مدة القراءة: 13 دقائق

 “ورقة عمل: رؤية حركة حماس لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني … أ. سامي خاطر (نسخة نصيّة HTML)

 لتحميل
ورقة العمل كاملةً اضغط هنا  (14 صفحة، 616 KB)

هذه الورقة تمّ نشرها في كتاب “حركة المقاومة الإسلامية حماس: دراسات في الفكر والتجربة”، الذي قام بتحريره أ. د. محسن محمد صالح، والذي صدر نصه العربي عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت سنة 2014. تمّ رفع هذه النسخة الإلكترونية على موقع الزيتونة في تموز/ يوليو 2015. 

الآراء الواردة في هذه الورقة، لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

ورقة عمل: رؤية حركة حماس لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني … أ. سامي خاطر [1]

مقدمة:

من الطبيعي أن تثار أسئلة أو نقاشات أو تقييمات لفكر وسلوك أيّ جماعة منظمة خاصة، إذا كانت عاملة في مجال الصراع الذي له تداخلات محلية وإقليمية ودولية بشكل عام، أو إذا كان الدور فاعلاً ومؤثراً كما هو حال حركة المقاومة الإسلامية حماس بشكل خاص.

ومع أن فكر وسلوك حركة حماس في إدارة الصراع مع العدو الصهيوني يتعرض لخطة تشويه منهجية من الجهة الرئيسية المتضررة من ذلك وهي الكيان الصهيوني، الذي بات يسمى بـ”دولة إسرائيل”، وأنصارها في الغرب بشكل خاص. ومع أن هذه الخطة المنهجية قائمة على أساس معاداة ومحاربة حركة حماس بكل السبل المتاحة لهم؛ فإن هذا الفصل لا يستهدف الرد على المغالطات الغالبة على تلك الجهود، لأننا نرى بأن ذلك لن يُحْدِث تحولاً عندهم، ولا عند كثير من الذين يؤيدونهم، لأسباب تاريخية أو مرحلية أو مصلحية.

مما يؤسف له، أنه على الرغم من عقد حوارات معمقة بين أطراف رسمية وشعبية أوروبية، وبين حركة حماس، ما تزال معظم دول الغرب لا تتعامل مع حركة حماس طبقاً لقيم وقواعد القانون الدولي، ولا طبقاً لحقيقة مواقف وسياسات حركة حماس التي تتسم بالمنهجية والعقلانية والواقعية؛ وإنما يُنظر لها إما من خلفية الالتزام الغربي بدعم المشروع الصهيوني، على ظلمه وعدوانه، وإما من خلال المعيار الإسرائيلي الذي يَعدُّ أيّ حركة مقاوِمةٍ له حركةً إرهابية.

والمأمول أن يُغيِّر الغرب معاييره في التعامل مع قضية احتلال فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي طبقاً لمبادئ القانون الدولي، وقيم الحرية والعدالة، وحرصاً على مستقبل السلم والاستقرار الدولي.

ونحن هنا لا نكتب بحثاً أكاديمياً، وإنما رؤيةً شاركْنا في صياغتها، منذ بداية تأسيس حركة حماس، لتكون بين أيدي صناع القرار السياسي، أو الباحثين والمهتمين بموضوع البحث؛ آملين أن يسهم ذلك في فهم حركة حماس بشكل خاص، وفي فهم موضوع الصراع الفلسطيني مع الاحتلال الصهيوني، الذي يُشكِّل بؤرة الصراع الدولي في العالم العربي أو ما يُعرف بِمنطقة “الشرق الأوسط” بشكل عام.

أولاً: الموجهات الأساسية في بلورة رؤية حماس:

نحن نتحدث هنا عن الموجهات، أو العوامل الأساسية في بلورة رؤية حركة حماس لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، ورسم المواقف والسياسات العامة حول ذلك. أما اتخاذ القرار بشأن مستجدات الصراع، فيتم بحسب المنهج المتبع في ذلك، وهو تقدير الموقف في ضوء الظروف والتطورات المتعلقة بذلك الحدث، على قاعدة تحديد المصلحة، وعدم التعارض مع الاستراتيجية والأهداف المرحلية.

