مدة القراءة: 8 دقائق

بقلم: أ. د. محسن صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

كان ذلك سنة 1975 عندما أنهيت مرحلة الدراسة المتوسطة، وعندما بدأت أحضر للعلامة الشيخ عمر الأشقر رحمه الله خطبه ودروسه في الكويت. كنا نتابع بشغف خطب الجمعة التي يلقيها في مسجد القطان ثم في مسجد فاطمة غلوم في منطقة حولّي، وبعد ذلك في مسجد مريم الغانم في الجابرية. غير أن الصلة النفسية والروحية كانت تتوطد في الأنشطة التي تقام في النادي الصيفي في مدرسة صغيرة في مكان قريب من مسجد بوعركي في حولّي، وكان من أبرزالأنشطة عندما درسنا على يديه العقيدة في مركز الشباب بجمعية الإصلاح الاجتماعي.

وكان للشيخ أيضاً دروس أسبوعية عامة منتظمة في التفسير في مسجد الزاحم في حولّي، حيث كان يفسر بالتفصيل سوراً منتقاة مثل سورة النور، بأسلوبه السهل الممتنع الذي يجمع بين فهم السلف، ودقة المعنى وسهولة إيصاله، وفهم دلالات النصوص، وروح المعاصرة وتطبيقاتها. وكان من «طقوسنا» في مرحلة دراسة الثانوية وما بعدها أن نزور الشيخ في ثاني أيام العيد لنبارك له ولنستغل الفرصة لنسأله عما أشكل لدينا من مسائل.

كان وجهه يمتلئ إشراقاً وبهاءً وهيبة، ولم تكن أبصارنا تتجرأ على النظر المباشر إلى وجهه، فكنا نسترق النظر استراقاً. ومع الزمن زادت جرأتنا، لأنه كان يزداد تبسطاً وأريحية، بينما كنا نزداد تعوداً. ولعل الكُلفة ارتفعت قليلاً، مع ازدياد المحبة والاحترام والتقدير، عندما كان يشاركنا لقاءاتنا وأنشطتنا ورحلاتنا الجامعية، ويلعب معنا كرة الطائرة، ويحضر حفلات السمر، ويشاركنا طعامنا، وبعض ألعابنا الكشفية.

تميز الشيخ عمر رحمه الله في عطائه العلمي الشرعي بالدقة والوضوح والتركيز والاختصار، فكثيراً ما كان يجيب بكلمتين أو ثلاثة، وكثيراً ما تكون الإجابة بكلمة “لا بأس” أو “لا ينبغي”، وإذا كان ثمة شرح فعادة ما تكون إجاباته شافية كافية مصحوبة بدليل حاسم. كان لا يتردد في أن يقول في إجاباته أنه لا يعلم، كما كان لا يهمه كثيراً إن كانت إجابته تخالف أحياناً المألوف أو ما درج عليه الناس.

توطدت العلاقة في جامعة الكويت، حيث كان تخصصي المساند في الشريعة، وحيث درست معه مادة تاريخ التشريع الإسلامي؛ وحيث كان النشاط الطلابي الإسلامي الفلسطيني في الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين يحتاج دوماً إلى نصحه وإرشاده ومشاركاته في البرامج والأنشطة المختلفة. وفي الثمانينيات من القرن العشرين انتقل الشيخ عمر للسكن قرب مسجد الطخيم في حولّي، حيث كنت أقيم، وكانت تلك فرصة للالتقاء شبه اليومي في المسجد، حيث كنا نصلي معاً؛ وحيث كنت كثيراً ما أنتهز الفرصة للاستفادة من علمه ومشورته.

وزادت العلاقة عندما رعى الشيخ باهتمام دراستي العليا، وتابع قارئاً وناقداً وناصحاً ومشجعاً الدراسات المختلفة التي كنت أعدها حول القضية الفلسطينية، وطوال السنوات السبع الماضية (2012-2005) كان الشيخ عضواً في الهيئة الاستشارية لمركز الزيتونة…؛ وهكذا مع مرور الوقت أصبح الشيخ عمر رحمه الله بالنسبة لي شيخاً ومربياً وأستاذاً، بل ووالداً.

