مدة القراءة: 6 دقائق

الصفحات الأولى من “دراسة علميّة: أداء الأجهزة الأمنية في ظلّ السلطة الوطنية الفلسطينية … أ. حسن ابحيص” (نسخة نصيّة HTML)

النص المعروض هو للصفحات الأولى من الدراسة العلميّة … للاطلاع على الدراسة كاملةً اضغط هنا  (79 صفحة، 1.13 MB)

دراسة علميّة: أداء الأجهزة الأمنية في ظلّ السلطة الوطنية الفلسطينية … أ. حسن ابحيص


تمهيد:

اكتسب الملف الأمني موقعاً متقدماً في لائحة اهتمامات السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها، واستنزف قدراً كبيراً من جهود السلطة ومواردها البشرية والمادية، على حساب غيره من الملفات ذات الأولوية في بعض الأحيان. وقد جاء ذلك نتيجة لعاملين أساسيين: أولهما حجم التركيز الكبير الذي أولته الاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية لهذا الملف، إلى الحد الذي بات فيه أداء السلطة الأمني هو المعيار المحدد لمقدار تجاوب الاحتلال الإسرائيلي معها ومقدار ما يقدمه لها من “تنازلات”؛ وثانيهما —وهو مرتبط بالأول— يتعلق بحجم تأثير هذا الملف على الصعيد السياسي الداخلي الفلسطيني، والعلاقة بين السلطة والفصائل الفلسطينية وبين الفصائل نفسها.

يسعى هذا الفصل للإحاطة بالجوانب المختلفة المتعلقة بأداء السلطة في الملف الأمني، ابتداءً باستعراض أبرز البنود الأمنية التي وردت في الاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية بوصفها الإطار المؤسس للأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتشكيل القطاع الأمني وتطوره بنيوياً وقانونياً، وبحث ملفَي التنسيق الأمني والفلتان الأمني وتأثيرهما على الصعيد الداخلي، إلى جانب تناول مدى احترام الأجهزة الأمنية لحقوق الإنسان، ودور العامل الخارجي في قطاع الأمن.

أولاً: الملف الأمني في الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية:

شكّل الملف الأمني أحد أبرز نقاط التركيز في الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية، ومع أن البنود المخصصة لتناول هذا الملف كانت محدودة في البداية، إلا أنها أصبحت محور التركيز بصورة متزايدة مع بدء السلطة الفلسطينية بتسلم مسؤولياتها وممارسة مهامها على الأرض.

ومن خلال التمعن في قراءة النصوص المرتبطة بالأمن في تلك الاتفاقيات، وأخذ ظروف المفاوضات والتطورات الميدانية بعين الاعتبار، كان من الملاحظ أن تزايد الاهتمام بالملف الأمني لم يأتِ تلبية لاحتياجات الأمن الفلسطينية والإسرائيلية بشكل “متوازن”، وإنما تلبية للمتطلبات الإسرائيلية، التي باتت بمثابة “واجبات” على السلطة الوفاء بها، لإثبات حسن نواياها، كشرط يسبق تقديم “إسرائيل” لأيّ “تنازلات” إضافية، لم تقدمها في كثير من الأحيان على الرغم من التزام الفلسطينيين بدفع مقابلها، على حساب أمنهم الداخلي ووحدتهم الوطنية.

1. وثيقة إعلان المبادئ 1993 : [3]

تضمنت وثيقة إعلان المبادئ الموقعة في واشنطن في أيلول/ سبتمبر 1993، والتي عُرفت باسم اتفاق أوسلو، مادة وحيدة مخصصة للحديث عن الصلاحيات الأمنية لسلطة الحكم الذاتي الانتقالي، التي تمّ التوافق على إنشائها؛ وهي المادة 8 بعنوان “النظام والأمن العام”، وتوضيحاتها الواردة في البروتوكول الملحق بالوثيقة حول انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة ومنطقة أريحاProtocol Concerning Withdrawal of Israeli Military Forces and Security Arrangements. غير أن الوثيقة أشارت إلى بعض الترتيبات الإجرائية التي سيتم اتخاذها على الأرض في المجال الأمني في بضع مواضع أخرى، تتعلق بإعادة تموضع القوات الإسرائيلية، وتشكيل لجنة للتنسيق الفلسطيني الإسرائيلي المشترك “لأغراض الأمن المتبادل”.

