مدة القراءة: 10 دقائق

أُختتمت في بيروت يوم الخميس 29/11/2012 أعمال مؤتمر “الإسلاميون في العالم العربي والقضية الفلسطينية في ضوء التغيرات والثورات العربية”، الذي عقده مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في فندق كراون بلازا في بيروت. وتضمن المؤتمر نحو عشرين ورقة عمل قدمها عدد من قيادات الحركات الإسلامية في الدول العربية، وخصوصاً من دول الطوق ودول الربيع العربي، بالإضافة إلى مجموعة متميزة من الباحثين والأكاديميين. وشارك في المؤتمر شخصيات وقيادات سياسية وأكاديمية من فلسطين ومصر وتونس والأردن وسورية ولبنان والجزائر والمغرب واليمن والسعودية وباقي بلدان الخليج وتركيا وإيران… وغيرها.

وسلط المؤتمر الضوء على الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة العربية، وانعكاساتها على القضية الفلسطينية، وحاول التعرف على حقيقة مواقف التيارات الإسلامية من قضية فلسطين، خصوصاً تلك التي صعدت إلى السلطة؛ وعلى أولوية فلسطين في مشاريعها وبرامجها. كما حاول التعرف على أبرز التحديات التي يواجهها المشروع الإسلامي لفلسطين، وأبرز الفرص التي تتيحها عملية التغيير في العالم العربي. وسعى للوصول إلى التصور الأفضل للتعامل مع القضية الفلسطينية، ومواجهة المشروع الصهيوني في ضوء التغيرات والثورات في العالم العربي.


>>
الخبر الصحفي لوقائع اليوم الأول للمؤتمر

>> بث مباشر عبر الإنترنت لفعاليات مؤتمر “الإسلاميون في العالم العربي والقضية الفلسطينية”

أولى جلسات اليوم الثاني

تركزت الجلسة الأولى لليوم الثاني للمؤتمر حول موقف الإسلاميين تجاه القضية الفلسطينية في كل من الأردن ولبنان، وترأسها المحامي والمستشار القانوني السعودي د. باسم عالِم، عضو اتحاد المحامين العرب والاتحاد الدولي لنقابات المحامين، وتحدث فيها أ. حمزة منصور، أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي الأردني، وأ. عزام الأيوبي، رئيس المكتب السياسي للجماعة الإسلامية في لبنان، ود. علي فياض، القيادي في حزب الله والنائب في البرلمان اللبناني.

 

في البداية قال منصور إن حزب جبهة العمل الإسلامي ينطلق في تصوره للقضية الفلسطينية وتعاطيه معها من أبعاد عقدية ووطنية واستراتيجية، كما ينطلق من إدراكه لعداوة اليهود، ولخطورة المشروع الصهيوني العنصري التوسعي الاحتلالي، وذكر أن الحديث عن فلسطين احتل مساحة واسعة في النظام الأساسي للحزب، وكان حاضراً في كل اجتماعاته وعلى نفس الدرجة من الأهمية مع الملف الوطني. كما أكد التزام الحزب بـ”إعداد الأمة لجهاد أعدائها من الصهاينة والمستعمرين، وخدمة القضية الفلسطينية في إطارها العربي والإسلامي، والسعي إلى تحريرها من الصهاينة المغتصبين”، وعدم “الاعتراف بالكيان اليهودي الغاصب”. وذكر أن رؤية الحركة الإسلامية الصادرة في 2005 شددت على أن فلسطين من البحر إلى النهر حق تاريخي وسياسي وقانوني لشعبها، وأن “الصراع مع المشروع الصهيوني صراع حضاري بكل أبعاده”.

 

وقال إن بداية الربيع العربي كانت دفعة قوية للقضية الفلسطينية، وإن عهداً جديداً بدأ يتشكل لدعم صمود الشعب الفلسطيني، ويمهد لاستعادة الأمّة دورها إزاء القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة.

وأشار إلى أن حزب جبهة العمل الإسلامي، وعلى الرغم من انخراطه في مشروع الإصلاح الأردني، لم تغب عن ناظريه القضية الفلسطينية لحظة واحدة.

وشدد على أن أولويات المرحلة تتلخص بـ”إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، والعمل على إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني وفقاً للثوابت الوطنية الفلسطينية، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، والعمل على التخلص من المعاهدات والاتفاقيات الموقعة مع العدو، وإتاحة الفرصة للشعوب لترتيب أشكال من الدعم والإسناد للقضية الفلسطينية، وإعداد الأمة إعداداً جهادياً، والعمل على إحكام العزلة على العدو”.