وقد شكلت النقاط التالية الموجهات الأساسية في رسم معالم رؤيتنا لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، منذ بداية تأسيس الحركة وهي:

1. الخلفية الإسلامية:

ونعني بها الموازين الإسلامية أو الأحكام الشرعية بشكل عام، وتلك المتعلقة بالصراع مع العدو الصهيوني بشكل خاص. وهذا ناشئٌ عن كوننا جزءاً من شعب فلسطين، الذي يدين بغالبيته بالإسلام، وينتمي لأمة عربية إسلامية دينها الغالب هو الإسلام أيضاً. وبالتالي فمن الطبيعي، وسيظل كذلك إلى ما شاء الله، أن تكون القيم والأحكام الشرعية حاضرة ومؤثرة في مواقف وسياسات حركة حماس.

وفلسطين بالنسبة لأهلها، ليست أرضاً فحسب، بل هي ذات خصوصية إضافية، ناشئة عن كونها أرضاً مقدسة ومباركة، وقبلة المسلمين الأولى، وأرض الإسراء والمعراج حيث أُسري بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى القدس، ومن هناك عُرج به إلى السماوات العلا. وفيها المسجد الأقصى المبارك الذي وردت في فضله وأهميته نصوص في القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفلسطين نتيجة لهذه الخصوصية الإضافية من الناحية الدينية، ولمكانتها الاستراتيجية في المنطقة العربية والإسلامية، تحتل مكانة خاصة لدى العرب والمسلمين، كما أن لها مكانة خاصة لدى الأديان السماوية الأخرى، وخصوصاً العرب المسيحيين، لأنها مهد يسوع المسيح عليه السلام وفيها كنيسة القيامة، إضافة إلى كونها أرض آبائهم وأجدادهم.
وبناء على ذلك تدافع حماس عن أرض فلسطين ليس فقط بسبب أنها وطنهم وأرض آبائهم وأجدادهم، وأنها احتُلَّت من عدو غاصب، بل إن هناك دافعاً إضافياً هو مكانتها الخاصة لدى المسلمين التي تمتاز بها عن غيرها من أرض العرب والمسلمين.

كما يجعل مساعدة العرب والمسلمين لأهل فلسطين مساندة تختلف في الدرجة والقوة عن مساندتهم لأي شعب من شعوبهم يتعرض للاحتلال أو العدوان.

وترى حماس أن عدم أخذ ذلك بنظر الاعتبار لدى الغرب المناصر أو المنحاز للكيان الصهيوني، عامل يزيد المنطقة توتراً وعدم استقرار، مهما لقيت جهودهم من دعم وتأييد وإسناد.

2. ظروف النشأة:

ونعني بها هنا انتماء مؤسسي حركة حماس إلى تيار جماعة الإخوان المسلمين كبرى حركات الإسلام، ذات البعد الشامل في فهم الإسلام. وقد أسهم ذلك في أن جعل منهج حركة حماس من الناحية الدينية أشد قناعة وميلاً لما أصبح يسمى مدرسة الوسطية والاعتدال، التي تعبر عن التيار السائد في أوساط العرب والمسلمين في الوقت الحاضر. وهي ما تزال تنتمي لهذه المدرسة من الناحية الفكرية، أما من الناحية التنظيمية فحماس حركة تحرر وطني لها آلياتها الخاصة بها لإدارة القرار ورسم السياسات، وهي كما هو معلوم جعلت حجر الزاوية في علاقاتها الخارجية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والأحزاب والمنظمات.

وعلى سبيل المثال، نشير هنا إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية تُوجب على المسلمين قتال من يحتل أرضهم، وهو ما حصل تماماً في فلسطين؛ حيث قامت الحركة الصهيونية بتنظيم حملات هجرة لليهود من أوروبا إلى فلسطين، وتمّ التمكين لهم من خلال الاحتلال البريطاني إلى أن تمكنوا بالقوة والغلبة من إنشاء “دولة إسرائيل”، وطرد الشعب الفلسطيني إلى المنافي والشتات.

