إعداد: محمود عبده سالم.
(خاص بمركز الزيتونة).
ملخص:
تركت الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية – الإيرانية الجارية آثارها على القارة الإفريقية، وفي مقدّمتها الآثار الاقتصادية الضاغطة على الأنظمة وعلى المواطنين الأفارقة، ومن المتوقّع أن تتفاقم هذه الآثار مع استمرار الحرب. وقد تشكّلت المواقف الإفريقية من الحرب بناء على ثلاثة عوامل رئيسية هي: أسعار النفط والطاقة وتكاليف النقل، والعلاقات السياسية والاقتصادية مع أطراف الصراع، والخبرات الإفريقية المكتسبة من الحرب الروسية – الأوكرانية، وهو ما أدّى إلى تفاوت تلك المواقف بين تأييد أحد طرفَي الصراع، أو التحفّظ والحذر، واتخاذ المواقف المركّبة تجاه الحرب.
| للاطلاع على تقدير الموقف بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: >> تقدير موقف: آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على قارة إفريقيا … محمود عبده سالم |
وفي إطار توقّع السيناريوهات المستقبلية، طرح هذا التقدير الاستراتيجي مسارَيْن رئيسيَّيْن هما: استمرار الحرب، وتوقف الحرب. وتحت المسار الثاني، طرح التقدير سيناريوهَيْن رئيسيَّيْن، هما: توقّف الحرب وبقاء النظام الإيراني، وهو السيناريو المرجح؛ أو توقّف الحرب وسقوط النظام الإيراني وقيام نظام بديل، وهو سيناريو مستبعد؛ مع الإشارة إلى أنّ سيناريو استمرار الحرب بدرجات متفاوتة يحظى بفرص لا بأس بها. وقد شرح التقدير انعكاس الحرب والسيناريوهات المحتملة على القارة الإفريقية.
مقدمة:
على الرغم من المدة القصيرة، نسبياً، التي مضت من الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية على إيران، فإنّ هذه الحرب لم تترك آثاراً على أطرافها وحدهم، ولم تقتصر آثارها على منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها المسرح الميداني للحرب، بل امتدّت إلى باقي أنحاء العالم، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، وتضرّر الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد أهم ممر مائي استراتيجي للطاقة في العالم.
ولم تكن القارة الإفريقية استثناءً، واتّضح تأثّرها بالحرب في عدد من السياسات الطارئة التي اتُخذت في أنحاء القارة، والتي يُتوقع لها أن تتطوّر وتستمر باستمرار الوضع. وكما تفاوتت المواقف العالمية تجاه الحرب، كذلك تفاوتت مواقف الدول الإفريقية تجاهها، حسب مصالح تلك الدول واعتباراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمواقف داخلها تجاه الحرب.
أولاً: محددات المواقف الإفريقية من الحرب:
تنبني المواقف الإفريقية من الحرب الأمريكية /الإسرائيلية الجارية على إيران على عدد من المحددات أهمها:
1. أسعار النفط والطاقة وتكاليف النقل:
أدّت الحرب إلى اضطراب أسواق النفط وارتفاع أسعاره عالمياً إلى معدل قياسي، إذ ارتفع سعر خام برنت من 72.48 دولاراً للبرميل في 27/2/2026، أي قبل يوم من بدء الحرب، ووصل إلى 119.5 دولاراً للبرميل خلال شهر آذار/ مارس 2026، وهو أعلى مستوى له منذ حزيران/ يونيو 2022، وأعلى معدل شهري لارتفاعه منذ أيلول/ سبتمبر 1990 بعد غزو العراق للكويت.
ولهذا الارتفاع في أسعار النفط وجهان في إفريقيا، فهو يُمثّل مكسباً على المدى القريب للدول الافريقية المعتمدة على تصدير البترول والغاز، وهي بضع دول، مثل نيجيريا وأنجولا والجزائر. وفي الوقت نفسه، يُؤثّر هذا الارتفاع سلباً على الدول المستوردة الصافية للنفط، ولا سيّما تلك التي لا تستطيع الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية لتخفيف حدة الصدمة؛ وهي غالبية الدول الإفريقية. فارتفاع أسعار النفط يُترجم سريعاً إلى ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة أسعار المواد الغذائية، وتضخم عام. ويُحذّر المحلّلون من أنّ ارتفاع تكاليف الطاقة قد يُزعزع استقرار العملات ويُعمّق أزمة غلاء المعيشة في العديد من الدول الإفريقية.
