مدة القراءة: 14 دقائق

 “آراء ومواقف: حماس: قراءة في الرؤية وتجربة الحكم … أ.إسماعيل هنية” (نسخة نصيّة HTML)

 لتحميل نص المقابلة اضغط هنا  (15 صفحة، 767 KB)

هذا النص هو مقابلة مكتوبة (تمت بالمراسلة الإلكترونية) أجراها الدكتور محسن محمد صالح (بيروت، لبنان) مع الأستاذ إسماعيل هنية (غزة، فلسطين)، حيث بدأت المراسلات في 19/12/2013، وتمّ اعتماد النص من الأستاذ هنية في 11/3/2014. وقد وُضعت التساؤلات هنا على شكل عناوين ومحاور للمساعدة في انسيابية النص وسلاسته. وقد تمّ نشره في كتاب “حركة المقاومة الإسلامية حماس: دراسات في الفكر والتجربة”، الذي قام بتحريره أ. د. محسن محمد صالح، والذي صدر نصه العربي عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت سنة 2014.

آراء ومواقف: حماس: قراءة في الرؤية وتجربة الحكم … أ.إسماعيل هنية* [1]

أولاً: أبرز ثوابت حركة حماس:

إن ثوابت حركة حماس هي ثوابت الشعب الفلسطيني، والمتعلقة بقضيتين أساسيتين هما: الأرض والإنسان؛ الأرض وهي الأرض الفلسطينية غير منقوصة، والإنسان الحر على أرضه الحرة، بما يحقق حقّ العودة لكل إنسان فلسطيني إلى أرضه ووطنه وبيته وقريته، يعيش فيها حراً كريماً، ويتمتع فيها بكافة حقوق الإنسان؛ بدءاً بحق تقرير المصير إلى آخر وأصغر الحقوق، ككل لا يتجزأ. وبكلمات أخرى ثوابتنا هي تحرير الأرض الفلسطينية وعودة اللاجئين ليعيشوا أحراراً في أرضهم الحرة.

ثانياً: عناصر القوة والتماسك لدى حماس:

لقد تعرضت حماس إلى سلسلة من الضربات التي أُريدَ لكل منها أن تكون القاصمة والنهائية، كي تُنهي هذه الحركة، غير أن رعاية الله لها وعنايته بها لتمسكها بالمنهج القويم الذي أرسله للبشرية، واستنادها إلى موروث العقيدة والفكر الإسلامي؛ جعل منها راسخة في قلوب رجال أشداء يُضحون بكل شيء من أجل الأهداف النبيلة التي تشكلت من أجلها، والتفاف الجماهير من حول هؤلاء الرجال الذين قدموا التضحيات من أنفسهم وعوائلهم وساروا على درب الشهادة؛ بدءاً من المؤسس الشيخ أحمد ياسين؛ وكوكبة من قادة الحركة أمثال د. عبد العزيز الرنتيسي، وإسماعيل أبو شنب، وإبراهيم المقادمة، وصلاح شحادة، وجمال منصور، وجمال سليم، وصلاح دروزة وغيرهم الكثير رحمهم الله. كما أن هناك العديد من عناصر القوة التي أدت إلى هذا النمو المضطرد وهي عدالة القضية التي نشأت من أجلها حركة حماس، وهي القضية الفلسطينية بكل مكوناتها. وكذلك مدى الإخلاص لكل من القيادة والعناصر التي تنتمي للحركة في الدفاع عن هذه القضية والتضحية من أجلها.

العنصر الثالث هو الحكمة السياسية، وفقه الموازنات والأولويات في سياسة الحركة الذي أدى إلى جعل مسار الحركة في صعود مستمر، فلا يوجد هناك جمود، وإنما حراك إيجابي يحافظ على الأصالة في الفكر، ويحقق التجديد في الممارسة والتطبيق.

ولا يمكن إغفال العنصر المميز للحركة وهو إصرارها على الحفاظ على ثوابت شعبنا ومقاومته كعنوان لتحقيق الأهداف الوطنية، ورفضها الانسياق إلى أيّ مساومة على هذه الثوابت والحقوق؛ مع إبداء المرونة اللازمة في الهوامش المتاحة من العمل السياسي. ومن العناصر المميزة كذلك الامتداد العربي والإسلامي، والذي جعل من الحلقة التنظيمية أو الفلسطينية واحدة من سلسلة حلقات داعمة للشعب الفلسطيني.

وهناك عنصر الوضع التنظيمي والتداول الشورى على قيادة التنظيم، وهناك أيضاً ميزة أخرى هي أن الحركة عملت في كل مجالات الحياة الفلسطينية: الاجتماعية، والسياسية، والعسكرية، والأمنية، إضافة إلى عملها الأساسي الدعوي؛ مما مكنها من الانتشار وفتح ساحات جديدة.

