مدة القراءة: 6 دقائق

بقلم: أ. د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

هل سينجح مجلس ترامب للسلام في تحقيق أهدافه في إعادة إعمار قطاع غزة، ونزع أسلحة المقاومة، وضمان الانسحاب الإسرائيلي مما تبقى من القطاع، وفق تصورات خطة ترامب، خلال السنتين الممنوحتين له لإنجاز عمله في غزة؛ أم أنه سيفقد اندفاعته، ويتآكل في محتواه، وينشغل في إدارة الصراع وليس بحله، وبتوفير مبررات بقاء الاحتلال وليس بالترتيبات الفعالة لانسحابه؟ وبالتالي يَتحوَّل في النهاية إلى “بطة عرجاء” فاقدة لمبررات وجودها… بانتظار انفجار الأوضاع من جديد؟!!

زخم سياسي ومنطق القوة:

اكتسب “مجلس السلام” الذي أعلن عنه ترامب زخمه السياسي والعملي، ليس لكونه يُقدّم حلاًّ عادلاً، ولا لكونه يضع مساراً متوافقاً عليه فلسطينياً وإسرائيلياً وعربياً ودولياً؛ ولكن لأن الكثيرين رأوا فيه حدّاً أدنى لوقف حرب الإبادة الإسرائيلية، ووقف التدمير المنهجي، ووقف مشاريع تهجير أبناء قطاع غزة، وباباً لتقديم المساعدات لأهل غزة وإعادة الإعمار. لم يكن مشروعاً سياسياً متكاملاً ولا خريطة طريق لمسار تسوية؛ ولكنه اكتسب قوة دفعه من وقوف الولايات المتحدة خلفه، ومن ترامب وطبيعته الشخصية، وقدرته على الضغط على الطرف الإسرائيلي والأطراف العربية والإسلامية والدولية.

لم يكن أحدٌ يرغب في مواجهة ترامب وغضبه وانتقامه، وراهنت قوى عربية ودولية على الاستفادة من اندفاعته، ثم امتصاص زخمها؛ ومحاولة إعادة توجيه بعض المسارات مع مرور الوقت ومع الدخول في التفاصيل، حيث قد تكون ثمة فرصة لتعامل أكثر واقعية من ترامب، المحب بطبيعته للإنجاز السريع؛ مع ملفات نزع أسلحة المقاومة والإغاثة والإعمار وفتح المعابر، ودور السلطة الفلسطينية، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي.

كان معيار “كف الشر” الإسرائيلي، وتجنب الغضب الأمريكي أساسياً في تمرير الخطة وأخذ غطاء دولي لها بقرار مجلس الأمن رقم 2803 في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. ولكن ليس ثمة فرص نجاح كبيرة لخطة تحمل أبعاداً زمنية متوسطة أو بعيدة المدى، إذا كان جوهر الترحيب بها مستنداً على معالجة قضايا ميدانية عاجلة، وليس حلولاً مستدامة!!

ثغرات وهشاشة بنيوية:

لا يقف “مجلس السلام” على أرضٍ صلبة، وهو معرضٌ للاهتزاز والسقوط مع مرور الزمن، ومع الممارسة على أرض الواقع. ويمكن اختصار أبرز الثغرات فيما يلي:

1. إشكالية التعريف والهوية والدور: أعلن عن “مجلس السلام” في البداية كهيئة إدارية انتقالية دولية وكجزء من الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب على غزة، تقوم بوضع الإطار العام لإعادة إعمار غزة، وتنسيق التمويل الدولي، ويشرف على لجنة التكنوقراط والمجلس التنفيذي. غير أن ترامب عندما وقَّع ميثاق المجلس في دافوس، قام بإعادة تعريفه وتوسيعه باعتباره منظمة دولية لفض النزاعات، ولم يذكر غزة فيه بشكل صريح ولو لمرة واحدة. وعززت بنوده القناعات لدى الكثيرين، بأن ترامب يريد استخدامه كمجلس بديل عن الأمم المتحدة ومؤسساتها.

