مدة القراءة: 11 دقائق

يسر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن يقدم تقديراً استراتيجياً بعنوان “مسيرات العودة بعد عام على انطلاقتها تقييم الأداء وسيناريوهات المستقبل”.


تقدير استراتيجي (111) – آذار / مارس 2019.

ملخص

مثّلت مسيرات العودة تطوّراً نوعياً، ومحطة فارقة، في الصراع مع الاحتلال الصهيوني، حيث كان لها تداعياتها المهمّة فلسطينياً وإسرائيلياً وإقليمياً ودولياً. فقد نقلت القضية الفلسطينية والمواجهة مع الاحتلال إلى واقع جديد، ومكّنت الشعب الفلسطيني من استعادة زمام المبادرة، ونجحت في الضغط على الاحتلال وتكبيده خسائر مادية ومعنوية مؤثرة، وأعادت الاعتبار للإرادة الشعبية ولدور الجماهير بعد الانتكاسة التي تسببت بها الثورة المضادة لثورات الربيع العربي.

ركزت فكرة المسيرات على تفعيل حق العودة لفلسطين المحتلة 1948، غير أنها مع الوقت أخذت تركز على إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية واستعادة مكانتها كقضية مركزية للأمة، وكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، وتأكيد تمسك الفلسطينيين بأرضهم وبحقهم في التحرير وإنهاء الاحتلال.

وعلى صعيد السيناريوهات المستقبلية، فإن توقف المسيرات نتيجة إرهاق الفلسطينيين ويأسهم من تحقيق إنجازات مهمة يبدو احتمالاً مستبعداً. كما أن احتمالات الذهاب إلى مواجهة عسكرية واسعة بين الاحتلال وقطاع غزة لا تبدو مرجّحة في الوقت الراهن، مع بقاء فرصها قائمة. ولا ترجّح المعطيات الحالية فرص التوصل لاتفاق سياسي في مدى زمني قصير يقود إلى كسر الحصار وتحقيق هدنة طويلة الأمد. الأمر الذي يرجّح فرص استمرار سيناريو الوضع القائم على المدى القصير، وهو ما يتطلب المحافظة على الوحدة الوطنية الميدانية التي تحققت بين مختلف الأطراف الوطنية، والسعي لتوسيع مساحة المسيرات والفعل الشعبي ليشمل الضفة والشتات الفلسطيني، كما يتطلب تفعيل دور القوى السياسية العربية في تحريك الشارع العربي لإسناد مسيرات العودة.

مقدمة:

هل ترقى مسيرات العودة إلى مستوى أن تشكّل تحوّلاً استراتيجياً في مسار المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، أم أنها مجرد متغيّر نضالي وسياسي عابر؟

سؤال قد تتباين إجاباته، لكن المؤكد أن المسيرات مثّلت تطوّراً نوعياً، ومحطة فارقة، في الصراع مع الاحتلال الصهيوني، وكان لها تداعياتها وانعكاساتها المهمّة فلسطينياً وإسرائيلياً وإقليمياً ودولياً.

لقد نقلت مسيرات العودة القضية الفلسطينية والمواجهة مع الاحتلال إلى واقع جديد، ومكّنت الشعب الفلسطيني من استعادة زمام المبادرة، واستخدمت لتحقيق أهدافها أساليب إبداعية جديدة غير مكلفة لكنها قوية الفعل والتأثير. فعلى الرغم من بدائية بعض الأدوات المستخدمة وبساطتها كالطائرات الورقية المشتعلة والبالونات الحارقة، إلا أنها نجحت في الضغط على الاحتلال وتكبيده خسائر مادية ومعنوية مؤثرة.

امتازت مسيرات العودة بمشاركة واسعة لمختلف قوى الشعب الفلسطيني وشرائحه من حيث العمر والجنس والانتماء السياسي. كما تميّزت بالديمومة والاستمرارية، وأظهر الفلسطينيون على مدار عام كامل إرادة صلبة وعزيمة قوية على مواصلة فعلهم النضالي وسعيهم المستمر لإنهاء الاحتلال.

ويحاول تقدير الموقف هذا تقييم مدى نجاح المسيرات في تحقيق أهدافها، وقراءة السيناريوهات المتوقعة لمسارها المستقبلي.

