(حول التداعيات القانونية والسياسية لانتهاء ولاية الرئيس محمود عباس).

بقلم: د. محمد السعيد إدريس.

 لا أحد في مقدوره الآن أن يحسم مآل كل تلك التفاعلات الفلسطينية الساخنة التي تحدث في أجواء مشحونة بدوافع صراعات مريرة في مقدورها أن تدمر كل شيء بقى من مرتكزات صمود الشعب الفلسطيني، و”إغراءات مراوغة” من هنا أو هناك، فلسطينية وعربية توحي، في بعض الأحيان، بأن أفق أو حل أو توافق فلسطيني – فلسطيني ما زال ممكناً، أو على الأقل محتملاً. لكن هذا الغموض لن يستمر كثيراً فموعد الحسم يقترب من خلال ما سيحدث في مفاوضات القاهرة التي ستعقب عطلة عيد الفطر المبارك بمشاركة من حركتي “فتح” و”حماس”.

الملاحظة المهمة هنا هي أن السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن) ومن ورائها حركة “فتح” هي التي تقود زمام المبادرة في الاتجاهين اللذين حددهما أحمد قريع (أبو علاء): المواجهة أو الحوار، وهى تفعل ذلك مسنودة أو مقيدة عربياً وإسرائيلياً الأمر الذي يزيد من تعقيد الموقف. هذا يعنى أن السلطة هي التي سيكون لها الكلمة الحاسمة في إنهاء الصراع الدائر مع حركة “حماس” في غزة سواء بالدفع قدماً بالأحداث نحو المواجهة الحاسمة بما فيها المواجهة العسكرية أو بإنجاح الوساطة المصرية بالدفع بالحوار مع حركة “حماس” نحو تسوية سياسية مقبولة. لكن رغم ذلك فإن السلطة لا تملك الحرية الكاملة في تحديد أولوية أي من الخيارين: الحسم أم الحوار.

فعلاوة على الانقسامات الداخلية حول هذين الخيارين بين أطراف فتح والسلطة هناك أيضاً وزن مهم للموقفين العربي والإسرائيلي، وهناك أيضاً انقسام ظاهر في هذين الموقفين العربي والإسرائيلي بالنسبة لخياري المواجهة والحوار، والنتيجة أن كل الاحتمالات معقدة وغامضة وسوف تبقى كذلك لحين انتهاء حوارات القاهرة القادمة، وبعدها ستكشف الأمور والمواقف وسيعرف إلى أين ستتجه الأحداث.

وحتى الآن فإن السلطة الفلسطينية المحاصرة بقيود قانونية شديدة الخطورة تجعل وضع رئيسها محمود عباس شديد الحرج، تجد نفسها في سباق مع الزمن بقدر ما هي في “عراك مع النفس” حول أفضل الخيارات.

أبرز هذه القيود الانتهاء الدستوري والقانوني لولاية رئاسة أبو مازن يوم التاسع من يناير/ كانون الثاني القادم. وبقاء الرئيس الفلسطيني في منصبه بعد هذا التاريخ سوف يفقد رئاسته الشرعية المطلوبة، وسيضع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية وسط ركام هائل من المؤسسات غير الشرعية والقيادة غير الشرعية والتمثيل غير الشرعي.

فكل المؤسسات الفلسطينية الحالية أضحت غير شرعية ولا توجد الآن مؤسسة فلسطينية تملك أي مرجعية أو شرعية تواصل بمقتضاها دورها الوطني باستثناء المجلس التشريعي المعطل فعلياً منذ انتخابه بسبب كارثية نتائج الانتخابات التي جاءت بهذا المجلس بالنسبة للسلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية، حيث فازت حركة “حماس” بأغلبية مقاعد هذا المجلس التشريعي، لكن تعطيله الفعلي أصبح كارثياً منذ اعتقال أغلب نوابه وبالذات معظم إن لم يكن كل نواب “حماس” وعلى رأسهم رئيس المجلس الدويك.