وفي شتاء الكويت وربيعها كان من عادة عدد من العائلات الفلسطينية المتدينة الخروج كل يوم جمعة إلى البرَّ في منطقة السُّرة، وكان الشيخ عمر ينضم وعائلته عادة لهذا الجمع، الذي كان من رواده أبو ياسر محمود مقداد، وأبو أسامة حمدان عبداللطيف، وأبو محمد سليمان حمد، وأبو محمود محمد صيام، وأبو عبد الرحمن محمد أبو دية، وأبو هيثم يحيى شقرة، وأبو أحمد مصطفى عقيل، وأبو خطاب، وأبو أسامة فوزي جبر…، وكان ينضم إليهم بعض الشباب مثل خالد مشعل… وآخرين. وكان من أطرف البرامج وأكثرها حماسة مباريات كرة الطائرة التي كان يشارك فيها الشيخ عمر والعم سليمان حمد دون تنازل عن “دشداشتيهما”، بينما يلبس آخرون ملابس رياضية. وكثيراً ما كانت تتوافق “البركة” وحسن التسديد مع الشيخ عمر والعم سليمان حمد، وإن لم يكن من السهل التعامل مع “كبسات” خالد مشعل ورفاقه الشباب!! ولم يكن يغيب عن هذه الجمعات تدارس قضايا المسلمين، وإجابات الشيخ عمر عن الأسئلة الفقهية.

احتاج الأمر وقتاً طويلاً، وأنا أؤرخ لتجربة التيار الإسلامي الفلسطيني، لتكتمل لدي الصورة حول دور الشيخ عمر الأشقر في العمل الإسلامي لفلسطين. وقد أتيحت لي فرصة طيبة لتسجيل تجربة الشيخ عندما جاء إلى بيروت في رحلة علاجه الأخيرة رحمه الله في شهر شباط/ فبراير 2012، حيث فتح الشيخ الحبيب صدره للحديث، بعد أن ضغطت عليه في ضرورة نقل التجربة وتوريثها، فوافق بعد بعض التردد، ثم بدا متحمساً للفكرة بعد أن شرعنا في الأمر.

وفي السطور التالية مختصر لبعض دوره رحمه الله مما ذكره بلسانه، بالإضافة إلى بعض المعلومات القليلة من مصادر أخرى مما يفيد في استكمال الصورة.

ولد الشيخ عمر في قرية برقة في فلسطين في 26/11/1940، والتحق بأخويه محمد وعبد القادر في الرياض بالسعودية سنة 1953. درس في الرياض خمسة سنوات حتى أكمل الثانوية الشرعية، ثم درس سنة واحدة في الجامعة بالرياض، ثم ما لبث أن انتقل إلى دراسة الشريعة في المدينة المنورة عندما افتتحت الجامعة الإسلامية فيها.

كان الشيخ عمر طوال هذه الفترة على صلة لصيقة مع عدد من كبار العلماء أمثال عبد العزيز بن باز، وناصر الدين الألباني، ومحمد المختار الشنقيطي، وكان تأثره بابن باز كبيراً. وهكذا تشرّب الدعوة السلفية، واستوعب بشكل عميق مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ومن جهة ثانية، عايش الشيخ كارثة فلسطين في صباه وانغرس في قلبه وجوب العمل لتحريرها. ومن جهة ثالثة، قرأ ما وصل إلى يديه من كتب الإخوان المسلمين، والتقى بعدد من رجالاتهم ممن كانوا يزورون الرياض أو المدينة، وكان انطباعه طيباً عن دعوتهم وجهادهم، وكان يُكنّ تقديراً كبيراً للشيخ حسن البنا. كما استفاد كثيراً من زيارات العديد من الشخصيات والعلماء للمدينة المنورة أمثال الحاج أمين الحسيني، والشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ أبو الحسن الندوي.

نشط الشيخ عمر في العمل الدعوي في أثناء الحياة الجامعية في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين. هذا العمل الدعوي تولى مسؤوليته الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حفظه الله، والشيخ عمر، وكان يشارك معهم فيه نحو 30-35 شاباً جُلُّهم من الطلبة، وكانوا يخرجون إلى القرى حول المدينة حول المدينة المنورة للدعوة والتوعية، وكان هذا يتم في نهاية كل أسبوع (نحو 40 أسبوعاً في كل سنة). وكان الشيخ ابن باز يشجعهم ويدعمهم، وكان يرافقهم دائماً الشيخ ناصر الدين الألباني والشيخ محمد عبد الوهاب البنا.