وعلى سبيل المثال أيضاً، فإن ما يُذكر من “قتال اليهود” في فلسطين إنما هو في مواجهة من قام منهم بالاحتلال والاعتداء، وليس لأنهم يهود؛ طبقاً للقاعدة الإسلامية المعروفة “لا إكراه في الدين”.

3. الخلفية الفكرية العامة حول ظروف نشأة “دولة إسرائيل” ودور الغرب في ذلك:

ويقصد هنا أن حركة حماس كغيرها من الحركات الفلسطينية أو العربية والإسلامية ذات البعد السياسي كان لها دراسة وفهم عميق لكيفية نشوء ما يُسمى “دولة إسرائيل”، ولأننا نتحدث هنا عن رؤية فإننا لا نسهب في الحديث عن الشواهد والتفاصيل المتعلقة بإدراك الظروف والملابسات التي أدت لقيام “إسرائيل” على أرض فلسطين واستمرار عدوانها والدعم الغربي لها.

فقد كان واضحاً لدينا في حركة حماس أن مشروع إنشاء “دولة إسرائيل”، وإن كان له دوافع وخلفيات دينية وقومية عند بعض الطوائف اليهودية في أوروبا بشكل خاص، إلا أن مشروع إنشاء “دولة إسرائيل” في فلسطين كان العامل الأساسي في إنجاحه هو القوى الاستعمارية الأوروبية لأسباب جيو-استراتيجية، ورغبة في التخلص مما يسمى “المسألة اليهودية”، وأن تكون هذه الدولة أداة لفرض الهيمنة والسيطرة على قلب المنطقة العربية والإسلامية، والحيلولة دون نهضتها لكي تبقى مواردها وثرواتها في خدمة الدول الاستعمارية من جهة، وللحيلولة دون نهضة العرب والمسلمين، وبشكل خاص أن يصبحوا قوة فاعلة ومؤثرة في الإقليم والعالم، أو أن تكون لهم استقلالية في المواقف والسياسات. كما لا يخلو الأمر لدى عدد من القوى والقيادات الغربية من خلفيات دينية وثقافية تدعم ما يسمى “عودة اليهود” إلى فلسطين.

لقد شهد التاريخ الإسلامي منذ نشأته على التسامح مع أتباع الديانات السماوية وفي مقدمتهم اليهود، حيث عاشوا آمنين في الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة إلى العصور الحديثة. ونشير هنا بشكل خاص أن قتالهم في المدينة المنورة وحولها قد تمّ بعد قيامهم بالعدوان والتآمر على المسلمين وعلى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى دولتهم الناشئة.

وقد سجل التاريخ أن يهود إسبانيا (الأندلس) لجأوا إلى بلاد المسلمين بعد محاكم التفتيش. كما سجل التاريخ الفلسطيني بشكل خاص التسامح بين النصارى واليهود والمسلمين على مدار التاريخ، ولم ينشأ صراع بين المسلمين والنصارى من جهة، واليهود من جهة ثانية، إلا بعد نشوء العصابات الصهيونية في فلسطين، وارتكابها مجازر وحشية ضدّ الفلسطينيين، وبعد قيام “إسرائيل” ووضوح سياستها العنصرية ضدّ كل شيء عربي أو إسلامي.

وقد شهد النضال الفلسطيني منذ بداياته مشاركة المسيحيين إلى جانب المسلمين ضدّ الاحتلال الصهيوني. ويذكر هنا على سبيل المثال كيف أن أحد أبرز مساعدي الحاج أمين الحسيني زعيم فلسطين في فترة الاحتلال البريطاني كان إميل الغوري وهو مسيحي.

وهذه الخلفية التاريخية ما زالت وراء تفسير المواقف الغربية الداعمة أو المنحازة لمواقف “إسرائيل”، على الرغم من وجود دوافع أخرى تمليها أحياناً بعض الظروف والملابسات المتعلقة بطبيعة التنافس على المصالح داخل القوى الغربية الداعمة لـ”إسرائيل”.