ثالثاً: أولويات المشروع الوطني الفلسطيني:

لا شكّ أن الأولويات تختلف من مرحلة إلى أخرى ومتطلبات كل مرحلة، والحالة السائدة تجعل من قضية ما تتقدم على أخرى، في سياق الأهداف العامة لشعبنا، بسبب الظرف الموضوعي الذي تمر به الحالة الوطنية.

إضافة إلى أن جملة المتغيرات منذ سنة 1991، وبدء مفاوضات مدريد، ثم اتفاق إعلان المبادئ أدت إلى غياب مفهوم “مشروع وطني” يحظى بإجماع كل القوى والفصائل الفلسطينية، لصالح برامج فصائلية في طريق تحقيق الأهداف العامة والحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وتتمثل أولويات حركة حماس في هذه المرحلة من تاريخ شعبنا في استعادة وحدة شعبنا والحفاظ على الثوابت والحقوق الوطنية، دون أيّ انتقاص أو تنازل في ظلّ الظرف السياسي الراهن، من حالة انشغال عربي وانقسام فلسطيني وضعف عام ناتج عن اختلال موازين القوى، والعمل على تعديل ميزان القوى لصالح استكمال مشروع التحرير، وتوفير الحياة الحرة والكريمة إلى المواطن الفلسطيني، ليشكل رافداً أساسياً لمشروع التحرير. كما أن من أولوياتنا الاستمرار في مرحلة التحرر الوطني جنباً إلى جنب مع مرحلة البناء للمؤسسة الفلسطينية، على قواعد وأسس وطنية، سواء المؤسسة السياسية أم الإدارية أم الأمنية.

وهذه القضايا يجب العمل لها بشكل متوازٍ، لأننا نرى أن استمرار الانقسام وحالة الاستفراد بالقرار الفلسطيني، يشكلان خطراً على القضية الفلسطينية، قد يؤدي إلى انعكاسات خطيرة على الحاضر والمستقبل الفلسطيني.

رابعاً: تقييم النموذج المقاوم لحماس:

قدمت حماس نموذجاً جديداً من العمل الوطني في الساحة الفلسطينية، بل في المنطقة العربية والإسلامية. وهو نموذج فريد من حيث طبيعة التحديات التي تواجهه، وطبيعة الوسائل التي تعامل معها. فبالرغم من أن حركة حماس هي امتداد فكري طبيعي للحركة الإسلامية، إلا أن الأداء الميداني اختلف عن مجالات تركيز الحركة الأم؛ فلم يقتصر أداؤها على البعد الخيري والدعوي والاجتماعي، ولكنه ركّز على الأداء المقاوم للحركة بحكم طبيعة الحالة الفلسطينية ووقوعها تحت الاحتلال، مما أدى إلى بروز المقاومة كإبداع وأولوية في العمل.

وبهذا استطاعت حماس أن تقدم النموذج الخاص بها، لتكون حالة مميزة في الساحة الفلسطينية. وبالرغم من التنافس الفصائلي الحاد على الجماهير، إلا أنها استطاعت أن تحقق ثقلاً جماهيرياً كبيراً عكس نفسه في أكثر من تجربة انتخابية.

هذا النموذج هو خليط فريد من المقاومة والعمل الدعوي، والإغاثي، والجماهيري، والسياسي، والفكري حتى شكلت هذه الحركة إرثاً يستحق الدراسة بشيء من التفصيل في كل هذه المجالات، وحتى تجربة الحكم قدمت شخصية قيادية مختلفة.

وبعد 26 عاماً، اكتسبت حماس تجربة متراكمة بين أجيال مختلفة أثَّر كل منها في صناعة تاريخ هذه الحركة وحاضرها، مما جعل منها لاعباً مؤثراً ليس في الساحة الفلسطينية فحسب وإنما في المنطقة.

وقد تطور نموذج المقاومة لدى حماس بتطور كل مرحلة وبما يناسبها سياسياً، وبما يحقق الأهداف المناطة بهذا العمل المقاوم على طريق التحرير كاستراتيجية، وعلى طريق تحقيق الأهداف المرحلية في إطار الرؤية الشاملة.

خامساً: موقف حماس من اليهود:

نحن كمسلمين نقر بالكتب التي أنزلها الله ونحترم الديانة اليهودية كديانة سماوية، ونعدُّ أصحابها أهل كتاب، تماماً كالنصارى الذين يعيشون جنباً إلى جنب مع المسلمين في فلسطين ومختلف دول المنطقة.

