مدة القراءة: 7 دقائق

تقدير استراتيجي (65) – آذار/ مارس 2014.

ملخص:

تطورت العلاقة بين إيران وحركة حماس، خصوصاً بعد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، وتشكيلها للحكومة في سنة 2006. وقدمت إيران لحماس دعماً كبيراً في مواجهة الحصار والعدوان الإسرائيلي على القطاع. وأصبحت حماس جزءاً أساسياً في محور الممانعة والمقاومة الذي شاركت فيه إيران وسورية وحزب الله.

غير أن الانتفاضة والثورة الشعبية التي شهدتها سورية منذ ربيع 2011، ودعم حماس للمطالب الشعبية بالحرية والديموقراطية، وخروج قيادتها من سورية، قد قابله دعم إيراني كامل للنظام السوري؛ مما أدى إلى اختلافهما، وإلى تراجع كبير في الدعم الإيراني لحماس، وإلى برود في العلاقة بينهما.

وتُشكل التغيرات والثورات في المنطقة العربية، وسعي إيران للعب دور إقليمي، ورغبتها في حلّ مشاكلها الاقتصادية، بالتوافق مع الغرب بشأن مشروعها النووي، وموقفها الداعم من القضية الفلسطينية … عناصر مؤثرة في القرار الإيراني.

وتندرج سيناريوهات تطور العلاقة بين الطرفين بين عودتها إلى سابق عهدها، أو تحسنها بشكل نسبي محسوب، أو تراجعها إلى الوراء. غير أنه من المهم، على أيّّ حال، أن يدير الطرفان خلافاتهما بطريقة إيجابية، على قاعدة تفعيل المساحات المشتركة لخدمة قضية فلسطين، وفي إطار مواجهة التدخل الخارجي الغربي، ومحاربة الفتن الطائفية والعرقية، ودعم حق شعوب المنطقة في تحقيق طموحاتها وبناء أنظمتها السياسية بإرادتها الحرة.

مقدمة:

بدأت العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية حماس والجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ سنة 1990، كما شارك وفد الحركة في مؤتمر دعم الانتفاضة في تشرين الأول/ نوفمبر 1991. ثم إن تطور العلاقة مع حزب الله اللبناني، خصوصاً بعد إبعاد عدد كبير من قادة حماس إلى مرج الزهور في لبنان أواخر سنة 1992 أسهم في تقوية تلك العلاقة. ولعل أساس العلاقة كان اشتراك هذه الأطراف في مسار المقاومة، وحاجتها لبناء علاقة تساند استراتيجي؛ لتعضيد هذا المسار وتدعيمه حينذاك.

تأسست العلاقة بين الطرفين من جهة حماس، اتساقاً مع رؤيتها الثابتة القاضية بالتعاون مع كافة الدول والجهات في المنطقة، لخدمة القضية الفلسطينية، على قاعدة التوازن دون الانحياز لأحد الأطراف الإقليمية أو لأي من المكونات الداخلية لهذه الأطراف، وعلى قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول والجهات.

وبعيداً عن الاختلاف الطائفي، لعبت الخلفية الإسلامية الحركية للطرفين، ورؤيتهما لوجوب تحرير فلسطين كاملة من نهرها إلى بحرها، وعدم الاعتراف بـ “إسرائيل”، دورها في تقريب وجهات النظر والتعاون في مسار المقاومة المسلحة، ودعم صمود الشعب الفلسطيني. وقدَّرت إيران وزن حماس الشعبي والسياسي والمقاوم، فاعتبرته من ناحية سياسية مدخلاً لدعم مصداقيتها الإسلامية، ولوزنها ودورها الإقليمي.

وحققت العلاقات قفزة نوعية بعد فوز حركة حماس بانتخابات المجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشكيلها للحكومة الفلسطينية، حيث أسهمت إيران بقوة في دعم حكومة إسماعيل هنية في مواجهة الحصار الذي فرض عليها. وبلغ الدعم ذروته في أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في حرب الفرقان (الرصاص المصبوب) في نهاية 2008 ومطلع 2009. وبطبيعة الحال لم تتوافق سياسات الطرفين دائماً خلال الفترة الماضية، إلا أنهما تمكنا من إدارة العلاقة بينهما بقدر كبير من النجاح، وتشكل بينهما ما يشبه الالتقاء الاستراتيجي؛ غير أن العلاقة تعرضت لنوعٍ من البرود والتأزم بسبب تداعيات ما عُرف بـ “الربيع العربي” وبسبب الخلاف الكبير تجاه الأزمة السورية؛ وخصوصاً بعد خروج قيادة حماس من دمشق مطلع سنة 2012.

