مدة القراءة: 4 دقائق

بقلم: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

لا يبدو أنه ستجرى انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في أيار/ مايو القادم (ولا حتى في المستقبل القريب)، وفق ما دعت إليه المحكمة الدستورية للسلطة الفلسطينية في رام الله، ولا بناء على الموافقة والترحيب الذي صاحبتها من حركة فتح وقيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.

ويبدو أن فتح ستتعامل عملياً مع الشق الذي ترغبه في قرار المحكمة، وهو المتعلق بحلّ المجلس التشريعي، أما الشق المتعلق بالدعوة للانتخابات خلال ستة أشهر، فلا يظهر أن ثمة رغبة حقيقية لدى فتح بإنفاذه؛ بغض النظر عن اعتراض باقي الفصائل الفلسطينية على المحكمة الدستورية نفسها، وعلى صلاحياتها وعلى قراراتها.

أولى مؤشرات عدم إجراء انتخابات هي أن الدعوة إليها جاءت في سياق صراع فتح وقيادة السلطة مع حركة حماس، وفي بيئة تزيد من تأزيم المشهد الداخلي الفلسطيني. وبالتالي فالانتخابات لم تأت في جوهرها كوصفة للعلاج، بقدر ما كانت غطاء لصراع إرادات، ومحاولة نزع الشرعية عن حماس، وقصقصة أجنحتها. أي أن قرار الدستورية جاء ليضع الزيت على النار، لا ليقدم خريطة طريق للخروج من المأزق.

ولم يكن من المعقول أن تترك قيادة فتح الخط المتوافق عليه مع الفصائل الفلسطينية وفق اتفاق المصالحة سنة 2011، لتفرض مساراً جديداً، يُفجّر البيئة الداخلية، ثم تتحدث عن “عرس انتخابي” فلسطيني. فالجهة الجادة في عمل الانتخابات؛ عليها إيجاد البيئة الصحية المناسبة لإجرائها؛ وليس القيام بتوتير الأجواء، ولا تبديد عملية بناء الثقة، والتي تحتاجها العملية الانتخابية “الديموقراطية” الشفافة. وقد واصلت قيادة فتح لغتها التأزيمية، مع حماس في وقت تحتاج فيه للوصول إلى تفاهمات معها، إذ إن مقاطعة حماس سيفقد الانتخابات الكثير من مصداقيتها، كما أن مشاركة قطاع غزة في الانتخابات مرهون أساساً بموافقة حماس وتعاونها.

وكان عضو قيادة فتح حسين الشيخ في حديث تلفزيوني في كانون الثاني/ يناير 2019 قال إنه لن تكون هناك حكومة وحدة مع حماس قبل إنهاء الانقسام إلا “على جثتنا”، وأنهم لن يسمحوا بحكم “الظلاميين”. ثم عاد الشيخ نفسه في 23/2/2019 للتهديد باتخاذ قرارات وإجراءات تمس وجود حماس ومستقبلها. كما أن حماس من طرفها رفعت من درجة نقدها لقيادة فتح والسلطة؛ فقام أعضاء التشريعي بإصدار قرار بإنهاء رئاسة عباس، كما نُفذت حملات لنزع الشرعية عنه.

المؤشر الثاني أن قيادة فتح هي بحاجة إلى “روافع” وطنية لإجراء الانتخابات، على الأقل على مستوى عدد من الفصائل الفلسطينية الوازنة، التي تشارك في الانتخابات؛ بحيث تتمكن فتح في النهاية من “محاصرة” حماس، وإجبارها إما على الخروج من اللعبة السياسية، أو الرضوخ لشروط فتح في إدارة العملية السياسية. غير أن ما قامت به قيادة فتح تَسبَّب في زيادة المعارضة الفلسطينية لها، ورفضت كافة الفصائل الرئيسية قرار الدستورية بحل التشريعي، كما رفضت التعاطي بجدية مع موضوع الانتخابات، وألقت باللائمة على فتح وقيادة السلطة في تأزيم الوضع الفلسطيني. ورفضت هذه الفصائل المشاركة في الحكومة المقترحة من فصائل منظمة التحرير لإدارة السلطة وإدارة عملية الانتخابات. وبالتالي، فقد كانت النتيجة مزيداً من عزلة فتح في الساحة الفلسطينية، ومزيداً من التلاقي بين خط هذه الفصائل السياسي والخط السياسي لحماس. وهو ما يعني أن قيادة فتح والسلطة فشلت حتى في إيجاد الحد الأدنى المطلوب، لـ”شرعنة” الانتخابات، أو لعزل حماس.