فإذا كانت معظم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية أضحت غير شرعية بعد تجاوزها المدى الزمني المقرر لوجودها وعدم تجديد الانتخابات، فإن مؤسسات السلطة أيضاً أضحت كذلك بعد ما حدث بين السلطة وحركة حماس في يونيو/ حزيران 2007.

فحكومة الوحدة الوطنية التي صدر قرار بحلها ويترأسها إسماعيل هنية أصبحت غير شرعية من الناحية الرسمية رغم أنها تؤدى أعمالها دون توقف متحدية قرار الحل بوصفه قراراً غير شرعي من وجهة نظرها. وحكومة تسيير الأعمال التي يترأسها سلام فياض بقرار من رئيس السلطة محمود عباس هي الأخرى أضحت غير شرعية فهي لم تحظ بموافقة المجلس التشريعي، ولم تعرض عليه أصلاً، وتخطت، فضلاً عن ذلك، كل ضوابط تسيير الأعمال سواء من ناحية مدتها أو من ناحية مهامها وصلاحياتها. والآن يأتي الدور على الرئاسة الفلسطينية لتصبح هي الأخرى موجودة بحكم الأمر الواقع دون سند قانوني أو دستوري.

إدراك الرئيس الفلسطيني لهذا المأزق يضع خيارات السلطة وحركة “فتح” تحت ضغوط هائلة ويجعلها “خيارات مأزومة” بقدر ما تعبر عن واقع فلسطيني مرير ومأزوم.

ويمكن تقسيم هذه الخيارات إلى مجموعتين: الأولى، هي خيارات تملك فيها السلطة القدرة على الفعل والمبادأة، والأخرى من قبيل رد الفعل. من بين خيارات المجموعة الأولى هناك خياران أساسيان تحدث عنهما بوضوح أحمد قريع (أبو علاء) أي خياري المواجهة والحوار أو التسوية. أبو علاء قال ذلك في إفطار نظمته حركة “فتح” في رام الله وعبر فيه عن مدى حساسية الموقف الراهن بالنسبة لحركة فتح عندما قال إن “فشل حركة “فتح” في الانتخابات التشريعية مثل جرحاً عميقاً في القلب، إضافة إلى الجرح الثاني الذي لا يزال ينزف وهو خسارة غزة”، ولذلك شدد على أن “فتح” لم يعد في مقدورها “أن تقبل أو تسمح بجرح آخر، فإن حدث فستكون عندها النهاية”.

هذا يعنى أن خيار الحوار أو التسوية وفق هذا المفهوم يجب أن يتضمن، من وجهة نظر قادة “فتح”، انتصاراً. فالحركة لم يعد أمامها إلا أن تحقق النصر سواء كان من خلال خيار المواجهة أو من خلال خيار التسوية عبر الحوار الأمر الذي يكشف مدى ضيق أفق الحوار القادم في القاهرة إذا كانت السلطة وفتح تريده من أجل فرض انتصار على حركة “حماس”، وهو انتصار لا ترى “حماس” أنها “معنية به”. ومن بين خيارات رد الفعل خياران أساسيان أيضاً هما: أولاً التمديد الفعلي لرئاسة أبو مازن دون اعتبار للقيود الدستورية والقانونية، وإيجاد غطاء قانوني يمكن الترويج له إعلامياً فلسطينياً وعربياً على أنه إجراء دستوري أو على الأقل لا يتعارض مع الدستور الفلسطيني، وثانياً إصدار قرار بحل المجلس التشريعي الفلسطيني.