وفي الورقة التي قدمها أ. عزام الأيوبي، قال إن القضية الفلسطينية شكلت على الدوام أولوية مطلقة لدى الجماعة الإسلامية في لبنان منذ نشأتها، كما أكد تبنّي الجماعة قضايا الفلسطينيين المحقّة في لبنان، وعلى رأسها تعديل القوانين التي حرمت الفلسطينيين من الحقوق المدنية والإنسانية، والإسراع في إعادة إعمار مخيّم نهر البارد. :

 

ولتبيان تجربة الجماعة الإسلامية مع القضية الفلسطينية توسع الأيوبي في ثلاثة محاور:

في المحور الأول بينّ الأيوبي موقع القضية الفلسطينية في فكر ومنهاج الجماعة، حيث لم يخل مشروع سياسي تقدمت به الجماعة لأعضائها وجمهورها من بند القضية الفلسطينية، والذي يقوم على الثوابت التالية: فلسطين أرض عربية إسلامية، من النهر إلى البحر، لا يجوز التنازل عن أي جزء منها، وأن لا تنازل عن القدس، ولا تنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وأن لا شرعية للكيان الإسرائيلي، ولا اعتراف به، وأن تحرير فلسطين مسؤولية إسلامية شرعية، ووطنية فلسطينية، وقومية عربية، ودولية إنسانية، وأن المشروع الصهيوني يمثل خطراً على الأمة العربية والإسلامية.

وفي المحور الثاني ذكر الأيوبي أن الجماعة الإسلامية واكبت الأحداث الفلسطينية بالعديد من الأنشطة والفعاليات السياسية، والتنظيمية والعملية.

وفي المحور الثالث أشار الأيوبي إلى أن الثورات العربية لم يكن له أي أثر سلبي على عمل الجماعة الإسلامية للقضية الفلسطينية، باستثناء الثورة السورية، التي أخذت الأولوية، وهذه الأولوية لم تكن أولوية تنكر للقضية الفلسطينية، أو أولوية تغيير في المبادئ والأهداف الإستراتيجية، وإنما هي أولوية المأساة، دون أن يعني ذلك التخلي عن القضية الأم، ويتأكد هذا الكلام مجدداً لدى المحطات الكبرى، حيث كانت تعود القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام والتفاعل، والعدوان الصهيوني خلال الأيام القليلة الماضية خير دليل على هذا الكلام.

وخلص الأيوبي إلى أن “القضية الفلسطينية كانت وستبقى على الدوام القضية المركزية لنا كحركة إسلامية تؤمن بحتمية المواجهة مع العدو الصهيوني، وبحتمية الانتصار عليه”.

ثمّ تحدث د. علي فياض عن رؤية حزب الله للقضية الفلسطينية في ضوء الثورات والتغيرات في العالم العربي، وذكر أن الحراك العربي هو نتاج الشعوب العربية، مستثنياً الثورة السورية من ذلك، وأضاف أن الحراك قد أنتج سلطات ديموقراطية في العالم العربي وأدى إلى تغيرات جذرية في العالم السياسي، وأن القوى الصاعدة نتيجة الحراك هي أمام اختبار أمام ما يجري في غزة، مشدداً على أن الحراك لم ينتج خطوطاً حمراء أمام العدوان الإسرائيلي، ولكنه أنتج أداءً سياسياً عربياً جديداً، مشيراً إلى أن “حالة الاستنزاف التي تمر بها سوريا تشكل نقطة ضعف مستجدة في بيئة المواجهة مع العدو الإسرائيلي”، حيث شكلت الحاضنة اللوجستية للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، لافتاً النظر إلى أن الأزمة السورية لم تؤثر على العلاقة بين حزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية، وبشكل خاص حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

 

وذكر فياض أن موضوع المقاومة يبقى العنوان الاستراتيجي للانقسام اللبناني، حيث سعت بعض القوى إلى تجريم دور المقاومة، ومحاصرة سلاحها، مؤكداً أن حزب الله، من خلال إنجازاته، أسهم في تعديل موازين القوى في الصراع مع “إسرائيل”، وشدد على أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في أدبيات المقاومة، وهي جزء من العقيدة السياسية لحزب الله، وهي القضية المركزية وغير قابلة للمساومة، وأن المقاومة هي السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، وبالتالي تعزيز الدعم العملي للشعب الفلسطيني للمقاومة حتى تحرير فلسطين.