ولا يبدو أن قيادة فتح والسلطة نفسها أنها كانت مكترثة أصلاً باستيعاب حقيقي لباقي الفصائل الفلسطينية الرئيسية المشاركة في منظمة التحرير. فهي لم تقدم أي عرضٍ يستحق الاهتمام لتجاوز الأزمة السياسية، أو لمواجهة معضلات السلطة، أو استحقاقات أوسلو. بل، بالرغم من حديثها عن حكومة تديرها فصائل المنظمة، إلا أنها تابعت خطاباً سياسياً “فوقياً”؛ بينما ظلت الفصائل على معارضتها.

إن حالة التأزيم مع الفصائل الفلسطينية كانت المظهر الذي أدى إلى فشل مفاوضات موسكو في 11-12/2/2019 بين الفصائل، والذي فشل في إصدار بيان ختامي عنه. والذي (دون الخوض في التفاصيل) أدى إلى هجوم إعلامي فتحاوي ضدّ حركة الجهاد الإسلامي وضدّ حماس، مع قرار فتحاوي بمقاطعة حركة الجهاد الإسلامي. وهو ما أرجع البيئة السياسية الفلسطينية خطوة أخرى إلى الوراء.

من جهة ثالثة، فإن قيادة فتح والسلطة صممت الانتخابات بحيث تُعقد فقط للمجلس التشريعي الفلسطيني، وكأن المقصود فقط هو إنهاء أغلبية حماس البرلمانية، وتهميش وضعها السياسي؛ وهو ما يندرج في إطار المناكفة السياسية، وليس إصلاح النظام السياسي الفلسطيني. إذ إن اتفاق المصالحة الذي التزمت به الفصائل الفلسطينية التزم بإجراء انتخابات متزامنة للمجلس التشريعي والمجلس الوطني والرئاسة الفلسطينية. ومحاولة إنفاذ ما يروق فقط لقيادة فتح، سيفهم منه مجرد “إعادة تموضع” لهذه القيادة، مع بقاء النظام السياسي في حالته المتردية البئيسة. وهو ما سيجد رفضاً فلسطينياً فصائلياً وشعبياً.

المؤشر الرابع أن استطلاعات الرأي العام الفلسطيني لا تعطي مؤشرات مشجعة لقيادة فتح والسلطة بخوض انتخابات حقيقية، تشارك فيها حماس. فوفق آخر نتائج استطلاع رأي نفذه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله (وهو جهة مستقلة) فإن هناك شبه تساوٍ بين شعبيتي فتح وحماس، غير أن هنية سيفوز على عباس في الانتخابات الرئاسية بفارق 7%. وهناك 65% يطالبون عباس بالاستقالة، والنسبة نفسها تقريباً ضدّ أداء حكومة عباس، و80% يشيرون إلى وجود فساد في السلطة، و77% يطالبون برفع العقوبات التي فرضها عباس على القطاع، كما يرفض 61% موقف عباس باشتراط استلام قطاع غزة بالكامل (بما فيها السيطرة على سلاح المقاومة)، وعدد الذين يلومون عباس على سوء الأوضاع في قطاع غزة هو ضعف أولئك الذين يلومون حماس.