لم يحمل الاتفاق أيّ معالم محددة للصلاحيات الأمنية الموكلة للسلطة الفلسطينية، باستثناء اقتصارها على تشكيل “قوة شرطة قوية” بهدف “ضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة”، بينما احتفظت “إسرائيل” بموجب الاتفاق بصلاحياتها في مجالي “الدفاع ضدّ التهديدات الخارجية” ومسؤولية الأمن الإجمالي الإسرائيلي، بما في ذلك أمن المستعمرات المقامة على أرض الضفة والقطاع.

2. اتفاق القاهرة 1994:

جاء اتفاق القاهرة في أيار/ مايو 1994 تحت مسمى “اتفاق تنفيذ الحكم الذاتي في قطاع غزة ومنطقة أريحا”، وعرف أيضاً باسم اتفاق غزة – أريحا، وتضمن الترتيبات الإجرائية التي أسست لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية ومباشرة صلاحياتها على الأراضي المتفق عليها. وقد جاءت الصلاحيات والترتيبات الأمنية أكثر تفصيلاً بطبيعة الحال، واحتلت حيزاً أكبر هذه المرة، وشملت المسائل المتصلة بالأمن المواد: 8–9 و18–20 [4] من الاتفاق ؛ فيما تضمن الملحق رقم 1 البروتوكول التفصيلي بشأن انسحاب القوات العسكرية الإسرائيلية والترتيبات الأمنية . [5]

جاء نصّ المادة 8 “ترتيبات الأمن والنظام العام” في اتفاق القاهرة مشابهاً لنص المادة نفسها في وثيقة إعلان المبادئ، حيث أشار إلى إنشاء “شرطة فلسطينية قوية […] لضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في قطاع غزة ومنطقة أريحا”، بينما تتولى “إسرائيل” مسؤولية “الدفاع ضدّ التهديدات الخارجية”، بما في ذلك “حماية الحدود المصرية، وخطّ الهدنة الأردني، والدفاع في مواجهة التهديدات الخارجية من البحر والجو، وأيضاً المسؤولية عن أمن الإسرائيليين والمستوطنات بصفة عامة”.

أما المادة 9، فتناولت تنظيم الشرطة الفلسطينية المسماة “المديرية الفلسطينية لقوة الشرطة”، وأرجعت واجباتها، ووظائفها، وبنيتها، وانتشارها، وتشكيلها، والأحكام التي تتعلق بعتادها وعملياتها، والقواعد السلوكية التي تحكم نشاطاتها إلى الملحق رقم 1 من الاتفاق. ومن بين الأمور التي تناولها الملحق، حددت المادة الثالثة منه واجبات الشرطة الفلسطينية على النحو التالي: “أداء وظائف الشرطة العامة بما في ذلك الحفاظ على الأمن الداخلي والنظام العام؛ وحماية الجمهور وممتلكاته، والعمل على إشاعة الشعور بالأمن والأمان؛ وتبني كافة الإجراءات اللازمة لمنع الجرائم طبقاً للقانون؛ وحماية المنشآت العامة والأماكن ذات الأهمية الخاصة”.

كما حصرت حجم قوة الشرطة الفلسطينية في ذلك الحين بتسعة آلاف شرطي، وتشكيلاتها بأربعة فروع، هي: الشرطة المدنية، والأمن العام، والمخابرات، والدفاع المدني. ووضعت شروطاً على الأفراد الذين سيقبل تجنيدهم في الشرطة قبل التجنيد وبعده، وحددت أنواع الأسلحة، والذخائر، والمعدات التي يمكن للشرطة الفلسطينية امتلاكها، وأعدادها، وغيرها من الترتيبات الأمنية، وخصوصاً تلك المتعلقة بالتنسيق الأمني الفلسطيني – الإسرائيلي المشترك، وإدارة المعابر، وأمن المجال الجوي، والترتيبات على حدود قطاع غزة براً وبحراً، وفي محيط المستوطنات.

