. وحتى عندما يكون توصيف قيادة السلطة (قيادة فتح) لعدد من المخاطر والتحديات صحيحا، فإن الإجراءات التي تقوم بها على الأرض تزيدها خطورة، وتُضعف الجبهة الداخلية الفلسطينية بشكل أكبر.

يعاني المشروع الوطني الفلسطيني من أزمة كبيرة على مستوى الرؤية والقيادة والمؤسسات، والبرنامج السياسي، ومسارات العمل، وأولويات التنفيذ. كما يعاني من تصاعد التحديات والمخاطر، خصوصا بعد وصول ترامب للرئاسة الأمريكية، قبل نحو عامين، التي تستهدف الأرض والقدس والمقدسات واللاجئين، وهوية الشعب الفلسطيني وتطلعاته، وصولا إلى محاولة إغلاق الملف الفلسطيني، عبر ما يشاع عن “صفقة القرن” وغيرها. ومع ذلك، ومنذ أن تداعت القوى الفلسطينية (بما فيها فتح وقيادة السلطة والمنظمة) إلى مواجهة هذه التحديات، ونحن نرى سلوكا مغايرا على الأرض، بل مُعوِّقا، من قيادة السلطة، وتحديدا من الرئيس عباس وفريقه.

لقد أصرّ عباس، وما زال يُصرُّ، على رفض دعوة الإطار القيادي الموحد للفصائل الفلسطينية للاجتماع، بالرغم من أنه الإطار الجامع للقوى الفلسطينية كافة، والقادر على العمل الفعّال على الأرض، في وقت كان وما يزال الفلسطينيون أحوج ما يكونون فيه لإطار وطني ينسقون فيه أعمالهم، بانتظار إعادة بناء وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية.

وطوال 14 عاما، منذ اتفاق القاهرة في 2005، وعلى مدى ثمانية أعوام، منذ اتفاق المصالحة في 2011، لم يضع عباس لبِنة واحدة في إعادة بناء منظمة التحرير التي يُمسك بمفاتيحها، وما زال يحول دون مشاركة سلسة وعادلة لقوى فلسطينية وازنة، كحماس والجهاد الإسلامي، في هيئات المنظمة ومؤسساتها؛ لا في داخل فلسطين، ولا حتى في خارجها، حيث يمكن القيام ولو ببعض الخطوات بعيدا عن هيمنة الاحتلال الإسرائيلي.

وبالرغم من التفاهمات التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في بيروت في كانون الثاني/ يناير 2017 بشأن عقد المجلس الوطني ومشاركة القوى الفلسطينية كافة؛ فقد أصر عباس على عقد المجلس تحت الاحتلال في رام الله في نيسان/ أبريل 2018، وبخلاف التوافق الفلسطيني، وفي ظلِّ مقاطعة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية. وواصل عباس وقيادة فتح السياسة نفسها طوال سنة 2018 في تجاهل أبرز القوى الفلسطينية، مما أدى إلى توسع مقاطعة المجلس المركزي الفلسطيني من معظم القوى الفلسطينية الوازنة (سوى فتح) من داخل المنظمة ومن خارجها، كما حدث في جلسة المجلس التي عُقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، ليجد عباس أن سياساته عزلت فتح عن معظم المكونات الوطنية، وزادت الشرخ الفلسطيني وعمّقته بدلا من معالجته.

الأمر نفسه ينطبق على العقوبات التي فرضها عباس وفريقه على قطاع غزة منذ نحو عامين، وتمثلت في إنهاء خدمات أو تقليص رواتب آلاف الموظفين، وفي الامتناع عن دفع فاتورة الكهرباء، وغيرها؛ بالرغم من أن سلطة رام الله تستلم عائدات الضرائب التي يجبيها الإسرائيليون عن البضائع الداخلة إلى قطاع غزة. هذه العقوبات التي استهدفت تطويع أو تركيع حماس وخط المقاومة في القطاع، والتي ما زال عباس يُصرّ عليها، تجد معارضة شبه شاملة من الشعب الفلسطيني؛ وحتى من قيادات فتح (في مجالسهم الخاصة)، ومن القاعدة الشعبية لفتح نفسها. وعلى سبيل المثال، فوفق آخر استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله (آذار/ مارس 2019)، فإن 82 في المئة من الفلسطينيين مع رفع العقوبات عن القطاع؛ فضلا عن معظم القوى والفصائل الفلسطينية.