ويُعدّ ممر البحر الأحمر، الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي، نقطة توتر حاسمة أخرى. فالاضطرابات فيه قد تؤثّر على طرق التجارة التي تربط أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. واستجابةً للحرب والمخاطر الأمنية المرتبطة بها، تدرس شركات الشحن بالفعل مسارات أطول وأكثر تكلفة حول جنوب إفريقيا. وعلى الرغم من أنّ هذا قد يقلّل من المخاطر الأمنية المباشرة على السفن، فإنه يرفع تكاليف النقل عالميّاً، مما يزيد من التضخم والضغوط الاقتصادية على الدول التي تعتمد على الاستيراد. وبالنسبة للاقتصادات الإفريقية التي تكافح للتعافي من صدمات جائحة كورونا (كوفيد-19 COVID-19)، وحرب أوكرانيا، وأزمات الديون، تُعدّ هذه ضربة خارجية أخرى.
2. العلاقات السياسية والاقتصادية مع أطراف الصراع:
جاءت مواقف الدول الإفريقية من الحرب، تبعاً لمصالحها الاقتصادية والسياسية المتصوَّرة، ومدى قوة علاقاتها الديبلوماسية مع أطراف الصراع: الولايات المتحدة، و”إسرائيل”، ودول الخليج، وإيران.
فمنذ سنة 2025، وقّعت إدارة دونالد ترامب Donald Trump مذكرات تفاهم ثنائية في مجال الصحة مع ما لا يقل عن 17 دولة إفريقية، بقيمة إجمالية تتجاوز 16 مليار دولار. كما سعت واشنطن إلى تطبيع العلاقات مع الدول الثلاث الأعضاء في “تحالف دول الساحل”، الواقعة تحت حكم المجالس العسكرية، وهي: بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر. وتحرص هذه الدول، على وجه الخصوص، على عدم تعريض علاقتها المتنامية مع الولايات المتحدة للخطر، باعتبارها القوة العسكرية والاقتصادية الأبرز في العالم.
كما نجحت “إسرائيل” في تقوية علاقاتها الإفريقية، عن طريق تقديم المساعدات في مجالات الزراعة والتنمية الريفية، والتكنولوجيا، والرعاية الصحية، والاستجابة للطوارئ، والأمن، وإدارة المياه، والتعليم، لعدد من الدول الإفريقية، مثل: إثيوبيا، وغانا، وكينيا، وأوغندا، ورواندا، وزامبيا، وجنوب السودان، ونيجيريا.
وتُعدّ دول الخليج شركاء اقتصاديين متزايدي الأهمية للعديد من الدول الإفريقية؛ ففي سنتَي 2022 و2023 وحدهما، استثمرت دول الخليج ما يقارب 113 مليار دولار أمريكي في إطار الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا.
وقد انخرطت إيران خلال العقود الماضية في بناء علاقات ديبلوماسية وعسكرية واقتصادية مع بعض الدول الإفريقية، مثل السودان، وزيمبابوي، وإريتريا، ساعيةً إلى بناء شراكات جديدة كوسيلة لموازنة عزلة النظام الإيراني الإسلامي في الغرب.
3. الخبرات الإفريقية المكتسبة من الحرب الروسية – الأوكرانية:
تختزن الذاكرة الإفريقية القريبة خبرات نتجت عن الحرب الروسية – الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس، وهي خبرات ليست بالطيبة، خصوصاً في المجال الاقتصادي، فقد أدى الوضع الذي أعقب اندلاع الصراع الأوكراني إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والنفط والغاز، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة تكلفة المعيشة في معظم الدول الإفريقية، وإلى تفاقم الضغط السياسي على العديد من الأنظمة.
