مدة القراءة: 4 دقائق

تقدير استراتيجي (44) – أيار/ مايو 2012

ملخص:

تعاني الشراكة الفلسطينية خصوصاً بين فتح وحماس من أزمة حقيقية، جعلت الأمر يبدو وكأنه اقتسام للسلطة أو إدارة للانقسام وليس حلاً له. ولم يتم تطوير الشراكة حتى الآن بحيث تستوعب منظمة التحرير الفلسطينية الجميع تحت مظلة فلسطينية واحدة، يديرون من خلالها شراكة فاعلة وتشكل مرجعية مقبولة لهم.

لا تحمل الأيام القادمة بشائر كثيرة بشأن إحداث اختراق في تطوير الشراكة الفلسطينية، وربما استمر الوضع في “إدارة الانقسام” بين فتح وحماس. وتظهر مشاكل حقيقية في المسار الذي اختطه الطرفان لتحقيق شراكة فاعلة، لأنه مسار مرتبط بتحقيق منجزات يُمكن للطرف الإسرائيلي بسهولة تعطيلها وإفشالها، كالحكومة والانتخابات وإصلاح الأجهزة الأمنية. ولذلك فالأولى البدء بشكل جاد بإصلاح وتفعيل م.ت.ف كمدخل أساسي لتحقيق إصلاح وطني شامل.

مقدمة:

لا يحتاج الحديث عن ضرورة وجود آلية مناسبة وملزمة لصناعة القرار الوطني الفلسطيني إلى الكثير من الشرح والتفصيل. نحن بحاجة إلى حالة إجماع أو شبه إجماع بين مختلف مكونات وفصائل الشعب الفلسطيني على هذه الآلية، فهي حاجة وطنية، وهي مطلب شعبي، وهي سلوك طبيعي للثورات الناضجة الجادة.

شركاء متشاكسون:

 أوجد اتفاق المصالحة الذي وقعته الفصائل الفلسطينية في 2011/5/3 واحتفلت به في اليوم التالي حالة من الارتياح في أوساط الشعب الفلسطيني. وبغض النظر عن النوايا الحسنة لأي طرف، فإن هذا الاتفاق قد يكون مصيره الفشل إذا لم يتم علاج القضايا الأساسية بكل جدية وشفافية، وسينضم بالتالي إلى أرشيف الاتفاقات الأخرى التي سبق توقيعها كاتفاق القاهرة 2005، ووثيقة الوفاق الوطني 2006، واتفاق مكة 2007.

لقد ظهرت صعوبات حقيقية في تطبيق اتفاق المصالحة، إذ كان ينبغي الانتهاء من الملفات الخمسة الرئيسية التي جرى الاتفاق عليها (الحكومة، والانتخابات، وم.ت.ف، والأجهزة الأمنية، والمصالحة الاجتماعية) خلال عام واحد، وها قد انتهى العام دون أي إنجاز حقيقي ملموس في أي من هذه الملفات.

وظهرت اتهامات لحركة فتح بأنها لم تكن جادة في عملية المصالحة، وأنها سعت من خلال التوقيع على الاتفاق إلى تجاوز الآثار السلبية المحتملة للتغيرات والثورات في العالم العربي عليها وعلى السلطة في رام الله؛ وإلى التوظيف السياسي للاتفاق في تقديم ملف طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، بحيث يبدو الفلسطينيون موحدين تحت قيادة واحدة.

و لم يخل الأمر من اتهامات لحركة حماس، وخصوصاً في قطاع غزة، بأنها غير جادة في عملية المصالحة، وأن توقيعها للاتفاق جاء اتساقاً مع متطلبات “الربيع العربي”، وأنها ماضية في الانفراد في إدارة السلطة في القطاع، ولا تقدّم أية مبادرات جادة في برنامج الشراكة الوطنية، وأنها سعت من خلال توقيع الاتفاق إلى كسر الحصار المفروض عليها، وإلى توفير مصادر تمويل جديدة لمؤسساتها، بعد بوادر لاختلال علاقتها بإيران، إثر الاختلاف على الموقف تجاه الأحداث في سورية.

ولذلك فإن عدداً من الباحثين والمختصين في الشأن الفلسطيني رأوا أن اتفاق المصالحة حوَّل الوضع الفلسطيني من حالة “الانقسام” إلى حالة “اقتسام” مسكوت عنه للسلطة بين الضفة والقطاع؛ أو من حالة الصراع المكشوف الذي يمثله “الانقسام” إلى عملية هادئة في “إدارة الانقسام”. كما أن طرفي الانقسام ما زالا يراهنان على عامل الزمن وتغير الظروف لصالح أحد الطرفين، ليفرض شروطه في النهاية على الطرف الآخر.

معوقات الشراكة:

1. يرتبط جانب مهم من الخلاف بين الفصائل الرئيسية بمسائل ذات طبيعة أيديولوجية واستراتيجية تمس بشكل مباشر الخطوط الحمراء، ومسار العمل الوطني الفلسطيني وهويته؛ كالاعتراف بـ”إسرائيل” والتنازل عن أجزاء من فلسطين، والتعامل مع ملفي التسوية والمقاومة، وتحديد أولويات المشروع الوطني الفلسطيني.