وقد وضع الإسلام أسس التعامل مع أهل الكتاب واحترامهم وحقوقهم، ولكن هناك فرقاً بين اليهودية كديانة واليهود كأشخاص من جهة، وبين الحركة الصهيونية واحتلالها لأرضنا من جهة أخرى. فنحن لا نعادي هؤلاء لأنهم يهود ولكن لكونهم يحتلون أرضنا ويغتصبون حقوقنا. وقبل هذا الاحتلال تعايش المسلمون مع اليهود دون أيّ إشكال، بل إنهم اختاروا الدول العربية للاستقرار فيها بسبب توفر الحماية لهم، بينما كانوا يُقتلون في أوروبا وترتكب في حقهم المجازر.

سادساً: الموقف من الاعتراف بالكيان الصهيوني، ومشروع التسوية السلمية، والحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل به حماس:

تضمن شكل الاعتراف الذي قدمته منظمة التحرير بالاحتلال الصهيوني كارثة سياسية. فهو لم يكن اعترافاً بأمر واقع وإنما كان اعترافاً بحق “اسرائيل” في الوجود، دون أيّ ضوابط واعتبارات، مما فتح الباب على مصراعيه للاحتلال، الذي وبموجب اتفاق أوسلو تمّ التنازل له عن 78% من أرض فلسطين، واعتبار أن ما يبقى من فلسطين هي أراضٍ متنازع عليها يجري التفاوض الآن حولها.

وقد جاء اتفاق أوسلو وليد مرحلة سياسية جعلت من الولايات المتحدة القطب العالمي الأقوى والوحيد، وكنتيجة ثانوية لحرب الخليج والتوجه العربي الجمعي نحو مسيرة التسوية منذ مؤتمر مدريد. ومنذ تلك اللحظة لم يُشكل فقط تنازلاً جوهرياً للاحتلال عن حقوق الشعب الفلسطيني، وإنما أوجد انقساماً في الساحة الفلسطينية حول الأهداف والوسائل، ونقل الصراع إلى داخل البيت الفلسطيني. ومنذ ذلك الوقت أثبتت الأيام أن مسار التسوية مسار عقيم، يصب لصالح الاحتلال لمراكمة فرض وقائع على الأرض وتنازلات يومية من المفاوض الفلسطيني دون أيّ إنجازات تذكر. يضاف إلى ذلك إسهام هذه المفاوضات في تجميل وجه الاحتلال، وغسل يديه من الجرائم التي اقترفها بحق الشعب الفلسطيني وقتل الآلاف، فضلاً عن الجهود التي يبذلها لتهويد المقدسات والسيطرة عليها.

ونحن نفرق ما بين الجهود السياسية وما بين التنازل، فلسنا ضدّ أيّ جهود دبلوماسية وسياسية من أجل استعادة حقوقنا، ولكننا لسنا مع المساومة عليها أو مبادلة حقّ بحق آخر.

وقد توافقنا فلسطينياً على القبول بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مع عودة اللاجئين دون التنازل عن باقي حقوقنا؛ لأن الشعب الفلسطيني يفوض القيادة لاستعادة حقوقه، وليس للتنازل عنها، لأنها ليست ملكاً لنا أو لجيلنا الحالي فقط حتى نتنازل عنها.

سابعاً: تجربة حماس في السلطة الفلسطينية:

1. حماس وإشكالية الإصلاح والتغيير تحت الاحتلال:

عندما قاطعت حماس الانتخابات في سنة 1996 كان ذلك لعدم إعطاء أيّ شرعية لبرنامج أوسلو الذي كان في ذروة صعوده، وأُريدَ دمج كل مكونات شعبنا في هذا المشروع عبر عدة بوابات من بينها الانتخابات، كما كان هناك تعطيل لدور ذلك المجلس بنص واضح يقول إنه لا يجوز للمجلس أو حتى لرئيس السلطة إصدار تشريعات تخالف الاتفاقات المعقودة بين الطرفين، كما سحبت من السلطة أيّ صلاحيات أو مسؤوليات في مجال العلاقات الدولية أو الاتفاقات الاقتصادية.

غير أن جملة من المتغيرات أدت إلى تغير هذا الموقف في سنة 2006، وخصوصاً أن اتفاق أوسلو لم يعد له وجود من الناحية العملية. كما أن المنهج التفاوضي ثبت فشله بعد عشرة أعوام من الأداء السيء والإحباط الذي أصاب المواطنين، جراء السلوك السياسي والحكومي للسلطة الفلسطينية، والذي كان يتطلب أن تأتي قوة جديدة لا تحمل إرث الماضي من فساد ضَرَبَ الكثير من مكونات السلطة؛ وكان الإلحاح الجماهيري على أشده يطالب حركة حماس بالدخول في هذه الانتخابات، وبالفعل تمّ ذلك تحت شعار الإصلاح والتغيير، لتصحيح جملة من المسارات التي انتهجتها قيادة السلطة ما قبل 2006، ولحماية القضية والشعب من السقوط في وحل العمالة والفساد، وهما وجهان لعملة واحدة.