أولاً: انطلاقة مسيرات العودة.. التوقيت والمعطيات:

تزامنت انطلاقة مسيرات العودة مع عدد من المتغيّرات المهمة محلياً وإقليمياً ودولياً، والتي شكّلت مبررات ودوافع لانطلاقتها وديمومتها وتصاعدها. ومن أبرز تلك المعطيات:

1. تزايد حدّة الحصار المفروض على قطاع غزة، وتفاقم انعكاساته الإنسانية والمعيشية ووصولها إلى مستويات خطيرة غير محتملة، واستمرار إغلاق معبر رفح لفترات طويلة، وتشديد السلطة الفلسطينية إجراءاتها العقابية بحق القطاع على خلفية اتهامها لحركة حماس بالوقوف وراء استهداف رئيس الوزراء رامي الحمد الله في 13/3/2018.

2. مواصلة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump جهودها لتمرير مشروع “صفقة القرن” وفرضها على الشعب الفلسطيني وعلى الدول العربية، في محاولة لاستغلال حالة الانقسام الفلسطيني والضعف والتمزق العربي، لتصفية القضية الفلسطينية وحسم ملفاتها الأساسية وفق رؤية اليمين الإسرائيلي وبرنامجه.

3. إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، ومضي الإدارة الأمريكية قدماً في تنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية إليها، وبالتزامن مع ذلك السعي لشطب حق العودة عبر وقف الإسهام في تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East (UNRWA)، والضغط على دول أخرى لاتخاذ ذات الموقف.

4. تصاعد خطير في مسار الاختراق والتطبيع الإسرائيلي مع العديد من الدول العربية، وعلى وجه الخصوص مع دول خليجية. وقد ولّدت موجة التطبيع العربي الرسمي، شعوراً قوياً لدى الفلسطينيين بالخذلان وتجاهل قضيتهم، وبضرورة نهوضهم بمسؤولياتهم دفاعاّ عن قضيتهم وحقوقهم.

5. تزامنت مسيرات العودة مع الذكرى 42 ليوم الأرض، ومع مرور 70 عاماً على نكبة الشعب الفلسطيني سنة 1948، وشكّلت إحياء مميزاً للمناسبتين، حيث انطلقت المسيرات في 30 آذار/ مارس 2018، ووصلت ذروتها في 15 أيار/ مايو 2018، معبّرة عن تشبث الفلسطينيين بأرضهم وبحقهم في العودة.

ثانياً: الأهداف:

بدأت مسيرات العودة كفكرة شبابية نضالية سلمية تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي في كانون الثاني/ يناير 2018، بهدف تحقيق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأرض المحتلة سنة 1948. وسعت لتنظيم المسيرات في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات. وفي قطاع غزة تشكلت اللجنة التنسيقية العليا لمسيرة العودة الكبرى، ثم انضمت لها الفصائل الفلسطينية (مع بقاء وجهها الشعبي) في 17/3/2018، حيث تشكل إطار جديد هو “الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة وكسر الحصار”. ومع الزمن تبلورت مجموعة من الأهداف لهذه المسيرات، أهمها:

1. الضغط على الطرف الإسرائيلي وعلى البيئة الدولية لإنفاذ حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم، وتأكيد تمسك الفلسطينيين بهذا الحق الثابت في وجه محاولات تضييعه وإلغائه.

2. كسر الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة، وإنهاء المعاناة التي عاشها سكانه على مدار نحو 12 عاماً متواصلة، ولفت الأنظار إلى خطورة استمرار العقوبات المفروضة على القطاع، وتأكيد أن الإمعان في ممارسة الضغوط المعيشية على الفلسطينيين يدفع نحو انفجار الحالة الشعبية في وجه الاحتلال وليس في وجه أي جهة أخرى.

3. إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية إقليمياً ودولياً، واستعادة مكانتها كقضية مركزية للأمة العربية، وإنهاء حالة التجاهل التي عانتها خلال السنوات التي سبقت انطلاقتها، بفعل مخططات الاحتلال وحلفائه الدوليين للقفز عن القضية وتجاوزها، وبتأثير الضعف والانقسام العربي وسخونة الأزمات الإقليمية.

4. تأكيد تمسك الفلسطينيين بأرضهم وبحقهم في التحرير والعودة وإنهاء الاحتلال، ورفضهم لكل المشاريع الهادفة إلى شطب قضيتهم والانتقاص من حقوقهم، وعلى وجه الخصوص مشروع صفقة لقرن.

