كلمة الافتتاح: مؤتمر "السياسة الخارجية الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية"

//كلمة الافتتاح: مؤتمر "السياسة الخارجية الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية"

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرات السيدات والسادة:

يسرني باسم مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن أرحب بحضراتكم أجمل ترحيب في هذا المؤتمر الذي يعقده المركز بعنوان “السياسة الخارجية الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية”.

لقد سعدنا في هذا المؤتمر بمشاركة نحو 130 خبيراً ومختصاً ومهتماً بالشأن الفلسطيني وبالعلاقات الأوروبية الفلسطينية، كما نرحب بمشاركة ممثلين عن جامعة الدول العربية، ووزارة الخارجية اللبنانية، وسفراء أو ممثلي سفارات ألمانيا وبريطانيا وبلجيكا ورومانيا وجنوب إفريقيا وجمهورية مصر العربية والسودان وإيران واندونيسيا.

لقد تمّ الإعداد لهذا المؤتمر على مدى الأشهر الثمانية الماضية، وستقدم فيه 17 ورقة عمل موزعة على ست جلسات، على مدار يومي المؤتمر. وكما ستلاحظون فإن المؤتمر سيحاول أن يعالج بشكل شامل كافة القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية، فمن دراسة خلفياتها التاريخية، وأبعادها القانونية، وطبيعتها الاقتصادية، إلى استقراء الجوانب السياسية والأمنية، وتحليل الموقف من “إسرائيل”، فضلاً عن فهم الدور الشعبي الأوروبي ودور الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا.

حضرات السيدات والسادة:

لا شك أن علاقة أوروبا بالشرق الأوسط (وإن كان مصطلح الشرق الأوسط نفسه بحاجة إلى مراجعة وتحديد) هي علاقة تاريخية قديمة تميزت بتفاعلها الحضاري الإنساني، كما تميّزت بحالات من الاحتكاك والصراع. غير أن الموجة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، وخصوصاً في القرن العشرين قد أسهمت في إسقاط الدولة العثمانية، وفي إقامة أنظمة ودول جديدة، وفي صياغة خريطة المنطقة والحدود بين الدول، بشكل راعى في كثير من الأحيان المصالح الأوروبية، وليس بالضرورة مصالح شعوب المنطقة. وكان من أبرز الأمثلة على ذلك اتفاقيات سايكس بيكو 1916 وسان ريمو 1920، فضلاً عن تحويل وعد بلفور إلى التزام دولي في صك الانتداب البريطاني على فلسطين سنة 1922.

وما زال أبناء المنطقة، وخصوصاً الشعب الفلسطيني، يدفعون أثمان سياسات أوروبية قديمة تجاههم. فالمشكلة اليهودية هي أوروبية المنشأ، سواء أكان ذلك بسبب سياسات وممارسات روسيا القيصرية أم ألمانيا النازية، وحلّ المشكلة اليهودية جاء أوروبياً بشكل أساسي، من خلال السعي لإنشاء وطن قومي أو دولة لليهود في فلسطين، وبذلك ارتبطت مأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالمحاولات المرتبطة بإنشاء هذا الكيان. وبينما كان البعض يحتفل بإنشاء “إسرائيل” كان نحو 57% من الشعب الفلسطيني يتحولن إلى لاجئين، كما فقد الفلسطينيون نحو 77% من أرض فلسطين التي قام عليها الكيان الإسرائيلي.

ومنذ ذلك الوقت والقضية الفلسطينية تشكّل أحد أهم عناصر التفجير واللا استقرار في الشرق الأوسط، بل والعالم أجمع؛ وهي تنذر بمزيد من المعاناة والحروب وسفك الدماء، إذا لم يقم العالم الحر بدوره في استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة في أرضه ومقدساته، وفي تقرير مصيره، وعودة لاجئيه.