وقد استطاعت حماس المزاوجة بين برنامجين ومرحلتين، وهما التحرر الوطني والبناء والتغيير، وضربت النموذج العملي في إمكانية تحقيق هذه المزاوجة، فقد خاضت الحركة والحكومة تحديات جساماً كانت تستهدف وجود الحكومة بالأساس، وضَرْبَ هذا المشروع القادم واستئصاله. وخاضت معركة الحصار وعدة حروب قاسية، استطاعت الخروج منها أكثر ثباتاً وقدرة على تقديم المزيد من العطاء للشعب الفلسطيني؛ وأثبتت أنه لو توفرت الإرادة الحقيقية يمكن التقدم في المسارين. فالمقاومة اليوم في ظلّ حكم حماس هي أكثر قوة وقدرة على إيلام العدو، وفرضت عليه معادلات جديدة، وضربت المرتكزات الأساسية لنظرياته الأمنية والعسكرية.

وهذا يعود لوجود حكومة تحمي ظهر هذه المقاومة وتوفر لها الغطاء السياسي. ولعل أبرز تجليات التكامل بين الأداء السياسي للحكومة والفعل المقاوم تجلت في معركة حجارة السجيل، التي أبدعت فيها المقاومة، ولعبت الحكومة دوراً سياسياً في استقطاب الفعل الإقليمي الداعم، وحمت ظهر المقاومة، وهذا لم يكن ليأتي لو لم تكن هناك حكومة من النهج السياسي ذاته. وقد رأينا حكومات سابقة كانت تدين الفعل الفلسطيني المقاوم بل وتجهضه؛ وبالتالي المشاركة في الانتخابات والحكم هو أحد ضروريات نجاح وتقدم مشروع المقاومة، ويثبت ويؤكد ذلك أيّ مقارنة بين واقعي غزة والضفة من حيث قوة وقدرة المقاومة.

أما في المقابل، فمشروع التغيير والإصلاح حقق تقدماً؛ وانتهت على الأقل في قطاع غزة (حيث وجود الحكومة) أشكال الفساد والتجاوزات ومراكز القوى، وبالرغم من الحصار المضروب على القطاع إلا أن تقدماً حدث في الاقتصاد الفلسطيني، وشرعت الحكومة بخطوات وإجراءات في إطار الحكم الرشيد والمأسسة.

أما في الضفة المحتلة فالمشكلة أن الحكومة لم تُمكَّن من القيام بدورها، والسبب الأساسي هو حالة الانقسام وتشكيل حكومة أخرى (حكومة سلام فياض)، فضلاً عن وجود الاحتلال.

2. تجربة الحكومة العاشرة التي قادتها حماس:

عندما خاضت الحركة الانتخابات البرلمانية سنة 2006 كانت تدرك تماماً جملة التحديات التي ستواجهها، لأنها مقبلة على مرحلة من نوع جديد، لذلك دفعت الحركة بخيرة قادتها إلى هذه الانتخابات، ومن ثم إلى الحكومة العاشرة؛ ضمَّت قيادات تاريخية، لأن المهمة هي تاريخية. فبرنامج الإصلاح والتغيير ليس مقتصراً على الأسماء والأشخاص والانتماء السياسي، وإنما تغيير في المنهج والمسار للسلطة الوطنية، من حيث العقيدة الفكرية والممارسة السياسية والمنطلقات لمختلف القرارات؛ وهو ما سوف يستدعي بالضرورة وجود جبهة معارَضة ورفض كبرى داخلياً وخارجياً، لذلك يتطلب نوعية من الرجال لهم عزيمة تستطيع خوض غمار المرحلة.

ما تمّ توقعه قد حدث، وبدأ الحصار مع ظهور نتائج الانتخابات وإعلان الحركة نيتها تشكيل الحكومة، وبدأت عملية الإفشال داخلياً وخارجياً. وظهر أن هناك من لم يقبل هذه النتائج وإن سلَّم بها شكلياً، ولكن عمل على إجهاض ووأد التجربة في أشهرها الأولى، وراهن البعض على سقوط الحكومة بعد فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر.

واستطاعت الحكومة الصمود أمام معركة الإفشال، والتي تمثلت في فوضى أمنية وحصار سياسي، وتعطيل داخل الوزارات، وتصعيد عسكري.

