عرض: أ. وائل أحمد سعد (خاص – مركز الزيتونة).

صدر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتاب التقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2013-2012. ويعالج التقرير، الذي قام بتحريره د. محسن محمد صالح (الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينية والمدير العام للمركز)، القضية الفلسطينية خلال سنتي 2012 و2013 بالرصد والاستقراء والتحليل. ويدرس الأوضاع الفلسطينية الداخلية، والمؤشرات السكانية والاقتصادية الفلسطينية، والأرض والمقدسات، كما يناقش العلاقات الفلسطينية العربية والإسلامية والدولية، ويناقش الوضع الإسرائيلي وعمليات المقاومة ومسار التسوية. والتقرير موثق علمياً ومدعّم بعشرات الجداول والإحصائيات والرسوم التوضيحية.

ويعدّ التقرير الاستراتيجي الفلسطيني، الذي يصدر للمرة الثامنة، في حوالي 360 صفحة من القطع الكبير، من أهم الدراسات العلمية التي تصدر عن مركز الزيتونة؛ وهو أحد أهم المراجع الأساسية للمتخصصين والمهتمين بالشأن الفلسطيني، نظراً لشموليته والتزامه بدقة بالمعايير العلمية والمهنية، بالإضافة إلى تضمينه رؤية استراتيجية لمسارات القضية الفلسطينية.

معلومات النشر:

– العنوان: التقرير الاستراتيجي الفلسطيني: 2012-2013
– تحرير: د. محسن محمد صالح
– عدد الصفحات: 360 صفحة
– تاريخ الصدور: الطبعة الأولى، 2014
– السعر: 22 $
– الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت



تجدر الإشارة إلى أن التقرير الاستراتيجي استمر بالصدور بشكل سنوي في الفترة 2005-2011، وعلى مدى سبع سنوات، وهو في هذه المرَّة يغطي سنتي 2012-2013؛ وهي التجربة الأولى لمركز الزيتونة، إذ كان المركز قدر رأى أن يخوض هذه التجربة على غرار مؤسسات بحثية أخرى، مما قد يتيح تحقيق رؤية استشرافية أوسع لمسار القضية الفلسطينية.

ويخلص التقرير إلى أن المشهد الفلسطيني الداخلي ما زال يعاني من أزمته الجوهرية في الانقسام الفلسطيني، وعدم تنفيذ برنامج المصالحة، وعدم ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني. بالإضافة إلى أزمته في تحديد اتجاهات ومسارات العمل الوطني، سواء في مسار التسوية السلمية أم المقاومة المسلحة.

ويرى التقرير أن الخروج من الأزمة الداخلية يقتضي وقفة جادة لتحديد مسارات العمل الوطني وأولوياته، والتوافق على الثوابت الفلسطينية؛ وحسم المسائل المرتبطة بمساري التسوية والمقاومة، ومستقبل السلطة الفلسطينية ودورها، وعلى برامج بناء الثقة، وعلى استيعاب الجميع في المشروع الوطني؛ وإلا فإن برامج المصالحة ستظلّ تحمل بذور أزمتها (أو حتى فشلها) في ذاتها.

وفي الجانب الإسرائيلي، يذكر التقرير أنه بقدر ما كان لدى المجتمع الإسرائيلي ما يكفي من أسباب للقلق سنة 2012 نتيجة الثورات والتغيرات في العالم العربي، ونتيجة مواجهة المقاومة لعدوانه على قطاع غزة، وتعثُّر مسار التسوية السلمية؛ فقد كان لديه ما يزيد عن القدْرِ نفسه من أسباب الارتياح سنة 2013، نتيجة حالة الإحباط التي صاحبت الثورات العربية، ونجاح الانقلاب في مصر، وانطلاق مسار التسوية السلمية مرة أخرى وفق الشروط الإسرائيلية، وتعثُر مسار المصالحة الفلسطينية.

ومن أبرز ما ميز سنتي 2012-2013 في المشهد الإسرائيلي السياسي الداخلي حالة الحراك الحزبي التي حدثت في سنة 2012، والتي انعكست على خريطة القوى الحزبية في الكنيست الإسرائيلي الـ 19 بعد الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في كانون الثاني/ يناير 2013، ومن الملاحظ أن هذه الانتخابات كرست هيمنة أحزاب وحركات اليمين والمتدينين على الكنيست، إذ حصدت على أكثر من نصف مقاعد الكنيست الـ 120، فيما توزعت المقاعد الأخرى على أحزاب الوسط واليسار والأحزاب العربية.

