الوصف


USA-Democracy-Palestine_150معلومات النشر:
– العنوان: الولايات المتحدة والتحول الديموقراطي في فلسطين
– تأليف: قصي أحمد حامد
– عدد الصفحات: 253
– الطبعة: الأولى/ 2009
– الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت
– عرض: بلال الشوبكي، باحث و محلل سياسي فلسطيني- ماليزيا


“الولايات المتحدة والتحول الديموقراطي في فلسطين”، هو عنوان الكتاب الذي صدر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في العام 2009 للباحث قصي أحمد حامد. يعتبر هذا الكتاب إضافة نوعية للدراسات التي تناولت الشأن الفلسطيني وصلته بالمتغيرات الدولية، فالكتاب عبارة عن نتاج بحثي علمي محكّم يضع السياسات الأمريكية تجاه العناصر المركبة للمشهد الفلسطيني تحت المجهر، وتحاكمها وفقاً لتأثيرها على مشروع التحول الديموقراطي الفلسطيني.

ابتداءً، تجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة، الواقعة في 253 صفحة من القطع المتوسط، فيها من الجرأة ما يصل حد المغامرة في صياغة العنوان، خاصة أن الكتاب موجه للقارئ العربي، الذي تشكلت لديه ثقافة سياسية من المسلّمات فيها أن النشاط الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط محكوم بالمنفعة الأمريكية لا بأي طموح عربي أو إسلامي، على المستويين الشعبي والرسمي. لذلك فإن القارئ لما روّس به الكتاب قد يصل لاستنتاج الباحث قبل بدء القراءة. وهذا لا يعيب الكتاب في شيء بقدر ما يميزه، إذ أن المتتبع لقلم قصي حامد في هذا العمل، يدرك أن الفرضية أوجدت لفحص مصداقية آلية العلاقة بين المتغيرات، لا نتيجة شكل العلاقة.

من بديهيات السياسة الشرق أوسطية أن الولايات المتحدة توظّف عناصره لخدمة مصالحها وفق الظروف، لكنه يبدو غامضاً لدى فئة واسعة، كيفية تسخير الولايات المتحدة الأمريكية لمتغيرات المركب الشرق أوسطي، تحت غطاء أخلاقي، مدعوم بإقرار فئة من النخبة المثقفة، وشريحة واسعة من القطاع الحاكم، للوصول إلى ما تبتغيه أمريكا خدمة لمصالحها. هنا يمكن رؤية أهمية هذا الإصدار بوضوح، حيث يزيح الكاتب جزءاً من الغموض في آلية استغلال مدخل التنمية والتحول الديموقراطي لتكييف السياسات الداخلية بما يتماشى مع الرؤية الأمريكية.

مداخل الغرب للشرق، التبشير والأنثروبولوجيا والتنمية، كانت وما زالت أشبه بملفات حاسوبية مشفرة إلى صيغة مقبولة للمستخدم، ما أن يتم التعامل معها بالإيجاب حتى يدرك مستخدمها أنها جندي مقاتل بوجه رسول. ديموقراطية أفغانستان والعراق واضحة ومدللة على فيروس الحرب بصيغة الديموقراطية.

فلسطين، كما غيرها في المحيط الإقليمي، كانت على موعد مع الدعوات الأمريكية والغربية لضرورة اتخاذ خطوات جادة نحو التحول الديموقراطي، صوت هذه الدعوات بدا مرتفعاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر كما يشير الكتاب، معتبراً أن هذه الدعوات جاءت متوازية مع صوتٍ فلسطيني داخلي منادٍ بالإصلاح ومحاربة الفساد والتأسيس لمؤسسات ديموقراطية نزيهة.
انسجام المطلب الداخلي الفلسطيني مع المطلب الأمريكي، انعكس في صياغة الكاتب للفرضية، فالتحول الديموقراطي الفلسطيني مقبول ومطلوب من أمريكا في آنٍ واحد، فهو مقبول كمطلب فلسطيني، ومطلوب كمدخل لتحقيق مصلحة أمريكا. أثناء طرحه لأهمية الكتاب، اتضحت رؤية الكاتب بشكل أفضل مما هو مطروح في الفرضية، فهو أورد صراحة، أن سياسة أمريكا تجاه السلطة الفلسطينية ما هي إلا تكييف الأخيرة وفق ما تقتضيه المصلحة الأمريكية، لا وفق ما تقتضيه الرؤية الوطنية الفلسطينية.