شكلت الحكومة القوة التنفيذية لتجاوز الفوضى الأمنية، والتصدي لها، ومواجهة حالات الفساد، عبر إحكام ضبط الوزارات وإيجاد البدائل المالية عن المال السياسي، وفتح قنوات اتصال مع دول عديدة لكسر الحصار السياسي. وبالرغم من عدم الانصياع من غالبية الموظفين في عملهم لقطع الطريق أمام تقدم وإنجاز الحكومة، بل وتخريب جهودها، وتشكيل حكومة موازية في مكتب الرئاسة، وعمل الأجهزة الأمنية ضدّ الأمن، وضدّ أيّ إنجاز؛ سارت الحكومة وصمدت نحو عام كامل، استطاعت خلاله إثبات أن وجود حماس في الحكم لا يعطل المقاومة، فكان أسر شاليط؛ وإثبات أنه في ظلّ حكم حماس يمكن إيجاد دبلوماسية قائمة مع دول لا تكترث كثيراً بالحصار الأمريكي الإسرائيلي، وإثبات أن الأداء السياسي يمكن أن يحقق تغيرات، لتوفير البديل المالي، بحيث تدعم حكومة مقاومة. واستطاعت هذه الرؤية أن توجد لها قاعدة حقيقية على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.

3. تجربة حكومة الوحدة الوطنية (الحادية عشر):

لقد حاولنا بكل جهد ممكن قبل تشكيل الحكومة العاشرة أن تكون حكومة وحدة وطنية، وشكلت الحركة من أجل هذه الغاية لجنة متخصصة للجلوس مع الفصائل الوطنية والإسلامية، وخاضت سلسلة من اللقاءات المطولة على المستوى الثنائي والجماعي للتوصل إلى اتفاق، وقدمت الكثير من المرونة على صعيد الحقائب الوزارية، وعلى صعيد البرنامج السياسي للحكومة، بالرغم من أننا نتمتع بأغلبية مريحة تتيح لنا تشكيل الحكومة بشكل منفرد، ونيل الثقة بسهولة من المجلس التشريعي وفق البرنامج السياسي الذي يحدده رئيس الحكومة والأغلبية البرلمانية. ولكن أردنا أن نضرب نموذجاً جديداً في الحكم؛ فضلاً عن فوائد الحكم الرشيد والنزاهة، وهو العمل المشترك وتحقيق الشراكة الحقيقية.

ولكن باءت هذه الجهود بالفشل للعديد من الأسباب من بينها الضغوط الخارجية التي أرادت لحماس أن تخوض غمار التجربة وتفشل —عبر عوامل الإفشال التي كان يخطط لها— والبعض الآخر كانت قراءته أن هذه الحكومة لن تستمر ولا يريد أن يشارك في فشل، أو أن يقدم ما يراه هو طوق نجاة للحركة.

ولكن بعد نجاح الحركة في الصمود لمدة عام كامل أمام ضغوط كانت كفيلة بإسقاط نظم مستقرة، مثل الحصار المالي والاقتصادي، والفوضى الأمنية، والإشغال العسكري، والهجمات المتتالية والمناكفة الدائمة من الموظفين، والتحريض الإعلامي وسلسلة من الأكاذيب والافتراءات التي طالت كل لحظة من عمل الحكومة، والتآمر الداخلي والخارجي، وبالتالي وصلت قناعة أن الحركة تملك من الرصيد الكثير الذي لن تنجح معه جهود إسقاطها، فيما برزت بعض الرؤوس الرامية إلى العمل المشترك. وقد تجاذبنا معها بإخلاص ورأينا في مكة أن الفرصة سانحة لنكرس شراكة حقيقية في الساحة السياسية الفلسطينية وتقديم النموذج الذي كنا نطمح به قبل عام، وأن هذه الحكومة يمكن أن تكون رسالة إلى العالم بوحدة شعبنا وقدرته على تجاوز أصعب المراحل، وأن روح التحدي متوفرة للجميع، خصوصاً أن ذلك يأتي في أعقاب انتفاضة خاضتها كل الفصائل سوية ضدّ الاحتلال، وبعد سقوط خيار أوسلو عملياً على وقع دبابات العدو. غير أن الوقائع كانت خلاف هذه التوقعات، وظهر أن هناك تياراً لم يسلِّم بالواقع الجديد، وعمل ليل نهار لاستكمال عملية الإفشال المنظمة؛ وارتبطت مصالحه بالمصالح الأمريكية الإسرائيلية ضدّ هذه التجربة حتى لو كانت في إطار حكومة الوحدة. واستمرت عملية الإفشال من مراكز القوى التي تشكلت في الأجهزة الأمنية والجهاز الإداري، وارتبطت مصالحها بضرورة غياب حماس عن الحكم واستمرار النموذج السابق.

وكان جلّ عملية الإفشال من قلب الأجهزة الأمنية التي كان لديها إصرار على جرّ البلاد نحو الفوضى المنظمة، ونشر القتل والدماء ونقاط التفتيش، والتمركز على الأبراج، وبثّ الذعر في نفوس المواطنين.