أما بالنسبة للتقديرات الاقتصادية فقد بلغ الناتج المحلي لإجمالي الإسرائيلي في سنة 2013  291.819 مليار دولار، فيما بلغ معدل دخل الفرد الإسرائيلي سنة 2013 حوالي 36 ألف دولار.

كما تابعت “إسرائيل” في سنتي 2012 و2013 عدوانها على الشعب الفلسطيني؛ حيث شهدت نهاية سنة 2012 عدواناً إسرائيلياً كبيراً أُطلق عليه إسرائيلياً عملية “عمود السحاب”، فيما أُطلق عليه فلسطينياً عملية “حجارة السجيل”، سقط خلالها 191 شهيداً و1,526 جريحاً، غالبيتهم من الأطفال والنساء والمسنين. وقد استشهد في سنة 2013 ما مجموعه 49 فلسطينياً و275 فلسطينياً في 2012. وما زال يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي حتى نهاية سنة 2013 نحو 5,023 أسيراً، بينهم 17 أسيرة و154 طفلاً.

وقد تعاملت “إسرائيلي” مع الملف الداخلي الفلسطيني خلال سنتي 2012-2013 بالاستراتيجية نفسها، الهادفة إلى تكريس الانقسام الفلسطيني والحيلولة دون إتمام المصالحة الفلسطينية. وقد فضلت “إسرائيل” الاستمرار في لعبة إدارة مشروع التسوية السلمية، دون أيّ سعي جاد نحو حلّ القضايا النهائية المتعلقة بها، في الوقت الذي تتابع فيه فرض الحقائق على الأرض من خلال برامج التهويد والاستيطان.

وعلى الصعيد العربي، يرى التقرير أن التغيرات السياسية الداخلية كانت من أبرز العوامل المؤثرة في القضية الفلسطينية خلال سنتي 2012-2013، حيث إن تلك التغيرات أصابت بعض الدول الأكثر تأثيراً على البيئة الاستراتيجية الحاضنة للقضية، وخصوصاً مصر وسورية. كما كان لتعثر العملية الانتقالية وتصاعد الأزمات السياسية خلال سنة 2013، انعكاساته السلبية في استنزاف الاهتمام العربي على المستويين الشعبي والرسمي، لتطغى الاهتمامات الداخلية على ما سواها.

ويمكن القول أيضاً إن محصلة تلك الأزمات أضعفت مجدداً قدرة الشارع على التأثير على صناعة القرار السياسي، معيدة حسابات المكاسب والخسائر لموقع الصدارة، ومعيدة معها فعالية المؤثرات الخارجية، التي بدا أنها تراجعت ولو بصورة مؤقتة نتيجة لما عُرف بـ “الربيع العربي” في سنة 2011. وهو ما أثار بالتالي الشكوك حول فرص اقتراب حدوث تغيير حقيقي، باتجاه بناء بيئة عربية حاضنة تدعم صمود الشعب الفلسطيني، وتدعم مقاومته وقدرته على مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية.

وعلى الصعيد الإسلامي حافظت القضية الفلسطينية طوال سنتي 2012-2013، على جانب من اهتمامات العالم الإسلامي، وانعكست تطورات “الربيع العربي” في المنطقة، على محاولات تركيا وإيران للعب دور إقليمي أكثر حيوية والإسهام في بناء خرائط إقليمية، كان لها تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على القضية الفلسطينية.

وفي الشأن الدولي، يقول التقرير إنه إذا استثني حصول فلسطين على مقعد “دولة غير عضو” في الأمم المتحدة، واستمرار تراجع تأييد الرأي العام الدولي لـ “إسرائيل”، فإن سنتي 2012 و2013 اتسمتا بتواري القضية الفلسطينية خلف التطورات الإقليمية والدولية. وسواء تعلق ذلك بتطورات “الربيع العربي” أم بتوجهات الإدارة الأمريكي بالتركيز على جانبي المحيط الهادي، أم بالسعي الروسي والصيني لدورٍ يؤسس لنظام متعدد القطبية أو على الأقل يضعف أحادية القطبية الأمريكية؛ فإن هذه التحولات الجذرية، قد تعني أن القضية الفلسطينية قد تدخل في بيئة دولية، ستنعكس عليها بقوة خلال السنوات القادمة، وبأن صانع القرار الفلسطيني يجب أن يضع ذلك في صُلب اعتباراته.