وتأسيساً على هذا الفهم رأت حركة حماس أن المشروع الصهيوني، وإن استهدف بشكل مباشر الاستيلاء على أرض فلسطين وتشريد شعبها، إلا أنه مشروع يستهدف الأمة العربية والإسلامية في حاضرها ومستقبلها، وأنه بناء على ذلك لا بدّ للأمة أن يكون لها دور في الصراع مع الاحتلال الصهيوني، وألا يقتصر الدور فقط على الشعب الفلسطيني.

4. رصيد التجربة:

ويقصد بذلك الدروس والعبر التي تمّ أخذها من رصيد الصراع مع العدو الصهيوني، وخصوصاً بعد قيام “إسرائيل” سنة 1948، الذي مكن “إسرائيل” من السيطرة على قرابة 77% من مساحة فلسطين، وبعد عدوان 1967 الذي أدى لاحتلال باقي فلسطين.

ونشير هنا، على سبيل المثال، أن أسلوب خطف الطائرات كأداة من أدوات مقاومة الاحتلال لم يكن مجدياً لأسباب متعددة. كما أن اختلال ميزان القوة لصالح العدو من جهة، وانحياز الغرب له من جهة أخرى، وتأثر بعض الدول في المنطقة بذلك من ناحية ثالثة، جعل حركة حماس تحصر ساحة مواجهتها للاحتلال داخل فلسطين فقط، على الرغم من استهداف العدو الصهيوني للشعب الفلسطيني واغتيال قادته في المنافي والشتات.

5. مراعاة قواعد القانون الدولي والإنساني:

وهذا ناشئ أيضاً عن التلاقي بين القيم الإسلامية الداعية إلى الجنوح للسلم والاستقرار واعتبار الحرب أداة للضرورة والدفاع عن النفس من جهة، وبين مبادئ حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي من جهة ثانية. ولذلك فقد سعت حماس لمراعاة هذه الجوانب في سياساتها ومواقفها، وما تزال تدعو الغرب بشكل خاص إلى تطبيق مبادئ القانون الدولي، وإلى عدم الانحياز للعدو المحتل.

وطبقاً للقانون الدولي فإنه لا يجوز الاستيلاء على أرض الآخرين بالقوة، ولا فرض الوقائع لمصادرة حقوق أهل الأرض، كما تفعل “إسرائيل” سواء في الأراضي التي احتلت سنة 1948 أم سنة 1967. وطبقاً للقانون الدولي فإن حقّ مقاومة الاحتلال حقّ مشروع، ولكن الغرب في جملته لا يقر للشعب الفلسطيني بذلك، ويتماهى مع العدو في اعتبار المقاومة المسلحة من أعمال الإرهاب.

وفيما يتعلق بالعمليات الاستشهادية، التي يسميها الغرب عمليات انتحارية أو تفجيرية، فعلى الرغم من أنها كانت دائماً في سياق ردّ الفعل على جرائم جيش وقوات الاحتلال، فقد بادرت حماس، في حينها، أكثر من مرة إلى عرض وقف القيام بها، إن أوقفت قوات الاحتلال عملياتها المتواصلة ضدّ المدنيين الفلسطينيين؛ إلا أن دولة الاحتلال رفضت ذلك. وفي كل مرة توافق فيها حماس على وقف إطلاق النار كان الاحتلال يبادر إلى نقض ذلك وخرقه. وهو أمر معروف لكل المتابعين لشأن الصراع العربي الإسرائيلي، لكننا نورد ذلك هنا في معرض تبيان كيف أن حركة حماس تحرص دائماً على مراعاة المبادئ والقيم الإنسانية المتفق عليها في الاتفاقيات الدولية. ويعلم كل متابع أن دولة الاحتلال هي التي ترفض تطبيق بنود اتفاقيات جنيف الدولية، كما ترفض كثيراً من القرارات الدولية، التي حاولت إنصاف الشعب الفلسطيني، ولو جزئياً، في صراعه المرير مع الاحتلال.