وقد استدعى ذلك أن يكون هناك حملة أمنية للقوة التنفيذية، للقضاء على مراكز التوتر والعناصر الفوضوية، استغرقت ثلاثة أيام وانتهت باستسلام كل هذه العناصر بشكل كامل في قطاع غزة في 14/6/2007. وكان المأمول أن يكون هناك ترحيب بهذه الخطوة لفرض الأمن والاستقرار في غزة، غير أن قرارات الرئاسة أوجدت واقعاً جديداً عبر وجود حكومتين واحدة في غزة والثانية في الضفة، وأدت إلى تعطيل عمل المجلس التشريعي، وبدأت مرحلة الانقسام نتيجة رفض حركة فتح بقيادة محمود عباس لنتائج الانتخابات.

4. تجربة حكومة تسيير الأعمال في الفترة 2007-2013:

تحمل هذه المرحلة معان مزدوجة الاتجاه، فقد حملت هذه السنوات صعوبات عظام وتحديات جساماً، لربما كانت الأشد على شعبنا الذي أبدى في المقابل استقراراً عظيماً بصبر لا حدود له، وقدم تضحيات فاقت كل التوقعات. وفي مقابل صورة الألم كانت صورة الأمل تحدو النفوس، واستطاعت الحكومة والشعب معاً أن يرسما لوحة إبداعية فلسطينية معبقة بالدم.

لقد بدأت هذه المرحلة بتشديدٍ للحصار، بشكل غير مسبوق من مختلف الاتجاهات، وبدأت محاولة خنق قطاع غزة فاختفت من محالها البضائع ومختلف أنواع الأطعمة والملابس والوقود والأدوية، واختفت الكهرباء عن البيوت وعمّ الظلام الدامس، وتحول القطاع إلى سجن كبير معزول ومغلق؛ وغابت المعاني الإنسانية عن الساسة المُحَاصِرين فلسطينياً وعربياً ودولياً. ولكن إبداع شعبنا سبق كالعادة قيادته، وكسرت الجماهير أسوار الحصار، واقتحم نحو 750 ألف مواطن كل الحدود مع مصر، ودخلوا العريش (45 كم داخل الحدود المصرية) وابتاعوا احتياجات القطاع خلال ثلاثة أيام، وعادوا مجدداً إلى غزة لم يتخلف أحد، ولم يقم أيّ منهم بجريمة واحدة، وضربوا نموذجاً أخلاقياً فريداً. ثم توالى الإبداع عبر أنفاق شكلت شرايين الحياة لغزة الصابرة، وقد واكب هذه المرحلة عملية استنكاف شاملة لغالبية الموظفين في جميع القطاعات، في محاولة لإصابة القطاع بالشلل؛ وخصوصاً المدرسين، والأطباء، والممرضين، والقضاة، ووكلاء النيابة، والشرطة، والموظفين في باقي الوزارات.

وترك الجميع أعمالهم حتى تدب الفوضى والتذمر أوساط المواطنين في القطاع، غير أن الحكومة استطاعت وخلال ثلاثة أيام أن تملأ هذه الأماكن وتقوم بإعادة تسييرها جميعاً، وتقدم عشرات بل مئات المتطوعين في كل مهنة بلا مقابل، للحفاظ على استقرار القطاع وسير العمل في مختلف المرافق.

وأدى الفشل في مرحلة الخنق والاستنكاف ومن قبلهما الفوضى إلى اللجوء للخيار الأخير لانتزاع هذه الحكومة نهائياً، عبر القوة العسكرية؛ وجاء عدوان 2008/2009، عبر 22 يوماً من الاعتداءات المتواصلة على مدار الساعة، وكانت الحرب الأعنف في المنطقة منذ سنة 1967. وخلال ساعات كانت نصف طائرات سلاح الجو الإسرائيلي تقصف كل أنحاء قطاع غزة وتلقي بحممها لتحيل القطاع إلى بِرَكٍ من الدماء، منتشرة في كل مكان. وتوالى العدوان براً وبحراً وجواً، لكنه قوبل بصمود أسطوري من شعب شبه أعزل، يمتلك بالكاد من الوسائل القتالية ما يقول أنا ما زلت حياً وأمتلك إرادة الصمود، ولن أركع أو أرفع الراية البيضاء. 1,500 شهيد، و5 آلاف منزل مدمر، و10 آلاف مصاب خلال 22 يوماً من العدوان، وفي النهاية أوقف العدو حربه دون أن يحصل على أيّ من أهداف هذه الحرب. فلا أزاح الحكومة، ولا استعاد شاليط، ولا كسر إرادة وصمود المقاومة التي ظلت صواريخها تسقط على غلاف غزة، حتى بعد إعلان الاحتلال وقف إطلاق النار أحادي الجانب بـ 12 ساعة، ورفضت المقاومة أن توافق على شروط الاحتلال لوقف إطلاق النار فأُوقف من جانب واحد هذا العدوان والإرهاب.