5. تطوير برنامج المقاومة الشعبية كأداة نضالية فاعلة وكمشروع شعبي وجماهيري ضاغط في إدارة المعركة مع الاحتلال وفي مواجهة “صفقة القرن”.

6. مواجهة مشاريع التطبيع والاختراق الصهيوني للساحة العربية وللوجدان الشعبي العربي، وتحصين الساحة الشعبية من التأثر بموجة التطبيع الرسمي غير المبررة.

ثالثاً: النتائج والتأثير:

يمكن تقييم مدى نجاح مسيرات العودة في تحقيق أهدافها من خلال الوقوف على نتائجها ومستوى تأثيرها في الواقع الفلسطيني والإسرائيلي، وقياس حجم التفاعل الإقليمي والدولي معها. ومن أبرز تداعيات المسيرات ونتائجها:

1. فلسطينياً:

كان للمسيرات انعكاسات مهمة على الوضع الفلسطيني، حيث أسهمت في تخفيف حدة الحصار الجائر المفروض على قطاع غزة. وبشكل موازٍ لمفاوضات التهدئة تم فتح معبر رفح للأفراد ومعبر صلاح الدين للمواد والبضائع لفترات طويلة نسبياً خلال الشهور الماضية، مقارنة بالفترات التي سبقتها.

كما عزّزت المسيرات مكانة خيار المقاومة، وأكدت أنه خيار مُنجِز وضاغط على الاحتلال، جنباً إلى جنب مع المقاومة المسلحة، وكخيار داعم ومساند في سياق حالة تكاملية.

ونجحت المسيرات في توحيد موقف القوى السياسية الفلسطينية، وحققت وحدة ميدانية في مواجهة الاحتلال، تجاوزت حالة الانقسام السياسي والجغرافي، الذي لم تنجح جولات المصالحة المتعددة في إنهائه ووضع حدّ له.

2. إسرائيلياً:

أثّرت المسيرات عميقاَ في وعي الإسرائيليين وسلوكهم، وأثارت المخاوف لدى مستوطني غلاف غزة بشكل خاص، وكشفت هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية. كما ألحقت أضراراً اقتصادية مؤثرة في المناطق المحيطة بالقطاع، وشكّلت استنزافاً أمنياً للاحتلال في مواجهة مرهقة طويلة الأمد.

سياسياً، عززت المسيرات والمواجهات مع الاحتلال الانقسامات في الساحة الإسرائيلية، وتسببت باستقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان Avigdor Lieberman على خلفية نتائج المواجهة مع قطاع غزة.

وأحرجت المسيرات موقف سلطات الاحتلال دولياً، وأضعفت حججه في تبرير سياساته وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني، ولم تعد ذريعة الدفاع عن النفس مقنعة وقابلة للتصديق لدى العديد من الأوساط الدولية.

كما نجحت المسيرات في تشكيل ضغط قوي على الاحتلال، ودفعته لطلب التهدئة وتوسيط أطراف إقليمية لتحقيق ذلك، الأمر الذي أفضى إلى فتح مسار تفاوضي غير مباشر للتهدئة، تقوده مصر كوسيط بين حركات المقاومة والاحتلال.

3. إقليمياً ودولياً:

خاطبت مسيرات العودة العالم باللغة التي يفهمها، وركّزت على الفعل الشعبي السلمي الذي تؤيده المواقف الدولية. وقد عززت المسيرات مكانة القضية الفلسطينية في الساحة الإقليمية والدولية، وأعادت لها الكثير من الاعتبار، بعد تجاهل إقليمي ودولي طويل، وانشغال المؤسسات الإقليمية والدولية بقضايا أكثر سخونة.

وأحرجت المسيرات وما رافقها من جرائم إسرائيلية ضد المتظاهرين السلميين، مواقف الدول العربية التي تورطت بالتطبيع مع الاحتلال، وأسهمت في كبح جماح موجة التطبيع، وفي التخفيف من تسارع الهرولة العربية نحو الكيان الصهيوني، على الرغم من التصدعات والاختراقات الخطيرة التي حصلت في الآونة الأخيرة.