وبالنسبة للنشاط الدبلوماسي للجنة الرباعية الدولية فيمكن تلخيصه في عدم القدرة على التعبير عن إرادة دولية، تفرض حلاً على الأطراف بالقضية الفلسطينية. ويظهر أنه ما زال لدى “إسرائيل” درجة عالية من الاطمئنان للاستمرار في احتلالها، والتصرف كدولة “فوق القانون” وفق المواثيق الدولية.

ومن جهة أخرى لم تخرج الجهود الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية عن رتابتها المعتادة، ولم تقم بجهود استثنائية حتى منتصف سنة 2013 عندما تمكنت من تحصيل الموافقة الفلسطينية والإسرائيلية على استئناف المفاوضات. وظلت العقدة الأمريكية أنها ترغب في الوصول لحل يعتمد أساساً على تنازلات حليفها الإسرائيلي، لكنها لا ترغب في الوقت نفسه بالضغط عليه. فيما ظلّ الموقف الأوروبي متسقاً مع الموقف الأمريكي، باستثناء موضوعي الاستيطان الإسرائيلي، وانضمام فلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة.

أما مجموعة دول البريكس التي تضم الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، فإنها تؤكد تأييدها لتسوية النزاع على أساس قرارات الأمم المتحدة ومبادئ مدريد والمبادرة العربية. ويظهر موقفها إلى الجانب العربي من القدس بشكل أكثر وضوحاً.

كما يستعرض التقرير الانتهاكات الإسرائيلية للأرض والمقدسات الفلسطينية مضمناً مجموعة كبيرة من الإحصاءات حول الانتهاكات بجوانبها المختلفة، كما يضيء التقرير على المساعي الإسرائيلية لتقسيم المسجد الأقصى، مشيراً إلى أن انتخابات الكنيست في آذار/ مارس 2013 أتت لتمنح جماعات “المعبد” (التي تخطط للاستيلاء على الأقصى) تأثيراً سياسياً أكبر. وقد شكلت هذه الجماعات “الائتلاف من أجل المعبد”، الذي بدأ نشاطه الفعال في 21/3/2013، بمشاركة 19 مؤسسة مسجلة رسمياً.

وأشارت الأرقام في التقرير إلى ارتفاع عدد المستوطنين الإسرائيليين القاطنين في المستعمرات إلى أكثر من 656 ألف مستوطن سنة 2012، ويقطنون في 196 مستعمرة إسرائيلية، و 232 بؤرة استيطانية موزعة في جميع أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك تلك التي تمّ إقامتها في شرقي القدس. فيما وصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى 693 ألف مستوطن سنة 2013. وكذلك رصد التقرير زيادة عدد الحفريات والأنفاق أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه، من 41 حفرية في 21/8/2011 إلى 47 حفرية في 1/8/2013.

أما الجدار العنصري العازل في الضفة الغربية فقد ذكر التقرير الاستراتيجي الفلسطيني أن السلطات الإسرائيلية استكملت بناء 495 كم منه (64% من الطول الكلي للجدار)، وأن هناك 55 كم من الجدار (7%) تحت البناء؛ وما يزال 224 كم من الجدار (29%) في مرحلة التخطيط.

وفي المؤشرات السكنية يذكر التقرير أن عدد الفلسطينيين في العالم بلغ في نهاية سنة 2013 نحو 11.807 مليون نسمة؛ نصفهم، أي 5.891 ملايين نسمة (%49.9)، يعيشون في الشتات. والنصف الباقي، أي 5.916 ملايين نسمة (%50.1) يقيمون في فلسطين التاريخية، ويتوزعون إلى نحو 1.43 مليون نسمة في الأراضي المحتلة سنة 1948، ونحو 4.485 ملايين نسمة في أراضي سنة 1967، ويتوزعون إلى 2.755 مليون في الضفة الغربية (%61.4)، و 1.731 مليون في قطاع غزة (%38.6).

ويلفت التقرير الانتباه إلى أنه إذا حافظت معدلات النمو السكاني في الضفة والقطاع ولفلسطيني 1948 على وتيرتها، فإن عدد السكان الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية سيتساوى تقريباً خلال سنة 2016؛ حيث سيبلغ عدد كل من الفلسطينيين واليهود نحو 6.42 ملايين تقريباً. وستصبح نسبة السكان اليهود نحو %48.9 فقط من السكان في سنة 2020، حيث سيصل عددهم إلى 6.87 ملايين يهودي مقابل 7.18 ملايين فلسطيني.

وفي المؤشرات الاقتصادية يذكر التقرير أن سنتي 2013-2012 لم تحمل جديداً على صعيد تغيير الوضع القائم من ناحية تبعية الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة للاقتصاد الإسرائيلي بشكل مباشر، وعزله عن العالم الخارجي العربي والدولي، من خلال سيطرة الاحتلال على كافة المنافذ الدولية والمعابر الحدودية الفلسطينية، إضافة إلى تركز العلاقة التجارية الخارجية مع “إسرائيل”، حيث يشكّل حجم التبادل التجاري معها سنة 2012 (3,990 مليون دولار) نحو 72.8% من إجمالي حجم التبادل التجاري الخارجي للسلطة (5,480 مليون دولار)، وتشكّل عمليات الاستيراد معظمه (3,351 مليون دولار)، في حين تبقى عمليات التصدير محدودة للغاية (639 مليون دولار)، مما يلحق ضرراً شديداً بالاقتصاد الفلسطيني، ويجعل ميزان التبادل التجاري مختلاً لصالح الاحتلال باستمرار، وبشكل كبير.

ويوضح التقرير الفارق الكبير بين الاقتصاد الفلسطيني في الضفة والقطاع من جهة، والإسرائيلي من جهة أخرى، حيث بلغ متوسط نصيب الفرد الفلسطيني من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية 2,534 دولاراً و 2,719 دولاراً لسنتي 2012 و 2013 على التوالي. فيما بلغ نصيب الفرد الإسرائيلي من الناتج المحلي الإجمالي 32,569 و 36,227 دولاراً لسنتي  2012 و 2013 على التوالي. ومما يعكس حجم الفجوة بين أيضاً ارتفاع نسبة البطالة في الوسط الفلسطيني، حيث بلغت 23.4% سنة 2013، مقارنة بـ 23% سنة 2012. وهي متفاوتة بين الضفة والقطاع، ففي سنة 2013 بلغت نسبة البطالة 32.6% في القطاع، مقابل 18.6% في الضفة، بينما في سنة 2012 بلغت نسبة البطالة 31% في القطاع مقابل 19% في الضفة. وهو ما يعكس حجم فاتورة الاحتلال على الاقتصاد والشعب الفلسطيني.

ولم يغفل التقرير الوضع التعليمي في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث أشار إلى أن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد مثلوا أحد أكثر الحالات تقدماً في العالم العربي من حيث نسبة محو الأمية والمتعلمين، حيث بلغت %95.9 و %96.3 في سنتي 2012 و 2013 على التوالي. ولا ينافس الحالة الفلسطينية في هذه النسبة في العالم العربي إلا قطر.

وبحسب الأرقام التي نقلها التقرير عن وزارة التربية والتعليم العالي للسلطة الفلسطينية، فإن هناك 34 كلية جامعية ومتوسطة تقدم التعليم لـ 28,505 طلاب للعام الدراسي 2012/2013؛ من بينها 15 كلية جامعية يدرس فيها 16,232 طالباً وتمنح طلبتها درجة البكالوريوس، و19 كلية متوسطة يدرس فيها 12,273 طالباً، وتمنح طلبتها شهادة الدبلوم المتوسط.

 ويحتوي التقرير الاستراتيجي الفلسطيني على كميات هائلة من المعلومات الأخرى المتعلقة بالشأن الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي، حيث تناول التقرير مسارات القضية الفلسطينية بتفصيلاتها. مع الإشارة إلى توفر الملخص التنفيذي للتقرير الاستراتيجي الفلسطيني 2012-2013 على موقع مركز الزيتونة. كما يوفر المركز إمكانية تنزيل التقارير السابقة بشكل مجاني على موقع مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 23/6/2014