بالرغم من حملات التشويه والملاحقة الهائلة التي كان يتعرض لها الإخوان المسلمون في الستينيات إلا أن الشيخ لم يتأثر بها، وفي الإجازات الصيفية أخذ يزور دار الإخوان في مدينة نابلس منذ سنة 1965 حيث نشأت له علاقة قوية مع آل البشتاوي وغيرهم، كما أخذ يزور دار الإخوان في عمّان بالأردن منذ 1966. وكان والد صديقه عبد الرحمن عبد الخالق من الإخوان المسلمين الذين رافقوا حسن البنا، وكان عبد الرحمن نفسه محباً لسيد قطب، حيث يذكر الشيخ عمر أن عبد الرحمن جاءه باكياً عندما أُعدم سيد وهو الذي أخبره بإعدامه. ولعل جانباً من الخبرة والأساليب الدعوية في أيام الجامعة، تعود إلى والد الشيخ عبد الرحمن الذي عايش الإخوان وعملهم الدعوي في مصر.

في سنة 1965 تعرض الشيخ عمر والشيخ عبدالرحمن وبعض الناشطين في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمشكلة (لا مجال لتفصيلها) أدت إلى اضطرارهم لمغادرة السعودية. فانتقل إلى الكويت مع الشيخ عبد الرحمن عبدالخالق، حيث وصل إليها متعاقداً للتدريس في وزارة التربية في 27/8/1965. وممن انتقل معهما إلى الكويت من السعودية الشيخ عبد الرحمن عبدالصمد والشيخ مصطفى زربول.

وما كادا يستقرا حتى عاد الشيخان عمر وعبد الرحمن لنشاطهما الدعوي في مساجد الكويت ومدارسها. كان الخوف من نظام عبد الناصر ومخابراته ما زال قائماً في أوساط الإخوان وغيرهم حتى في مكان إقامتهم بالكويت؛ وكان هناك تخوف كبير من ممارسة العمل الدعوي المفتوح… وكان كل من يتردد على المساجد تقريباً من فئة كبار السن.

تم كسر حاجز الخوف، وتجرأ الآخرون عندما لم يروا عوائق تُذكر، وأخذ الإسلاميون ينشطون تدريجياً…؛ وبدأت الدعوة تثمر. ومن ثمارها في سنتها الأولى شباب متميز من أمثال الأستاذ يوسف العتيقي الذي أصبح من قادة الحركة الإسلامية في الكويت.

كان للشيخ عمر والشيخ عبد الرحمن دور كبير في نشوء التيار السلفي في الكويت وانتشاره، حيث تابع الشيخ عبد الرحمن نشاطه مع هذا التيار، بينما بقي الشيخ عمر على صلة طيبة به، ومرجعاً شرعياً في مسائل العقيدة وغيرها، ولكنه اختط خطاً أكثر قرباً من الإخوان المسلمين.

قام الشيخ بالتدريس في مدرسة المتنبي المتوسطة نحو ست سنوات، ثم انتقل إلى مدرسة خالد بن الوليد المتوسطة لمدة سنتين، ثم انتقل إلى مدرسة عبد الله السالم الثانوية سنة 1972، ثم انتقل إلى معهد المعلمات سنة 1997، ثم إلى التدريس في جامعة الكويت في الفترة 1980-1990.

كان الشيخ عمر رائد إنشاء الجماعات الإسلامية في المدارس بحلّة جديدة مختلفة عن شكل الجمعيات الدينية التقليدية. وقد بدأت تجربته في مدرسة المتنبي في منطقة الشرق في العام الدراسي 1965/1966 مع 22 طالباً إذ قدّم لهم طريقة جديدة حيوية متفتحة تشمل، إلى جانب الدروس الدينية المشوقة، الخروج في الرحلات والرياضة والمسرحيات والمسابقات الثقافية… وكان الهدف أن يعيشوا الإسلام في حياتهم. ولقيت الفكرة نجاحاً كبيراً وانتقلت إلى المدارس الأخرى. وطبق الشيخ الفكرة في مدرسة خالد بن الوليد، وكذلك في ثانوية عبد الله السالم حيث كانت هناك جمعية دينية شكلية ما لبث الشيخ عمر أن قام “بنفضها” وأصبح لها نشاط واسع. رأس الجمعية من الطلاب في السنة الأولى مبارك المطوع، ثم رأسها في السنتين التاليتين خالد عبد الرحيم مشعل، الذي كان أحد تلاميذ الشيخ عمر في مادة التربية الإسلامية.

نشط الشيخ عمر في المساجد أيضاً عن طريق الدروس وخطب الجمعة، وتركز نشاطه في مسجد الشبرة أو مسجد الشايجي الذي وافقت له وللشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وزارة الأوقاف على استخدامه. وأصبح هذا المسجد بعد ذلك يعجُّ بالشباب ومركزاً فاعلاً للتيار الإسلامي الفلسطيني؛ ومن هذا المسجد كانت البدايات الأولى أيضاً لطارق سويدان.