ونجحت مسيرات العودة في تحقيق تعاطف وتفاعل دولي جيد مع نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال. وعلى الرغم من استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في 1/6/2018 ضد مشروع قرار كويتي طالب بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، بعد المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد مسيرة العودة في ذكرى النكبة والتي راح ضحيتها نحو 63 شهيداً وأكثر من 3,188 جريحاً، إلا أن نتيجة التصويت شكّلت إدانة سياسية وأخلاقية قوية للانتهاكات الإسرائيلية وللانحياز الأمريكي.

وأعادت المسيرات الاعتبار للشارع العربي، بعد الضربات القاسية التي وُجِّهت لدور الحراك الشعبي والجماهيري في أعقاب الثورة المضادة للربيع العربي، وأبرزت أهمية دور الجماهير في التحرك والدفاع عن حقوقها.

وبالمجمل يمكن القول إن مسيرات العودة:

• شكّلت نموذجاً متميزاً يحتذى في المقاومة الشعبية.

• وأكدت بشكل قوي تشبّث الفلسطينيين بأرضهم، ورفضهم لكل المشاريع السياسية التي تنتقص من حقوقهم وتستهدف شطب قضيتهم.

• ونجحت في تعزيز مكانة القضية وإعادة الاعتبار لها إقليمياً ودولياً.

• وعلى الرغم من أنها لم تحقق هدف إنهاء الحصار، إلا أنها نجحت بكسره جزئياً وبتخفيف تداعياته السلبية على سكان القطاع.

• ومع أنها لم تنجح في وقف قاطرة التطبيع الرسمي العربي، إلا أنها أحرجت المطبعين، ودفعت آخرين للتريث في نقل تطبيعهم من السر إلى العلن، كما أسهمت في تحصين الوجدان العربي ضد التطبيع والاختراق الصهيوني.

رابعاً: المعوقات والمؤثرات السلبية:

واجهت مسيرات العودة في سعيها لتحقيق أهدافها الوطنية مجموعة من التحديات والمعوّقات، من أبرزها:

1. الاستهداف القوي من قوات الاحتلال، وارتفاع كلف استمرارها، حيث وصل عدد الشهداء في قطاع غزة منذ بدء المسيرات في 30/3/2018 إلى 274 شهيداً من بينهم 197 في أثناء المسيرات. بينما زاد عدد الجرحى وفق تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية عن 28 ألفاً، من بينهم 500 إصاباتهم خطيرة جداً.

2. الانقسام الفلسطيني الداخلي، واتخاذ السلطة موقفاً سلبياً من المسيرات، ومحاولتها تعطيل الجهود المصرية للتوصل إلى اتفاق تهدئة.

3. انحياز إدارة ترامب الصارخ لصالح الاحتلال الإسرائيلي ومواقف اليمين المتطرف.

4. ضعف مستوى التفاعل والإسناد العربي الشعبي لمسيرات العودة، واختزال التفاعل في تحركٍ قصير الأمد، عقب تنفيذ الاحتلال جرائم وحشيةٍ تُوقعُ عدداً كبيراً من الشهداء.

5. اقتصار مسيرات العودة، كفعل متواصل، على قطاع غزة، وعدم شمولها لمختلف مناطق الوجود الفلسطيني نتيجة العديد من المعوّقات.

6. ضعف الموقف الرسمي العربي، والانقسامات العربية، واندفاع العديد من الدول العربية لتطبيع علاقاتها بصورة علنية مع الاحتلال، وخذلان الحكومات العربيةً لنضال الشعب الفلسطيني ومسيراته ومقاومته المستمرة للاحتلال.

خامساً: سيناريوهات المستقبل 

يمكن الوقوف على أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل مسيرات العودة، خلال الفترة القادمة هي:

1. استمرار الوتيرة الحالية للمسيرات مع تذبذب محدود صعوداً وهبوطاً.

2. تصاعد المسيرات والمواجهة مع الاحتلال بصورة قوية.

3. تراجع المسيرات وتوقفها دون تحقيق إنجازات مهمة فلسطينياً.

4. نجاح الجهود المصرية في التوصل إلى اتفاق تهدئة طويل الأمد، ينهي الحصار المفروض على قطاع غزة.