ثانياً: المواقف الإفريقية تجاه الحرب على إيران:
بدأ الموقف الرسمي للاتحاد الإفريقي من الحرب بالحذر والدعوة إلى “ضبط النفس وخفض التصعيد بشكل عاجل”، وحثّ جميع الأطراف على التصرّف “وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، لكنّه سرعان ما تحوّل إلى إدانة الهجمات الصاروخية والمسيّرة التي شنّتها إيران على دول الخليج، والتضامن الكامل مع “حكومات وشعوب الدول المتضرّرة” من تلك الهجمات.
وتفاوتت المواقف المُعلنةُ لكلِّ دولة إفريقية تجاه الحرب، بين الانحياز المعلن للطرف الأمريكي – الإسرائيلي، والتركيز على إظهار التعاطف مع الجانب الخليجي، أو تأييد إيران صراحة أو ضمناً، أو التزام الحذر والصمت.
واتَّضح انحياز دول القرن الإفريقي، مثل كينيا والصومال وإثيوبيا، إلى الدول الخليجية. بينما استند موقفا جنوب إفريقيا والسنغال إلى قواعد القانون الدولي التي ترفض العدوان على الدول دون قرار من الأمم المتحدة. وهو ما يُعدّ إدانة ضمنية للهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، واعتباره مخالفاً للقانون الدولي.
كما اتّخذت دول غرب إفريقيا موقفاً حذراً، وساعد في ذلك الوجود المذهبي الشيعي في الغرب الإفريقي، في دول مثل نيجيريا وساحل العاج (كوت ديفوار) والكاميرون. وتبنّت غانا خطاباً مشابهاً، داعيةً إلى خفض التصعيد، ومُركّزةً على سلامة مواطنيها في الخارج.
وتطوَّرت مواقف بعض الدول الإفريقية مع استمرار الحرب، مثل تشاد، التي عبّر رئيسها عن “تعاطفه” مع إيران، ثم أدان الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية.
وفي الشمال الإفريقي العربي، تفاوتت المواقف بين الإدانة الواضحة المغربية والموريتانية للطرف الإيراني، وبين الحذر والدعوة لوقف الحرب من الجزائر، والدعوة من مصر وتونس لوقف الحرب، مع رفض عام من الدول الخمس للهجمات الإيرانية على الدول الخليجية. بينما اتّسم الموقف الليبي بالانقسام المعبِّر عن الانقسام السياسي في البلاد، ما بين مؤيّد للطرف الإيراني، ومؤيد للجانب الخليجي.
ثالثاً: آثار الحرب على القارة الإفريقية:
كان الأثر الأبرز والأكثر مباشرة ناجماً عن الارتفاع في أسعار النفط، خصوصاً في الدول الإفريقية المستورِدة “الصافية” للنفط، التي باتت تواجه عجزاً تجارياً يلتهم احتياطياتها النقدية المحدودة. وقد أدّى ارتفاع أسعار النفط إلى اتخاذ إجراءات لترشيد استهلاك الوقود والكهرباء، ورفع أسعار الوقود، في عدة دول إفريقية؛ فصدرت أوامر لمورِّدي الكهرباء في إثيوبيا بإعطاء الأولوية لقطاعاتٍ محدّدة، بينما رفعت زيمبابوي أسعار الديزل والبنزين بنسبة 15% و25% على التوالي.
وفي مصر، رفعت الحكومة أسعار الوقود، على الرغم من تعهّدها السابق بتثبيت الأسعار خلال سنة 2026، وبدأت في خطة لترشيد استهلاك الكهرباء، وحذّرت من اتخاذ إجراءات أكثر قسوة في حال استمرار الحرب.
وفي دولة جنوب إفريقيا، واجه المستهلكون ارتفاعاً حاداً في الأسعار. وتشير التقارير إلى أنّ وزارة الموارد المعدنية والطاقة، تدرس أيضاً رفع أسعار البنزين بنسبة تصل إلى 25% والديزل بنسبة 44%.
وبينما حقَّقت الدول الإفريقية المصدِّرة للنفط، مثل نيجيريا وأنجولا وجمهورية الكونغو الديموقراطية، زيادة في الإيرادات، لكنّها زيادة لها ثمنها؛ إذ إنّ غياب الاستقلال الهيكلي في قطاع التكرير يجعل هذه الدول تستورد المشتقات البترولية بأسعار كبيرة، ما يرفع أسعار المحروقات محلياً ويغذّي التضخّم.