ثانياً: رؤية حماس لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني:

وفي ضوء ما سبق يمكن التعبير عن رؤية حركة حماس لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني المتمثل في “إسرائيل” ضمن العناوين التالية:

1. منظور العداء لدى حماس:

استغرق العالم الغربي قروناً طويلة في الحروب لأسباب اقتصادية أو سياسية أو طائفية إلى أن توصل لحصر معنى العداء والعدوان، بأنه كل عمل تقوم به دولة على دولة أخرى، سواء بالاحتلال العسكري لبعض الأقاليم أم بالهجمات المتعددة الأشكال، سواء على الأرض أم على القوات المسلحة أم على الأساطيل التجارية، وأن ما يترتب على هذا العدوان باطل مهما تقادم عليه الزمن. أما مفهوم العداء في الإسلام الذي هو مرجعية حماس الفكرية فقد تمّ تحديده منذ مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قامت الدعوة الإسلامية على مبدأ السلام، ورفض العدوان على الأفراد والجماعات، واعتباره جريمة محرمة في كل زمان ومكان، وأن العدوان لا يكون إلا بحق المعتدي.

وبناء على ذلك فليس هناك ابتداء بالعداء على أيّ فرد أو جماعة أو دولة بسبب عرق أو دين أو ثروة، أي أنه ليس وارداً في الإسلام ولا عند حماس العداء للنصارى أو اليهود أو حتى المشركين، ما لم يبادروا بالعدوان على المسلمين وأرضهم ومقدساتهم وثرواتهم. ومعيار العداء والعدوان بالتالي عند حماس هو معيار سياسي في الأساس، وليس عقيدة دينية أو نظرة عنصرية أو طائفية. ولكنه يأخذ بعداً إضافياً في الدافع والحافز، بسبب ما ذكرناه في خصوصية فلسطين الدينية عند العرب والمسلمين. وأما الخلاف بين المسلمين وغيرهم من النصارى واليهود بسبب العقائد والشرائع، فهو من الخلاف الطبيعي الذي شهدته البشرية منذ بداية نزول آدم وحواء للأرض وعمارتها. وهو خلاف يقوم على الحجة والبيان، وآليته التسامح والحوار. وهو ليس سبباً للعداوة أبداً في الشريعة الإسلامية، كما هو متفق عليه في كل مذاهب الفقه الإسلامي.

2. حماس واليهود:

اليهود كما النصارى كما جميع البشر، طبقاً لمعتقدات المسلمين خُلقوا من نفس واحدة، والإنسان أخو الإنسان، وله حق العيش بحرية وكرامة، دون استثناء أو تمييز، حيث إن الإنسان مُكرَّم بِغضِّ النظر عن دينه أو لونه أو جنسه أو عرقه.

وحماس إذ تقاوم الاحتلال وتقاتل “إسرائيل” اليوم لا تفعل ذلك من باب العداء لليهود كأصحاب ديانة، وإنما تمارس حقّ الدفاع عن النفس، وحقّ ردّ العدوان الواقع على الأرض والمقدسات والثروات والإنسان في فلسطين من قبل أجهزة أمن ومؤسسات دولة الاحتلال الصهيوني.

وكما ذكرنا آنفاً فقد كانت فلسطين مثالاً للتسامح والتعايش بين سكانها المسلمين والنصارى واليهود. ولم يقع الصراع والقتال إلا بعد قيام عصابات الحركة الصهيونية بالعدوان على السكان والأرض الفلسطينية، والذي أخذ منهجاً مخططاً ومتواصلاً بعد قيام “إسرائيل”.

وبناء على هذه الرؤية ليس لدى حماس أيّ مشكلة مع أتباع الديانة اليهودية في العالم، كما حصرت ساحة مواجهة الاحتلال في أرض فلسطين فقط، على الرغم من استهداف “إسرائيل” لأبناء الشعب الفلسطيني وقيادات حركات المقاومة الفلسطينية في المنافي والشتات.

وعندما تتحرر الأرض الفلسطينية ويزول عنها الاحتلال الصهيوني الباطل، سيعيش سكانها من المسلمين والنصارى واليهود وغيرهم في تسامح وتعايش وأمن وسلام، كما كانوا يعيشون قبل بداية حملات الهجرة الممنهجة التي نظمتها الحركة الصهيونية ليهود العالم إلى فلسطين. ونشير في هذا المقام إلى تعمد الباحثين الصهاينة وبعض من يناصرهم لإثارة أن هناك نصوصاً في ميثاق حركة حماس قد يفهم منها ما يسمونه بمعاداة السامية، أي عداء اليهود لأنهم يهود، وهذا تضليل مقصود، حيث لم يرد في ميثاق حماس ما يشير لذلك، فضلاً عن أن “العداء للسامية” غير معروف أصلاً عند المسلمين، وهو يعبر عن “المسألة اليهودية” التي نشأت في أوروبا.