كان الشيخ عمر يحتك بعدد من رجال الإخوان الفلسطينيين، من خلال عمله ومن خلال نشاطه الدعوي، أمثال سليمان عبد القادر، ومحمد جزر، وعبد الرحمن العمصِّي، وأبو ياسر مقداد حيث قويت علاقته بهم بالتدريج. وشارك في عزاء رئيس الإخوان الفلسطينيين في الكويت عمر أبو جبارة الذي توفي رحمه الله في صيف 1974.

دُعي الشيخ بُعَيد ذلك لدخول جماعة الإخوان بطريقة فجَّة حيث زاره أحد الإخوان، مؤكداً على استفادتهم واستفادة شباب الإخوان من علمه، ولكنه عرض عليه الدخول في “حلقة مفتوحة” لمدة ثلاث سنوات… ثم يرون بعد ذلك إن كانوا سيقبلونه في عضوية الإخوان أم لا؟!! فرفض الشيخ عمر. غضبت قيادة الإخوان من أسلوب الأخ الذي دعاه، فأرسلت إليه الأستاذ سليمان عبد القادر الذي دعاه للقاء العم سليمان حمد الرئيس الجديد للإخوان الفلسطينيين في الكويت.

وعندما زاره دعاه أبو محمد للإخوان دون شروط قائلاً له “أنت شيخنا”… وافق الشيخ عمر لكنه اشترط ألاَّ يستلم مسؤولية إدارية.

وقد وافقوا مبدئياً على ذلك، لكنهم انتخبوه في عضوية المكتب الإداري سنة 1978، من موقع التقدير ومن موقع الحاجة إلى خبرته وحكمته، فوافق لكن ظلَّ معروفاً عن الشيخ حتى نهاية حياته رحمه الله عزوفه الشديد عن المناصب الإدارية، مع موافقته على المشاركة من مواقع الرأي والمشورة.

وكان الشيخ يمثل الكويت في مجلس الشورى لتنظيم بلاد الشام في الأردن.

شكل الشيخ عمر وسليمان حمد ثنائياً متناغماً ومتكاملاً، ومكّنت القدرات الاستيعابية المتميزة للعم أبو محمد من الاستفادة القصوى من الشيخ عمر في إطار التنظيم الإخواني، وجمعهما الاهتمام بالشباب، وبالعمل لفلسطين، وبالانفتاح على الوسائل المختلفة والمتجددة للدعوة. وفي هذه الأجواء لقي العمل الطلابي والشبابي في المدارس والجامعة والمساجد اهتماماً كبيراً، وتكون تيار إسلامي طلابي وشبابي فلسطيني قوي، نجح في أن يقدم قائمة “الحق الإسلامية” لانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين في جامعة الكويت بقيادة خالد مشعل في السنة الدراسية 1977/1978. واضطرت قيادة الاتحاد الفتحاوية لتأجيل الانتخابات لمدة سنتين، لأن نتائج فوز التيار الإسلامي الفلسطيني كانت شبه مؤكدة.

في سنة 1978 اتحد التنظيم الفلسطيني مع تنظيم الإخوان في الأردن وشكلا تنظيم بلاد الشام على أمل أن يلتحق بهما السوريون واللبنانيون، وهو ما لم يحصل. غير أن ذلك مثل قفزة في العمل الإسلامي الفلسطيني، تكلل بتشكيل جهاز فلسطين سنة 1985 والذي تولى متابعة العمل لفلسطين، وإنشاء حماس، وقيادتها ودعمها لوجستياً؛ وكان الشيخ عمر من رواد هذا العمل ومنظريه ومن العاملين بشكل حثيث على إنجاحه.

استفاد الشيخ عمر وخالد مشعل من زيارتهما للسودان سنة 1980 بشكل كبير، إذ اطلعا على تجربة الحركة الإسلامية التي يقودها حسن الترابي هناك، وفتح ذلك لهم آفاقاً جديدة في العمل الإسلامي لفلسطين. كما التقى الشيخ عمر بتكليف من إخوانه بمنير شفيق، ثم بعلي الحسن للاطلاع على تجربة منظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية، للاستفادة منها في العمل الذي يجري إعداده لما سيعرف مستقبلاً بحركة حماس.

