كلمة مرشد الإخوان المسلمين د. محمد بديع في مؤتمر "الإسلاميون في العالم العربي والقضية الفلسطينية"

//كلمة مرشد الإخوان المسلمين د. محمد بديع في مؤتمر "الإسلاميون في العالم العربي والقضية الفلسطينية"

يسر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات أن ينشر كلمة فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، التي ألقاها في مؤتمر “الإسلاميون في العالم العربي والقضية الفلسطينية في ضوء التغيرات والثورات العربية” والذي عقده مركز الزيتونة في 28 و29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012.

ودارت كلمته حول مدى الحاجة إلى التغيير، وأن هناك معارك متوالية يجب خوضها كي تتحرر أرض فلسطين وتتحرر قرارات كل بلاد الأمة العربية والإسلامية. وأكد على دعم المقاومة بكل أشكالها في فلسطين. وأنَّ جماعة الإخوان المسلمين لا تقبل بأي حال من الأحوال التفريط في أي شبر من أرض فلسطين، وأن الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين حتماً إلى زوال.

وفيما يلي نص الكلمة:

كلمة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع

بسم الله الرحمن الرحيم

الإخوة الأحباب، والأبناء الأعزاء، والأخوات الفضليات

سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته… وبعد

إن اجتماعكم هذا وكلماتكم هنا وفي كلّ المحافل لهو جهاد بالكلمة، أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، لأن الكلمة المنطوقة والمكتوبة لها ثقل يتزايد حتى يبلغ في وزنه كلمة حق عند سلطان جائر، بالحكمة والموعظة الحسنة، ويصل بها صاحبها إلى درجة سيد الشهداء.

أما والعياذ بالله إن كانت الكلمة من سخط الله فيهوي بها صاحبها في نار جهنم سبعين خريفاً.

وإن كلمات العلماء المكتوبة لتبلغ في درجة ثقلها، وأثرها، ومكانتها، وأهميتها أن يوزن مدادها بدماء الشهداء، كما بشر الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم، ولكنّ الأهم من الكلام المكتوب والمنطوق هو التطبيق العملي، بما يعرفه الناس أنه القدوة، مما جعل العلماء يقولون بحق “إن حال رجل في ألف رجل خير من مقال ألف رجل لرجل”.

فإنّ قدوتكم الحسنة في كلّ موقع ومع كلّ إنسان، حتى المعادين لكم، المناوئين لمبادئكم بل والمسيئين لكم، فإن عصوا الله فيكم فأطيعوا الله فيهم. والله عزّ وجلّ مالك القوى، والقدر، والذي بيده مفاتيح القلوب، سيغير من في قلبه خير، ليعود بغير الوجه الذي ذهب به {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.

[فصلت: 34].

وأيضاً، أذكركم بحديثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة”؛ أي بوصف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، طعم طيب لمن يأكل منه، ويتعامل معه، وريحه طيب؛ أي رائحته يشمها كلّ النّاس حتى أعداؤه، لا يملك أن تشهد بغير صدق رائحته الطيبة؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: إن تأثيره يتعدى لأجيال قادمة، “إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد، ولده، وأهل كويرته، ودويرات حوله”.

أما من ليس له تأثير فيمن حوله، وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كالتمرة؛ لأن تمر البلح طعمه حلو ولا ريح له، لعدم تأثيره على من حوله، بل أخطر من هذا وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه “مؤمن لا يقرأ القرآن”؛ لأن قراءته للقرآن لم تكسبه أخلاقاً، وسلوكاً، حميداً يجعله إلفاً مألوفاً، لأنه “لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف”.

ولهذا قال العلماء بحق: إن المسلم المتحرك بدعوته، وخلقه، وسلوكه، كالماء الجاري، طاهر في نفسه مطّهر لغيره، أما إذا قعد ولم يتحرك بالنور بين الناس صار طاهراً في نفسه فقط، غير مطهر لغيره، وبعد فترة وجيزة من القعود يصيبه العطن والأسن فيصبح لا طاهراً في نفسه، ولا مطهراً لغيره.

