مدة القراءة: 9 دقائق

بقلم: عوني فارس (خاص – مركز الزيتونة).

تعتبر تجربة المبعدين في مرج الزهور واحدة من محطات النضال المميزة التي انتصرت فيها إرادة الشعب الفلسطيني على صلف الاحتلال وعدوانيته، حيث تمكن 415 فلسطينيًا أبعدوا دفعة واحدة إلى جنوب لبنان في 16/12/1992 من الصمود سنة كاملة في ظروف قاسية للغاية في مخيم أقاموه بالقرب من قرية مرج الزهور على الحدود اللبنانية الفلسطينية، وأرغموا الاحتلال على إعادتهم إلى فلسطين.

وقد أحسن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت حين احتفى بمرور عشرين عامًا على عملية الإبعاد بإصدار دراسة شاملة ومطولة تؤرخ التجربة بفصولها المختلفة، أعدَّها حسني البوريني النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني عن كتلة التغيير والاصلاح وأحد مبعدي مرج الزهور.

اعتمدت دراسة البوريني على مجموعة من المصادر الأولية؛ كالتعميمات الداخلية ومحاضر اجتماعات اللجان المختلفة داخل المخيم، والبيانات الصحفية الصادرة عن قيادة المبعدين واللجنة الإعلامية، وكراسات اليوميات التي خطها المبعدون إبان فترة الإبعاد، وعدد من أفلام الفيديو والصور الفوتوغرافية التي جسدت الحياة اليومية للمبعدين، وما نشرته الدول والهئيات والمؤسسات المحلية والإقليمية والدولية من مواقف رسمية.

كما ارتكزت على بعض الأدبيات الصادرة عن باحثين أو صحفيين أو تلك التي نشرها بعض المبعدين بعد عودتهم، ناهيك عن تجربة المؤلف ومشاهداته طوال فترة الإبعاد؛ خصوصا وأنَّه شارك بفاعلية في انجاح العديد من فعاليات المبعدين ونشاطاتهم.

غطَّت دراسة البوريني مجمل المحطات التي مر بها المبعدون من لحظة صدور القرار العسكري الإسرائيلي رقم 456 القاضي بإبعاد عدة مئات من الفلسطينيين إلى لبنان وحتى عودتهم إلى فلسطين، وتناولت أهداف الاحتلال الإسرائيلي من عملية الإبعاد وآليات تنفيذها، وردود فعل المبعدين عليها، وطبيعة التفاعل معها عربيا ودوليا.

وبيَّنت الصعوبات التي واجهها المبعدون في مخيمهم سواء تلك المتعلقة بجغرافية المنطقة ومناخها أو تلك المتعلقة بطبيعة القرى المحيطة بالمخيم وسلوك سكانها تجاه المبعدين، كما شرحت بإسهاب البرنامج النضالي طويل الأمد الذي نفَّذه المبعدون حتى حققوا حلمهم بالعودة، وكيف ساهم في صقل تجربتهم النضالية وإنضاج رؤيتهم للقضية الفلسطينية ولدور الحركة الإسلامية تجاهها.

وسجلت الكثير من التفاصيل الدقيقة ليوميات المبعدين ونشاطاتهم وأشكال إدارتهم للحياة داخل المخيم بجوانبها المختلفة، وتعاطيهم مع سكان المنطقة، وموقفهم من المقترحات والحلول التي صدرت عن القوى الإقليمية ودولية مثل جامعة الدول العربية والأمم والمتحدة والصليب الأحمر الدولي والولايات المتحدة، كما وثّقت المراحل التي مرت بها عملية العودة.

 أهداف الإبعاد

جاء رصد البوريني لأهداف الاحتلال من عملية الإبعاد مجتزأ رغم توفر بعض الأدبيات التي ناقشت المسألة باستفاضة، وكان بالإمكان الرجوع إليها مثل دراسة أحمد الحوت المنشورة في مجلة شؤون الأوسط العدد 15، وشهادات عدد من المبعدين التي نشرت في نفس المجلة في العدد 16، ولعل تسليط البوريني الضوء على بعض الأهداف وتجاهل البعض الآخر أفقد الدراسة جانبًا من قدرتها التحليلية لأبعاد العملية وتداعيات نتائجها الآنية والاستراتيجية، هذا من جانب ومن جانب آخر لعل البوريني تعمَّد إهمال هذه الأهداف بسبب أن دراسته تتعلق بتوثيق التجربة.