كرر الباحث في أكثر من موقع استخدام مصطلح النظام السياسي الفلسطيني، بحيث أنه مدلل فقط على جسم السلطة الفلسطينية، وحقيقة الأمر أن هذا الاستخدام مطعون به نظرياً وعملياً، فهناك من يرى أن النظام السياسي الفلسطيني مدلل على المنظمة والسلطة والحركات والأحزاب الفلسطينية جميعها، بما فيها التي لم تدخل السلطة.

السبب في ذلك أننا نتحدث عن جسم في مرحلة ما قبل الدولة، بمعنى أنه لا يمكن حصر النظام السياسي الفلسطيني بجسم تم استحداثه بمعزل عن الإجماع الفلسطيني. وهذا ما يستدعي السؤال: لو أن حماس لم تشارك في الانتخابات، هل هذا يعني أنها خارج حدود النظام السياسي الفلسطيني؟ وهنا أستخدم كلمة النظام انسجاماً مع طرح الباحث، وهو خطأ شائع نتاجاً للترجمة عن لغات أخرى، فالحديث يدور عن منتظم سياسي، أما النظام السياسي فهو شكل نظام الحكم وآلية العلاقة بين مؤسساته، فنقول أن هذا النظام برلماني وذاك رئاسي، أما حين نتحدث عن مدخلات الحياة السياسية الوطنية بكافة أشكالها بما فيها المجتمع المدني فهي جزء من المنتظم السياسي الوطني، المؤثر والمتأثر ضمن المنتظم الإقليمي ومن ثم الدولي.

في ثاني فصول الكتاب ينطلق قصي حامد بشرحٍ تاريخي لفهم كيفية تبلور القضية الفلسطينية في العقل السياسي الأمريكي، معتبراً أن نقطة التحول كانت وعد بلفور، التي دفعت إلى بحث المنظمة الصهيونية عن بديل لبريطانيا. حقيقة الأمر إن وعد بلفور كان مفترق طرق، لكن الانطلاقة الفعلية تمثلت في مؤتمر بلتيمور 1942، الذي أسس لمرحلة تبني أمريكا لمشروع الصهيونية مطالبين بإلغاء الكتاب الأبيض، والسماح بهجرة اليهود وبناء جيش يهودي والعمل من أجل تحويل فلسطين إلى دولة يهودية.

مما يميز هذا الكتاب، هو التأسيس التاريخي المتسلسل، حيث وضع الباحث أرضية معلوماتية متماسكة لفهم مستجدات السياسة الأمريكية، وبإيجاز؛ فإنه استخلص من السياق التاريخي، عاملين ساهما في بلورة العقل السياسي الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، وهما:
أولاً: الدور الذي لعبه اللوبي الصهيوني في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية.
ثانياً: تقاطع المصالح الأمريكية واليهودية إزاء فلسطين، وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط عموماً.

في سياق المعالجة التاريخية، يورد الكاتب فكرة مفادها أن دور “إسرائيل” سابقاً، كان وظيفياً بالنسبة لأمريكا، بحيث تشكل درعاً يحمي مصالحها، ويساهم في إضعاف النفوذ السوفييتي في المنطقة. وهنا أختلف مع الباحث؛ فكون “إسرائيل” بوجودها تخدم الولايات المتحدة الأمريكية، لا يعني أنها نقطة خلاف مع السوفييت سابقاً، فبغض النظر عن الأدبيات والخطابات الإعلامية، فإسرائيل عملياً تلقت دعماً من أمريكا والسوفييت وحافظت على علاقات مع الجهتين، وهو ما دفع البعض للقول بافتراض معاكس لافتراض الكاتب، أن الصهيونية وظّفت أطماع القوى الدولية في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها بإقامة دولة لليهود.