وكذلك الحال بالنسبة لإصرار عباس وقيادة فتح على تفسيرها الخاص لفكرة “تمكين” سلطة رام الله في القطاع، من خلال سيطرتها على كل شيء (فوق الأرض وتحت الأرض) بما في ذلك الأمن والسلاح؛ بخلاف مسار المصالحة الأصلي المتفق عليه. وهذا الإصرار يواجه معارضة شاملة من معظم الفصائل الفلسطينية، كما ترفضه غالبية الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، يتابع عباس وفريقه ضغوطهم على القطاع لفرض إرادتهم؛ وبشكل يثير استغراب وغضب الشارع الفلسطيني.

ومن ناحية أخرى، ثمة شبه إجماع شعبي وفصائلي فلسطيني على وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وثمة قرارات من المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني بوقف التنسيق. ومع ذلك، فإن عباس وفريقه مصرّون على المضي بشكل معاكس لهذه التوجهات والقرارات، مع تأكيد عباس الدائم “قدسية” هذا التنسيق والتزامه الدقيق به.

وفي مثل هذه الأجواء، قام عباس وفريقه، بصب المزيد من الزيت على النار، من خلال حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الأول/ ديسمبر 2018، تحت غطاء المحكمة الدستورية، التي يوجد أصلا علامات استفهام حقيقية على تشكيلها واختصاصها وصلاحياتها ومصداقية حكمها. وهو قرار جاء معاكسا لمسار المصالحة الفلسطينية، ومعمقا لأزمة الانقسام الفلسطيني، ولقي رفضا شعبيا واسعا، كما رفضته معظم القوى والفصائل الفلسطينية.

وفي هذه البيئة المتأزمة المنقسمة، وفي هذه الأجواء المعارضة لقرارات عباس وقيادة السلطة، يأتي قرار عباس (ومن خلفه قيادة فتح) ليكرس الأزمة و”يشرعنها”، من خلال السعي لتشكيل حكومة جديدة للسلطة تتولى رئاستها شخصية فتحاوية، وتحاول أن تضم في عضويتها أعضاء من فصائل منظمة التحرير، مع الاستبعاد المتعمد لحماس وللقوى خارج منظمة التحرير؛ وهو ما يعني أن فتح قررت أن تضع اتفاق المصالحة وراء ظهرها، وأن تحاول عزل حماس ومحاصرتها سياسيا، وحرمانها من الشراكة الفعالة في صناعة القرار الوطني الفلسطيني، مع تجاهل حجمها الكبير الشعبي والمقاوم. بل إن من قادة فتح من أخذ يتحدث عن حماس كـ”حركة إرهابية”، مذكرا إيانا بالبيئة السياسية العربية المستبدة الفاسدة والمطبّعة مع العدو. كما أن من قادة فتح من أخذ يتحدث عن “الكل” الوطني في تشكيل الحكومة مُخرجا حماس من هذا “الكل”، داخلا في حالة إنكار تقذف بالحركة الوطنية الفلسطينية في مجاهل جديدة من التخلف والتراجع، بالإضافة إلى ما هي فيه من أزمات وتخبطات؛ لتكون هذه الحكومة أفضل “وصفة للفشل”، خصوصا مع رفض معظم الفصائل الفلسطينية المشاركة فيها.

وفي مثل هذه الأحوال، ووفق استطلاعات الرأي، لا يجد عباس ولا تجد فتح أكثر من 10 في المئة من الشارع الفلسطيني يؤيدها في عقد انتخابات المجلس التشريعي. وفي الوقت نفسه، فإن نحو ثلثي الفلسطينيين هم مع استقالة عباس، وغير راضين عن أدائه. والنسبة نفسها غير متفائلة بنجاح المصالحة، ثم إن نحو 82 في المئة يؤكدون وجود الفساد في السلطة.

* * *

ونعود إلى السؤال الذي بدأنا به المقال، وهو: لماذا كل هذه السياسات والإجراءات التي تتسبب بالضرر على السلطة نفسها وعلى فتح نفسها، بالإضافة إلى الضرر البالغ الذي تحدثه في المشروع الوطني الفلسطيني؟ ولماذا الإصرار على هذه السياسات التي لا تخدم أحدا، والتي يوظفها العدو لصالحه؟ ولماذا هذا الإصرار في وجه أغلبية معارضة وسط الشعب الفلسطيني ووسط الفصائل الفلسطينية؟ وما الذي ستحققه من وراء ذلك؟

هل هذا الإصرار هو مجرد خطأ في الحسابات؟ أم إن هناك قوى تُغري عباس وفريقه للسير بهذا الاتجاه، ربما على أساس وعود لم تتضح معالمها بعد؟!!

المصدر: موقع “عربي 21″، 30/3/2019


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.