وفيما يلي مناقشة السيناريوهات من حيث العوامل المؤثرة في نجاحها، والنتائج المترتبة على تحقّقها:

السيناريو الأول: استمرار الوتيرة الحالية للمسيرات مع تذبذب محدود صعوداً وهبوطاً:

يعبّر السيناريو عن الأمر الواقع، ويقوم على استمرار المعطيات الراهنة من حيث سلوك أطراف المواجهة المباشرة ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة. ولا يتطلّب هذا السيناريو توفّر شروط إضافية غير القائمة، كما يتوقّع أن تستمر ذات النتائج المترتبة عليه حالياً.

السيناريو الثاني: تصاعد المسيرات والمواجهة مع الاحتلال بصورة قوية:

وصف السيناريو:

تصعيد ميداني قوي في أداء المسيرات، وزيادة حدّة الاشتباك مع الاحتلال الصهيوني، وصولاً إلى مواجهات قوية واسعة قد تصل إلى مستوى اندلاع مواجهة شاملة جديدة.

شروط تحقق السيناريو:

1. زيادة وطأة الحصار المفروض على قطاع غزة، وتفاقم الأوضاع المعيشية، وتراجع التوقعات فلسطينياً بإمكانية رفع الحصار عبر مفاوضات التهدئة الحالية.

2. فشل الجهود المصرية في إنجاز اتفاق تهدئة وعجزها عن احتواء التصعيد بين الاحتلال والمقاومة في غزة نتيجة أي تصعيد قادم.

3. تزايد الحرج في موقف القيادة الإسرائيلية، نتيجة المزايدات والضغوط السياسية الداخلية والاتهامات بضعف القدرة على مواجهة تحدي المسيرات، وحسم موقف القيادة باتجاه الذهاب نحو مواجهة مفتوحة وشاملة مع قطاع غزة.

4. استمرار السلطة في بذل مساعيها لإفشال الجهود المصرية للتهدئة، حيث ترى السلطة في تلك الجهود تهديداً لمكانتها ودورها وتمثيلها.

5. اتخاذ إدارة ترامب مواقف أكثر تشدداً تجاه المسيرات وأكثر انحيازاً لصالح الاحتلال، وإقدامها على المزيد من الإجراءات الاستفزازية تجاه الحقوق الفلسطينية، وخصوصاً فرض مشروع “صفقة القرن”.

النتائج التي يتوقع أن تترتب على تحقق السيناريو:

1. تعزيز فرص المواجهة الواسعة المفتوحة بين المقاومة في غزة والاحتلال، والتي يبدي الطرفان حرصاً على تجنبها في اللحظة الراهنة.

2. نسف جهود التهدئة المصرية، ووضع العراقيل في طريق نجاحها.

3. زيادة الحرج في موقف الأطراف المندفعة للتطبيع مع الاحتلال، حيث إن من شأن التصعيد والمواجهة القوية أن يقود إلى ارتفاع مستوى الجرائم الإسرائيلية بحق القطاع وإلى ردود فعل قوية متبادلة.

السيناريو الثالث: تراجع المسيرات وتوقفها دون تحقيق إنجازات مهمة فلسطينياً:

وصف السيناريو:

تراجع زخم مسيرات العودة نتيجة إرهاق المشاركين، وارتفاع كلف المواجهة مع الاحتلال، وعدم الشعور بتحقيق إنجازات مهمة توازي الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون.

شروط تحقق السيناريو:

1. تصاعد القمع الإسرائيلي في مواجهة المسيرات الشعبية، وتعمّد إيقاع حجم أكبر من الخسائر في صفوف الفلسطينيين بما يردعهم عن مواصلة مقاومتهم.

2. تراجع قدرة القائمين على تنظيم المسيرات على حشد الزخم الشعبي المطلوب، ووصول الفلسطينيين إلى حالة من الإحباط، وتراجع قناعتهم بجدوى استمرار المسيرات وقدرتها على الإسهام في كسر الحصار وتحسين الأوضاع المعيشية في القطاع.

3. تراجع الدور المصري وتحوّل جهود التهدئة إلى حراك سياسي غير منتج ودوران في حلقة مفرغة.

4. استمرار الخذلان الرسمي العربي للقضية الفلسطينية، وتسارع جهود التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

النتائج التي يتوقع أن تترتب على تحقق السيناريو:

1. استمرار الحصار، وتزايد الضغوط المعيشية والنفسية على سكان القطاع.

2. ضرب معنويات الفلسطينيين في الداخل والشتات، نتيجة خسارة جولة مهمة من جولات صراع الإرادات مع الاحتلال.