خيارات حماس هي الأخرى ليست سهلة أو ميسرة فهي لا تقل صعوبة وهى محكومة بقيود لا تقل صعوبة عن قيود خيارات السلطة ولا تخرج أيضاً عن خياري المواجهة أو التسوية. والمواجهة سوف تحدث عندما تعلن “حماس” رسمياً بعد يوم التاسع من يناير/ كانون الثاني القادم (2009) أن رئاسة أبو مازن أضحت غير شرعية بعد أن تعلن رفض التمديد بعد هذا التاريخ لرئاسة أبو مازن، أما التسوية، فهي عبر الحوار القادم في القاهرة من خلال فرض “حل التوازن” بين المصالح للطرفين: “فتح” و”حماس” والتوصل إلى “حل ترضية” لا يمثل انتصاراً لفريق على الآخر بقدر ما يمثل توازناً بين الأفرقاء وبقدر ما يقدم من تقدم على طريق التسوية والوحدة الوطنية.
أولاً: خيارات السلطة وحركة “فتح”

بسبب الانقسامات في المواقف داخل حركة فتح وفى الموقفين العربي والإسرائيلي يمكن ملاحظة تسابق حقيقي بين خياري المواجهة والتسوية (ولا نقول المصالحة التي قد تكون نتيجة أو لا تكون للحوار القادم في القاهرة ولعملية التسوية ونجاحها أو عدم نجاحها وفق أطر هذا الحوار ومقترحاته).

1- خيار المواجهة : إعلان غزة إقليماً متمرداً

يأتي الدفع بهذا الخيار ضمن رؤية أوسع تتمحور حول إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً، لكنه كان ومازال أحد أبرز الخيارات المطروحة على السلطة منذ سيطرة حماس على قطاع غزة في منتصف يونيو/ حزيران 2007. ويبدو أن فشل معظم خيارات السلطة وآخرها تجريب إسقاط حماس بالضغط الشعبي وضع السلطة في مأزق الخيارين: المواجهة العسكرية مع مخاطرها أو القبول بالأمر الواقع والتعامل مع حماس برؤى جديدة بعيداً عن رؤى وسياسات الهيمنة والسيطرة التي كانت تمارسها السلطة ومؤسساتها.

تجديد طرح خيار المواجهة جاء أولاً على لسان بعض قيادات فتح مثل زياد أبو عين ومن بعده اللواء ذياب العلي قائد قوات الأمن الوطني في الضفة الغربية. ففي مقابلة له مع صحيفة هارتس الإسرائيلية قال اللواء ذياب العلي: “إذا بقيت غزة منفصلة عن الوطن ولم تتم إعادة توحيدها سلمياً فسنضطر إلى استخدام القوة المسلحة لإعادة توحيدها”، لكنه كشف عن جوانب أخرى لا تقل أهمية ضمن هذا السياق أبرزها ثلاثة: الأولى هي الحصول أولاً على موافقة مصر وإسرائيل والأردن على هذه الخطوة، والثانية الحصول على الأسلحة اللازمة للقيام بالمهمة وخاصة من إسرائيل، والثالثة التنسيق الأمني مع إسرائيل.

وبهذا الخصوص أقر اللواء العلي بتعاون السلطة أمنياً مع إسرائيل وأبدى غضبه من رفضها طلبات التسليح وتحريك القوات في الضفة الغربية، معترفاً بأن هناك تعاوناً مع إسرائيل، ومنعنا العديد من العمليات ضدها في الفترة الأخيرة.

تحريك هذا الخيار بدأ فعلياً مع إعلان عناصر في حركة “فتح” تشكيل قيادة “ميدانية” للحركة في غزة “لمواجهة الانقلاب على الأرض”.

من يقفون وراء تشكيل هذه القيادة هم قياديون في الحركة بين من فروا من القطاع إبان المواجهات العسكرية التي دارت مع “حماس” صيف 2007 وانتهت بسيطرة الأخيرة على قطاع غزة. وهناك من يرى أن هذه القيادة مرتبطة تنظيمياً ومالياً بدوائر “فتح” في رام الله، دون شرط تورط قيادة “فتح” في غزة ضمن هذا التحرك، وهناك ترجيح أيضاً أن يكون تشكيل هذه القيادة له علاقة مباشرة بالإضراب الشامل الذي دعت إليه نقابات واتحادات مهنية في القطاع.