رأى البوريني بأنَّ قرار الإبعاد كان مبيَّتا، ولم يكن مجرد نزوة غضب عابرة، وقد أثبت ذلك عبر الرجوع إلى تصريحات مسؤولين في حكومة الاحتلال وجيشها دعت إلى تنفيذ عمليات طرد كبيرة العدد، وذلك قبل تنفيذ عملية الإبعاد بأشهر.

وأشار البوريني إلى أنَّ عملية الإبعاد جاءت لإنجاز هدفين استراتيجيين، تمثَّل الأول في تحقيق رغبة الاحتلال القديمة الجديدة في تفريغ فلسطين من سكانها الشرعيين، وذلك عبر استئناف عمليات طرد النشطاء الفلسطينيين مستغلاً اندلاع الانتفاضة، حيث وصل عدد المبعدين ما بين 1988-1991 إلى حوالي 64 فلسطينيًا، ثمَّ جاءت عملية الإبعاد إلى مرج الزهور لتكون تصعيدًا مميزا لسياسة “الترانسفير” كمًّا ونوعًا، فقد فاق عدد المبعدين وخلفيتهم الاجتماعية والأكاديمية والسياسية كل التوقعات.

أمَّا الهدف الثاني فارتبط بالتحولات الكبرى التي شهدها الصراع العربي الإسرائيلي بعد حرب الخليج الثانية، حين قَبِلت منظمة التحرير الفلسطينية التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي على حلٍّ متفقٍ عليه بين الطرفين ينهي الصراع، فجاء الإبعاد لتمهيد الطريق للتسوية السياسية وإزالة المعوقات أمامها، ولما كان التيار الإسلامي في فلسطين رأس الحربة في مواجهة مشروع التسوية فمن الضروري توجيه ضربة قاسية له تتركه مشلولاً وعاجزًا عن القيام بأي عمل من شأنه تعطيل هذا المشروع.

وأمَّا الأهداف التي تجاهلها البوريني فتتلخص بمحاولة حكومة الاحتلال إنهاء الانتفاضة، عبر القيام بتصعيد نوعي في حربها ضدها، والسعي لاسترضاء التيار اليميني المتشدد داخل المجتمع الإسرائيلي الذي ضغط عليها لتوجيه ضربات مؤلمة للمقاومة الفلسطينية، وتسويق نفسها في طليعة القوى المحاربة “للأصولية الإسلامية”، الأمر الذي يعزز علاقة التحالف مع الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ويفتح جسرًا للعمل المشترك مع الأنظمة العربية في استئصال التيارات الإسلامية المعادية لها.

 كيف حقق المبعدون حلمهم بالعودة

لعل الإضافة النوعية في دراسة البوريني لم تكن فيما حوته الدراسة من تفاصيل الحياة اليومية للمبعدين، على أهميتها، وإنما في تسليطها الضوء على العوامل الذاتية التي جعلت المبعدين، وهم الفريق الأضعف في معادلة الصراع مع الاحتلال، قادرين على إنجاز هدف العودة.

فقد أجاب البوريني على السؤالين المحوريين التاليين، لماذا تمكن المبعدون من تحقيق حلمهم بالعودة، على الرغم من أنَّ إبعادهم جاء في ظروف محلية وإقليمية ودولية ليست في صالحهم ولا في صالح عودتهم؟ وما هي الوسائل النضالية التي اتبعوها لتحقيق ذلك؟

يعيد البوريني الانتصار الكبير الذي حققه المبعدون بعودتهم إلى فلسطين إلى عدة نقاط، يأتي في مقدمتها طبيعة قيادتهم التي اتسمت بصلابة مواقفها، وقدرتها على صياغة الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية، وتمكنها من توظيف طاقات المبعدين خدمة لهذه الأهداف، وإبداعها وسائل نضالية مشروعة ومقبولة محليًا وإقليميًا ودوليًا لتحقيق غاياتها، وحنكتها في التعاطي مع المبادرات والحلول المعروضة عليها.