لقد كان الدور الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية على الدوام قوياً وفاعلاً، وهو وإن كان قد تراجع لصالح الدور الأمريكي في المنطقة، إلا أنه ما زال لاعباً مهماً في السياسة الدولية تجاه فلسطين. ففضلاً عن أن أوروبا لديها علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية قوية بـ”إسرائيل”، فإنها عنصر أساسي في قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية؛ والاتحاد الأوروبي عضو في الرباعية الدولية، كما أن دول أوروبا داعم أساسي للسلطة الفلسطينية التي نشأت إثر اتفاقات أوسلو سنة 1993.

لقد صنّف المجلس الأوروبي، بعد المصادقة على اتفاقية ماستريخت سنة 1993، الشرق الأوسط ضمن أحد خمسة مناطق ذات أولوية بالنسبة لأوروبا؛ كما تؤكد التقارير الأوروبية أنه لا يمكن بناء منطقة تنعم بالسلام والتقدم والازدهار في حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط دون حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية.

حضرات السيدات والسادة:

 إن التفاعلات التي تجري في المنطقة تؤثر بشكل أو بآخر على الوضع في أوروبا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. وإن حالة اللا استقرار الناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي، أو الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، ودور أوروبا في ذلك، ينتج عنها نظرة سلبية من شعوب المنطقة ودولها تجاه عدد من البلدان الأوروبية، وهو ما قد يزيد مخاطر التطرف، وما قد يؤدي إليه من ردّات فعل عنيفة، تمس الأوروبيين أنفسهم وباقي دول العالم.

لقد عانت سياسات الدول الأوروبية لوقت طويل من عدم قدرتها أو عدم رغبتها في اتخاذ مواقف حاسمة تؤدي إلى نتائج فاعلة فيما يتعلق بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإنشاء الدولة الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير مصيره والسيادة على أرضه.  وفي أحيان عديدة انشغلت بضمان أمن المحتل الإسرائيلي واستقراره أكثر مما انشغلت بضمان استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه؛ وبعبارة أخرى فإنها انشغلت بضمان وطمأنة قوة احتلال قاهرة غاشمة ظالمة، أكثر مما انشغلت بمساعدة الضحية الضعيفة التي تنشد العدل والحق، حتى وفق المعايير والقيم الأخلاقية الأوروبية نفسها.

إن الدعم الاقتصادي والمالي الأوروبي للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع أو من خلال الأونروا هو أمر مقدّر ومشكور، ولكنه يتناول علاج بعض الأعراض الناتجة عن المشكلة ببعض المسكنات والمهدئات؛ بينما لا يتم التعامل بشكل جاد مع عشرات القرارات الدولية وتحويلها إلى قرارات ملزمة لـ”إسرائيل”، وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كما لا تتم معاقبة “إسرائيل” (كما يحدث مع دول أخرى) بسبب احتلالها أو ممارساتها،  التي تخالف القانون الدولي وأبسط حقوق الإنسان.

لقد ازداد التفاعل الشعبي والرسمي الأوروبي مع القضية الفلسطينية في السنوات الماضية، وخصوصاً بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وفوز حماس في الانتخابات، وحالة الحصار التي فرضت على قطاع غزة. كما اتسعت الهوّة بين المواقف الشعبية الأوروبية وبين مواقف حكوماتها. غير أن هناك إدراكاً أوروبياً متزايداً بتبني أدوار أكثر فاعلية في حل القضية الفلسطينية.

حضرات السيدات والسادة:

وبناء على ما سبق، يأتي عقد هذا المؤتمر ليضع النقاط على الحروف في العديد من القضايا المهمة، ومن أبرزها:

1- تحقيق فهم أفضل للسياسات الخارجية الأوروبية ومحدداتها تجاه القضية الفلسطينية.
2- تحقيق فهم أفضل للقضية الفلسطينية، وخصوصاً تلك التي تهم صانع القرار الأوروبي.
3- تقديم قراءة نقدية للسياسات الخارجية الأوروبية تجاه قضية فلسطين، وانعكاساتها المحلية والإقليمية والدولية.
4- توضيح المواقف الشعبية الأوروبية، ومواقف الجاليات العربية والمسلمة المقيمة في أوروبا من قضية فلسطين.
5- البحث في المقترحات العملية التي تعزز الدور الأوروبي الإيجابي تجاه القضية الفلسطينية.