وإذا كانت هناك بعض المفردات الفضفاضة في ميثاق حماس، فهذا يرجع لظروف النشأة، حيث غلب هذا الأُسلوب على الخطاب العربي والإسلامي بشكل عام، ولم يكن مصطلحاً مقصوداً سواء من الناحية الدينية، أم السياسية، أم القانونية. والمتأمل في مسيرة حماس وأدائها السياسي منذ نشأتها يدرك موقف حماس من أتباع الديانة اليهودية على النحو الذي شرحناه آنفاً بوضوح.

3. حماس والحركة الصهيونية:

تفرق حماس بين اليهودية كدين سماوي، والصهيونية كحركة سياسية عدوانية عنصرية، هدفها احتلال فلسطين وطرد سكانها منها، وإقامة دولة قومية لليهود، كما تَحقَّق لهم بفعل استخدام القوة الغاشمة، وتواطؤ الدول الاستعمارية خصوصاً بريطانيا في أثناء فترة انتدابها لإدارة فلسطين منذ سنة 1922 وحتى قيام “إسرائيل” سنة 1948.

ففي حين تعدُّ حماس أيّ يهودي ليس عدواً لها بسبب معتقده الديني، فإنها تعدُّ كل صهيوني يهودياً كان أم غير يهودي، أي الذي اعتنق المبادئ الصهيونية، وشارك في خططها ومشاريعها العدوانية قبل سنة 1948 أو أصبح عنصراً في دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد سنة 1948 ويشارك بصورة أو بأخرى في جرائمها العدوانية، فهو يدخل ضمن أعداء الشعب الفلسطيني، وبالتالي ضمن أعداء حركة حماس. ومع ذلك حماس لا تستهدفه ضمن أنشطتها في مقاومة الاحتلال إلا إذا كان في داخل فلسطين.

4. حماس و”دولة إسرائيل”:

تَعدُّ حركة حماس “إسرائيل” كياناً باطلاً، لأنه جاء نتيجة عدوان صهيوني باطل على أرض وشعب فلسطين، وقام هذا الكيان الباطل باغتصاب كامل أرض فلسطين بعد عدوان سنة 1967. وهذه الدولة المحتلة تمارس كل أشكال العدوان على الأرض والشعب والمقدسات، وتعمل بكل ثبات لتهويد أرض فلسطين، وتشريد معظم أبنائها خارج فلسطين، وتعامل من يبقى منهم بتمييز عنصري أشد من التمييز العنصري الذي شهدته جنوب إفريقيا أيام الحكم العنصري.

وهي تصادر الأرض وتبني المستعمرات، وتقهر المواطن الفلسطيني بكل أنواع الظلم والامتهان والتنكيل والاعتقال والسجن والحرمان؛ وتعمل على بناء دولة يهودية عنصرية، وتطالب العالم بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص الاعتراف بها كدولة يهودية، الأمر الذي تطمع أن يعطيها شرعية لكل ما تفعله من أجل طرد الشعب الفلسطيني من أرضه.

والكيان الإسرائيلي إذ يفعل ذلك، فإن حماس تعدُّه عدواً يجب قتاله ومقاومة سياسته بكل السبل المشروعة، طبقاً لأحكام الفقه الإسلامي، وقواعد القانون الدولي، وقيم الحرية والعدل المُجمَع عليها لدى البشر جميعاً. وإن مطالبة الغرب للشعب الفلسطيني عامة، وحركةَ حماس خاصة بالاعتراف بـ”إسرائيل”، هو ظلم إضافي على الظلم الذي ارتكبوه في دعم قيام الكيان الصهيوني. وليس وارداً في رؤية حماس أبداً الاعتراف بما يُسمى “دولة إسرائيل” اعترافاً قانونياً، أو بأي طريقة تُعطي شرعية لوجودها أو لاحتلالها؛ حيث يعني ذلك بطلان حقّ الشعب الفلسطيني في أرضه ومقدساته، وحقه في الدفاع عن نفسه، أو حقه في التحرر من الاحتلال وتقرير مصيره، باعتباره حقاً طبيعياً، وحقاً أصيلاً في المواثيق الدولية.