وكانت هذه القيادة قد أعلنت أنها قررت أخذ زمام المبادرة في تحمل الأعباء والمسؤوليات اللازمة في مواجهة حركة “الانقلاب” على الأرض ودعت أبناء الحركة على اختلاف مواقفهم إلى أن يعلنوا حال الاستنفار التام والبقاء في أعلى درجات الجاهزية لتحمل مسؤولياتهم الحركية والوطنية وفى مقدمتها توحيد العقل الحركي والتنظيمي على الأرض وتصعيد المبادرات الميدانية على المستوى الجماهيري.

هذا التحرك يوحى بأن هناك ترتيبات لفرض حالة عصيان مدني داخل القطاع كمقدمة لمواجهة عسكرية حاسمة ضد “حماس”، لكنه يأتي كحلقة مهمة ضمن حلقات أخرى لا تقل أهمية ضمن التوجه نحو الأخذ بخيار إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً.

فهذا الخيار الخطير له دلالة لا تقل خطورة وهى أن الصراع بين حركتي “فتح” و”حماس” قد وصل إلى “حافة الهاوية” التي يكاد أن يكون السقوط بعدها حتمياً حيث يصبح الصراع عندها صراعاً “صفرياً” لا يقبل المساومة ولا يقبل أنصاف الحلول ويسعى كل طرف إلى الحصول على كل شيء ويفرض على الطرف الآخر ألا يحصل على أي شيء.

هذا الخيار، لحسن الحظ، مازال اقتراحاً أو فكرة هدفها الردع من جانب السلطة وحركة “فتح” في مواجهة حركة “حماس” لمنع “حماس” من التصدي لاقتراح تمديد ولاية الرئيس أبو مازن حتى يناير/ كانون الثاني عام 2010 بدلاً من 2009 موعد الانتهاء الرسمي لولايته.

أول من طرح هذه الفكرة ومنذ شهور، مندوب فلسطين في الأمم المتحدة الذي طالب باتخاذ قرار من المنظمة الدولية باعتبار قطاع غزة “إقليماً متمرداً أو اعتبار حركة “حماس” عصابة مغتصبة”، ثم تجدد الأمر داخل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وإذا ما تم تحريك هذه الدعوة فعلاً وصدر من مجلس الأمن قرار بذلك فإن الخطوة التالية المنطقية هي التحرك الدولي لإنهاء هذا التمرد عبر وسائل متعددة منها الاحتواء عبر ضغوط سياسية واقتصادية، وأخيراً اللجوء إلى الحل العسكري.

فالاحتواء السياسي والاقتصادي سيفرض مقاطعة سياسية كاملة لحركة “حماس” ووقف أي تعامل معها وعدم الاعتراف بها وبدورها داخل القطاع والتعامل معها “كقوة مغتصبة” للقطاع، كما سيفرض مقاطعة مالية وتجارية وصحية وزراعية وصناعية للقطاع، قد تبدأ بوقف إمداده بالكهرباء والمحروقات وغيرها، وإحكام السيطرة على المعابر بهدف “خنق” القطاع وفرض الاستسلام الكامل. عندها سوف تتوقف كافة الخدمات المعيشية والطبية ولن تكون حكومة “حماس” قادرة على دفع أي رواتب أو القيام بأي خدمات للمواطنين، وستقوم السلطة بوقف تصدير أي شواكل (العملة الإسرائيلية المتداولة في القطاع) بحيث تصبح أي ورقة عملة بلا قيمة.

يأتي الحل العسكري كخيار أخير سواء عبر الدفع بقوات عربية، أو قيام إسرائيل بالمهمة بمشاركة عناصر حركة فتح عبر تلك القيادة التي جرى تشكيلها لهذا الغرض.