في المقابل انعكست طبيعة البنية الدينية والوطنية لجموع المبعدين إيجابيًا على تماسك الجبهة الداخلية للمبعدين، وعلى تحلِّيهم بدرجة عالية من الانضباط والتقيد الصارم بالبرنامج النضالي والإداري الذي أقرته قيادتهم، كما شكَّلت روح التضامن والتضحية التي اتسموا بها عنصرًا فاعلاً في التخفيف من معاناتهم اليومية.

وقد ظهر للعيان رقي الحالة الوطنية والتنظيمية لدى المبعدين من اللحظات الأولى للإبعاد، وذلك بحرصهم الشديد على العمل الجماعي والمنظم عبر إصرارهم على اختيار قيادتهم حتى وهم داخل الشاحنات المكشوفة التي نقلتهم عبر الحدود إلى لبنان، وما أن بدأت أقدام المبعدين تطأ أرض لبنان وساروا في الطريق دون معرفة لأي وجهة هم متجهون، بادروا إلى اختيار قيادة مؤقتة من ستة أشخاص، وبعد صلاة فجر اليوم الأول، باشرت القيادة بعملية إحصاء، ثمَّ أعيد اختيار قيادة جديدة في نفس اليوم.

وسجَّل البوريني أسماء أعضاء القيادة من حركة حماس وهم عبد الفتاح دخان وغسان هرماس وعزام سلهب وعبد الخالق النتشة وماهر عبيد وبسام جرار وإبراهيم أبو سالم وحسن يوسف ومحمد مطلق وعبد الفتاح العويسي ومحمد فؤاد أبو زيد ومحمود الزهار وسالم سلامة وحامد البيتاوي وأحمد الحاج علي وخضر محجز وعاطف عدوان وأحمد نمر حمدان وعدنان مسودة وعزيز دويك وجمال منصور وجمال سليم ومحمد حسن شمعة وعبد العزيز الرنتيسي وسليمان شيخ العيد.

وقد لعبت قرارات قيادة المبعدين دورًا محوريًا في تحقيق عودتهم، فقد كان قرارهم الأول استراتيجيًا، حين رفضوا دخول لبنان واستعاضوا عن ذلك بإقامة مخيم بين الجبال في المنطقة الحرام على الحدود أطلقوا عليه ” مخيم القدس- العودة”، وإلزموا المبعدين جميعا بالبقاء فيه، لأنَّ دخول لبنان سيشكل نهاية لقضيتهم.

ويضفي وصف البوريني لمشهد اتخاذ المبعدين لقرار البقاء على أرض مرج الزهور صورة أقرب لتلك المشاهد المفصلية في حياة حركات التغيير عبر التاريخ، إذ يقول: “وما أن سار الجميع قليلاً حتى نادى الأخ الشيخ عبد الفتاح دخان على من كان من الشباب قريبًا منه، وقال له: إلحق بأول المسيرة، وقل للأخ جمال منصور أن يتوقف بمن معه ريثما ألحق بهم. ولما وصل الشيخ عبد الفتاح إلى ما يقرب من مقدمة الموكب، يتهادى في مشيته، أسكتوا له الناس، وأصغى الجميع لكلامه.

فقال: يا شباب، إلى أين سنستمر في السير؟ أنا أقول: إذا دخلنا الحدود الآن لن نخرج من لبنان وسنفقد أملنا في العودة، فأنتم وما ترون، أما أنا فقد قررت أن أموت خلف هذه الصخور ( وأشار إلى صخرات كانت على جانب الطريق) أو أعود إلى وطني، فمن أحب أن يقيم معي حتى نعود معًا أو نموت معًا فحياه الله، ولن أدخل معكم إذا قررتم الدخول إلى لبنان. فقال الجميع: بل نقيم معك حيث تشاء إلى أن يقضي الله فينا أمره”.