حضرات السيدات والسادة:

إن مركز الزيتونة الذي تشرّف بتنظيم هذا المؤتمر هو مركز دراسات علمي جاد، يرتكز على الدراسات السياسية والاستراتيجية، وخصوصاً تلك المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي، وهو يسعى لأن يكون خزان تفكير think tank يتسم بالنزاهة والموضوعية والحرفية المهنية، بحيث يُسهم في فهم أفضل للأوضاع في المنطقة، ويقدم دراسات استشرافية مستقبلية تخدم صانع القرار في اتخاذ السياسات السليمة خصوصاً فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني.

ويسعدنا أن نشير إلى أن المركز الذي لم يتجاوز عمره عملياً الست سنوات قد أصبح أحد أهم وأبرز مراكز الدراسات المعنية بالقضية الفلسطينية، وهو يُصدر سنوياً أكثر من 25 كتاباً أكاديمياً متخصصاً في القضية بمعدل كتاب لكل أسبوعين، ويُصدر المركز التقرير الاستراتيجي الفلسطيني بشكل سنوي، وباللغتين العربية والإنجليزية، وهو تقرير أصبح مرجعاً أساسياً لأساتذة الجامعات وطلبتها وللمختصين والمهتمين. كما أن للمركز موقعه على الإنترنت وهو من أكثر المواقع المعنية بالشأن الفلسطيني زواراً، هذا فضلاً عن نشرة “فلسطين اليوم” التي صدر منها أكثر من 1950 عدداً، بالإضافة إلى العديد من المؤتمرات والسيمنارات وحلقات النقاش التي ينظمها المركز.

وفي الختام، نرحب بكم في مؤتمرنا هذا، آملين أن يحقق ثماره المرجوة، وأن يكون خطوة إيجابية نحو مزيد من التفاهم وتبادل الخبرة. وبالطبع فإن النقاش العلمي الصريح والجاد هو ما يسعى إليه المركز، ونحن حريصون على إيجاد أفضل الأجواء الإيجابية لذلك، ومطمئنون إلى أن اختلاف وجهات النظر وتنوعها، سيُسهم في رسم صورة كلية أوضح، وفي تحقيق المؤتمر لغاياته.

وباسم الله، وعلى بركة الله، أعلن افتتاح هذا المؤتمر.

أضف ردا

رسالة الزيتونة:

يهتم المركز ببث الوعي محلياً وإقليمياً ودولياً حول واقع وتفاعلات الأحداث في المنطقة، وخاصةً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الإسرائيلي. كما يسعى لاستقطاب الباحثين وتأهيلهم وإبرازهم لخدمة قضايانا الوطنية والعربية والإسلامية. يسعى مركز الزيتونة إلى بناء قاعدة معلومات واسعة، وتصنيفها وفق أحدث الطرق والأساليب العلمية والتقنية، والتعاون مع العلماء والخبراء والمتخصصين لإصدار الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة. كما يُعنى المركز بإقامة الدورات التدريبية والتأهيلية للمهتمين، وتقديم الاستشارات الفنية المتخصصة في مجالات عمله؛ إلى جانب الندوات والمحاضرات والمؤتمرات.

المدير العام:

د.محسن صالح: أستاذ مشارك في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، متخصص في الدراسات الفلسطينية، سياسياً واستراتيجياً وتاريخياً، محرر التقرير الاستراتيجي الفلسطيني السنوي. ولديه اهتمام خاص بالواقع السياسي الفلسطيني، وبشؤون القدس، والتيار الإسلامي الفلسطيني، والمقاومة الفلسطينية، والتاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر ... المزيد