2. ظهرت قوى فلسطينية تمثل قطاعات عريضة من الشعب الفلسطيني، مثل حماس والجهاد الإسلامي، دون أن تُمثَّل في م.ت.ف. وبالتالي لم تعد م.ت.ف تشكل مرجعية ومظلة حقيقية لمكونات الشعب الفلسطيني وفصائله، ولإدارة الشراكة الفلسطينية.

3. تكرست في السنوات الماضية أزمة ثقة خصوصاً بين فتح وحماس، بسبب السلوك على الأرض، خصوصاً بعد اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية، والتزامها بالاستحقاقات الأمنية، وبعد فوز حماس في الانتخابات المجلس التشريعي، وما تلاه من محاولات لإفشالها وتعطيلها، وما نتج عن ذلك من صراع وفلتان أمني، وانقسام فلسطيني انتهى بسيطرة حماس على السلطة في قطاع غزة وسيطرة فتح على السلطة في الضفة الغربية.

4. إن استحقاقات اتفاق أوسلو جعلت السلطة الفلسطينية عرضة بشكل كبير لضغوط الاحتلال الإسرائيلي وابتزازه. إذ إن هذا الاحتلال ظلّ ممسكاً بالسيطرة على الأرض، وبالمنافذ البرية والبحرية والجوية، وبحركة المال والأفراد وعمل المؤسسات. ولم يكن الاحتلال ليخفف من إجراءاته إلا بعد الاستجابة لطلباته… الأمنية والسياسية والاقتصادية… وغيرها. وبذلك أصبح صانع القرار الفلسطيني، أحب أم كره، واقعاً بشكل أو بآخر تحت الضغوط الخارجية، وهو مضطر لوضعها في حساباته عند صناعته قراره.

السيناريوهات المحتملة:

1. اقتسام الشراكة: ويعني استمرار حالة الانقسام من الناحية الفعلية مع استمرار اللقاءات والإجراءات البطيئة والشكلية التي لا تحل جوهر المشكلة. وهي الحالة التي تعبِّر عن الوضع الراهن.

2. حدوث اختراق يعطي دفعاً قوياً لبناء شراكة جادة، ربما بعد يأس أيٍّ من الطرفين من قدرته على فرض شروطه على الآخر، أو بتصاعد الضغوط العربية إذا ما أدى “الربيع العربي” إلى إحداث تغييرات جوهرية إيجابية خصوصاً في مصر، أو بوصول قيادة م.ت.ف والسلطة في رام الله إلى حالة يأس وإحباط كامل من مسار التسوية السلمية… .

3. العودة إلى حالة الانقسام المكشوف، وتبادل طرفي الانقسام الرئيسيين الاتهامات بإفشال عملية المصالحة وتعطيلها.

وربما تبقى حالة ” اقتسام الشراكة” هي الحالة المرجحة في الأشهر القليلة القادمة، لأنه لا تلوح في الأفق أية تغيرات جوهرية تدفع الطرفين لمراجعة حساباتهما.

المخرج المقترح:

أولاً: ربما كان على طرفي المعادلة الفلسطينية تقديم قراءة نقدية جادة لأدائهما في السنوات الماضية؛ يعترفان بها بأوجه الضعف والقصور بروح وطنية مسؤولة.

وثانياً: على الطرفين الوصول إلى قناعة حاسمة بأن “اللعبة الصفرية” zero sum game (بأن يربح أحدهما كل شيء ويخسر الآخر كل شيء) ليست مجدية، وستؤدي في النهاية إلى إطالة أمد الأزمة، وإلى خسارة الطرفين. وبالتالي فلا بدّ من اللجوء إلى لعبة “الكل يربح” win-win game (بأن يتعاون الطرفان بصدق على إنجاح المشروع الوطني) وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بتنازل الطرفين لبعضهما بعضاً لتحقيق المصالح العليا.

وثالثاً: على الطرفين البدء فوراً بمجموعة من مبادرات بناء الثقة على الأرض تشمل إطلاق السجناء السياسيين وإطلاق الحريات للمؤسسات والأفراد، وفتح المجال للاستفادة في المؤسسات الحكومية والعامة من كافة الطاقات الوطنية على اختلاف انتماءاتها.

ورابعاً: البدء أولاً بملف م.ت.ف لتشكيل مظلة وطنية حاضنة لكافة القوى الفلسطينية، بحيث يقوم الفلسطينيون تحت سقفها بإعادة تنظيم صفوفهم وترتيب أولوياتهم، وتحديد برنامجهم المرحلي والاستراتيجي. إن الانشغال بهذا المسار يوفر مزية الاتفاق على المرجعية الوطنية وعلى الأمور الكلية، وعلى إدارة الاختلاف؛ كما أنه مسار لا يقع بالضرورة “تحت رحمة” الإجراءات والضغوط الإسرائيلية الأمريكية التي تمسك بتلابيب السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع وتتحكم بمدخلاتها ومخرجاتها. وبذلك فإن م.ت.ف توسع دائرة التمثيل والقرار الفلسطيني ليشمل الشعب كله في الداخل والخارج، لتصبح السلطة الفلسطينية أحد أدواته، وليس جوهر عمله ومركز صناعة قراره.

* كتب مسودة هذا التقدير مشكوراً الدكتور محسن صالح، المدير العام لمركز الزيتونة.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 19/5/2012