أما المادة 18 من الاتفاق فتركزت حول “منع الأعمال العدائية”، ونصت على اتخاذ الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي “الإجراءات الضرورية لمنع الأعمال الإرهابية والجرائم والاعتداءات” ضدّ الجانب الآخر والأفراد الموجودين تحت سلطته، واتخاذ “الإجراءات القانونية الضرورية ضدّ المعتدين”. ويشمل ذلك مسؤولية الجانب الفلسطيني عن “منع الأعمال العدوانية ضدّ المستوطنات”، ومسؤولية الجانب الإسرائيلي عن “منع الأعمال العدائية الصادرة عن المستوطنين”.

المادة 19 جاءت بعنوان “الأشخاص المفقودون”، وركزت أساساً على التعاون في البحث عن إسرائيليين “مفقودين” في المناطق الخاضعة للسلطة، فيما تضمنت المادة 20، والمعنية أساساً بالإفراج عن أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال، نقطة متعلقة بـ”حلّ مشكلة الفلسطينيين الذين كانوا على اتصال مع السلطات الإسرائيلية”، في إشارة إلى عملاء الاحتلال، وتعهداً بعدم ملاحقة هؤلاء قضائياً أو إيذائهم.

3. اتفاق واشنطن 1995:

استندت البنود الأمنية في اتفاق واشنطن الموقّع في 28/9/1995 أساساً إلى اتفاق القاهرة، ولكنها جاءت بقدر أكبر من التفاصيل والمتطلبات، حيث خصص الفصل الثاني كاملاً من الاتفاق لموضوع “إعادة الانتشار والترتيبات الأمنية”، وتضمن سبع مواد (المواد 10–16) ،[6]  تمّ تفصيلها بصورة أوسع في البروتوكول الذي تضمنه الملحق الأول بالاتفاقية . [7]

ولكن أبرز ما تضمنه اتفاق واشنطن من إضافات كان تحديد الصلاحيات الأمنية الفلسطينية بحسب المنطقة، حيث تمّ تقسيم مناطق السلطة الفلسطينية إلى ثلاث فئات: المنطقة أ وتمتلك فيها السلطة صلاحيات أمنية كاملة، والمنطقة ب وتمتلك فيها صلاحيات أمنية محدودة ومشروطة بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، والمنطقة ج أو C والتي تبقى خاضعة بشكل كامل للسيطرة الأمنية الإسرائيلية. مع العلم أن الاتفاق حدد بالتفصيل توزيع أفراد الشرطة على محافظات الضفة الغربية في مناطق أ وب، كما حدد توزيع مراكز الشرطة الـ 25 التي سمح بإقامتها في المنطقة ب، وعدد أفراد الشرطة العاملين في كل منها وتسليحهم وتجهيزاتهم.

وإلى جانب ذلك، فقد نصّ الاتفاق على تشكيل “اللجنة المشتركة للتنسيق والتعاون الأمني” مع تحديد بنيتها ووظائفها، وتضمّن تفصيلاً أكبر فيما يتعلق بـ”سياسة الأمن لمنع الإرهاب وأعمال العنف”. وهي تشمل “عمل الشرطة الفلسطينية على نحو منظم ضدّ جميع أشكال العنف والإرهاب”، واعتقال ومحاكمة الأفراد “المشتبه بقيامهم بأعمال العنف والإرهاب”، والعمل على مصادرة “أيّ أسلحة غير مصرح بها قانونياً”.

كما أدخل الاتفاق تعديلاً على حجم الشرطة الفلسطينية وتشكيلاتها، بحيث سمح بأن يصل العدد الإجمالي لرجال الشرطة في جميع فروعها في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 30 ألفاً (12 ألفاً في الضفة و18 ألفاً في القطاع)، وباتت تضم ستة فروع: الشرطة المدنية، والأمن العام، والأمن الوقائي، وأمن الرئاسة، والمخابرات، والدفاع المدني.

4. اتفاق واي ريفر 1998:

شكّل اتفاق واي ريفر الموقّع في واشنطن في 23/10/1998 الإطار الذي نظّم عملية “إعادة الانتشار” الثانية لقوات الاحتلال في الضفة الغربية. وقد كان الملف الأمني محور التركيز الأساسي للاتفاق. فقد تمّ بموجبه نقل مساحات إضافية محدودة من الضفة إلى السيطرة الأمنية الفلسطينية، مقابل مجموعة من التدابير الأمنية الواجب على السلطة اتخاذها في مجال “التصدي للإرهاب”؛ وشملت “اعتبار المنظمات الإرهابية خارجة على القانون، والتصدّي لها” و”منع الأسلحة غير الشرعية” و”منع التحريض”، إلى جانب مواصلة التنسيق الأمني “الكامل” بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما ألزم الاتفاق السلطة الفلسطينية بتقديم لائحة بأسماء أفراد الشرطة للجانب الإسرائيلي، وذلك “عملاً بالاتفاقات السابقة” .[8]