ثم توالت القرارات الصائبة، من قبيل تشكيل اللجنة السياسية وتوحيد الخطاب الإعلامي للمبعدين، وإقرار لائحة داخلية تنظم الحياة اليومية للمبعدين، وبناء شبكة من التقسيمات الإدارية والعمل المؤسساتي داخل المخيم ضمت حوالي 17 لجنة، ومد جسور الثقة مع القرى المجاورة، ورفض المبادرات والحلول التي لا تتضمن عودة جماعية للمبعدين، خصوصًا تلك التي صدرت عن حكومة الاحتلال والولايات المتحدة.

أمّا بخصوص برنامج المبعدين النضالي، فقد أشار البوريني إلى ارتكاز معركتهم على عدد من الوسائل النضالية، يأتي في مقدمتها المعركة الإعلامية التي أدراتها اللجنة السياسية بإحكام، فعملت ضمن خطط معدة مسبقًا، وصاغت أسس واضحة حددت معالم خطابها طوال فترة الإبعاد ومن هذه الأسس إظهار البعد الإنساني لمأساة المبعدين، والتركيز على أنَّ إبعادهم مخالف للأعراف والقوانين الدولية وحقوق الإنسان، والإبقاء على قضية المبعدين حية متجددة وحاضرة في الإعلام الدولي، والابتعاد عن الخطاب العدائي لأي قوة إقليمية أو دولية باستثناء الاحتلال، وتوجيه الشكر لكل من ساندهم من الهيئات والاحزاب والحركات والحكومات.

ومن الناحية العملية بادرت اللجنة السياسية إلى فرز لجنة الخطاب الإعلامي، والتي بدورها كانت تقوم بالتواصل مع وسائل الإعلام وكان على رأسها كل من الدكتوران عبد العزيز الرنتيسي وعزيز دويك، وقد اعتادت اللجنة السياسية على عقد اجتماع صباحي لوضع الخطة الإعلامية اليومية وسلسلة إجابات لأسئلة متوقعة تُسلَّم للناطق الإعلامي، كما اعتادت اللجنة أخذ التغذية الراجعة من جموع المبعدين بعد كل حدث إعلامي.

ومن الوسائل النضالية الأخرى، الفعاليات الميدانية ذات الطابع السلمي، وقد تناولت الدراسة هذه الفعاليات بالشرح المفصل وخصوصًا سلسلة المسيرات نحو الوطن التي اعتاد المبعدون تنفيذها بين الفينة والأخرى، والتي كان لها تأثير كبير في الضغط على الاحتلال وحلفائه لتلبية مطالبهم، كما تواصل المبعدون، من خلال توجيه رسائل خطية، مع العديد من الدول والحكومات العربية والأجنبية إضافة إلى الكثير من القوى والحركات السياسية وطالبوها بالوقوف معهم والعمل على عودتهم.

 الموقف الرسمي العربي والدولي من قضية المبعدين

بدت عبارات البوريني التي وصف فيها الموقف الرسمي العربي من قضية الإبعاد مليئة بالأسى والحسرة، فالعجز العربي عن نصرة المبعدين وصل إلى حد لا يمكن تصوره، باستثناء الموقف اللبناني، حيث رفضت الحكومة اللبنانية دخول المبعدين إلى مناطق السيادة اللبنانية، في انسجام تام مع موقف المبعدين، وقد تطور هذا الموقف إلى نوع من التنسيق المسبق بين قيادة المبعدين والجيش اللبناني على الكثير من الخطوات الميدانية التي قام بها الطرفان.