وعلى ذلك، فليست ثمة مبرر لقيادة فتح والسلطة أن تجري انتخابات، إذا لم تضمن الفوز بها. وإلا فإذا لم يكن لدى فتح مانع من التعامل مع مجلس تقوده حماس؛ فلماذا عطلت المجلس التشريعي (ذو الأغلبية الحمساوية) 12 عاماً، ولماذا قامت بحله؟! ولماذا لم تنفذ اتفاق المصالحة بشأن تفعيل هذا المجلس؟!

الطرف الإسرائيلي يملك قدرة كبيرة على تعطيل الانتخابات الفلسطينية، خصوصاً في الضفة الغربية بما فيها القدس. وهو طرف بميوله اليمينية المتطرفة، وبرغبته في الاستمرار ببرامج الاستيطان والتهويد، ليست لديه توجهات بفتح المجال للسماح بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني (على الأقل في مناطق سيطرته). وهو طرف لديه “فيتو” على فوز حماس وتجديد شرعيتها، اتساقاً مع سياسته، التي مارسها لسنوات طويلة، في إفشالها ومطاردة عناصرها وتدمير بناها التحتية. وحتى مع فتح وباقي الفصائل المؤيدة لمسار التسوية فإنه يسعى إلى تطويعها، وإلى تكريس السلطة الفلسطينية كأداة وظيفية، لا تملك فرصة التطور إلى دولة مستقلة كاملة السيادة. وليس ثمة ما يجبره لإفساح المجال أمام الفلسطينيين لبناء مؤسساتهم الوطنية المعبرة عن إرادتهم. وهذا مؤشر خامس على صعوبة إنفاذ الانتخابات في المدى المنظور.

يدعم المؤشر السابق مؤشر سادس مرتبط بالتساوق الأمريكي مع التوجهات الإسرائيلية، والرغبة الأمريكية في تطويع الجانب الفلسطيني بما يتناسب مع “صفقة القرن”؛ وتسليم القدس للطرف الإسرائيلي، وتضييع حقّ اللاجئين في العودة، وإنشاء كيان فلسطيني منزوع السيادة على أجزاء من فلسطين المحتلة 1967. ولذلك، فإن أي ترتيبات تعيد الحيوية للمشروع الوطني الفلسطيني، أو تستوعب مكونات المقاومة المسلحة، والتيارات الإسلامية في منظمة التحرير وفي السلطة الفلسطينية، هي ترتيبات مرفوضة أمريكياً، وسيسعى الأمريكان إلى إفشالها وتعطيلها.

من ناحية سابعة، فإن البيئة العربية بضعفها وتمزقها، وتساوقها مع الرؤى الأمريكية ومسارات التطبيع مع الجانب الإسرائيلي، وعدائها أو معارضتها لتيارات المقاومة وتيارات “الإسلام السياسي”، تُشكل عقبة أخرى في وجه إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، بشكل يستوعب كافة القوى والمكونات وفق أوزانها الحقيقية. فما زالت “الشرعية” العربية تُعطَى لمسار التسوية، ولا تسمح بأن يعيد خط المقاومة ترتيب منظمة التحرير أو السلطة على أسس جديدة؛ تجعل اتفاقات أوسلو وراء ظهرها.

***

وبناء على ما سبق، فإن مجمل المعطيات تشير إلى استبعاد عقد انتخابات فلسطينية، ليس فقط في شهر أيار/ مايو القادم، وإنما طوال سنة 2019 على الأقل. وما ينبغي المراهنة عليه هو الدفع باتجاه إرادة فلسطينية حقيقية تتعامل مع الانتخابات، كأداة فاعلة لترتيب البيت الفلسطيني على أسس صحيحة، وليس مجرد غطاء لاستبعاد وتهميش قوى فلسطينية، ولا كأداة لإعطاء مزيد من الروح للمنظومة السياسية الفلسطينية المهترئة.

المصدر: موقع ”TRT“ تي آر تي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية) – تركيا، 27/2/2019