إخواني وأخواتي الأعزاء…

لقد حمل الإخوان المسلمون همّ هذه الأمة، كي تنهض من سباتها منذ سقوط الخلافة الإسلامية، مروراً بمخططات الأعداء التي لم تقف على مرّ السنين، كي تنقض على مقدرات أمتنا الإسلامية، وتنهب ثرواتها. ولم يزل جرح فلسطين ينزف دماً ويسقط شهداء منذ سنة 48 وحتى الآن.لقد كانت دموع البنا وإخوانه، وهم يسهرون الليالي باكين على حال الأمة، ذخراً ولبنة أيقظت جيلاً فريداً، وقف مع المخلصين من هذه الأمة، يرفع الراية ويأبى أن ينكسر اللواء وهم في طليعة المجاهدين، وزمرة الشهداء، حتى تظلّ الروح باقية في جسد الأمة، {وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)}، [الأنفال: 39-40].

ولقد كانت مصر مهد دعوة الإخوان، وكانت فلسطين ميدان الجهاد لكلّ أبناء هذه الدعوة، وكان ذلك علامة على شمولية هذه الدعوة وثرائها، وأنها لن ترضى إلا بعزة هذه الأمة، وعودتها شامخة عزيزة، تقود سائر الأمم إلى ما فيه خير العباد والبلاد. لقد كانت فلسطين والقدس، وما زالت، في القلب من دعوة الإخوان، وكان كلّ شهيد يسقط، وكلّ جريح ينزف، إنما كان ذلك من جسد الأمة كلّها، ولكنها بشارة هذه الدعوة على صحة منهجها، وتجرد أهدافها، ومكرمة لها في الأرض والسماء، فما أحوجنا إلى نصر الله وغوثه {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}. [آل عمران: 160].

نتحدث إليكم وسط مشاعر من الآمال أحاطت بالأمة العربية والإسلامية أن تتخلص من الاستبداد والديكتاتورية، وأن تتنسم هواء الحرية، والعدالة، والعزة، وفي أول فرصة لهذه الشعوب أن تتقابل مع حريتها اختارت منهجها الإسلامي ليحكمها، واختارت شرعيتها، لتكون دستورها بالرغم من حقد الحاقدين ومؤامرات الكارهين.

نتحدث إليكم وقد عشنا كيف تغيرت الأمور، وعلت رايات الحرية والكرامة، وراحت آفاق التغيير تغير من خريطة الحكم في عالمنا العربي، ويتقدم أصحاب المشروع الإسلامي بوجهه الحقيقي، بما يمثله من عدالة، وحرية، وإحسان، ليعيد لهذه الأمة حريتها وكرامتها، ويحافظ على ثرواتها، ويحقق لها نهضتها، ويأمن فيها كلّ خائف، ويلوذ بشريعتها كلّ ملهوف، ولا ينام فيها الحاكم قبل أن يحقق العدل بين رعيته.

نلتقي اليوم، وقد عشنا بالأمس انتصار وثبات أهل غزة – فلسطين الأبية، وقد سعدوا بمواقف إخوانهم في مصر، وفي كلّ الأمة العربية، بعدما علت رايات الحرية، وقد رآه العدو، وصدم، وما أفاق إلا بواقع قد تغير، وأن عقارب الساعة لن تعود بإذن الله إلى الوراء، وأنه كان يحتمي بأنظمة فاسدة، ولن تعود بإذن الله.

لقد أثبتت الأحداث الماضية مدى حاجتنا إلى جهد حثيث؛ كي نمضي نحو التغيير، وأن أمامنا معارك متوالية؛ كي نحقق أهدافنا، ونحرر أراضينا وقدسنا، ونحرر قرارانا في كلّ بلاد الأمّة العربية والإسلامية.

إننا نوقن أن العدو الصهيوني الذي احتل فلسطين، وهي القلب من أمتنا، هو رأس الحربة أمام مشروعنا الإسلامي لتحرير أمتنا العربية والإسلامية، وأن معركتنا الأساسية، ولن تطول بإذن الله، هي مع هذا العدو، الذي احتل أرضنا، وقتل شبابنا، واعتلى مقدرات أمتنا، واستولى على حرمنا الأقصى، وأنه وراء كلّ جريمة بحقّ شعوب أمتنا.

وعليه، فإننا نؤمن بأن دعمنا للمقاومة بكلّ أشكالها في فلسطين هو خطّ الدفاع الأساسي عن مشروعنا وأمننا القومي.

ونحن من جانبنا نؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين لا تقبل بأي حال من الأحوال التفريط في أي شبر من أرض فلسطين، وأن الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين الحبيبة حتماً إلى زوال. نؤكد لكم ثبات موقفنا أننا لم ولن نعترف بالكيان الإسرائيلي.