وحسب البوريني فقد كان الرد العربي على الإبعاد باهتًا، إذ اعترض بعض الزعماء والمسؤولين العرب، في تصريحات رسمية، على الإجراء الإسرائيلي لأنَّ “من شأنه أن يؤثر على عملية السلام”، وأعلنوا أنهم سينسحبون من جولات المفاوضات، لكنهم ما لبثوا أن تراجعوا عن هذا القرار وأعلنوا في اجتماع وزراء الخارجية العرب في دمشق 17/4/1993 استنئناف جولات المفاوضات في واشنطن والذهاب للجولة التاسعة، كما أنهم تعمدوا تجاهل المبعدين فلم يزرهم وفد عربي رسمي، باستثناء الوفدين السوداني والليبي، وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فقد بادر بعض المسؤولين العرب إلى تقديم حلول هزيلة ومبادرات جزئية ليس فيها ما يؤكد العودة الجماعية للمبعدين وكانَّها تريد حفظ ماء الوجه للإحتلال.

أمَّا الموقف الدولي فتمثل بقرار مجلس الأمن رقم 799 الصادر في يوم الجمعة 18/12/1992، حيث أدان المجلس “إسرائيل” على فعلتها واعتبر الإبعاد انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وطالب الاحتلال بإعادة المبعدين إلى ديارهم فورًا وبدون قيد أو شرط. كما وجه الأمين العام للأمم المتحدة رسالة إلى رئيس مجلس الأمن الدولي في 4/1/1993 أبلغه فيها أن الإبعاد هو انتهاك لحقوق الإنسان، أما الدول الفاعلة على الساحة الدولية فكان رد فعلها فاترًا باستثناء الولايات المتحدة التي أقدمت على طرح بعض الحلول والمبادرات لحل القضية.

 عروض العودة

رفض المبعدون كافة المبادرات والحلول التي لا تتضمن عودتهم الجماعية وبسقف زمني واضح، في حين وافقوا على عودة بعضهم دون قيد أو شرط. وحسب الدراسة فقد عرض على المبعدين ثلاثة مقترحات تم رفضها لأنها أخلت بالشرطين سالفي الذكر؛ جاء العرض الأول من الاحتلال، وقد تضمن عودة مئة مبعد بعد سنتين في حين يظل مصير الآخرين مجهولاً، ثم جاء العرض الأمريكي القاضي بعودة فورية للمئة، مع بحث إمكانية عودة الباقين كلٌ على حدى وحسب ملفه، ثمَّ عرض الاحتلال، على لسان رئيس وزرائه اسحاق رابين إنهاء الانتفاضة مقابل عودتهم، وبقي المبعدون على حالهم إلى أن وافق الاحتلال على عودتهم جمعيًا.

وقد عاد المبعدون على مراحل، فكان أول العائدين باسم السيوري، أصغر المبعدين سنًا، الذي أعلن الاحتلال أنَّه أُبعد خطأ وأعاده إلى بيته، والمبعد المريض زهير لبادة الذي أعيد إلى السجون الإسرائيلية، وتم ذلك في 7/1/1993. ثمَّ أعيد 17 شخصًا آخر إلى السجون الإسرائيلية في 23/1/1993، وأعلن الاحتلال أنَّهم أبعدوا خطأ، وأعيد المريض المبعد علي سويعد أبو عجوة في 21/6/1993، ثمَّ عادت الدفعة الأولى المكونة من 189 شخصًا في 9/9/1993، اختار منها 8 مبعدين عدم العودة، وتلتها الدفعة الأخيرة المكونة من 214 شخصًا في 17/12/1993، اختار منها 19 مبعدا عدم العودة.

 ايجابيات الإبعاد

أشار الكاتب إلى عدد من التداعيات الإيجابية لتجربة الإبعاد، فقد شكل اجتماع هذا الكم الكبير من قيادات وكوادر الحركة الإسلامية فرصة لمراجعة استراتيجية الحركة وخطابها السياسي والإعلامي ورؤاها التنظيمية وعلاقاتها المحلية والإقليمية والدولية، واستراتيجيتها في مقاومة الاحتلال، بعيدًا عن سطوة الهجمة الأمنية الاحتلالية وبعيدًا عن ضغط الواقع الميداني في فلسطين.

وشكَّل اطَّلاع المبعدين على واقع الحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، من خلال زوارهم من قيادات وكوادر الحركة الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية نقلة نوعية في فهمهم للمشروع الإسلامي المعاصر.