وفي ختام كلمته رأى أن ما حققته المقاومة في غزة كشف العجز الإسرائيلي، فهي باتت عاجزة عن تحقيق أهدافها وحماية أمنها، مشدداً على ضرورة الانتقال من مرحلة كشف العجز الإسرائيلي إلى مرحلة هزيمة “إسرائيل”. وأشار فياض إلى أن حركات المقاومة يجب أن ترتكز على الشروط التي تسمح بهذا الانتقال ومنها: إعادة تموضع مصر في الصراع مع العدو الإسرائيلي، وإنقاذ سوريا والعمل على وحدتها، وتكامل حركات المقاومة وتعاونها في مختلف الساحات، والتعاون مع إيران على اعتبارها الركيزة الاستراتيجية للمقاومة، وإنجاز المصالحة الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني.

الجلسة الثانية

استهلت الجلسة الثانية لليوم الثاني، التي أدارها د. محسن محمد صالح، المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بالحديث عن انعكاسات صعود الإسلاميين في العالم العربي على السلوك الإيراني تجاه القضية الفلسطينية في ورقة قدمها د. عباس خامه يار، الملحق الثقافي الإيراني في الكويت. وعرض الكاتب والباحث التركي أ. محمد زاهد جول في ورقته لانعكاسات صعود الإسلاميين في العالم العربي على السلوك التركي تجاه القضية الفلسطينية. ثمّ قدم عميد كلية الآداب في جامعة الأمة في غزة والخبير في الشؤون الإسرائيلية، د. عدنان أبو عامر، ورقة عن الموقف الإسرائيلي من صعود الإسلاميين في العالم العربي. أما الورقة الرابعة في هذه الجلسة فهي للباحث وخبير السياسات الخارجية في معهد بروكنجز بواشنطن، ونائب مدير مركز بروكنجز الدوحة، د. إبراهيم شرقية، تحت عنوان تأثير الضغوط والسياسات الأمريكية على مواقف الإسلاميين في العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية.

بداية، ذكر د. عباس خامه يار أن زعماء الشيعة في إيران وقفوا منذ بداية نكبة فلسطين إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأشار إلى أن إيران بعد الثورة أصبحت مدافعاً استراتيجياً عن القضية الفلسطينية، مبيّناً أن الثورة قامت باتخاذ العديد من الخطوات للدفاع عن قضية فلسطين.

ولفت خامه يار النظر إلى أن تسمية الربيع العربي منافية للواقع وغير متطابقة مع المعطيات الميدانية، وشدد على أن حركة التغيير هذه قريبة من حالات الصحوة الإسلامية، معتبراً أن ما حدث لم يرق ليكون ثورة، لكنه في ذات الوقت لم يكن حركة اعتراضية عابرة.

 

ثمَّ عدد أهم متغيرات هذه الثورات وانعكاساتها على سلوك إيران تجاه قضية فلسطين، والتي رأى أن أهمها هو إسقاط الأنظمة الاستبدادية المتحالفة مع الكيان الإسرائيلي، وعملية التغيير الفكري الذي ساد الساحة الإسلامية، معتبراً أن نقل مركز قرار تحديد اتجاهات استعداء هذا الطرف أو ذاك من الحكومات إلى الشعوب أحد متغيرات الثورات. وقال إنه مع بدء انتفاضات الشعوب العربية حدثت تحولات كبيرة في الواقع الاستراتيجي في المحيط العربي والبيئة الإقليمية، حيث تحولت البيئة الاستراتيجية لغير صالح الكيان الصهيوني. وشدد في ختام كلامه على أن مؤشرات التغيير تُظهر أن أرضيات التعاون تبقى قائمة بين إيران وحكومات الثورات، وأن البيئة السياسية الإقليمية هي لصالح التعاون البنّاء في دعم القضية الفلسطينية وتطوير سبل المقاومة بشتى أنواعها.

ورأى أ. محمد زاهد جول أن عصر حكومة حزب العدالة والتنمية مثل انقلاباً في طبيعة العلاقة مع المؤسسات الفلسطينية الرسمية والشعبية معاً، فقد كانت العلاقات التركية الإسرائيلية تتمتع بمستوى رفيع من التبادل في الاعتراف السياسي والدبلوماسي والتعاون الأمني منذ قيام “إسرائيل”، مشيراً إلى أن حكومتي مصر وتونس في عهد مبارك وابن علي كانتا من أكثر الدول العربية كراهية وامتعاضاً من الدور التركي الذي قامت به حكومة أردوغان إبان العدوان الإسرائيلية على غزة 2008-2009.