5. وسائل حماس في مقاومة الاحتلال:

استناداً إلى إيمان حماس بأن “إسرائيل” كيان باطل، وأنها دولة احتلال، فإن وسيلتها الأساسية في مقاومة الاحتلال هي القتال بكل السبل المشروعة، والصبر على تكلفة ذلك، حتى يزول الاحتلال وتتحرر الأرض الفلسطينية. ومقاومة الاحتلال كما تراه حماس ليس حقاً بحسب مرجعيتها الإسلامية فحسب، بل هو حقّ بحسب القوانين والمواثيق الدولية أيضاً. وتأمل حماس من قوى العدل وأنصار الحرية في العالم مناصرتها في حقها في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ودعم صموده ومقاومته حتى النصر وتحرير الأرض والمقدسات.

والعدو المحتل لا يُواجه إلا بالمقاومة بكل أشكالها، خصوصاً المقاومة المسلحة؛ أما المفاوضات وهي وإن كانت جائزة سواء في الفقه الإسلامي أم العلاقات الدولية، إلا أنها غير مجدية مع الاحتلال القمعي العدواني.

وقد أثبتت مسيرة المفاوضات منذ بدايتها في مدريد سنة 1991 وحتى الآن، أنها استخدمت بشكل جوهري غطاءً لكل برامج التهويد ولكل إجراءات “إسرائيل” القمعية ضدّ السكان والأرض والمقدسات في فلسطين. وحماس ترى أنه لا فائدة للفلسطينيين في المفاوضات إلا إذا تمّ الاعتراف بهم كشعب له حقوق غير قابلة للتصرف، وقامت له دولة معترف بها بناء على ذلك. ومع ذلك، وفي ضوء حرص حماس على وحدة الموقف الفلسطيني، فإنها على استعداد لاحترام نتائج استفتاء شعبي حرّ ونزيه حول ما قد تتوصل إليه المفاوضات التي تقوم بها قيادته الممثلة بشكل صحيح لجموع قواه وفصائله السياسية، مع الاحتفاظ بوجهة نظرها الخاصة بها فيما يتعلق بدولة الاحتلال.

6. حماس وأنصار “إسرائيل”:

ترى حماس أن مناصرة “إسرائيل” في عدوانها على الشعب الفلسطيني ظلم بَيِّن ليس له سند في الأعراف والقوانين البشرية والدولية. وتأمل حماس من كل من يناصر “إسرائيل” أن يتوقف عن ذلك دعماً للحق الفلسطيني من جهة، وللسلم والأمن الدولي من جهة ثانية.

ولكن حماس لا تعدُّ من يناصر “إسرائيل” عدواً مباشراً لها، يستحق الرد المباشر باستهدافه، فحماس لا تستهدف إلا من يشارك في العدوان على الشعب الفلسطيني. وبناء على ذلك، لم تستهدف عمليات المقاومة أيّ فرد أو جماعة أو دولة غير دولة الاحتلال. كما تجنبت الحركة استهداف الاحتلال ورموزه ومؤسساته خارج ساحة فلسطين؛ وهذه السياسة ليست نابعة من الخوف كما قد يُتصور لأول وهلة، لكنه بالإضافة إلى كونه من باب الحكمة المطلوبة والمشروعة، فإنه يندرج أيضاً في إطار المبادئ والسياسات المدروسة الهادفة لعدم استعداء الآخرين، ولدعم السلم والأمن في العلاقة بين الأمم والشعوب وخير البشرية بشكل عام.

7. حماس واستهداف المدنيين:

القتال، كما هو مشروع في الإسلام، يَنهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، أو بعبارة أخرى ينهى عن قتل غير المقاتلين، وهو أمر واضح في فقه أحكام الحرب في الشريعة الإسلامية. وفي ضوء ذلك فإن المقاومة التي تقوم بها حركة حماس هي حقّ مشروع ضدّ الاحتلال، وتستهدف ضرب القوى والبنى العسكرية والعدوانية لدى دولة الاحتلال.