يتنقل الباحث بين المراحل المشكّلة للقضية الفلسطينية في العقل السياسي الأمريكي، إلى أن يصل مرحلة اقتناع الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة تغيير الثقافة السياسية داخل الدول العربية بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، معتقدين أن الثقافة السياسية العربية هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن إنتاج “الأصولية الإسلامية المتطرفة”. هذا الأمر يوضحه الكاتب بشكل أوسع في مرحلة متقدمة من الكتاب خلال طرحه لدور أمريكا في التحول الديموقراطي، حيث تضع أمريكا نصب عينيها سياسة تغيير الأدمغة من أجل السلام، ومن أجل ذلك تسخر الملايين للمجتمع المدني كي يحاول خلق نمطية تفكير وسلوك جديدين، متوائمين مع الطرح الأمريكي.

في الفصل الثالث من الدراسة، يجدد الكاتب تأكيده على فكرة مؤداها يشير إلى استغلال الولايات المتحدة لفكرة التحول الديموقراطي من أجل التأثير على الثقافة السياسية في البلدان العربية والإسلامية، حيث أن حالة الاستبداد السياسي في الدول العربية تعتبر أحد عوامل إنتاج “التطرف”، وبناءً عليه، فإن التحول الديموقراطي أضحى أحد مرتكزات الأمن القومي الأمريكي، والتي تشمل أيضاً، تقوية التحالفات الدولية ضد “الإرهاب”، وتحسين الأوضاع الاقتصادية في البلدان العربية والإسلامية، وحل الصراعات الإقليمية.

قبل البدء باستخدام التحول الديموقراطي، كسلاح ضد “الإرهاب”، وصلت أمريكا لقناعات عدة، أهمها:
– إيجاد هامش من الحرية السياسية في الدول العربية والإسلامية قد يقوض انتشار الحركات الراديكالية.
– غياب الديموقراطية وحرية التعبير أساس حالة الاغتراب الممهدة للتطرف.

نتاجاً لهذه القناعات، تولّدت في أمريكا رؤيتان لآلية التعامل مع حالة العداء والكره لها، وهما: الرؤية العسكرية القاضية بمهاجمة هذه الحركات ومن يرعاها عسكرياً، والرؤية الثانية تؤمن بمنهج التغيير التدريجي، وتنطلق أفكارها من مبدأ “غسل الأدمغة من أجل السلام”. وفقاً لذلك، فإن أمريكا سمحت بإجراء انتخابات حرة ونزيهة بمشاركة الإسلاميين، موقنةً أن ذلك سيؤدي إلى كشف ضعفها وغياب قدرتها القيادية وتخليها عن النهج العسكري.

الدعوة لإصلاح السلطة الفلسطينية
يعتقد الكاتب أيضاً، أن قناعة أمريكا بضرورة إحداث إصلاح في السلطة الفلسطينية عززها موقف الأجهزة الأمنية المتراخي في آلية التعامل مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي أثناء الانتفاضة، وهنا بدأ يظهر البعد الأمني كعامل محفز للدعوة إلى ضرورة إجراء إصلاحات في جسم السلطة الفلسطينية تحت شعار التحول الديموقراطي. لكن أمريكا تدرك جيداً أن الحكمة تقتضي عدم ربط أمن “إسرائيل” بإصلاح السلطة علناً، ولذلك أوجدت صيغة أخرى هي ربط عملية السلام بضرورة إحداث إصلاحات تحول ديموقراطي في السلطة الفلسطينية، وأن يكون العمل الأمني الفلسطيني ضد ناشطي الانتفاضة جزءاً من هذه الإصلاحات، وشرطاً للاعتراف بالسلطة سياسياً. هذا الأمر اتضح جلياً في بنود خطة خريطة الطريق.

تحت عنوان “تدويل عملية الإصلاح للسلطة”، يشير الكاتب إلى تشكيل اللجنة الرباعية التي كلّفت برعاية عملية السلام وتطبيق خريطة الطريق، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية نجحت في فرض الرؤية الأمريكية لحل الصراع على المجتمع الدولي، وتحويل المساعدات الدولية للسلطة إلى منح مشروطة بتحقيق الإصلاحات، وتحويل الأنظار إلى الوضع الداخلي للسلطة بدلاً من حقيقة الصراع مع الاحتلال، مضافاً إلى ذلك فصل الملف الأمني وإعطاؤه أهمية مضاعفة.