وفي تلك الأثناء اهتم الشيخ عمر وإخوانه بالمنحى الجهادي للعمل الإسلامي الفلسطيني في الداخل والخارج، وأخذوا يسبرون آفاقه، ومجالات الإعداد والتدريب. غير أنه كان هناك حرص شديد على السرية وعلى حسن الإعداد، ليتم إنشاء عمل قوي ومتجذر يستطيع الاستمرار والتوسع، حتى لو تعرض للضغوط والضربات. وتعود بدايات التدريب العسكري في الخارج إلى سنة 1980. كما كان يجري التواصل مع الداخل ورفد عمله بما يحتاج من دعم وخصوصاً تلك الجهود التي كان يقوم بها الشيخ أحمد ياسين رحمه الله ورفاقه.

انتخبت حماس الشيخ عمر رئيساً لأول مجلس شورى لها سنة 1989، وكان ذلك دون إرادته وبغير رغبته؛ إذ إنه بطبيعته يتجنب المسؤوليات الإدارية والحركية، فحاول الاعتذار لكن إخوانه لم يقبلوا عذره، فبكى واضطر للموافقة.

ظل الشيخ عمر على صلته الفاعلة بحماس بعد انتقاله وانتقال قيادتها إلى الإقامة في الأردن، حيث انتقل هو نفسه للتدريس في الجامعة الأردنية ثم في جامعة الزرقاء، وكان خالد مشعل وموسى أبو مرزوق ورفاقهما يحرصون على استشارته وألا يقطعوا أمراً دونه. غير أن ظروف الحياة الجديدة، وعدم رغبته في لعب دور قيادي ظاهر، وقناعته بأن قيادة الحركة الشابة قادرة على القيام بالمهام على أحسن وجه، وأنه يجب أن يُوسَّع لها وأن تأخذ فرصتها، ورغبته في متابعة حياته الأكاديمية والاستمرار في التأليف والكتابة العلمية… كل ذلك أدّى إلى أن يَخِف دور الشيخ تدريجياً في عمل الحركة، وخصوصاً بعد اضطرار قيادة حماس سنة 1999 للخروج خارج الأردن، وازدياد صعوبة التواصل معها. غير أن الشيخ بقي جزءاً من حماس وبقيت جزءاً منه، يشارك بما تمكّنه ظروفه وصحته من أعمالها، ولقي الله سبحانه وهو على ذلك.

ظل الشيخ عمر أحد شخصيات الإجماع في حركة حماس وحركة الإخوان، بل من شخصيات الإحماع النادرة في الوسط الإسلامي، ولعل هذا من بركة الإخلاص وما حباه الله سبحانه من صفات ومؤهلات.

ركزت السطور السابقة على الجوانب الدعوية والحركية في حياة الشيخ عمر الأشقر، وهي الجوانب التي لا يعرفها كثيرٌ من الناس. وبالتأكيد فهذا لا ينتقص من دوره الكبير كأحد أكبر علماء فلسطين والأردن والأمة الإسلامية، في مجالات العقيدة والفقه وتزكية النفس وفقه الواقع وسبل النهوض بالمسلمين.

لقد ألّف الشيخ عمر منفرداً أكثر من خمسين كتاباً، وشارك مع آخرين في تأليف عدد آخر من الكتب، كما نشر الكثير من الأبحاث العلمية المحكّمة، وقدَّم أوراق عمل في عشرات المؤتمرات في الكويت وقطر والإمارات والأردن والبحرين ولبنان وباكستان وبريطانيا وأمريكا وفرنسا وسويسرا وإيطاليا والنمسا…

وإلى جانب روحه الإيمانية العالية وسمته الإسلامي المتميز، تميز الشيخ عمر بتواضعه وأدبه الجمّ، وعزوفه عن المناصب، وتميز بحكمته وبوضوح رؤيته، وعقليته المنهجية المنظمة، كما تميز باستعلاء الإيمان وعزّة النفس والشجاعة الأدبية، وتطلّعه إلى معالي الأمور، وبالشخصية الجادة التي تحسن الاستفادة من الوقت. أما فلسطين والنهضة الإسلامية فكانا هما الهمين اللذين يشغلانه في ليله ونهاره.

لقد ربى الشيخ عمر رحمه الله، جيلاً من الشباب العامل للإسلام ولفلسطين، ومن العلماء الذين يجمعون بين روح السلف وفقه الواقع ومنهج البحث العلمي المنضبط. وهو جيل لم يقتصر على حماس أو الإخوان أو السلفيين، وإنما اتسع ليستوعب كل محب وعامل لنهضة هذه الأمة وتحرير أرضها.

رحمك الله يا شيخنا الحبيب، وأسكنك الفردوس الأعلى، فلعلنا كنا بعض صدقاتك الجارية، وإنّ العين لتدمع وإنّ القلب ليحزن وإنا على فراقك يا شيخنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر: السبيل، عمّان، 22/8/2012