3. ارتفاع معنويات سلطات الاحتلال، وترويج انتصارها في المواجهة مع الفلسطينيين، وفي كي الوعي الفلسطيني.

4. تسريع وتيرة التطبيع الرسمي العربي، والتخفيف من الحرج مع الشعب الفلسطيني.

5. التأثير سلباً في قناعة بعض القوى السياسية والأوساط الشعبية بجدوى خيار المقاومة الشعبية، وقدرته على تحقيق الإنجازات.

السيناريو الرابع: الاتفاق السياسي على التهدئة وإنهاء الحصار:

وصف السيناريو:

نجاح الجهود المصرية في التوصل إلى اتفاق تهدئة طويل الأمد، ينهي الحصار المفروض على قطاع غزة، ويقود بالنتيجة إلى توقف المسيرات نتيجة تحقق أهدافها الرئيسية.

شروط تحقق السيناريو:

1. نجاح الجهود المصرية في الوصول إلى مقاربة مرضية مقبولة من الطرفين، تنهي حالة التأزم القائمة.

2. نجاح المسيرات في تشكيل ضغط قوي على الإسرائيليين، يدفعهم للتجاوب بصورة أكبر مع جهود التهدئة.

3. نجاح القائمين على المسيرات في مواصلة تنظيمها بزخم شعبي جيد، الأمر الذي من شأنه أن يفشل رهانات الإسرائيليين على تعب الفلسطينيين ويأسهم وتراجعهم.

4. تراجع قدرة السلطة الفلسطينية على تعطيل اتفاق التهدئة.

النتائج التي يتوقع أن تترتب على تحقق السيناريو:

1. تحقيق إنجاز مهم في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتكريس معادلة ردع جديدة، ورفع معنويات الفلسطينيين.

2. تعزيز أهمية خيار المقاومة الشعبية، كفعل منجز وضاغط ومساند للمقاومة المسلحة.

3. كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني.

الترجيح بين السيناريوهات:

بقراءة شروط تحقق السيناريوهات الأربعة يمكن الخروج بمجموعة عوامل يتوقّع أن تلعب دوراً مهماً في رسم المسار المستقبلي لمسيرات العودة، ومن أبرزها:

1. توفّر مبررات تواصل المسيرات بزخم مؤثر، وفي مقدمتها استمرار الحصار الذي شكل الدافع الأهم لتنظيم المسيرات.

2. قناعة منظمي المسيرات بجدوى استمرارها، وبتحقيقها للأهداف المرسومة لها، وامتلاكهم القدرة على مواصلة حشد الجماهير.

3. موقف الجانب الإسرائيلي وسلوكه السياسي والميداني في التعامل مع المسيرات، من حيث مستوى استخدام العنف في التصدي لها، ومدى التجاوب مع الجهود المصرية لتحقيق اتفاق تهدئة. وقد تلعب نتائج الانتخابات القادمة دوراً مؤثراً في طبيعة التعاطي الإسرائيلي مع قطاع غزة ومسيرات العودة.

4. موقف الجانب المصري، واستمرار وساطته من أجل الحفاظ على التهدئة، والتوصل إلى اتفاق سياسي حول هدنة طويلة الأمد.

5. مدى تمسك السلطة الفلسطينية بسلوكها المُعطّل للجهود المصرية، لإنجاز اتفاق تهدئة طويلة الأمد، وهو أمر يرتبط بتطورات ملف المصالحة، التي تواجه حالة انسداد في الوقت الراهن.

6. موقف الإدارة الأمريكية من القضية الفلسطينية، وانحيازها الصارخ لصالح الاحتلال الإسرائيلي، ومستوى تحركها لفرض مشروع “صفقة القرن”.

وفي حال عدم التوصل لاتفاق سياسي ينهي الحصار، يبدو خيار التراجع عن مسيرات العودة غير مطروح لدى الشعب الفلسطيني بعد التضحيات الكبيرة التي قدمها من أجل تحقيق أهدافه الوطنية. وتؤكد المعطيات القائمة ميدانياً امتلاك الشعب الفلسطيني إرادة صلبة، لمواصلة مقاومته الشعبية حتى تحقيق جزء معتبر من أهدافها.