ومع تصاعد الحرب، بدأ المستثمرون الدوليون في التوجّه إلى “الملاذات الآمنة” كالذهب والدولار والسندات، ما أدّى إلى هروب رؤوس أموال من الأسواق الإفريقية الناشئة. وامتدَّ هذا الضغط ليشمل العملات الإفريقية؛ إذ تراجع “الراند” الجنوب إفريقي أمام الدولار، كما تراجع الجنيه في مصر، ما زاد تكلفة استيراد السلع الأساسية وخدمة الدَّين الخارجي.
ولم يتوقّف النزيف عند حدود الأسواق المالية، بل امتدّ ليشمل قطاع الطيران والسياحة؛ فالخطوط الجوية الإثيوبية اضطرت إلى إلغاء 35% من رحلاتها، متكبّدة خسائر يومية تقدّر بثمانية مليون دولار نتيجة تحويل المسارات. كما أنّ تعطّل حركة الملاحة هدّد سبل عيش أكثر من 2.5 مليون إفريقي كانوا يخطّطون للاستفادة من مناسك الحج والعمرة، بخسائر تقدّر بـ 1.2 مليار دولار للسياحة الدينية. وفي كينيا انخفضت حجوزات الفنادق بنسبة 40%.
رابعاً: السيناريوهات المُتوقَّعة:
ترتبط السيناريوهات المتوقَّعة لآثار الحرب على القارة الإفريقية بمسار الحرب نفسها وسيناريوهاتها، وفي هذا السياق يوجد مساران رئيسيان:
المسار الأول: استمرار الحرب:
من المتوقَّع في حال استمرار الحرب أن تتفاقم آثارها على القارة الإفريقية، على النحو التالي:
• فمن شأن استمرار الحرب أن يزيد من الضغوط الاقتصادية على القارة الإفريقية، وعلى عملاتها المحلية، نتيجة تضرر سلاسل التوريد، خصوصاً في مجال الطاقة، وهروب الأموال الساخنة، وتأثّر الاستثمارات والمساعدات الخليجية الموجَّهة لإفريقيا نتيجة انشغال دول الخليج بالحرب وتأثّر اقتصاداتها سلباً. الأمر الذي يضع القارة أمام موجة تضخّم قد تكون الأشدّ منذ عقود، خصوصاً مع توقّع أن يتجاوز سعر برميل النفط سقفه التاريخي الأعلى.
وتُعد دول مثل مصر وليبيا الأكثر عرضة للخطر، حيث تترجم تكاليف الطاقة المتزايدة بسرعة إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية أوسع في سياقات هشّة أصلاً. وفي أوغندا ودول شرق إفريقيا الأخرى، تُهدّد الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود سُبل العيش والأمن الغذائي، وهي دول تُعاني شرائح واسعة من سكانها لتوفير احتياجاتها الأساسية من قبل الحرب، وتؤثر تكاليف النقل على كل شيء فيها، بدءاً من سيارات الأجرة العامة وصولاً إلى توصيل المنتجات الزراعية إلى الأسواق.
• من الممكن كذلك امتداد ميدان الحرب إلى القارة الإفريقية، بعد قرار الحوثيين الدخول في الحرب، فالحوثيون المتحالفون مع إيران يشرفون من اليمن على مضيق باب المندب، وهو من أهم الممرات الملاحية التي تطل عليها القارة الإفريقية، وهو ما يهدّد أمن القارة، خصوصاً في إقليمها الشرقي، ويُحتمل معه توسّع تدريجي في ديناميكيات الأمن التي تربط السودان والبحر الأحمر وغرب إفريقيا، مع احتمال تورّط جهات فاعلة مثل روسيا وشبكات موالية لإيران. ويُشير تهديد إيران للملاحة عبر باب المندب، في أعقاب التوترات حول مضيق هرمز، إلى احتمال اتّساع نطاق الحرب لتشمل صراعاً بحريّاً أوسع في البحر الأحمر. ومع مرور ما يقارب عُشر التجارة البحرية العالمية عبر هذا الممرّ المائي الحيوي، ومع قدرة جهات فاعلة مرتبطة بإيران، كالحوثيين، على استهداف السفن، لم يعد الخطر محصوراً في الخليج. كذلك قد تسعى إيران لإنشاء جبهة ثانية في البحر الأحمر، بخلاف الجبهة اليمنية، من أجل تشتيت انتباه القوات الأمريكية والإسرائيلية. وقد يتحوّل الحوثيون إلى استراتيجية مزدوجة تجمع بين الضغط على باب المندب، لا سيّما على تدفّقات الطاقة، وبين توسيع نطاق نقل الأسلحة في السودان.