هذا التغيير أثار الكثير من القلق والمخاوف، وأضعف إمكانية ضمّ شركاء دوليين فاعلين كالروس والصينيين وقوى أوروبية كبرى وغيرهم. وقد لا تسعى الدول الفاعلة عالمياً إلى مواجهته… ولكنها ستقوم بمحاولة إفراغه من محتواه، وفتح القنوات التي تدفع نحو إفشاله بشكل تدريجي.

2. المجلس لا يعطي قيادة منفردة للولايات المتحدة فقط، وإنما يعطي أيضاً لشخص ترامب نفسه صلاحيات استثنائية، ويربط القرارات بمزاجيته، ليبدو أقرب إلى “إدارة ديكتاتورية” منه إلى إدارة دولية محترمة، فترامب هو الذي يدعو للعضوية وهو الذي يسحبها ويلغيها، وهو “الحاكم بأمره”.

3. يفتقد المجلس للشرعية الدولية، وهو ليس منبثقاً عن الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، ولا عن قرار دولي ملزم.

4. يفتقد المجلس للمرجعية القانونية والدستورية، فهو لا يستند إلى القرارات الدولية، ولا إلى القانون الدولي، وغير منضبط بمعايير وأعراف المجتمع الدولي؛ مما يجعله مرتعاً للمزاجية ولمنطق القوة. وهو يلغي المعايير الإنسانية والأخلاقية والقانونية، وينتقل من منطق حلّ النزاعات إلى إدارة الصراعات.

5. يفتقر للشرعية الفلسطينية، فهو مجلس وصاية استعماري فوقي، فُرض على الفلسطينيين فرضاً، ولا يمثلهم ولا يعبر عن إرادتهم، وقراراته لا تلزمهم. وهو يتجاهل مئات القرارات الدولية بحق الشعب الفلسطيني بقيادة نفسه وبتقرير مصيره، كما يتجاهل مؤسسات التمثيل الفلسطيني كمنظمة التحرير الفلسطينية. أما لجنة التكنوقراط فهي ليست أكثر من مجموعة موظفين إداريين في منظومة استعمارية خدماتية.

كما يفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وعن المنظومة السياسية والشعبية الفلسطينية، وعن وحدة التمثيل الفلسطيني؛ ويستفرد بالقطاع وبترتيباته المستقبلية، بعيداً عن إرادة الشعب الفلسطيني وعن القرارات الدولية الداعمة له.

6. الطرف الفلسطيني غائب عن عضوية المجلس، فلا تمثيل ولا دور حقيقي في صناعة القرار، للطرف الأساسي صاحب القضية، والذي يستند إليه جوهر مسار إدارة غزة وإعادة إعمارها. والمجلس (في إطار خطة ترامب) يمسخ قضية فلسطين من قضية حق وعدل وحرية، إلى مشكلة اقتصادية أمنية؛ ويُبقي على كافة عناصر التفجير مستقبلاً.

7. بينما تتم معاقبة الضحية، فإنه تتم مكافأة الاحتلال، فالانسحاب من قطاع غزة يخضع للمزاج والمعايير الإسرائيلية، وليس هناك ما يمنع الاحتلال من متابعة عدوانه واغتيالاته وتدميره وحصاره. وفي الوقت نفسه فالكيان الإسرائيلي عضو في “مجلس السلام”، بحيث أصبح مجرمو الحرب شركاء في “صناعة السلام” وهندسة مستقبل غزة؛ ويصبح من دمّر غزة وسفك دماء أهلها شركاء أساسيون في تقرير مصيرها. وهكذا يتموضع مرتكب الجريمة في بنية الحل، ويجلس المتهم مكان القاضي، ويتم تفريغ مفهوم العدالة من مضمونه. ويتم إعادة تسويق نتنياهو ومحاولة تبييض صورته؛ بينما تتم ملاحقته كمجرم حرب لدى محكمة الجنايات الدولية. وهنا تظهر خطورة “شرعنة” الاحتلال الذي يواصل احتلاله ضمن الترتيبات “المتوافق عليها” والتي لا تجبره على الخروج؛ مما يوفر له إمكانية تحويل “المؤقت” إلى “دائم”، في الوقت الذي تتم فيه عملية معاقبة الشعب الفلسطيني ومقاومته ونزع أسلحتها.