المؤثرات على العلاقة بين الطرفين:

تضافرت بعض العوامل الطارئة في التأثير على العلاقة بين الطرفين في الفترة الأخيرة،من أبرزها:

– الثورات والتغيرات في العالم العربي،والتي شكلت نقطة تحول استراتيجية أثرت بشكل كبير على مجمل خريطة العلاقات الإقليمية بما فيها العلاقة بين حماس وطهران. فبروز دور الإسلاميين في الثورات وعمليات التغيير، وتقدُّمهم للحكم أو المشاركة فيه في تونس ومصر وليبيا واليمن والمغرب، أتاح بدائل ومجالات أوسع لعمل حركة حماس، وخصوصاً في مصر. كما أن سلوك هؤلاء الإسلاميين الحذر تجاه إيران، وعدم استعجالهم الدخول في عداء مكشوف تجاه “إسرائيل” وأمريكا حسب تقديراتهم لظروفهم الخاصة قد أثار مخاوف الإيرانيين.

– الأزمة السورية: أسهمت الانتفاضة الشعبية في سورية في تعميق الخلاف بين الطرفين، إذ إن خروج قيادة حماس من دمشق مطلع سنة 2012، بسبب تداعيات هذه الانتفاضة التي تحولت إلى ثورة، ووقوف حماس إلى جانب الإرادة الشعبية، وامتناعها عن تأييد النظام السوري زاد من شقة الخلاف بينهما. ثم إن الأزمة السورية لم تؤثر على علاقة حماس بطهران فقط، بل إنها أعطبت أسس محور المقاومة والممانعة بأكمله.

– الملف النووي: حاولت إيران أن تعالج أزمتها الاقتصادية من خلال حل مشكلة ملفها النووي؛ غير أن التوصل إلى حلول شاملة قد يعني أن اقتراب طهران من واشنطن والغرب ربما يكون أحد استحقاقاته ابتعاد طهران عن حماس، باعتبار ذلك أحد الأثمان التي ينبغي أن تدفعها إيران مقابل إقرار واشنطن لها بدور إقليمي في إطار صفقة النووي الأخيرة، في حال نجاح الصفقة في رزمتها الإقليمية.

خريطة العلاقة بين الطرفين:

يتداخل في العلاقة بين حماس وطهران عوامل تقاطع جاذبة وداعمة لاستمرارها، وعوامل تناقض أخرى تهددها وتعمل على إضعافها:

* أبرز مجالات الاتفاق والتعاون:

– الخلفية الأيديولوجية الإسلامية لكلا الطرفين (بغض النظر عن الاختلاف الطائفي) توفر الكثير من نقاط الفهم والالتقاء المشترك.

– الموقف من المشروع الصهيوني والكيان الإسرائيلي، بوجوب تحرير فلسطين كاملة وعودتها إلى أصحابها عربية إسلامية، وبعدم الاعتراف بـ”إسرائيل”.

– بالنسبة لإيران، تشكل حماس رافعة سنية وازنة لطهران في الجغرافيا السياسية الإقليمية، حيث إن لفلسطين مكانة مركزية عربياً وإسلامياً، مما يدعم المكانة الإقليمية لإيران في المنطقة.

– علاقة إيران مع حماس تخفف من اللون المذهبي للدور الإقليمي الإيراني، بحسب ما يراه طيف واسع من المعنيين ومن الجماهير في المنطقة.

– في المقابل تشكل طهران قاعدة إسناد إقليمية مؤثرة لحماس، وبالذات على صعيد الدعم اللوجستي للمقاومة.

– كما أن تقاطع العلاقة بين طهران ودمشق وحماس وحزب الله والجهاد الإسلامي مثّل طوال سنوات زخماً لبرنامج المقاومة، وأوجد غطاء إقليمياً مسانداً لمسارها.

* أبرز مجالات الاختلاف والاحتكاك بين الطرفين:

– اختلاف اللون المذهبي، وعدم قدرتهما على تجاوزه، في ظلّ مناخ الحشد الطائفي القائم، وعجزهما عن تطوير العلاقة لما يشبه التحالف، بسبب ذلك.