• كذلك من الممكن أن تشهد الدول التي يوجد بها جاليات شيعية اضطرابات أمنية نتيجة تضامن تلك الجاليات مع إيران، وأن يزداد التوتر في تلك الدول مع وجود تيارات سلفية بها موالية للتيارات السلفية الخليجية. وهذه الدول توجد في أقاليم القارة المختلفة، وسيكون التأثير أكثر وضوحاً في منطقة الساحل، خصوصاً في السودان، حيث ترتبط بعض الجماعات بالفعل بالحرس الثوري الإيراني، ومن بين هذه الجماعات جماعة البراء بن مالك، التي تنشط بشكل رئيسي في الخرطوم ووسط السودان، ولها امتدادات على طول الممرات التي تربط البلاد بدارفور ومنطقة الساحل. وتتجاوز تداعيات ذلك السودان نفسه؛ فتعزيز الروابط بين الفاعلين المسلحين المحليين والشبكات المرتبطة بإيران قد يُعيد تشكيل تدفقات الأسلحة، ويؤثّر على جبهات متعدّدة في منطقة الساحل.
بالإضافة إلى وجود شبكات مرتبطة بحزب الله في غرب إفريقيا كقنوات محتملة للتوسّع. وعلى الرغم من التنافر الأيديولوجي بين الجماعات الشيعية والجماعات السنية الجهادية، وعلى الرغم من استبعاد التحالف بينهما والاصطفاف ضدّ العدو المشترك المتمثّل في الولايات المتحدة و”إسرائيل”، فإنّ استبعاد هذا الاحتمال، أو ضآلة احتماله، لا يعني القطع باستحالة تحقّقه، ومن شأن هذا التحقّق أن يزيد من الاضطراب الأمني في إفريقيا، وأن يسبّب اضطراباً في الموازين السياسية والعسكرية. كما يمكن لإيران أن تستفيد من الوجود الروسي في دول الساحل وفي شرق ليبيا في تعميق التعاون الإيراني مع تلك الدول. وبهذا يمكن اتّساع النطاق الجغرافي الاستراتيجي للحرب الذي قد يمتد من شرق المتوسط إلى شمال إفريقيا وغربها.
المسار الثاني: توقّف الحرب:
ويندرج تحت هذا المسار مساران فرعيان محتملان:
السيناريو الأول: توقّف الحرب وبقاء النظام الإيراني:
• في هذه الحالة من المفترض نظرياً أن تخف الآثار الاقتصادية التي ألمت بالقارة الإفريقية، خصوصاً مع التراجع المتوقّع لأسعار النفط في هذه الحال. وسيكون على دول القارة أن تسعى لاحتواء آثار التضخّم الناتج عن الحرب، وأن تعالج ما أصاب ميزانياتها من عجز، وانخفاض قيمة عملاتها. وإذا حدث وجرى الاتفاق على فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز، فإن على القارة الإفريقية أن تتكيّف مع الأعباء الاقتصادية الإضافية الناجمة عن ذلك.
• استراتيجياً، سيُعد خروج النظام الإيراني من الحرب سالماً انتصاراً يؤكّد على شرعية هذا النظام، وسيجدّد ثقته بنفسه، ويزيد طموحه الإقليمي وسعيه للمزيد من التمدّد في القارة الإفريقية، من ثم، مستفيداً من الوجود المتزايد في القارة للحليفَيْن الروسي والصيني. وسيقوّي هذا الانتصار الإيراني أنّ البنود العشر للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة على وقف الحرب تتضمّن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وعدم تعرّضها للهجوم مرة أخرى، وإعادة إعمار البنية التحتية المتضرّرة، ووقف الضربات الإسرائيلية على “حزب الله” في لبنان. ومن شأن الاتفاق على فرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق، كما هو مطروح، أن يزيد من الموارد الإيرانية، وأن يُسهم في تكلفة إعادة الإعمار فيها.