وبعد فشل آخر ما في جعبة المتآمرين من أوراق بدأت المعادلة تتغير، وبدأ الحصار يتهاوى، خصوصاً مع متغير جديد تمثل في حماقة جديدة ارتكبها الاحتلال بمهاجمة أسطول الحرية القادم للتضامن مع غزة، مما أدى إلى استشهاد تسعة من المتضامنين الأتراك. وتحول الحصار إلى قضية إنسانية دولية كبرى، وأزمة سياسية مع دولة لطالما صنفت كصديق لـ”إسرائيل”. كل هذه التغيرات أدت إلى إعادة فتح معبر رفح بشكل متقطع، وبدأت جولات الحوار الوطني في القاهرة التي أعادت علاقتها مع غزة بعد قطيعة نحو عامين، وشرعت الحكومة بتطوير أدائها في كل المجالات لتبني مفهوم الحكم الرشيد، وتثبت مفاهيم الشفافية والعدالة والإصلاح في العمل الإداري، وتبدأ عملية إعادة بناء الجهاز الإداري بشكل كامل، وكذلك عملية إعادة بناء القطاع، وخصوصاً ما هدمه الاحتلال.

وتوالت انتصارات شعبنا وحكومته ومقاومته، إذ جاءت صفقة وفاء الأحرار لتطلق سراح 1,050 أسيراً من خيرة أبناء شعبنا من سجون الاحتلال، ولتنتشر الفرحة والبهجة في كل بيت من بيوت القطاع الصامد، وتصبح غزة قبلة الأحرار في هذا العالم، وجاءت عشرات بل مئات الوفود التضامنية من مختلف دول العالم، عرباً ومسلمين وأوروبيين وأمريكان، كلهم يحملون من المشاريع والدعم المادي والمعنوي، وأصبحت رمزاً للعزة والإباء والحرية الإنسانية. وتتحول الصعاب التي واجهتها غزة وحكومتها إلى نعمة، بأن رفع الله شأن هذه البقعة الصغيرة من العالم، بفعل جهاد وتضحية وصمود أبنائها على الظلم والتآمر.

وقد حاول الاحتلال أن يقضي على مشاعر الانتصار ويقوم بعملية “كسر وعي” للمواطن الفلسطيني، فأعلن الحرب مجدداً باغتيال الشهيد القائد أحمد الجعبري وشنّ العدوان الثاني، فكانت المفاجأة من نصيبه مرة أخرى، فإذا بغزة الضعيفة المحاصرة تقود مقاومة ضارية وتضرب كل نظرياته الأمنية، وتقصف لأول مرة في صراعه مع العدو تل أبيب والقدس، وتسقط الطائرات، وتستهدف البوارج، وتدمر الدبابات.

بل وأكثر من ذلك يستمر الأداء الحكومي كما هو، ويشهد القطاع حالة استقرار في الأسواق والمحال والمخابز والشوارع، وتعمل كافة الأجهزة الحكومية بخطط بديلة، مما أصاب العدو بالذهول. وتقاطع العمل السياسي مع الإداري مع العمل المقاوم؛ ووصل إلى غزة رئيس الوزراء المصري، ووزراء خارجية الدول العربية، وأمين عام جامعة الدول العربية، ووزير الخارجية التركي، بعد سلسلة من الاتصالات السياسية للحكومة، وجهود مكثفة أسفرت عن اتفاق للمرة الأولى لوقف العدوان على غزة. وتحقّق نصر سياسي لصالح المقاومة لأول مرة في تاريخ الصراع على العدو الصهيوني، بفعل هذا التكامل والتناغم في الأداء الوطني.

وقد عززت هذه المعركة القناعات بإمكانية المزاوجة بل والتكامل بين الحكومة والعمل المقاوم، وأن هذا الوضع هو الأنسب عبر تشكيل غطاء سياسي للمقاومة، وأنه يمكن تحقيق الإنجازات الحقيقية.

اليوم، هناك حكومة راسخة الأقدام فشلت كل محاولات إسقاطها أو دقّ الأسافين بينها وبين شعبها، استطاعت تحقيق الأمن للمواطنين، وتقوم بسلسلة مشاريع استراتيجية في غزة. ففي ظلها شهد قطاع غزة انطلاقة طيبة منقطعة النظير، وأُنشئت المشاريع الزراعية التي حققت الاكتفاء الذاتي بكل الخضروات والكثير من الفواكه، وأعادت عملية الإنتاج لمصانع مهملة ومغلقة.