8. مشاكل ترامب الداخلية وحرائقه الخارجية التي لا تُوفر بيئة نجاح لـ”مجلس السلام” برئاسته. وقد أشار ديفيد بروكس في مقال نشره في نيويورك تايمز في 23 كانون الثاني/ يناير 2026 إلى أربعة انهيارات/تفككات Unravelings على الأقل، يعيشها الأمريكان والعالم، والفاعل الأساس فيها هو ترامب نفسه:

• إنهيار النظام الدولي.

• انهيار الاستقرار الداخلي الأمريكي.

• تفكّك النظام الديموقراطي الأمريكي.

• انهيار عقل الرئيس ترامب بحسب تعبيره.

ومنذ أن بدأ ترامب رئاسته، لم يكف عن زعزعة المنظومة الداخلية الأمريكية، و”إشعال الحرائق” في البيئة العالمية، تطبيقاً لرؤاه “القومية الشعبوية”. وهو ما لا يوفر الحد الأدنى لعمل منهجي مستقر ومستمر لـ”مجلس السلام”، وبشكل يجعله قابلاً للإنجاز. وفوق ذلك، فإن ترامب سيواجه بعد نحو تسعة أشهر استحقاق الانتخابات النصفية حيث تشير استطلاعات الرأي إلى احتمالات كبيرة لخسارة حزبه الجمهوري، في مجلس النواب؛ وهو ما يجعل قدرته على إنفاذ تصوراته أكثر صعوبة.

قراءة مستقبلية:

على ما يبدو، فلن يقوم أحدٌ بمواجهة ترامب في تشكيله “مجلس السلام”، وستكون مشاركة الكثير من الدول العربية والإسلامية والعالمية، لأسباب مختلفة لكنها في جوهرها لا تؤمن بديكتاتورية ترامب ولا في حقه في الزعامة العالمية وإنشاء نظام عالمي جديد.

غير أنه سيتم المضي في عمله في المدى القريب، حيث تتقاطع مصالح عدد من الأطراف، فهو يوفر للكيان الإسرائيلي احتلالاً بلا التزامات، وللأمريكي نفوذاً بلا تكاليف، وللعديد من الأنظمة العربية والإسلامية فرصة لتهميش خط المقاومة وإضعاف “الإسلام السياسي”، ويخرج كثيراً من الأنظمة في العالم من الحَرَج أمام شعوبها. وربما فضلت دول عربية وإسلامية المشاركة لمحاولة التأثير وإعادة توجيه المسارات من داخل المجلس، واستخدام بعض الهوامش المتاحة لخدمة الشعب الفلسطيني.

من ناحية أخرى، فإن حالة “التدافع” ستستمر من الطرف الإسرائيلي المُصِرُّ على متابعة الهيمنة، ومن الطرف الفلسطيني المُصِرُّ على حقوقه السياسية والرافض لنزع سلاح المقاومة. ولذلك سيتراوح الوضع بين موجات من التوتر، وبين انفراجات نسبية في دخول مواد الإغاثة والإعمار، وإعادة التموضع التكتيكي للاحتلال.

ومن الناحية الفلسطينية، سيكون هناك تجنب للمواجهة مع “مجلس السلام” وأدواته، وقبول عملي للخدمات، وسماحٌ للجنة التكنوقراط بالعمل، ومحاولة تفعيل أدوات العمل الشعبي والأطر النقابية، وفرض الإيقاع المحلي الواقعي على هياكل العمل، ومحاولة تجاوز النزاع الفصائلي.