 

وفي حديث عن سياسة تركيا نحو القضية الفلسطينية بعد الربيع العربي أشار إلى أن السياسة التركية تدرك بأنها مطالبة أكثر من أي وقت مضى أن تكون مؤيدة للقضية الفلسطينية، مشدداً على أن تركيا تعلم بأن قضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحسب، وإنما هي قضية كل العرب والمسلمين وأحرار العالم، وبالتالي فإن الحكومة التركية تتحسب لموقف شعبها التركي عن أي قرار يمكن أن تتخذه نحو القضية الفلسطينية، قبل أن تفكر بردود أفعال العرب أو الفلسطينيين.

وأكد أن الربيع العربي فتح لتركيا طريقاً جديداً لبناء الشرق الأوسط الجديد الذي تشارك فيه الدول بشعوبها ورؤساءها في بناء دولهم وبناء منطقتهم وإقليمهم، وقال: لا بد أن تكون علاقات تركيا مع الفلسطينيين أفضل مما كانت عليه قبل الربيع العربي، مشيراً إلى أن علاقات تركيا جيدة مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وكذلك هي مع الحكومة التي تقودها حماس في غزة، وتركيا تعمل إلى أن يكون مشروع المصالحة الفلسطينية معبراً عن إرادة جماهيرية من الشعب الفلسطيني كله، وليس بين فصائله أو حكوماته فقط.

من جهته، قال د. عدنان أبو عامر إنه لا يمكن الاستخفاف بالأهمية الفائقة لثورات الربيع العربي على “إسرائيل”، وعن التبعات السياسة أشار إلى أن المحافل السياسية ودوائر صنع القرار الإسرائيلي عقدت سلسلة طويلة من الجلسات لمناقشة التقديرات الخاصة بالثورات العربية، وأكدت جميع توصياتها على نتيجة خطيرة مفادها عدم معرفة مصير اتفاقات السلام مع الدول العربية، لا سيّما مصر، كونه أخرجها من دائرة الصراع، وغيّر قواعد اللعبة، مع حلول الإخوان المسلمين في مواقع صنع القرار.

 

وعن الإخفاقات الأمنية والفشل الاستخباري، بيّن أبو عامر أن “إسرائيل” اعترفت بأن الثورات العربية جاءت بمفاجأة تامة لما يعرف بـ”مجتمع المخابرات”، مما تطلب الحاجة لمراجعة عميقة للأحداث التي قد تؤثر على مفهوم الأمن الإسرائيلي. وعن الترتيبات العسكرية والاستعدادات الميدانية التي اتخذتها “إسرائيل” قال إن الجيش الإسرائيلي وفجأة، وبدون مقدمات، وجد نفسه أمام ثلاث جبهات عسكرية جديدة: حزب الله في لبنان؛ وجماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ وحركة حماس في غزة، ما يعني أن وضعه الاستراتيجي والعسكري في الشرق الأوسط سيتغيّر. وعن التحديات الإقليمية والدولية قال: يمكن تحديد أبرز ملامح الإستراتيجية الإسرائيلية في معالجتها للثورات العربية في كونها شكلت فشلاً ذريعاً في توقع حدوثها، ومسارها، وتمثل بالارتباك الشديد في تقدير التيارات الفكرية للنتائج المترتبة على هذه الثورات، رغم أن السمة العامة أكثر ميلاً للتشاؤم، بفعل الصعود المتنامي للحركات الإسلامية، لا سيّما الإخوان المسلمون.