هنا يتجاهل الكاتب، في رأيي، النقاش الأوسع لدواعي وجود اللجنة الرباعية، فهي حقاً مختصة بالشأن الفلسطيني، لكن تأسيسها جاء مرتبطاً بتوزيع أدوار جديدة على القوى الدولية قبيل الحرب على العراق، وكأنها نوع من الاحتواء لروسيا وأوروبا في دور شكلي داخل اللجنة الرباعية، فيما أمريكا تتفرد بالعراق. إضافة إلى كونها رسالة طمأنة للعرب كمكافأة على الصمت بشأن الحرب على العراق، فأمريكا التي تقود حربا على العراق، ستقود الفلسطينيين إلى دولتهم في غضون عامين.

بالانتقال إلى الفصل الرابع من الكتاب، يبدأ الكاتب باستعراض متغيرات الساحة الفلسطينية وأهم الخطوات نحو التحول الديموقراطي. أهم المتغيرات كانت وفاة ياسر عرفات والانتقال السلمي للسلطة حيث تولى الرئاسة رئيس المجلس التشريعي لفترة انتقالية، تبعتها انتخابات رئاسية فاز فيها محمود عباس. الحدث الذي لا يقل أهمية عن سابقه هو إعلان حماس نيتها المشاركة في الانتخابات التشريعية بعد أن شاركت فعلاً في الانتخابات المحلية وحققت نتائج منافسة.

بالنسبة لوفاة ياسر عرفات، فإن أمريكا رأت في ذلك فرصة للنهوض بعملية السلام، ولذلك بدأت بدعم واضح لأبي مازن، متوافق مع موقف مرحب بمشاركة حماس في الانتخابات التشريعية ضمن رؤيتها لاحتواء الإسلاميين في الحكم، ولذلك قبلت بمشاركة حماس رغم اعتراض الكونجرس. لكن مع بدء وصول مؤشرات إمكانية فوز حماس في الانتخابات بدأ التلويح بإمكانية قطع العلاقات بأية حكومة تشارك فيها حماس.

التشدد في التعامل مع فوز حماس هو جزء من سياسة الاحتواء بهدف تحويل كل الجهد الحمساوي نحو حلحلة العقد في علاقاتها مع المجتمع الدولي، والمشروطة بالاعتراف بحق “إسرائيل” في الوجود ونبذ العنف والالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي.

شاركت حماس في الانتخابات وفازت، وشكلت الحكومة، وبدأت أمريكا استراتيجية ترويض حماس التي تضمن إشغالها بكيفية توفير الأموال للسلطة، بدلاً من تطبيق برنامجها السياسي، “هذه الاستراتيجية بلورتها الإدارة الأمريكية بخطة سميت بـ (خطة أبرامز) نسبة إلى (إليوت أبرامز) نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي، والتي أعدّت في شباط 2006 عقب فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي، لتمهد للخطوط العريضة للاستراتيجية الأمريكية للتعامل مع هذا الفوز”.

الكاتب لم يغفل أيضاً لعب أمريكا في ساحة التناقضات الفلسطينية، فهي تعلم أن تحجيم حماس لا يتم فقط من خلال إضعافها، وإنما من خلال تقوية خصمها، وضمن هذا الفهم لجأت أمريكا، إلى:
– ضمان تدفق بعض المساعدات عن طريق الرئيس محمود عباس فقط.
– ضمان تقوية الأجهزة الأمنية التابعة للرئيس.
– دعم إصلاح حركة فتح واستنهاضها.
– تشجيع بدائل حماس في الساحة السياسية.
هذه الاستراتيجية بدت أكثر وضوحاً بعد حسم حماس العسكري في قطاع غزة، حيث عمدت أمريكا إلى خلق نموذجين أشبه بالكوريتين، الأول قطاع غزة المحاصر والمحكوم من قبل حماس، والثاني: الضفة الغربية التي تتلقى الدعم المالي والمحكومة من قبل حكومة فياض بإقرار فتحاوي.
في نهاية الكتاب، يدرج قصي حامد عددا ًمن الاستنتاجات، يفهم منها جميعاً، أن التحول الديموقراطي من منظور الولايات المتحدة ليس سوى مدخل لتكييف السلطة الفلسطينية بما ينسجم وطموحها الخاص، المرتبط أيضا بحليفتها “إسرائيل”. وما قضية إصلاح السلطة إلا أداة وظيفية مسخرة لتحقيق أهداف أمريكية غير مرتبطة بقيم الديموقراطية والحريات والحقوق.