ولم تبادر المقاومة الفلسطينية بالعمليات التي غلبت على نتائجها إصابة غير المقاتلين، إلا للضرورة ورداً على العدوان على المدنيين الفلسطينيين، وخصوصاً المذابح الإرهابية التي اقترفها الصهاينة ضدّ المدنيين العزَّل من الشعب الفلسطيني؛ كما حدث في مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في 25/2/1994، والتي استهدفت أرواح المصلين الآمنين في مكان عبادة.

لقد عرضت حماس وكتائب المقاومة عدة مرات مبادرةً بالتزام عدم التعرض للمدنيين من الطرفين، لكن دولة الاحتلال لم تقبل بذلك، وما تزال تقترف الجرائم ضدّ المدنيين من أبناء الشعب الفلسطيني، دون اعتبار لقيمة إنسانية، أو احترام لقواعد حقوق الإنسان، أو المواثيق الدولية، والسؤال من الذي يلام أكثر؟ الضعيف الواقع تحت الاحتلال أم المحتل القوي المتغطرس والذي لا يتورع عن اقتراف أبشع الجرائم وأقبح أشكال العدوان؟!

8. حماس وإدارة الصراع بشكل عام:

ترى حماس أن الصراع مع المشروع الصهيوني كمشروع عدواني احتلالي وإحلالي، ومرتبط بمشروع الهيمنة لدول الغرب على منطقة العرب والمسلمين هو صراع من نوع فريد لا يمكن حله على قاعدة ما يسمى “الحل الوسط”؛ لأن مشروع الاحتلال والإحلال والهيمنة لا يمكن أن يكون معه “حلٌّ وسط”، إذا كان مضمون هذا الحل يعني بقاء المشروع الصهيوني على أجزاء من فلسطين، وعدم استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه كاملة غير منقوصة. والصراع طبقاً لذلك سيطول، وستكون له تضحيات كبيرة وانعكاسات سلبية عظيمة على صورة الحضارة البشرية والغربية منها بشكل خاص، لذلك لا مناص من حلّ هذا الصراع على أساس حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الطبيعية غير القابلة للتصرف، وأولها وأهمها زوال الاحتلال عن الأرض الفلسطينية، فإذا زال هذا الاحتلال بانصياع العدو لمبادئ القانون والمواثيق الدولية فذلك خير؛ وإلا فإنه لا بدّ أن يزول بفعل النضال الفلسطيني، مدعوماً بالدوائر العربية والإسلامية والإنسانية، وهو جهاد لن يكلَّ ولن يمل حتى إنجاز أهدافه.

وحماس التي تميل بطبيعتها إلى أيسر الأمور، نظراً لخلفيتها الإسلامية، سترحب وتتعاون مع أيّ مسعى دولي لحل الصراع مع العدو الصهيوني، بشكل يقوم على قاعدة إنهاء الاحتلال عن كل أرض فلسطين وإنجاز حقوق الشعب الفلسطيني، وأهمها التحرر وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة على كامل أرضه وعاصمتها القدس، وتطبيق حقّ العودة. وإذا لم يقم المجتمع الدولي بواجبه دون تحيز أو ظلم فإنها واثقة أن قوة حقها ستغلب قوة باطل عدوها مهما طال الزمن.

(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ)

[1]   عضو المكتب السياسي لحركة حماس، وأحد مؤسسي حركة حماس في الخارج، من مواليد قرية عقربة في فلسطين المحتلة سنة 1949، حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من بغداد سنة 1972. شارك في تأسيس أقسام العمل السياسي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منذ نشأتها. عمل باحثاً في عدة مؤسسات إعلامية. كتب العديد من المقالات الفكرية والتحليلات والتقديرات السياسية، وقام بالإعداد والتدريب للعديد من الدورات السياسية والإعلامية. عضو مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية، وعضو المؤتمر القومي الإسلامي.

 لتحميل ورقة العمل كاملةً اضغط هنا  (14 صفحة، 616 KB)