ومن جانبه تناول د. إبراهيم شرقية تأثير الضغوط والسياسات الأمريكية على مواقف الإسلاميين في العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية، وطرح سؤالاً هو: “ماذا تريد أمريكا من الإسلاميين فيما يخص المسألة الفلسطينية؟” وقال إنه للإجابة على هذا التساؤل لا بد من النظر إلى المسألة الفلسطينية ضمن العلاقة الكلية التي ستربط الإسلاميين بأمريكا. وقال إنه بالنسبة للإسلاميين فيقع على رأس مطالبهم العمل الجاد لحل القضية الفلسطينية، وأن التحدي الأكبر الذي سيواجههم فيما يختص بالمسألة الفلسطينية، نتيجة دخولهم معترك الحكم، يكمن في الجانب الفلسفي المتمثل بالموازنة ما بين ما يسمى بـ”الواقعية السياسية” وتعريفها “الهلامي والفضفاض جداً” من جهة والالتزام بالمبادئ من جهة أخرى. وأكد أن تحدي هذا الموقف يمكن رؤيته بمحاولة الإجابة على التساؤل الخاص بالدرجة التي سيتعاطى بها الإسلاميون مع “إسرائيل”.

 

 

وأضاف أن المسؤولين الأمريكيين يعكفون إلى الوعظ والإرشاد وتزيين الأمر بالنسبة إلى الإسلاميين في الكيفية التي يفترض عليهم التعامل فيها مع ما يخص المسألة الفلسطينية، لافتاً النظر إلى أن الرهان هنا على أن التأثير في قناعات الإسلاميين من خلال ربط ذلك بالمصلحة الوطنية هو الضامن لمحافظة الإسلاميين على التعامل بالطريقة الأمريكية مع المسألة الفلسطينية. وأكد أن المواجهة بين الإسلاميين وأمريكا حول القضية الفلسطينية أو غيرها تبقى مسألة واردة جداً ولكنها ليس حتمية بالضرورة. معتبراً أن هناك أرضية عمل مشتركة يمكن لكلا الإسلاميين وأمريكا العمل من خلالها وهذه الأرضية قد تفتح المجال لعمل الكثير للتغلب على العديد من الصعاب والتحديات التي تواجه الطرفين وبالتحديد المسألة الفلسطينية.

الجلسة الثالثة

في الجلسة الثالثة والأخيرة في المؤتمر، والتي أدارها أ. د. علي لاغا، نائب رئيس جامعة الجنان في لبنان للبحث العلمي، تمت مناقشة ثلاث أوراق، الأولى تحت عنوان: الإسلاميون في العالم العربي وثقافة المقاومة قدمها د. أسامة الأشقر، مدير مؤسسة فلسطين للثقافة، والثانية: الأداء الإعلامي للإسلاميين في العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية قدمها أ. عاطف الجولاني، رئيس تحرير جريدة السبيل. والثالثة: رؤية حزب التحرير لانعكاسات التّغيرات والثورات في العالم العربي على القضية الفلسطينية، وقدمها أ. أحمد القصص، رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان.

بداية رأى د. أسامة الأشقر أن المقاومة قيمة أصيلة في ثقافة الإسلاميين وأدبياتهم التنظيرية، ويدخل مفهوم الثقافة كقيمة أصيلة وتمثّلات صارمة في أيديولوجيا الإسلاميين ومعتقداتهم الأصيلة، ولديها القدرة على الشحن الدائم لتوفر النصوص والأمثلة الكثيرة على تطبيقاتها وتنظيراتها، مضيفاً أن الثورات العربية كانت فرصة للإسلاميين لينخرطوا فيما يمارسونه ولكن على نطاق أوسع يتجاوز أطرهم التنظيمية، وقد أثبتوا قدرتهم على الانسجام مع تطلعات الجماهير وحراكهم مما أوصلهم إلى السلطة في معظم بلدان الربيع العربي.  

وتحدث عن الإسلاميين في مصر وتونس وثقافة المقاومة، وقال: إنما جاء التركيز هنا بوصف هاتين الثورتين قد تمكنتا من إنجاز مشروع الإطاحة بالنظام، قضية فلسطين هي عنوان العبور للمكانة الإقليمية بالنسبة لمصر بوصفها قضية مصيرية وقضية أمن قومي، ومصر لأطراف الصراع في فلسطين هي بوابة الدخول إلى حلبة المواجهة أو السياسة، وقد أسهم النظام السابق في إضعاف دور مصر الإقليمي من خلال انحيازه للرؤية الأمريكية ودخوله طرفاً ضد الفلسطينيين من خلال حصار غزة ومحاربة المقاومة.

وفي تونس تشتغل الحركة الإسلامية التونسية بنشاط لإعادة تثبيت ثقافة المقاومة في نفوس التونسيين من خلال مناشط سياسية وفعاليات شعبية لم تغب عنها المقاومة الإسلامية الفلسطينية الممثلة في حركة حماس مع تجاهل للتيارات التسووية في معظم هذه الفعاليات.