• سيحتاج الاقتصاد الخليجي لمدة من الزمن يتعافى فيها من الآثار السلبية للحرب، خصوصاً دولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارها الأكثر تضرراً اقتصادياً من الحرب، وهو ما سيؤثّر بدوره على الاستثمارات والمساعدات الخليجية الموجَّهة نحو القارة الإفريقية.
• الآثار الاقتصادية الناجمة عن الحرب التي شملت أغلب دول العالم من شأنها أن تؤثّر سلباً على المساعدات الاقتصادية الموجَّهة للقارة الإفريقية بشكل عام.
السيناريو الثاني: توقّف الحرب وسقوط النظام الإيراني وقيام نظام بديل:
• وهذا سيناريو مستبعد، ولكن من المفترض نظرياً مثلما ورد في السيناريو الأول أن تخف الآثار الاقتصادية التي ألمّت بالقارة الإفريقية، خصوصاً مع تراجع أسعار النفط وميلها إلى الاستقرار. وسيكون على دول القارة أن تسعى لاحتواء آثار التضخم الناتج عن الحرب، وأن تعالج ما أصاب ميزانياتها من عجز، وانخفاض قيمة عملاتها.
• ومن المتوقَّع في هذا السيناريو أن يسعى الطرف الأمريكي – الإسرائيلي المنتصر إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، واصطناع نظام إيراني متوائم مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية، وهو ما يعني استفادة الوجود الإسرائيلي في المجال الإفريقي من سقوط النظام الإيراني الذي يُعد منافساً في القارة الإفريقية، وميل التنافس السياسي في القارة إلى الجانب الإسرائيلي، خصوصاً مع تبلور صورة مهيبة للآلة العسكرية الإسرائيلية.
• اتجاه قوى إقليمية أخرى، مثل دول الخليج وتركيا، للاستفادة من سقوط النظام الإيراني الذي يُعدّ منافساً في القارة الإفريقية، خصوصاً في المناطق الأكثر حساسية، مثل القرن الإفريقي.
• في حال سقوط النظام الإيراني من المتوقَّع أن تتسع مساحة التاثير الخليجية – التركية في إفريقيا على حساب المساحة الإيرانية.
خامساً: السيناريو المُرجَّح:
مع هدنة الأسبوعين التي أعلنها الرئيس الأمريكي ترامب في 7/4/2026، يصبح سيناريو توقّف الحرب وبقاء النظام الإيراني، هو الأرجح، خصوصاً مع المعطيات التالية:
• غياب خطّة محددة للجانب الأمريكي في الحرب، وتناقض تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تحقّق أهداف الحرب، والعدول الأمريكي عن إسقاط النظام الإيراني، والعدول المماثل عن هدف فتح إقليم هرمز أمام الملاحة الدولية بالقوة، ثم العودة للتأكيد على هدف فتح المضيق، وربط انتهاء الحرب به، وهو ما يعكس تخبّطاً لدى الإدارة الأمريكية.
• العجز الأمريكي – الإسرائيلي عن تحقيق مجمل أهداف الهجوم على إيران، إلى جانبِ امتدادِ أمدِ الحرب إلى ما يتجاوزُ الإطارَ الزمنيَّ الذي حدّدته واشنطن بأكثر من الضعف، وهو ما يُضعف الروح
المعنوية الأمريكية الإسرائيلية، في مقابلِ تعزيزِ موقفِ الطرف الإيراني، خصوصاً مع قدرته على تجاوز صدمات اغتيال عشرات من قياداته، من ضمنهم المرشد الإيراني الذي يُمثّل قمة النظام الإيراني. وقد يكون من نتائج الحرب زيادة إيمان المواطن الإيراني بضرورة امتلاك أسلحة ردع غير تقليدية، مثل السلاح النووي، في مواجهة القوى المحيطة المعادية، وهو ما يصبّ في صالح شرعيّة النظام الإيراني في نهاية المطاف؛ فقد كان اتهام هذا النظام بالشروع في صنع الأسلحة النووية مبرراً أمريكياً للهجوم على إيران.