ويظهر سلوك الاحتلال الإسرائيلي عدم رغبته حتى اللحظة لخيار الذهاب إلى تصعيد غير محسوب ومواجهة مفتوحة مع قطاع غزة. غير أن الأمر قد يختلف في حال أفرزت الانتخابات الإسرائيلية معطيات جديدة، أو إذا اندفع الطرفان نحو مواجهة غير مرغوبة نتيجة خطأ غير محسوب أو فعل مقصود من أطراف أخرى، ترغب بتوتير الأجواء لاعتبارات سياسية تخصّها.

أما على صعيد الوساطة المصرية، فيبدو أن الجانب المصري ما يزال متمسكاً بجهوده الهادفة إلى ضبط مستوى التوتر والحيلولة دون اندفاع الأمور نحو مواجهة واسعة مجهولة النتائج.

ولا يرجّح أن يطرأ تغيُّر جوهري على موقف السلطة من جهود التهدئة، في ظل تراجع فرص المصالحة والتصعيد الذي تسبَّب به قرارها بحل المجلس التشريعي وتشكيل حكومة جديدة بعيداً عن التوافق الوطني.

أما الموقف الأمريكي فيُرجَّح أن يظل مؤيداً للأولويات الإسرائيلية، ومتأثراً بحساباتها وتقديراتها في التعامل مع مسيرات العودة.

في ضوء ما سبق، فإن توقف المسيرات، نتيجة إرهاق الفلسطينيين ويأسهم من تحقيق إنجازات مهمة، يبدو احتمالاً مستبعداً. كما أن احتمالات الذهاب إلى مواجهة عسكرية واسعة بين الاحتلال وقطاع غزة في وقت قريب، لا تبدو مرجّحة في الوقت الراهن، مع بقاء فرصها قائمة. ولا ترجّح المعطيات الحالية كذلك فرص التوصل لاتفاق سياسي في وقت قريب يقود إلى كسر الحصار وتحقيق هدنة طويلة الأمد. الأمر الذي يرجّح فرص استمرار سيناريو الوضع القائم على المدى القصير.

توصيات:

في ظل النتائج المهمة التي حققتها مسيرات العودة كفعل إبداعي في مجال المقاومة الشعبية، يغدو مهمّاً تذليل العقبات التي تعترض طريقها، والمحافظة عليها كأداة نضالية ضاغطة في المواجهة مع الاحتلال، ومن أجل تحقيق ذلك ينبغي العمل على ما يلي:

1. المحافظة على وحدة الموقف والتوجيه والإدارة لمسيرات العودة، والتمسك بالوحدة الوطنية الميدانية التي تحققت بين مختلف الأطراف الوطنية، وعدم السماح لتداعيات الانقسام السياسي والجغرافي بالتأثير سلباً في تلك الوحدة.

2. السعي لتوسيع مساحة المسيرات، والفعل الشعبي المؤكد على التمسك بحق العودة، ليشمل الضفة والشتات الفلسطيني، والحرص على تحقيق حالة من التكامل. وفي حال لم يتسن تجاوز العقبات المعيقة لذلك، فليس أقل من إحياء مميز لذكرى النكبة القادمة في أيار/ مايو المقبل، حيث إن من شأن ذلك أن يشكل إسناداً مهمّاً ورافعة قوية لمسيرات القطاع.

3. تفعيل دور القوى السياسية الداعمة للحق الفلسطيني، عربياً وإسلامياً ودولياً، في تحقيق الإسناد الشعبي في الشارع العربي لمسيرات العودة وللمقاومة الشعبية التي يخوضها الشعب الفلسطيني في القطاع منذ عام كامل.

4. استئناف الجهود في كافة المحافل الدولية للمطالبة بتحقيق الحماية للمدنيين للفلسطينيين ولإدانة الجرائم الإسرائيلية.


لتحميل التقدير، اضغط على الرابط التالي:

>> التقدير الاستراتيجي (111): مسيرات العودة بعد عام على انطلاقتها تقييم الأداء وسيناريوهات المستقبل 
(20 صفحة، حجم الملف 2.9 MB )


>> التقدير الاستراتيجي (111): مسيرات العودة بعد عام على انطلاقتها تقييم الأداء وسيناريوهات المستقبل 
(20 صفحة، حجم الملف 2.2 MB )

* يتقدم مركز الزيتونة للأستاذ عاطف الجولاني بخالص الشكر على إعداد مسودّة هذا التقدير.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 30/3/2019