السيناريوهات المسقبلية لمجلس السلام:

السيناريو الأول: النجاح الشكلي المحدود: بناء على الزخم الأمريكي والتعاون العربي والإسلامي لمحاولة إنجاح عدد من جوانبه، خصوصاً فيما يتعلق بالإغاثة وإعادة الإعمار؛ وتشكيل المؤسسات الإدارية والأمنية؛ مع استمرار البُطءِ والتَّعثّر في مسائل الإعمار والانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح المقاومة.

يرافق ذلك سعي قوى عالمية كالصين وروسيا ودول أوروبية وازنة لحصر عمل المجلس في قطاع غزة.

السيناريو الثاني: التآكل التدريجي: بسبب العقبات والثغرات التي أشرنا إليها في النقاط السابقة، وتزايد أزمات ترامب ومشاكله الداخلية والخارجية، وعدم قدرته على المضي قدماً في تصوراته تجاه غزة والمنطقة؛ مقروناً بمحاولات إضعاف المجلس وإفراغه من محتواه من قِبل قوى دولية كبرى. ومترافقاً بتضارب الأدوار بين الفاعلين، وازدياد الابتزاز والتعطيل الإسرائيلي، وضعف التمويل، مع تصاعد الغضب والإحباط الفلسطيني وفشل نزع سلاح المقاومة، وتراجع الحماسة العربية، وتراجع الاهتمام الإعلامي. وبالتالي فقدان المجلس التدريجي لبريقه وأهميته، ليذوب مع الزمن؛ وبالتالي تتصاعد احتمالات المواجهة بين الاحتلال الإسرائيلي وبين المقاومة.

السيناريو الثالث: تقاسم الأدوار والمصالح: بحيث تتقاطع مصالح الصين وروسيا مع ترامب في تجاوز النظام العالمي ومنظومة الأمم المتحدة؛ وإيجاد بيئة عالمية قائمة على “القوة والمصلحة”؛ واستخدام ذلك في عقد صفقات، بحيث مثلاً تستحوذ الصين على تايوان، وتحقق روسيا أهدافها في أوكرانيا، بينما يتابع ترامب مساراته في الأمريكيتين وجرينلاند والشرق الأوسط. وربما يصحب ذلك مراهنة الصين وروسيا على أن مكاسب ترامب ستأخذ غالباً شكلاً مؤقتاً، بسبب عدم قدرته على الاستمرار وكثرة عناصر التفجير في وجهه؛ بينما تكون مكاسب الصين وروسيا من النوع “الصلب” الأقدر على الثبات والاستمرار. وفي هذه الحالة، قد يتزايد الضغط على غزة والمنطقة باتجاه مسارات التسوية والاتفاقات “الإبراهيمية”. لكنها في الوقت نفسه، ستتسبب في تفجير عناصر الإحباط والغضب الشعبي في المنطقة، على المدى الوسيط والبعيد.

وهذا السيناريو، وإن لم يكن مرجّحاً، يذكرنا بتلك الأوضاع التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، قبيل الحرب العالمية الأولى، عندما انتشر ما يعرف بنظام “توازن القوى الاستعماري”Colonial Balance of Power الذي يوزع البلدان الضعيفة بين القوى الاستعمارية الكبيرة.

***

ومهما يكن من أمر، فإن “مجلس السلام” يحمل الكثير من بذور فشله في ذاته، وقد يفتح المجال أمام صراع إرادات جديد، وينقل المعركة إلى طور جديد بأدوات مختلفة. وبالتالي يصبح أقرب إلى مجلس “إدارة أزمة”. وسيكون عُرضةّ للتّهاوي في المدى الوسيط، ليس من خلال سُقوطٍ مُدوٍّ، وإنما من خلال تفكك وتآكل تدريجي، وفقدان دوره ومبررات وجوده.


تم نشر أصل هذا المقال على موقع الجزيرة.نت، 2026/1/31.


جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.



المزيد من المقالات والتحليلات السياسية: