مدة القراءة: 19 دقائق

إعداد: أ. د. وليد عبد الحي.[1] 
(خاص بمركز الزيتونة). 

مقدمة: 

شكَّلت الدراسات المستقبلية في العديد من الدول مرجعية إرشادية لكيفية التعامل مع التطورات المحتملة في ميدان العلاقات الدولية. فإلى جانب تخصيص وحدات رسمية متخصصة تصدر تقارير مستقبلية، هناك دول تخصّص مراكز دراسات مستقبلية للإسهام في ترشيد المجتمع والسلطة على حدّ سواء. فعلى سبيل المثال، نجد في الولايات المتحدة مجلس المخابرات الوطني The National Intelligence Council يُصدر تقريراً كلّ أربع سنوات لإرشاد الرئيس الجديد بالتطورات المستقبلية. وفي فنلندا توجد لجنة برلمانية معنية بموضوع المستقبل تُعرف باسم لجنة المستقبل The Committee for the Future، تُقدّم تقاريرها للبرلمان. وفي سنغافورة يستعين القادة بمركز المستقبلات الاستراتيجية The Centre for Strategic Futures. كما توجد منظمات دولية لديها وحدات للدراسات المستقبلية؛ فمثلاً تصدر وحدة الاستشراف الاستراتيجي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بالتعاون مع المفوضية الاوروبية، تقريراً سنوياً حول التطوّرات المستقبلية لعدد من الميادين المهمة في الإطار الدولي، وغير ذلك كثير.[2]


للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة علمية: العلاقات الدولية سنة 2035 من منظور خبراء الدراسات المستقبلية … أ. د. وليد عبد الحي (23 صفحة، 2.1 MB)

ويمكن اعتبار ظاهرة التسارع في التغيّرات التكنولوجية، وما يتولّد عنها من تغيّرات واسعة النطاق، إضافة إلى التعقيد الشديد والتداخل الواسع بين مختلف الميادين لمختلف الدول والمجتمعات وكلّ ما يرتبط بظاهرة العولمة، من أهم الدوافع التي تجعل إدراك الواقع الدولي في حاجة ماسّة إلى تلمّس علمي لمعطياته واستشراف آفاقه المستقبلية. ولن تتمكن أيّ دولة من التكيّف لجني أفضل النتائج أو الحدّ من الخسائر في أدنى مستوياتها دون الاعتماد على الدراسات المستقبلية.[3]

وقد حاولنا في هذه الدراسة إلقاء الضوء على أبرز التوقّعات في مجال العلاقات الدولية خلال العشرية القادمة (2035)، للتنبيه إلى ضرورة إدراك هذه المعطيات والاستعداد للتفاعل معها من خلال بناء استراتيجيات تتناسب معها، لا سيّما أنّ العالمَيْن العربي والاسلامي ما زالا، في أغلب التوجّهات، يقتصر اعتمادهما على المنهج الحدسي، مما يجعل النتائج محدودة الأثر.

وسنعمل في هذه الدراسة على رصد الاتجاه الأعظم في الدراسات المستقبلية للجوانب التالية في ميدان العلاقات الدولية، لعل صانع القرار العربي يضعها في اعتباره.[4]

أولاً: طبيعة التفاعلات المستقبلية في العلاقات الدولية:

تتوقّع الدراسات المستقبلية للعلاقات الدولية خلال العقد القادم (تقريباً 2025-2035) مشهداً لعالمٍ شديد التقلّب والتشرذم والتعدّد القطبي. كما يُرجَّح أن يتّسم بتراجع التعددية التقليدية التي قادها الغرب لصالح مراكز غير غربية. وتميل معظم هذه الدراسات إلى ترجيح اشتداد التنافس على الموارد، والاندماج السريع للذكاء الاصطناعي في الاقتصاديات والحروب، إضافة إلى احتمال حدوث “ركود ديموقراطي”، وتوطّد الكتل الجيوسياسية المتنافسة، وهي عوامل تقود كلها لتزايد خطر نشوب صراعات حادة. ويمكن توضيح هذه الأبعاد على النحو التالي:[5]

1. صعود نظام عالمي متعدّد الأقطاب ولكنه متشرذم:[6]

يتطابق شكل النظام الدولي المرجَّح في الدراسات المستقبلية خلال العقد القادم بالنموذج الذي أطلق عليه مورتون كابلان Morton Kaplan نموذج القطبية الثنائية المهلهلةThe loose Bi-polar System.[7] وتتحدّد أبرز ملامح هذا النظام في:

‌أ. تراجع الهيمنة الأمريكية: من المتوقَّع أن يتراجع النظام الذي تقوده الولايات المتحدة بشكل مضطرد، يرافق ذلك التحوّل في موازين القوى التوجّه نحو نظام أكثر توزيعاً للقوة، وهو ما يمنح القوى الوسطى والتحالفات الإقليمية نفوذاً أكبر، أي أنّ النظام الدولي سيفقد ظاهرة تركّز القوة عالمياً بشكل تدريجي ليتحوّل النظام من الثنائية المحكمة The Tight Bi-Polar System إلى الثنائية المهلهلة، مما يقود لمزيد من دور القوى الإقليمية في بنية النظام الدولي وتفاعلاته.

‌ب. ستكون الكتلتان الأبرز مكوّنة من كتلة متحالفة مع الصين وأخرى متحالفة مع الولايات المتحدة. وتتمثّل القوى المركزية في الكتلة الصينية من كتلة “الشرق العالمي”، التي تضم الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، وستخوض هذه الكتلة تحدياً للنظام الذي يقوده الغرب بشكل مباشر، بينما تعمل كتلة ثالثة وهي كتلة “الجنوب العالمي”، التي تضم دولاً لا تجمعها النزعة الإقليمية بل النزعة للعب دور الكتلة غير المنحازة، مثل الهند (في آسيا)، والبرازيل (في أمريكا اللاتينية)، والسعودية (في الشرق الأوسط).

‌ج. تُرجِّح الدراسات المستقبلية تراجعاً نسبيّاً في دور المنظمات الدولية الحكومية، مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية World Trade Organization (WTO)، وغيرها، لتصبح بشكل محدّد أقل فعالية في “تسوية” النزاعات الدولية.

وستقود كلّ هذه التحوّلات إلى نظام دولي يتراوح في بنيته على النحو التالي:


جدول رقم 1: بنية النظام الدولي سنة 2035[8]

بنية النظام النسبة المئوية للاحتمال ملاحظات
ثنائي القطبية المهلهل %64 كتلتان مركزيتان لكن مع وجود كتل إقليمية وازنة وأقل تناغماً مع الكتلتين المركزيتين
متعدّد الأقطاب %19 عدة أقطاب متقاربة القوة
ثنائي القطبية التقليدي %9 تنافس استراتيجي بين قوّتين عظميين
قطبية أحادية %8 قطب واحد بديل للولايات المتحدة
قطبية أحادية – بقاء الولايات المتحدة القطب الوحيد %0 العودة إلى ما يشبه العقد التالي لانهيار الاتحاد السوفييتي

 


2. تنامي دور الجغرافيا السياسية للندرة والتكنولوجيا:

ويتمثّل ذلك في الأبعاد التالية:

‌أ. تزايد التنافس المحموم على الموارد النادرة: من المرجّح أن يؤدّي التنافس على الموارد المادية (المعادن الحيوية، والفلزات، والمياه)، والموارد غير المادية (مواقع الأقمار الصناعية، والبيانات، وقدرات الذكاء الاصطناعي) إلى تأجيج الصراعات الدولية في مناطق هذه الموارد. كما أنّ هذه الموارد ستعزّز القدرة التفاوضية للدول التي تتوفّر فيها هذه الموارد، وهنا يلاحظ الريادة الصينية في هذا المجال.[9]

‌ب. المجال التكنولوجي: سيُحدث الذكاء الاصطناعي تحوّلاً جذرياً في التكنولوجيا العسكرية المستقبلية، محولاً إياها من أداة مساعدة إلى ركيزة أساسية في المجال الدفاعي، وهو ما يترتّب عليه السرعة في اتخاذ القرار، وتوفير أسلحة ذاتية التشغيل، ثم تطوّر كبير في مجال جمع المعلومات الاستخبارية. وتشمل أبرز التطوّرات المترتّبة على ذلك إنتاج الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية التنبؤية، والحرب السيبرانية، والاستهداف الآلي، مما يزيد من سرعة العمليات وكفاءتها. لكن ذلك سيوجِد تحديات أخلاقية واستراتيجية بالغة الأهمية فيما يتعلق بالقدرة على التحكّم البشري.[10]

‌ج. سيتزايد الانتقال إلى الفضاء وتحوّله تدريجياً إلى ساحة معركة: سيزداد احتمال تحوّل مدار الأرض إلى ساحة متنازع عليها للأقمار الصناعية العسكرية، مع مخاطر كبيرة لوقوع حوادث تُولّد حطاماً قد يُدمر البنية التحتية الحيوية للمناطق التي يصيبها. ويتجه مستقبل الحرب الفضائية نحو اعتبار الفضاء كساحة حرب حيوية ومتنازع عليها، وتشمل الاتجاهات الرئيسية المستقبلية في هذا المجال تطوير قدرات مضادة للفضاء، مثل أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، وأشعة الليزر، وتقنيات التشويش، لتعطيل أنظمة تحديد المواقع العالمية GPS وأقمار الاتصالات والمراقبة الحيوية. ومن المرجّح أن تشهد الصراعات المستقبلية أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأسراباً من الطائرات المسيّرة، وأنظمة أسلحة مدارية، وأخرى فضائية أرضية، وثالثة قمرية.[11]

3. تزايد خطر نشوب صراع كبير يرقى لدرجة الحرب العالمية:

يتوقَّع عدد كبير من الخبراء نشوب صراع بين قوى عظمى بحلول سنة 2035، قد يشمل استخدام الأسلحة النووية والقتال الفضائي، وقد تكون كلٌّ من تايوان وأوكرانيا هما محرّكا هذا التوقّع. فمن المرجح أن تحاول الصين الاستيلاء على تايوان بالقوّة خلال العقد القادم، بينما يُتوقَّع أن تُواصل روسيا أو تُجمّد صراعها مع أوكرانيا بما يخدم مصالحها، وهو ما قد يدفع القوى الغربية، خصوصاً أوروبا، إلى المواجهة. وتُقدِّر هذه الدراسات احتمالات التحوّل من مستوى الصراع المحدود الأطراف الى حرب عالمية، أو حرب كبرى بين القوى القطبية، بين 27% و40%.[12]

4. الانتشار النووي:

يُشير الاتجاه الأعظم في الموضوع النووي إلى أنّ الانتشار النووي يتزايد؛ فخلال الفترة 1945-2025، أي خلال ثمانين عاماً، ارتفع عدد الدول النووية من دولة واحدة إلى تسع دول نووية مؤكدة، أي بزيادة دولة كلّ أقل من عقد واحد، وهو ما يعزّز الشعور باتّساع أعضاء النادي النووي. ومن الدول المرشّحة للانضمام كلُّ من إيران واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.[13]

5. التحوّلات في القوّة الاقتصادية والبيئية:

تتمثّل ملامح ذلك في:

‌أ. تتّسم العلاقات الدولية المعاصرة بقدر من تنامي النزعة البراجماتية، مبتعدةً عن القيم الديموقراطية المشتركة نحو تعاون غير ليبرالي أو مدفوع بالمصالح الوطنية في كثير من الحالات، وهو انعكاس لتراجع التوجه الديموقراطي في النظم السياسية.[14]

‌ب. احتمالات تزايد موجات النزوح الناتج عن تغيّرات المناخ: يُعدُّ تغيُّر المناخ أكبر تهديد للازدهار العالمي، إذ يُسبّب هجرة جماعية ويُضاعف الصراعات على الرغم من أنّه قد يدفع إلى تعاون عالمي عابر إلى حين التغلّب على مظاهر التغيّر المناخي والعودة لترتيب العلاقات تحت وطأة ما تركه التغير المناخي.[15]

6. التفتّت الاقتصادي:

يميل تيار واسع من الدراسات المستقبلية إلى توقّع يخالف طموحات تيار العولمة في مدى السنوات العشر القادمة. فمن المتوقّع أن يتباطأ النمو العالمي في بداية الفترة من 2026/2027 بسبب تزايد سياسات الحمائية التجارية، واتّساع سياسات فرض العقوبات لدوافع سياسية، وكلّ ذلك يقود إلى اشتداد النزعة الإقليمية لسلاسل التوريد، مما يعزّز دور الكتل الإقليمية، ويُهدّد تطوّر الصناعات المهمّة. كما أنّ التوجُّهات نحو الإقليمية، وإعادة التوطين، أو غيرها من أشكال التراجع عن العولمة، تُهدّد الجوانب المتشابكة للاقتصاد الحديث.[16]

7. التحوّل إلى الحرب الهجينة:

تُرجِّح الدراسات المستقبلية أنّ الحروب القادمة ستعرف تزايداً تدريجياً في الحروب الهجينة، إذ ستمزج التهديدات في العقد القادم بين الحرب السيبرانية وعمليات المعلومات والضغوط الاقتصادية والحرب التقليدية.[17]

8. زيادة الإنفاق الدفاعي:

وصل الإنفاق العسكري العالمي إلى أعلى مستوى له منذ الحرب الباردة، وهو اتجاه من المتوقّع أن يستمر مع إعطاء الدول الأولوية لأنظمة القتال الآلية وغير المأهولة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي. وبلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.7 تريليون دولار سنة 2024، وفقاً لـ”معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI)”، ومن المتوقَّع أن يصل إلى 6.6 تريليون دولار بحلول سنة 2035 إذا استمرت الاتجاهات الحالية. ويُشكِّل هذا التحويل الهائل للموارد تهديداً خطيراً لمستقبل البشرية، إذ يُقوّض “السلام” والتنمية المستدامَيْن بحلول سنة 2030. ويبلغ العجز التمويلي السنوي لأهداف التنمية المستدامة حالياً 4 تريليونات دولار، وقد يتّسع إلى 6.4 تريليون دولار في السنوات القادمة. ولا يقتصر الأمر على زيادة الإنفاق العسكري العالمي من حيث القيمة المطلقة، بل تتزايد نسبته إلى إجمالي الناتج المحلي في الاقتصاد العالمي أيضاً؛ فمنذ سنة 2022، ارتفع الإنفاق العسكري من 2.2% إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومن 6.6% إلى 7.1% من ميزانيات الحكومات. واللافت للنظر أنّ أكثر من 100 دولة زادت إنفاقها العسكري في سنة 2024 وحدها، وهو ما يضيف إلى مشكلات العالم مظاهر أخرى، مثل تناقص المساعدات الانمائية، وتزايد حجم الديون العالمية، وتراجع الخدمات الصحية، خصوصاً مع احتمال تزايد الكوارث البيئية.[18]

9. التحديد الزمني للكوارث البيئية:

بعد التراجع الامريكي عن الالتزام ببرامج اتفاقية باريس الدولية للمناخ Paris Climate Agreement في كانون الثاني/ يناير 2026، فإنّ مواجهة التغيّر المناخي وتداعياته ستزداد صعوبة خلال الفترة القادمة سواء في المدى القصير (1-3 أعوام) والمدى الطويل (4-10 أعوام). ويوضح الجدول التالي طبيعة التفاعلات، طبقاً للبنية الواردة في جدول رقم 2:[19]


جدول رقم 2: احتمالات وقوع كوارث بيئية على المستوى العالمي

الاحتمال المناخي قصير المدى (1-3 أعوام) طويل المدى (من 4-10 أعوام) ملاحظات
عاصف %5 %17 كوارث مناخية عالمية تلوح في الأفق
مضطرب %31 %45 تزايد الاضطراب
غير مستقر نسبياً %52 %30 كوارث متوسطة الحدة
مستقر %11 %8 اضطرابات معزولة، خطر منخفض للكوارث العالمية
هادئ %1 %0 خطر ضئيل للكوارث العالمية

 


10. المخاطر الإقليمية:

تتباين أقاليم العالم الرئيسية وعددها ثمانية أقاليم من حيث الهموم الأمنية لكل منها، على النحو التالي:[20]

‌أ. الأقاليم السبعة التي ستكون اهتماماتها مرتبطة بالبيئة والمناخ هي: شرق آسيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية، وجنوب شرق آسيا، وجنوب آسيا، وجنوب الصحراء الإفريقية.

‌ب. ينفرد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في همومه الأمنية بمخاطر التجسّس السيبراني، والحروب، ولجم الآثار السلبية المترتبة على الذكاء الاصطناعي.

‌ج. تشير كافة المؤشرات الخاصة بمستويات النزعة الحربية مقابل النزعة السلمية إلى تزايد تغليب النزوع غير السلمي في الفترة القادمة، وهو ما يتّضح في مؤشرات الوضع الدولي التالية:[21]

· تراجع متوسط مستوى “السلام” في دول العالم بنسبة 0.36% خلال سنة 2025. وبدأ هذا التراجع منذ سنة 2019.

· عرفت 74 دولة تحسناً في معدل “السلام” مقابل تراجعاً في 87 دولة خلال سنة 2024، وخلال الفترة 2008-2024 تراجع معدل “السلام” في 97 دولة، وهو ما يشير إلى اتساع دائرة عدم الاستقرار الدولي.

· من بين 23 مؤشراً فرعياً لقياس مؤشّر السلام العالمي Global Peace Index (GPI)، تحسّن ثمانية مؤشرات، وتراجع 13، بينما لم يتغيّر معدل المؤشِّرَين الآخرين. وكان مؤشّر “النزاعات الخارجية” هو الأسوأ، إضافة إلى مؤشرات “الوفيات الناجمة عن النزاعات الداخلية”، و”مؤشر الإنفاق العسكري”، و”واردات الأسلحة”.

· عدد الدول التي شاركت بقدر ما في شكل من أشكال النزاعات الخارجية خلال الفترة 2019-2024 ما مجموعه 98 دولة، أي بزيادة عن عدد الدول المشاركة سنة 2008 بما مجموعه 29 دولة.

· سجّلت نسبة الإنفاق العسكري إلى الناتج المحلي الإجمالي زيادة في 84 دولة سنة 2024 مقارنة بـ 50 دولة سنة 2008.

· تشهد أوروبا تصاعداً في التوترات الاجتماعية وتراجعاً في ثقة الجمهور بمؤسّساتها. ويؤدي إعادة تخصيص الأموال العامة من التوظيف والرعاية الصحية والتعليم نحو الدفاع إلى زيادة خطر تفاقم هذه التوترات.

· يكمن التحدي الدفاعي الحقيقي لأوروبا في غياب التكامل العسكري، فعلى الرغم من تفوّق القوات الأوروبية مجتمعةً على روسيا، فإنفاقها العسكري يقارب أربعة أضعاف الإنفاق الروسي، إلا أنّ القوات الأوروبية تعاني من التشتّت، وهو ما قد يعزّز بعض المشكلات الأمنية في أوروبا.

ثانياً: الاتجاه الأعظم في العلاقات الدولية:

استناداً إلى 23 مؤشراً رئيسياً لقياس مستوى الاستقرار العالمي خلال الفترة 2008-2025، تبيّن ما يلي:[22]

1. تدهور الاستقرار العالمي على مدى السنوات الـ 17 الماضية، وتميّز ذلك بـزيادة كبيرة في عدم الاستقرار السياسي، وعدد النزاعات وشدّتها، والوفيات الناجمة عنها، وتزايد التشرذم الجيوسياسي.

2. تستمر الفجوة بين الدول الأكثر سلاماً والأقل سلاماً في الاتّساع، حيث اتّسعت فجوة “عدم المساواة في السلام” بنسبة 11.7% خلال العقدَيْن الماضيَيْن. ويتّضح ذلك في تدهور وضع “السلام” في الدول الـ 25 الأكثر سلاماً بنسبة 0.5% من ناحية، بينما تدهور في الدول الأقل سلاماً بنسبة 12.2% من ناحية أخرى. وحيث إنّ قياس معدل “السلام” يستند إلى ثلاثة مؤشرات، فقد تدهور مجالان منهما منذ سنة 2008، وهما “النزاعات المستمرة” و”الأمن والسلامة” بنسبة 17.5% و2.5%، على التوالي، بينما لم يشهد مجال “العسكرة”، المؤشّر الثالث، تحسّناً إلا بنسبة 2.7%. مع التنبه إلى أنّ هذا المؤشّر بدأ يتراجع خلال الفترة 2020-2025، حيث تواجه العديد من الدول عدداً متزايداً من التهديدات، وتتصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي نظراً لتزايد انخراط الدول الخارجية في النزاعات الأهلية. كما يُلاحظ ارتفاع “الوفيات الناجمة عن النزاعات الداخلية” بمعدل 438% خلال فترة القياس 2008-2025.

3. أسهم التنافس على مبيعات الأسلحة والسباق على التسلّح في زيادة التوتر الدولي، وهو ما عمّم “فخ ثوسيديدس”[23] داخل الأقاليم الجيوسياسية وبينها. فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستوى قياسياً قدره 2.7 تريليون دولار في سنة 2024، بزيادة قدرها 9% عن السنة السابقة، مدفوعاً بشكل كبير بنزاعات عديدة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا…إلخ.

4. مؤشّر النزوح القسري: تشير المعطيات المتوفّرة إلى وجود أكثر من 122 مليون شخص نزحوا قسراً، وهو ما انعكس على البنية الديموجرافية لبعض البلدان. فهناك الآن 17 دولة يشكّل فيها اللاجئون أو النازحون داخلياً أكثر من 5% من السكان. وتدلّ البيانات على تزايد خطي linear في نسبة النزوح القسري خلال فترة القياس، يصل إلى أكثر من 185% منذ سنة 2008 حتى الآن، وهو ما سيزيد الإرهاق الاقتصادي للدول المستقبلة لموجات النزوح، ناهيك عن زيادة احتمالات الاحتقان الاجتماعي وتحوّله للعنف.

5. لعبت التكنولوجيا دوراً مهماً في زيادة تأجيج العنف الاجتماعي في العالم، فقد أدّى التطوّر في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي إلى توسيع دائرة الاحتجاجات والتعبئة الجماهيرية. وخلال فترة القياس، تزايد “العنف الاجتماعي violent demonstrations” في 109 دول، بينما لم يتحسّن إلا في 23 دولة.

6. يُعدّ الركود الاقتصادي العالمي، وتزايد الديون، وتوظيف الترابط الاقتصادي كسلاح عبر الحروب التجارية والنزعة الحمائية في المجال التجاري، من العوامل الرئيسية التي تُشكّل المشهد الاقتصادي الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين. ولعل استقرار التجارة العالمية عند نسبة مئوية تصل إلى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال العقد الماضي، يشير إلى تراجع واضح عند مقارنته بالفترة 1990-2000.

ثالثاً: تداعيات المشهد الدولي القائم:

لا تدعو المؤشرات سابقة الذكر إلى التفاؤل بمستوى أمني أفضل في العلاقات الدولية، فهناك 59 نزاعاً مشتعلاً، وهناك نمطان من النزاعات مستقبلاً، إضافة للنزاعات القائمة فعلاً، هي:[24]

1. نزاعات كامنة قابلة للانفجار بنسبة عالية، مثل:

‌أ. تتصدر كشمير بؤر التوتر هذه، حيث ما تزال التوترات بين الهند وباكستان على مستوى خطير. وقد أدّى هجوم وقع في نيسان/ أبريل 2025 إلى تصعيد كبير في الأعمال العدائية، ما دفع الدولتين النوويتين إلى حافة حرب مفتوحة. ويُجسّد الوضع في كشمير هشاشة اتفاقيات وقف إطلاق النار في بيئات جيوسياسية متقلّبة، ويؤكّد على المخاطر التي تُشكّلها الجهات الفاعلة غير الحكومية القادرة على إشعال أزمات دولية.

‌ب. جنوب السودان، وهي دولة أخرى معرّضة بشدّة لخطر التصعيد، فما تزال تعاني من العنف العرقي، وتفكّك الميليشيات، والمظالم السياسية العالقة. وعلى الرغم من “اتفاقية السلام” لسنة 2018، فإنّ الفشل في إرساء حكم فعّال ودمج الفصائل المتنافسة يُبقي البلاد عالقة في دوّامات العنف. ويشير “مؤشر السلام العالمي” إلى أنّ جنوب السودان من أكثر الدول هشاشة في العالم، حيث تسجّل هذه الدولة باستمرار درجات منخفضة في جميع ركائز “السلام” الإيجابي.

‌ج ما تزال الأوضاع متوترة بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التوترات بعد نزاع تيجراي، واستمرار النزاعات حول المناطق الحدودية والسيطرة السياسية، في ظلّ سعي إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، علناً للوصول إلى البحر الأحمر. وعلى الرغم من انخفاض حدّة العمليات القتالية واسعة النطاق، إلا أنّ الوضع ما يزال متقلّباً وغير قابل للتنبؤ. ويشير “مؤشر السلام العالمي” إلى أنّ كِلا البلدين معرّضان لخطر تجدّد العنف واسع النطاق نتيجةً للمظالم التاريخية العالقة، والانقسامات العرقية، وعدم الاستقرار الاقتصادي.

‌د. أمّا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فتتأجّج ديناميكيات الصراع بسبب انتشار الجماعات المسلّحة وضعف الحكم المركزي. ويسجّل “مؤشر السلام العالمي” أكثر من 8,400 حالة وفاة مرتبطة بالصراع في سنة 2023 وحدها، مع تركّز عدم الاستقرار في المقاطعات الشرقية. وعلى الرغم من ثراء جمهورية الكونغو الديموقراطية بالموارد، إلا أنّها تعاني من هشاشة مؤسّسيّة وغياب سلطة الدولة لفترة طويلة في العديد من المناطق، مما يُفاقم انعدام الأمن والأزمات الإنسانية. ويبدو أنّ اتفاق “سلام” بين رواندا وجمهورية الكونغو الديموقراطية بات وشيكاً، إلا أنّ احتمال تصعيد الصراع في شرق البلاد إلى مناطق أخرى ما يزال قائماً.

‌هـ. ما تزال سورية بؤرة تصعيد، على الرغم من سقوط نظام الأسد. فقد أدّت المرحلة الانتقالية إلى ظهور خطوط صدع سياسية وعسكرية جديدة، وزادت المصالح المتضاربة بين الفصائل المحلية والقوى الإقليمية والجهات الفاعلة العالمية من تعقيد عملية “السلام”. وما تزال البلاد تحتل مرتبة متدنية في “مؤشر السلام العالمي”، مع استمرار العنف وتدهور الوضع الأمني.

‌و. ما تزال منطقة الساحل الإفريقي، الممتدة في معظمها جنوب دول المغرب العربي (تشاد، والنيجر، ومالي، وبوركينا فاسو)، من المناطق المرشّحة لعدم استقرار واسع قد يمتد إلى شمالها وجنوبها. فإلى جانب التنافس الدولي، تبدو مؤشّرات عدم الاستقرار فيها تتزايد بسبب انتشار التنظيمات المسلّحة، وتدفّق الأسلحة، وتداعيات الضغوط البيئية…إلخ، وهو ما يجعل من “نظرية الدومينو Domino” نظرية قابلة للتطبيق، إذ يمكن للصراع في دولة ما أن يمتد بسهولة إلى الدول المجاورة نظراً للتشابك القبلي والديني، وضعف البنى الاقتصادية، والاستبداد والعسكرة، ناهيك عن دور القوى الخارجية، مما يُؤدي إلى تفجير أزمات إقليمية.

‌ز. تايوان: تتفق أغلب الدراسات المتخصّصة على أنّ الصين لن تنتظر طويلاً لحسم استرجاع تايوان لها وضمّها، بغضّ النظر عن التكييف والشكل الدستوري للضم،[25] وهو ما قد يغيّر المشهد في شرق آسيا. وتتمثّل أهم العوامل المحدّدة للسلوك الصيني في مدى اعتماد تايوان اقتصادياً على الصين، ومستوى الضغوط الداخلية في الصين للتحرّك نحو الضم، ومستوى التعهّد الأمريكي بحماية تايوان، ومستوى القدرة العسكرية الصينية للإقدام على الضم القسري، وأخيراً قوة النزعة الاستقلالية التايوانية.

2. الحروب شبه الدائمة:

يُشير مؤشّر التقدمّ العالمي 2025 إلى أنّ 9% فقط من الصراعات حالياً تُفضي إلى نصر عسكري حاسم، و4% فقط تنتهي بتسويات تفاوضية، وهو ما يعني أنّ 87% من النزاعات قابلة للانفجار ثانية خصوصاً في ظلّ أي تغيّر في موازين القوى، وهو ما يؤسّس للتحوّل الأوسع نحو “حروب شبه دائمة أو متجددة” أو أن تأخذ نمط الصراعات منخفضة الحدة لكنها طويلة الأمد وتُقاوم استراتيجيات الحل التقليدية.

3. التغيُّر في الأطراف الوسيطة لتسوية النزاعات الدولية:

يبدو أنّ الشرق الأوسط سيعرف تنامياً في الدور الأوروبي في تسويات نزاعاته، نظراً لانعكاسات الآثار السلبية لهذه الصراعات على الاتحاد الاوروبي أكثر من غيره.[26]

4 الانتشار النووي لدى بعض الدول:[27]

إلى جانب الدول النووية التسع المعروفة (الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والهند، وباكستان، وكوريا الشمالية، والصين، و”إسرائيل”) هناك ستّ دول توجد أسلحة نووية على أراضيها (إيطاليا، وتركيا، وبلجيكا، وألمانيا، وهولندا، وبيلاروسيا). كما توجد دول تتوافر لها الركائز الأساسية للوصول إلى إنتاج السلاح النووي، ويبلغ عددها نحو ثماني دول (إيران، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكندا، وألمانيا، وتايوان، وجنوب إفريقيا، والبرازيل).[28]

ويُشكّل البرنامج النووي الإيراني أكثر البرامج إشكالية في الوقت الحالي، لكن النظرة المستقبلية بخصوص النزوع الإيراني نحو خيار التسلّح النووي توحي بما يلي:[29]

‌أ. احتمال ألا تتخطّى إيران سلمية مشروعها النووي، ومن مؤشّرات ذلك:

· الفتوى الدينية.

· لا تبدو الصين وروسيا مؤيّدتين لإيران نووية.

· استبعاد تحوّل تركيا لدولة نووية بسبب عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) North Atlantic Treaty Organization (NATO)، وتوقيعها على معاهدة عدم الانتشار، ولوجود أسلحة نووية على أراضيها تابعة للناتو.

‌ب. احتمال التخطّي وتزايد النزوع نحو التسلّح النووي، وتتحكّم فيه مجموعة من المتغيّرات:

· تصاعد التهديد الخارجي، خصوصاً من “إسرائيل” والولايات المتحدة.

· تغيّر النظام لا يعني بالضرورة التحوّل عن النزوع للتسلّح النووي.

· التنافس بين القوى الكبرى على التسويق النووي، حتى السلمي منه.

· احتمالات تطوّر الحرب الأوكرانية إلى تهديد نووي.

· تنامي الطموح الكوري الشمالي.

· تزايد التحوّل نحو الطاقة النووية السلمية، سييسّر النزوع لتطويرها.

· احتمالات حصول تنظيمات مسلّحة على أسلحة دمار شامل.