وقد نصّ هذا الاتفاق على وجود دور مباشر للولايات المتحدة في الإشراف على قيام السلطة الفلسطينية بواجباتها الأمنية، ودخولها كطرف ثالث في مجال التنسيق الأمني من خلال تشكيل لجنة تنسيق ثلاثية، تجتمع كل أسبوعين (إلى جانب مواصلة التنسيق الثنائي الفلسطيني – الإسرائيلي).

وكان من الملاحظ أن التدابير الأمنية المنصوص عليها اقتصرت على معالجة اعتبارات الأمن الإسرائيلي، دون أن تتطرّق إلى اعتبارات الأمن الفلسطيني الداخلي؛ وبطريقة سعت بشكل صريح لوضع السلطة في مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية، بوصفها “خارجة على القانون”.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية في 11/11/1998 بالموافقة على اتفاق واي ريفر، جاء مشروطاً بمجموعة من النقاط، كما تضمّن صراحة ضرورة اعتقال السلطة لثلاثين “مشبوهاً” أمنياً حددتهم “إسرائيل”، وشدّدت على أن الإفراج عن أيّ منهم في وقت لاحق سيعدّ خرقاً للاتفاق .

الهوامش:

[1] هذه الدراسة هي دراسة علمية؛ وقد أُجيز نشرها في كتاب “السلطة الوطنية الفلسطينية: دراسات في التجربة والأداء 1994-2013″، الذي قام بتحريره أ. د. محسن محمد صالح، والذي سيصدر نصه العربي قريباً عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت.

[2] باحث متخصص في الدراسات الفلسطينية، حاصل على إجازة (ليسانس) في الإعلام، ويتابع حالياً دراسته العليا في مجال الشؤون الدولية. عمل في مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات باحثاً مساعداً ورئيساً لقسم العلاقات العامة والإعلام. شارك في عدد من الإصدارات المنشورة.

[3] وثائق إعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي، إعلان مبادئ بشأن ترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية (المسودة النهائية المتفق عليها في 19/8/1993)، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 16، خريف 1993، ص 175-183.

[4] وثائق مفاوضات السلام، اتفاق تنفيذ الحكم الذاتي في قطاع غزة ومنطقة أريحا، القاهرة، 4/5/1994، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 18، ربيع 1994، ص 255-263.

[5] Gaza-Jericho Agreement, Annex I: Protocol Concerning Withdrawal of Israeli Military Forces and Security Arrangements, 4/5/1994, Israel Ministry of Foreign Affairs,                                                                                       
http://mfa.gov.il/MFA/ForeignPolicy/Peace/Guide/Pages/Gaza-Jericho%20Agremeent%20Annex%20I.aspx

[6] وثائق مفاوضات السلام، الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني الانتقالي في الضفة الغربية وقطاع غزة، واشنطن، 28/9/1995، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 25، شتاء 1996، ص 189-202.

  See The Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip, Annex I: Protocol Concerning Redeployment and Security Arrangements, 28/9/1995, Israel Ministry of Foreign Affairs,                                   
 http://www.mfa.gov.il/MFA/ForeignPolicy/Peace/Guide/Pages/THE%20ISRAELI-PALESTINIAN%20INTERIM%20AGREEMENT%20-%20Annex%20I.aspx

[7] وثائق مفاوضات السلام، مذكرة واي ريفر بشأن إعادة الانتشار الثانية للقوات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واشنطن، 23/10/1998، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 37، شتاء 1999، ص 170-175.

[8] وثائق إسرائيلية، قرار الحكومة الإسرائيلية بإعلان موافقتها المشروطة على مذكرة واي ريفر، القدس، 11/11/1998، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 37، شتاء 1999، ص 229-230.

النص المعروض هو للصفحات الأولى من الدراسة العلميّة … للاطلاع على الدراسة كاملةً اضغط هنا  (79 صفحة، 1.13 MB)