• تصاعد المعارضة للحرب رسمياً وشعبياً داخل الولايات المتحدة، وانخفاض شعبية الرئيس الأمريكي بين الشعب الأمريكي، وتوجيه الاتهامات له داخل قاعدته الانتخابية بالنكوث عن وعوده الانتخابية بتجنّب الحروب الخارجية.
• عجز الولايات المتحدة عن تشكيل تحالف دولي داعم للحرب على إيران، مماثل لما حدث في سنتَي 1991 و2003 في الحرب على العراق، وإعلان دول أوروبية مؤثّرة في حلف الناتو، مثل إسبانيا، مواقف صريحة رافضة للحرب. في الوقت الذي تستفيد فيه إيران من حلفائها في اليمن ولبنان والعراق، وسقوط فرضية “انهيار الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط”.
• غموض المواقف والأهداف الخليجية تجاه الحرب، واختلاف خطابات الدول الخليجية الرئيسية، يُضعف الموقف الاستراتيجي الخليجي تجاه إيران، وتجاه الولايات المتحدة و”إسرائيل” في الوقت ذاته، ومن شأن غياب موقف خليجي موحَّد أن يصب في صالح الطرف الإيراني وحلفائه.
• الضغوط المتزايدة على الاقتصاد العالمي، وعلى سلاسل توريد الطاقة العالمية، والخسائر الكبيرة التي لحقت بالاقتصادات الخليجية، مع تعرّض البنية التحتية الخليجية للقصف والتدمير، وكلها عوامل ضاغطة في سبيل وقف الحرب.
ومع ذلك، فإنّ سيناريو استمرار الحرب بدرجات متفاوتة، يحظى بفرص لا بأس بها، في ظلّ وجود قيادات متطرّفة أمريكية وإسرائيلية بروحٍ فوقية استعمارية وخلفيات دينية، وفي ظلّ الإصرار على الهيمنة على المنطقة وتطويعها، في مقابل القيادة الإيرانية ذات الخلفية الأيديولوجية، والقدرة على الصمود، واستنزاف الإسرائيليين والأمريكان على المدى الطويل. وفي ظلّ عدم وجود قواعد توافق مشتركة مستقرة وطويلة المدى. وكذلك لارتباط الملف اللبناني بالملف الإيراني.
خلاصة:
يعود التأثّر الإفريقي السلبي بالحرب على إيران، وبالصدمات العالمية والإقليمية، عموماً، إلى التبعية الاقتصادية والمالية التي تعاني منها القارة الإفريقية، والانكشاف الاقتصادي النابع من الفارق الكبير بين الواردات والصادرات الإفريقية، لصالح الواردات، وضعف الإنتاج الصناعي والتكنولوجي، وضعف التكامل الإقليمي الإفريقي، وضخامة فاتورة تسديد الديون، إلى جانب الفساد واستئثار النخب الحاكمة بالموارد في عموم الدول الإفريقية. ومع تكرار الصدمات التي تعرّضت لها القارة في السياق العالمي في السنوات الست الأخيرة (جائحة كوفيد 19، والحرب الروسية في أوكرانيا، والحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية على إيران) تفاقمت معاناة الاقتصادات الإفريقية، وزادت معاناة المواطنين الأفارقة، لذا فالتوصية الدائمة هي أن تسعى الدول الإفريقية إلى تجاوز الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تصنع واقعها الهش، وإلى تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية والأموال الساخنة، وانتهاج خطط تنموية تقوم على الإنتاج والاستدامة.
[*] باحث وأديب مصري، له عدد من الكتابات السياسيّة والفكريّة المنشورة، ومن أبرزها كتاباته المتخصّصة في الصراع – الصهيني.
| للاطلاع على تقدير الموقف بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي: >> تقدير موقف: آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على قارة إفريقيا … محمود عبده سالم |
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 9/4/2026
أضف ردا