– حساسية المنطقة وشعوبها وأنظمتها السياسية من الدور الإيراني ومشروعه في المنطقة، في الوقت الذي تجد فيه حماس ظهيرها الاستراتيجي(وخصوصاً الشعبي) في هذا الفضاء الإقليمي نفسه.

– استقلالية حماس ورفضها تماماً للتبعية الإقليمية لأي طرف، وفي المقابل هناك رغبة في الهيمنة الكامنة لدى عدد من صانعي القرار في إيران.

– حساسية حماس تجاه انخراطها في أحلاف إقليمية، وتناقض ذلك مع رؤيتها الاستراتيجية، وفي الجهة الأخرى رغبة طهران لتطوير العلاقة إلى ما يشبه بناء كتلة متجانسة وفي إطار سياسة منسقة إلى حد كبير.

موقع الطرفين في المشهد الإقليمي الحالي:

أفرز “الربيع العربي” أكبر متغيرين استراتيجيين ما زالت تأثيراتهما سارية حتى اللحظة وإن كانت بنسب متفاوتة، وهما إيقاظ الوعي الجماهيري وتوليد ثقة الشعوب بقدرتها على التأثير والتغيير، وكذلك صعود “الإسلام السياسي” إلى سدة الحكم. وفي الفضاء الإقليمي تصدع ما كان يسمى بمحور “الممانعة والمقاومة” ومحور “الاعتدال” باتجاه ولادة خريطة إقليمية جديدة.

فجر العاملان مخاوف معظم القوى الإقليمية، على ضفتي المحورين محور “الممانعة والمقاومة” ومحور “الاعتدال” على حدّ سواء. فقامت دول المحورين على إجهاض مخرجات “الربيع العربي”، كُلٌّ على طريقته، وتضافرت معها جهود دولية موازية للغاية ذاتها.

وفي المحصلة جاءت الثورة المضادة لإزاحة “الإسلام السياسي” عن الحكم، ولتدجين وإرهاب العامل الشعبي، باعتبارهما مخرجات “الربيع” الأكثر تأثيراً. ولكن الثورة المضادة زادت من الفوضى التي أعقبت انفجار الثورات، وعمقتها، وأنتجت سيولة إقليمية عارمة، يتخللها صراع عنيف ما زال قائماً بين القوى الإقليمية لإعادة ترسيم المنطقة العربية، في أجواء ظلال قاتمة من عدم اليقين بشأن مستقبلها.

وفيما يلي صورة كل من إيران وحماس في المشهد الإقليمي المضطرب:

إيران:

– تخشى إيران أن تخسر حليفها الاستراتيجي في دمشق، وما يعنيه ذلك من تراجع خطير في مركزها الجيو سياسي، وتبذل كل ما تستطيع لدعم النظام السوري، بالرغم مما قد يسببه لها ذلك من خسائر شعبية (في الوسط السني على الأقل) ومن خسائر مادية.

– يعاني حزب الله، الحليف الاستراتيجي لإيران في لبنان، من وطأة وانعكاسات تدخله لوجستياً وعسكرياً إلى جانب النظام السوري، وما يجره ذلك من استنزاف قوته القتالية ومن خسائر مادية وشعبية، ومن أزمات في الساحة اللبنانية.

– وافقت طهران على تخلص النظام السوري من سلاحه الكيماوي ثمناً لبقائه، واقتربت من واشنطن والعالم الغربي على صعيد ملفها النووي كتهدئة تكتيكية لاستيعاب متطلبات المرحلة، ولترميم اقتصادها الذي أنهكه الحصار الغربي.

حماس:

– شكل الانقلاب العسكري في مصر على الرئيس مرسي صدمة لآمال حماس، باعتبار أن الحكم الديموقراطي الجديد آنذاك كان سيشكل سنداً إقليمياً لها.

– يقوم النظام المصري بعد الانقلاب العسكري بمحاصرة قطاع غزة، والحكومة التي تقودها حماس بطريقة غير مسبوقة؛ كما يدفع القضاء المصري لتجريمها ولإعلانها حركة إرهابية.

– الحركة وبناها السياسية والشعبية والعسكرية مطاردة في الضفة الغربية من قِبَل قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية الفلسطينية.

– الفضاء الإقليمي لم يعد متسعاً أمام حماس، سوى ما تلاقيه من دعم من قبل تركيا وقطر، وهو دعم حيوي، غير أنه لا يصل إلى مستوى طموحاتها ودورها؛ بالنظر إلى الضوابط والظروف التي تحكم السياسيات في كلا البلدين.