إن مشروعنا لتحقيق النهضة لأمتنا العربية والإسلامية أمامه تحديات كبيرة ومهمة، فهذا العدو هو الداعم لكلّ استبداد وقهر، ويتحالف معه كلّ كاره للحرية والعدالة، ومع ذلك فالأهم أن نعدّ أنفسنا وكوادرنا، لكي نقود أمتنا في هذه المعركة، وأن نحقق العدالة والحرية.

إن العدو بات يوقن ويعلم أن الربيع العربي بات يهدد وجوده، وأن الأمّة قد انتفضت باحثة عن حريتها وكرامتها، وأن راية الإسلام هي السائدة بإذن الله؛ لذا فقد تحرك محاولاً وأدَ هذا الربيع، ومحاصراً لآثاره، ولكننا واعون لذلك، واثقون أولاً وأخيراً في نصر الله، متأكدون من فشله وهزيمته {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. [النور: 55].

إخواني وأخواتي…

 إنني انتهز هذه الفرصة الطيبة، ونحن في هذا المحفل الكريم، كي أؤكد عليكم جميعاً بأنه يجب علينا أن نستثمر حالة الربيع العربي، التي ترفرف على أوطان الأمّة العربية.

وأقول لجميع الحركات والتيارات الإسلامية في عالمنا العربي والإسلامي أنه يجب علينا الآن تعظيم القواسم المشتركة فيما بينا، وأن نعمل جاهدين على توحيد الصف العربي والإسلامي؛ لنكون نسيجاً قوياً متكاملاً متحداً، يسعى لحلّ مشكلات أمتنا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتنهض بشعوبها، وتعمل على تذويب جبال الجليد التي صنعتها الأنظمة البائدة بين هذه الحركات والتيارات وبين شعوبهم بكلّ مكوناتها، كما يجب علينا أن نقدم الصورة الصحيحة للمسلم الحقّ، وذلك لتبديد الصورة المرعبة، التي رسمتها لهم الأنظمة السابقة.

وعلى الحركات والتيارات الإسلامية التنسيق فيما بينها لتحقيق أعظم مقاصد الإسلام {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}. [آل عمران: 103].

أسأل الله أن يبارك فيكم، وفي الآباء والأمهات، والأخوة والأخوات، والأزواج والزوجات والأبناء والبنات.

ونسألكم ونشدّ على أيديكم بأن تواصلوا الليل بالنهار بالعمل الجادّ لرفعة هذه الأمة، ورفع رايتها، وألحوا على ربكم بالدعاء لإخوانكم في فلسطين، وسوريا، وبورما، ومصر، وكشمير، وبنجلاديش، وفي كلّ بقاع الأرض أن يعزنا، ويعزكم، ويعزهم بالإسلام، ويعز الإسلام بنا.

تقبلوا دعواتي وتحياتي وجميع إخوانكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  للاطلاع على كلمة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع، اضغط على الرابط التالي:

كلمة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع
Word
 (6 صفحات، 183 KB) 

كلمة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع 

(6 صفحات، 605 KB)*


 
* إذا كانت لديك مشكلة في فتح الملف، اضغط هنا

 مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 9/4/2013

أضف ردا

رسالة الزيتونة:

يهتم المركز ببث الوعي محلياً وإقليمياً ودولياً حول واقع وتفاعلات الأحداث في المنطقة، وخاصةً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الإسرائيلي. كما يسعى لاستقطاب الباحثين وتأهيلهم وإبرازهم لخدمة قضايانا الوطنية والعربية والإسلامية. يسعى مركز الزيتونة إلى بناء قاعدة معلومات واسعة، وتصنيفها وفق أحدث الطرق والأساليب العلمية والتقنية، والتعاون مع العلماء والخبراء والمتخصصين لإصدار الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة. كما يُعنى المركز بإقامة الدورات التدريبية والتأهيلية للمهتمين، وتقديم الاستشارات الفنية المتخصصة في مجالات عمله؛ إلى جانب الندوات والمحاضرات والمؤتمرات.

المدير العام:

د.محسن صالح: أستاذ مشارك في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، متخصص في الدراسات الفلسطينية، سياسياً واستراتيجياً وتاريخياً، محرر التقرير الاستراتيجي الفلسطيني السنوي. ولديه اهتمام خاص بالواقع السياسي الفلسطيني، وبشؤون القدس، والتيار الإسلامي الفلسطيني، والمقاومة الفلسطينية، والتاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر ... المزيد