حدوث ذلك معناه وأد خيار التسوية والمصالحة عبر الحوار الوطني والوساطة المصرية والعربية من ناحية ومعناه أيضاً إطلاق يد حركة “حماس” في الرد بالطرق المناسبة التي تراها لمواجهة كل تلك التحديات، من خلال تعبئة داخلية قد تدفع إلى اجتياح المعابر بكل ما يحمله هذا الخيار من مواجهات دامية، كما قد تتجه إلى تعميق التحالف مع كل من إيران وسوريا وحزب الله بحثاً عن حاضنة بديلة قد تعيد مجدداً خيار المقاومة ليس فقط في وجه إسرائيل بل في وجه السلطة وأعوانها، بما يؤكد فداحة المحصلة النهائية على القضية الفلسطينية.

2- حل المجلس التشريعي 

يعتبر هذا الخيار من خيارات رد الفعل وربما تلجأ إليه السلطة في حالة فشل إقناع “حماس” بقبول التمديد لولاية الرئيس أبو مازن، وقبل أن تلجأ إلى خيار إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً.

حل هذا المجلس يكون بإصدار مرسوم رسمي من الرئيس الفلسطيني بعد أن يتم تعبئة الرأي العام الفلسطيني لقبول هذا الخيار بالترويج لدعايات ترجحه منها أن هناك 40 عضواً بالمجلس رهن الاعتقال الإسرائيلي الأمر الذي أدى إلى تعطيل دوره وأن بقاء الأوضاع على ما هي عليه معناه تعطيل دور هذا المجلس وقد بدأ الترويج لهذا الخيار من خلال نشر نتائج استطلاع رأى أجراه مركز استطلاع الرأي والدراسات المسحية بجامعة النجاح الوطنية تقول هذه النتائج أن غالبية الفلسطينيين يؤيدون قرار “حل التشريعي” لكنها أيضاً تعارض الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية جديدة بعد انتهاء ولاية أبو مازن، أي أنها مع التمديد له.

الجمع بين الدعوتين: حل المجلس والتمديد للرئيس الفلسطيني تكشف عدم نزاهة نتائج هذا الاستطلاع وتدخل السلطة فيها.

حركة “حماس” ترى أن الرئيس الفلسطيني لا يملك قرار حل المجلس التشريعي، باعتبار أن “المجلس سيد نفسه”، وأن الرئيس يقسم اليمين أمام المجلس التشريعي، وهو ليس مرجعية للمجلس، لأن مرجعية المجلس هي الشعب الذي قام بانتخاب أعضائه، وأن الرئيس له صلاحياته المنصوص عليها في القانون ولا صلاحية له خارج النص.

إذا كان الأمر كذلك فإن إجراء حل المجلس سيكون غير دستوري وسيزيد من أزمة الشرعية المتفاقمة في معظم المؤسسات الفلسطينية.


ثانياً: خيارات حركة حماس

ليس أمام حركة “حماس” خيارات تخرج عن نطاق رد الفعل، فهي متهمة باغتصاب السلطة عنوة في قطاع غزة، وهى ترفض هذا الاتهام وتطرح مشروعاً وطنياً آخر وتريد أن تتحاور حوله، ولكن خارج نطاق الحوار ستكون محكومة بالرد على ما يدبر لها من جانب السلطة سواء كان بمواجهة احتمال إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً أو حل المجلس التشريعي، هي ستقاوم أي إجراء من هذا النوع، فهي لن تقبل بحل المجلس التشريعي ولن تقف ساكنة أمام إعلان القطاع إقليماً متمرداً.

الورقة الأساسية التي تملكها حماس الآن والتي تستطيع من خلالها إدارة الصراع مع السلطة هي ورقة التمديد للرئيس أبو مازن، إما أن تقبل بالتمديد وتفتح الأبواب للحوار وإما أن ترفض وبالتالي تغلق كل أبواب الحوار وتفتح أبواب الصراع على أوسع ما يكون.