كل ذلك وهي ما زالت محاصرة يتم التآمر عليها، وتواجه مقاطعة عربية ودولية، ولكن شرعيتها وقدرتها نابعة من إيمان شعبها، ومن ثقتهم بها وحبهم لها.

ثامناً: تقييم علاقات حماس مع فتح واليسار الفلسطيني:

1. العلاقة مع حركة فتح:

لا شكّ أن حركة فتح حركة وطنية، قادت النضال الوطني في مراحل مهمة وحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية، غير أن تطورات الأداء السياسي لها أدت إلى خصومة سياسية معها واختلاف في المنهج، لا سيّما بعد قبولها توقيع اتفاق أوسلو وخوضها في نفق المفاوضات.

ونحن نسعى عبر المصالحة إلى جَسْرِ الهوَّة بيننا، ليس على قاعدة أن تتحول حماس إلى فتح أو تتحول فتح إلى حماس، ولكن على قاعدة التعايش بين البرامج المختلفة، وأن تحكم قواعد العمل الديموقراطي الخلاف بين الرؤى السياسية المختلفة والمتباينة، وأن يحترم كلُّ رأيٍ الآخر؛ ولكن في النهاية نحترم جميعاً إرادة الشعب الفلسطيني الذي يختار مساره السياسي وقيادته عبر صناديق الاقتراع.

نحن لسنا في حالة عداء مع حركة فتح، وإن كان الخلاف بيننا في مرحلة من المراحل قد وصل إلى السلاح نتيجة تطورات أمْلَتْها اللحظة والمرحلة، والتي تحدثنا عنها بشيء من التفصيل سابقاً، ولكن في الأساس نحن شركاء في الوطن ويجب على كلينا العمل وفق شراكة حقيقية، لنجسد ما كنا نردده دائماً شركاء في الوطن، شركاء في الدم، شركاء في القرار.

2. العلاقة مع قوى اليسار:

إن علاقة حماس مع مختلف مكونات شعبنا وقواه وفصائله قائمة على الاحترام والاحترام المتبادل، خصوصاً وأن هذه القوى تحمل تاريخياً دوراً نضالياً ووطنياً مميزاً وما زالت شريكة في العطاء والنضال من أجل فلسطين؛ وعلاقتنا بها قائمة على هذا الأساس من الشراكة في تحمل المسؤولية الوطنية، حتى وإن شاب هذه العلاقة مراحل مختلفة من التوافق أو الاختلاف، ولكن في إطار الوجهة الوطنية ذاتها، ونحترم اختلافاتنا الفكرية فالاختلاف والتنوع سمة الأشياء، بل حتى التنافس من أجل فلسطين وفي ساحاتها محمودٌ ومطلوب طالما أَحْسَنَت الظن بعضها ببعض.

وقد عملنا مع هذه القوى الوطنية في إطار لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية، ومن قبلها في ائتلاف الفصائل العشر، وفي تجمع القوى الممانعة، وما زال لدينا اللقاءات لتنسيق العمل المشترك، ونأمل بزيادة وتطور هذه العلاقات الوطنية. واليسار يشكل العمود الفقري لـ”التيار الثالث”، ولعب دوراً مهماً في الساحة السياسية في الفترة الأخيرة، واجتهدنا على إبقاء العلاقة معه مميزة في إطار المصلحة الفلسطينية العليا. كما لا ننسى أن اليسار يشكل جزءاً مهماً وفاعلاً في مؤسسات المجتمع المدني المختلفة؛ الحقوقية، والصحية، والاجتماعية،…إلخ، والتي كان لها دور إيجابي في كسر الحصار عن قطاع غزة.

[1]   نائب رئيس حركة حماس، وُلد في مخيم الشاطئ بقطاع غزة سنة 1963، حاصل على إجازة في الأدب العربي من الجامعة الإسلامية في غزة، تولى رئاسة الكتلة الإسلامية ورئاسة مجلس الطلبة في الجامعة. عمل في الجامعة نفسها، وتمّ تعيينه مديراً لمكتب الشيخ أحمد ياسين بعد إطلاق سراحه سنة 1997. شغل منصب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، بعد فوز حماس بأغلبية مطلقة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني سنة 2006، وتولى رئاسة الحكومتين العاشرة والحادية عشر، ثم أقاله رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس في 14/6/2007، بعد أحداث الحسم العسكري في حزيران/ يونيو 2007. تابع رئاسة حكومة تصريف الأعمال في قطاع غزة حتى تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية جديدة في 2/6/2014.

 لتحميل نص المقابلة اضغط هنا  (15 صفحة، 767 KB)