وساهم الإبعاد في إنضاج التجربة الإسلامية المقاومة في فلسطين، من خلال ما نحته المبعدون من وسائل مواجهة مع الاحتلال تتناسب مع واقعهم، وما اختبروه من آليات التنظيم الداخلي في حينه تعزيزا لصمودهم، وكان الإبعاد حاضنة لفحص قدرات كوادر الحركة في شتى الميادين، ويورد الكاتب الكثير من الأمثلة على النجاحات التي حققها كوادر الحركة في مرج الزهور سواء على الصعيد الإعلامي، أو في الإشراف على المسيرات أو في إدارة شؤون المخيم…

فقد برز عبد العزيز الرنتيسي وجمال منصور كأهم قائدين داخل المخيم، وتعزز دورهما لاحقًا إذ أصبحا من أهم القيادات التي صاغت مواقف الحركة وسياساتها في مرحلة ما بعد أوسلو حتى استشهادهما، ويمكن كذلك الانتباه إلى طبيعة الدور الذي سيلعبه إسماعيل هنية لاحقًا، باعتباره تطورًا طبيعيًا لما كان عليه دوره إبان مرج الزهور، وكذلك شخصية مثل عدلي يعيش الذي كان يطلق عليه المبعدون رئيس بلدية مرج الزهور، والذي أصبح لاحقًا من أنجح رؤساء البلديات في الضفة الغربية، أو اطلاع فوزي برهوم بدور في اللجنة الإعلامية مما سيؤهله ليكون لاحقًا ناطقًا باسم الحركة في قطاع غزة …

كما وفَّر وجود نخبة من كوادر وقيادات حركة الجهاد الإسلامي ضمن المبعدين فرصة لمحاولة استعادة الثقة بين الحركتين والتقدم خطوات، وإن كانت متواضعة في حينه، نحو توحيد الخطاب الفكري والسياسي وإزالة الخلافات التي كان لها تداعيات ميدانية خصوصًا في قطاع غزة، وبدت بعض آثارها السلبية في الأيام الأولى للإبعاد.

ولعل من فضائل تجربة الإبعاد أنَّها تمكنت من المساهمة في إعادة رسم صورة الفلسطيني المقاوم في الذهن الشعبي اللبناني، إذ كانت الصورة المشوشة للفلسطيني التي أفرزتها الحرب الأهلية حاضرة بقوة بين سكان الجنوب اللبناني، وقد رصد الكاتب العديد من المواقف التي دلت على عمق الريبة والشك التي أبداها السكان تجاه المبعدين خصوصا في الأيام الأولى من الإبعاد، لكن تصرفات المبعدين تجاه محيطهم، والتي أعادت إلى الأذهان سيرة الجيل الأول من المقاومين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني، قوبلت بردود فعل إيجابية.

 ملاحظة أخيرة

حرص البوريني على التأصيل الشرعي لنضالات المبعدين، واجتهد في حشد الآيات والأحاديث ومواقف الصحابة للتدليل على صحة ما اتخذوه من مواقف وما أنفذوه من سياسات، ويبدو بأن خلفيته الفكرية والأكاديمية وطبيعة السجال داخل الحركة الإسلامية لعبا دورًا في في إعطاء المسألة الفقهية هامشًا في دراسته، ولو أنَّه أعد بحثًا منفصلاً حول تجربة مرج الزهور من منظور فقهي، أو أثبت الموضوع في مبحث منفرد ولم ينثره في ثنايا الكتاب لسهَّل على القارئ سواء كان من المهتمين أو من غيرهم.

 

للمزيد حول الكتاب: اضغط هنا

معلومات النشر:

– العنوان: مرج الزهور: محطة في تاريخ الحركة الإسلامية في فلسطين.
– تأليف: حسني محمد البوريني.
– عدد الصفحات: 687 صفحة.
– الطبعة الأولى، 2012.
– السعر: 20 $.
– الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت.

 Cover-Marj-al-Zuhur

 22/1/2013