ومن جانبه تحدث أ. عاطف الجولاني عن الأداء الإعلامي للإسلاميين في العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية، مبيّناً أن حضور القضية الفلسطينية تراجع إعلامياً في اهتمام الحركات الإسلامية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، نتيجة سخونة الأحداث وتسارعها، ولم يقتصر ذلك على الإعلام الإسلامي، بل شمل مختلف وسائل الإعلام. وقال إن حالة من الارتباك سيطرت على الأداء الإعلامي للإسلاميين تجاه عدد من المسائل المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لا سيما الموقف من قضية التطبيع والاتفاقيات والمعاهدات المبرمة مع الكيان الصهيوني. فبعد أن كانوا قبل الربيع العربي يقودون الفعاليات المطالبة بوقف التطبيع وإلغاء المعاهدات، وجدوا أنفسهم أمام معادلة صعبة فرضت عليهم احترام معاهدات دولية طالما جاهروا برفضها ومعاداتها.

 

 

وأكد الجولاني أن الواقع الجديد بما حمله من تغيرات جوهرية على صعيد البيئة السياسية والإعلامية، وكذلك على صعيد الإمكانات والفرص المتاحة، لا شك، يستدعي نقاشاً عميقاً ودراسة واعية ومتأنية للدور المطلوب من الإسلاميين إعلامياً تجاه القضية الفلسطينية. وختم بجملة مقترحات رأى أن من شأنها أن تنهي حالة الارتباك التي سيطرت على أداء الإسلاميين في الفترة التي أعقبت ثورات الربيع العربي، وبخاصة بعد وصولهم إلى السلطة أو اقترابهم منها في أكثر من دولة عربية.

وفي كلمته، تحدث أ. أحمد القصص عن نظرة حزب التحرير إلى انعكاس الثورات العربية على القضية الفلسطينية، وقال إن الكثير من المراقبين والمعنيين نظروا إلى الثورات العربية على أنها حجبت قضية فلسطين وصرفت الأنظار عنها إلى القضايا المحلية، غير أنه رأى أن العبرة ليست في كثرة الكلام والضجيج والمؤتمرات والصخب، بل العبرة في تحول الأوضاع في المنطقة إلى واقعٍ يكون أكثر وعداً وأملاً لفلسطين وتحريرها، وهذا ما يعد به دبيب الحيوية والثقة والجرأة في الأمة.

 

 

وقال إن نهج الحكام الجدد في كلّ من تونس وليبيا ومصر واليمن فيما يتعلق بقضية فلسطين لم يحصل فيه أيّ تغيّر نوعي، وإنما تغيّر شكلي اقتصر على بعض الخطابات والاستضافات والاحتفالات والشعارات… مشدداً على أن الحكام الجدد لم يتولّوا السلطة إلا بعد أن أعطوا المواثيق بأن المعاهدات والاتفاقات الدولية والإقليمية السابقة لن تمسّ، بما في ذلك اتفاقية كامب ديفيد. ولم يستثمروا ثورات الأمة وفوزهم بالانتخابات من أجل إعادة صياغة العلاقة مع اليهود على أساس أنها حالة حرب مع محتل ترفض الأمة وجوده، ولا تعترف الأمة بقضية متعلقة بحدوده، بل تكررت التطمينات من حكام مصر حول التزامهم اتفاقية كامب ديفيد، مما أضفى نوعاً من الطمأنينة لدى قادة الاحتلال اليهودي حول المستقبل المنظور للنظام السياسي الجديد في مصر، مشيراً إلى “الرسالة التفخيمية التبجيلية” التي وجهها الرئيس المصري محمد مرسي إلى رئيس الكيان الإسرائيلي.

الختام

وفي ختام المؤتمر، شكر د. محسن محمد صالح الحضور، منوهاً بما تمت مناقشته من تقييمات وتوقعات لمسار القضية الفلسطينية في ضوء تغيير الخريطة السياسية للمنطقة العربية، آملاً أن تسهم في خدمة القضية والأطراف العاملة لأجلها، من أجل الوصول إلى تصور أفضل للتعامل مع القضية الفلسطينية، ومواجهة المشروع الصهيوني.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 30/11/2012

>> الخبر الصحفي لوقائع اليوم الأول للمؤتمر

>> بث مباشر عبر الإنترنت لفعاليات مؤتمر “الإسلاميون في العالم العربي والقضية الفلسطينية”