– تعطُّل المصالحة الفلسطينية، واستمرار حالة الانقسام.

سيناريوهات العلاقة المستقبلية المحتملة:

في ضوء القراءة البانورامية لخريطة العلاقة بين حماس وإيران وتقاطعاتها وتناقضاتها، ومن خلال محاولة رسم تموضعمها في المشهد الإقليمي الراهن، يمكن تقدير مستقبل العلاقة بينهما كالآتي:

– السيناريو الأول: عودة العلاقة إلى سابق عهدها، بما في ذلك عودة الدعم المالي واللوجستي لحركة حماس من قبل طهران.

– السيناريو الثاني: انسداد أفق التواصل بين الطرفين، ووصول العلاقة بينهما إلى حالة من القطيعة التامة.

– السيناريو الثالث: تحول الاتصال بين الطرفين إلى مستوى علاقة “عادية” مثل العلاقات مع بعض الدول في المنطقة.

التقدير:

نظراً لحاجة الطرفين لبعضهما البعض، وتوافقهما على رزمة من المصالح المشتركة، وتشابه الموقع الجيو سياسي لكل منهما في المشهد الإقليمي الحالي. ونظراً لوجود التناقضات التي ما زالت قائمة بسبب الأزمة السورية وغيرها، فضلاً عن أن طهران تقع تحت المجهر الغربي في أثناء مباحثات الملف النووي الإيراني؛ فمن المتوقع أن تتراوح العلاقة بين الطرفين بين السيناريوهين الأول والثالث، وأن يتشكَّل مزيج منهما، وسيتحدد أكثرهما وزناً في المزيج بحسب العوامل المؤثرة المرافقة.

العوامل المؤثرة في نشوء السيناريو المحتمل:

– مدى اتساع الصفقة التي ستجري بين الغرب وطهران فيما يتعلق بالملف النووي، وهل ستشمل ملفاتٍ إقليمية أخرى، بما يعني اعترافاً غربياً بدور إيراني في المنطقة. وبالتالي أن تتم هذه الترتيبات على حساب علاقة طهران بحماس.

– مسار الأزمة السورية والوجهة التي ستنساق باتجاهها.

– محصلة التباين الداخلي الإيراني، بمعنى أيّ التيارين (تيار روحاني، وتيار الحرس الثوري) سيكون له وزنٌ أثقل في المعادلة الإيرانية الداخلية في المستقبل.

– ماهية الرد الغربي على خطوات التقارب المحتملة من جهة طهران مع حماس، ومدى تأثيرها على مسار التفاوض في الملف النووي.

– تطورات الأوضاع في الملف المصري.

– مدى تصاعد التضييق على “الإسلام السياسي” في المنطقة، ومدى محاولة حشر بعض الأطراف الخليجية حماس في برامج التضييق ومحاربة “الإرهاب”.

التوصيات:

1. على الطرفين أن يديرا خلافاتهما بطريقة إيجابية، وأن يركزا على ما هو مشترك بينهما، وخصوصاً في دعم قضية فلسطين ودعم قوى المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني وكسر الحصار.

2. على إيران وحماس وبالتنسيق مع سائر الأطراف الإقليمية المعنية أن يعملوا على تنفيس الاحتقان الطائفي، لأنه يستنزف الأمة وطاقاتها ومواردها، وفي الوقت ذاته يُغيِّب صورة الصراع الحقيقية،التي من المفترض أن تكون مع الكيان الصهيوني.

3. على الطرفين أن يعملا على منع التدخل الخارجي الغربي في المنطقة، وأن يسعيا لقطع الطريق على استفادة الجانب الإسرائيلي والأمريكي من الأوضاع التي نشأت بعد الثورات العربية.

4. على إيران أن تقدم تطمينات ملموسة لدول المنطقة وشعوبها بشأن دورها الإقليمي، على قاعدة البُعد عن المذهبية والطائفية، وعلى قاعدة تحقيق شعوب المنطقة لطموحاتها وبناء أنظمتها السياسية بإرادتها الحرة.

5. إن دعم قضية فلسطين وقوى المقاومة يدخل في إطار الواجب على أنظمة وشعوب المنطقة العربية والإسلامية؛ ولا ينبغي أن يستخدم كأداة ضغط على أي طرف.

* يتقدم مركز الزيتونة للأستاذ عبد الرحمن فرحانة بخالص الشكر على الإسهام في إعداد المسودة التي اعتمد عليها هذا التقدير.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 25/3/2014