موقف حماس أصبح شديد الصعوبة في كلتا الحالتين بعد أن أعلن الرئيس أبو مازن في حديث لصحيفة هآرتس الإسرائيلية عزمه على البقاء في السلطة حتى يناير/ كانون الثاني 2010، وعززه بتصريحات علنية أخرى متلفزة بأن أي تمديد سيتم وفق الإجراءات القانونية والدستورية، وإعلانه تشكيل لجنة للبت في هذا الموضوع، وبعد أن أعلن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” بأن بعد التاسع من يناير/ كانون الثاني 2009 “لا شرعية لأي رئيس سلطة فلسطينية إذا لم يكن ذلك عبر الانتخابات وفى ظل الوفاق الوطني”.

فتمسك “حماس” بموقفها الرافض التمديد للرئيس أبو مازن معناه دفع الأحداث نحو المواجهة وعرقلة أي نتائج قد تترتب على الحوار الذي سيجرى خلال أيام في القاهرة بمشاركة حركتي “فتح” و”حماس”، وتراجع “حماس” عن هذا الموقف والقبول بالتمديد يعنى خسارتها المعنوية لأنها لن تجد ما تبرر به هذا التراجع أمام المواطن الفلسطيني الذي بات يحلم بنهاية عهد أبو مازن، وسوف تكون “حماس” في موقف شديد الضعف خاصة أمام أنصارها.


ثالثاً: خيار التسوية والمصالحة

أمام كل هذا التعقيد يبدو أن الآمال باتت معلقة بحوارات القاهرة لكن هذه الحوارات هى الأخرى في حاجة إلى مزيد من التنازلات المتبادلة خاصة بالنسبة لفكرة تشكيل حكومة وطنية جديدة: هل تكون حكومة تكنوقراطية وظيفتها تهيئة الظروف لإجراء انتخابات جديدة رئاسية وتشريعية كما تريد حركة “فتح” والسلطة ومصر أم حكومة وحدة وطنية بمشاركة من “حماس” و”فتح” كما تريد حركة “حماس”.

لكن هناك ما يعوق تقديم التنازلات وخاصة أزمة الثقة بين الحركتين “حماس” و”فتح” وإدراك “حماس” أن أطرافاً عربية مهمة باتت منحازة إلى السلطة و”فتح” كما ظهر في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب الأخير وتصريحات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى التي هدد فيها كل طرف فلسطيني تثبت إعاقته للمصالحة الفلسطينية مؤكداً أن العرب لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام استمرار الانقسام الفلسطيني.

وقد كشف إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة حرارة الأوضاع وتعقيدها بقوله إن ما يجرى على الأرض بقطاع غزة والضفة يؤشر على أن طريق الحوار غير سالك ويواجه تحديات كبيرة، وربما هذا ما دفعه إلى محاولة معازلة الرياض للهروب من مأزق القاهرة وحواراتها المحكوم عليها سلفاً بالفشل وخطورة تداعيات مثل هذا الفشل في حالة حدوثه. فقد وجه هنية رسالة إلى العاهل السعودي بمناسبة العيد الوطني للمملكة جدد فيها التزام حماس بـ”اتفاق مكة كأساس للحل”.

هل يمكن أن تقبل الرياض بأن ينتقل الحوار من القاهرة وأجندتها الراهنة حول تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، إلى الرياض للحوار حول اتفاق مكة.

سؤال مهم لكن لن يقدم كثيراً لأن الرياض لن تفكر في مثل هذه الخطوة حتى الآن إلى أن تتكشف معالم حوارات القاهرة وحتى تتجنب أي فشل آخر على نحو ما سبق أن حدث لـ”اتفاق مكة”. وهذا يعنى أن كل الأسئلة ستبقى دون إجابات إلى أن تنتهي حوارات القاهرة وستبقى أيضاً كل الخيارات مفتوحة بين المواجهة والتسوية التي تقود إلى مصالحة.


إعداد: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات  28 أيلول/ سبتمبر 2008