رابعاً: آليات ضبط النزاعات:

إنّ تنامي دور الكتل الإقليمية كميكانيزم (آلية) تكيّفي لتخفيف تأثير نموذج شبكة العنكبوت (العولمة)، ناتج عن تآكل الثقة في الوصول لحكومة عالمية أو تنامي دور الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الحكومية في تسوية المنازعات، وهو ما دفع باتجاه الاعتماد على التكتلات الإقليمية بكل ما لذلك من تداعيات جيواستراتيجية على المستوى العالمي، وهو ما يقود إلى عودة المنظور الواقعي للعلاقات الدولية ولكن بركن جديد هو الكتل الإقليمية على حساب الدولة القومية بحدودها التقليدية.[30]

سيظل الاختلاف المجتمعي سمةً أساسيةً للحياة السياسية. وما يزال تقاسم السلطة يمثّل وسيلةً لبناء “السلام” داخل المجتمعات المنقسمة، إلا أنّ نجاحه مرهون بمشاركة وسطاء خارجيين قادرين على العمل كمعرقلين أو وسطاء. علاوةً على ذلك، فإنّ تطوير المؤسسات وتطبيقها لا يكفي لإرساء “سلام” دائم؛ بل يجب إيلاء المزيد من الاهتمام لأوجه عدم المساواة والتطورات المحلية. أمّا البُعد الخارجي فهناك عوامل تحدّد دور الطرف الخارجي في ضبط النزاعات:[31]

1. تفتّت الدول: نتيجة الصراع على السلطة أو نشاط الهويات الفرعية،…إلخ.

2. انتشار الفاعلين غير الحكوميين (المحليين والوطنيين والعابرين للحدود).

3. مدى تزايد النفوذ الإقليمي للجهات الدولية، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر.

إنّ عجز القادة عن تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيهم يُضعف الدولة من الداخل ويدفعها إلى حافة الانهيار، كما أنّ تدفّق اللاجئين وطالبي اللجوء يكفي لإثارة ضغوط على الدول الأجنبية التي تستقبل هذه الأعداد الهائلة من الفارين، وهو ما قد يدفع الديموقراطيات الليبرالية لمنع تفكّك الدول المتشرذمة كوسيلة لاستباق أيّ أزمة قد تقع على حدودها.

خامساً: مستقبل مصادر الطاقة:[32]

يُعدّ توافر النفط من منطقة الخليج أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على اقتصاد عالمي قوي وتعزيز نموّه. ويُشكّل توافر هذا النفط بشكل متواصل وغير مقيّد، بما يضمن توزيعه بسلاسة على الأسواق العالمية، هاجساً بالغ الأهمية للحفاظ على الاستقرار، ويشمل ذلك دول منطقة الخليج والدول المستوردة للنفط عالمياً. ويُعدّ التركيز على الأسواق والمؤسّسات أنسب لضمان إمدادات نفطية موثوقة.

وسيؤدي وجود نظام إمبراطوري وانقسام عبر الأطلسي حتماً إلى فجوة مجزأة في سلسلة قيمة إمدادات النفط في منطقة الخليج. ولردم هذه الفجوة، لا بدّ من وجود رابط قوي مع نواة فعّالة. ويُعدّ اتباع نهج استباقي، بدلاً من الهجوم الاستباقي، الأنسب لضمان أمن إمدادات الطاقة. ويُعدّ ضمان أمن إمدادات النفط أمراً بالغ الأهمية، ومن الضروري مكافحة “التطرّف” و”الإرهاب” لتحقيق هذا الهدف. ولا يكفي الاعتماد حصرياً على وكالات الأمم المتحدة وأساليبها لمعالجة جميع قضايا أمن إمدادات النفط في منطقة الخليج بفعالية.

وتقترح إحدى الدراسات تطوير توازن داخلي للقوة كخطوة احترازية بين الإيرانيين والعرب والإسرائيليين، بدعم من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية والمنظمات التي تتخذ من منطقة آسيا والمحيط الهادئ مقراً لها، سواء كانت قائمة مسبقاً أم تمّ تأسيسها حديثاً. غير أن ذلك لا يبدو أمراً عملياً، إذ يجدر التنبه إلى أنّ حصة البترول من الطاقة العالمية تتناقص تدريجياً، وأنّ منطقة الشرق الأوسط هي الأعلى في مستوى عدم الاستقرار، ممّا يُعزّز احتمالات تواصل الاضطراب ويزيد إشكالية البترول العربي. ولعل حرب آذار/ مارس 2026 بين إيران وكلّ من “إسرائيل” والولايات المتحدة دليل واضح على ذلك، ناهيك عن ضغوط جماعات البيئة التي تحاول إحلال النفط ببدائل أقل تلويثاً.

سادساً: القضية الفلسطينية:

منذ أن تحوّلت نماذج دراسة العلاقات الدولية من نموذج كرة البلياردو Billiard ball model، حيث لا تؤثّر حركة دولة ما على الدول الأخرى إلّا بقدر يسير ومحدود، إلى نموذج شبكة العنكبوتCob Web ، حيث التأثير المتبادل والسريع بين أي حدث في أيّ دولة والدول الأخرى بفعل الترابط الشديد الذي تصنعه العولمة، من المؤكد أنّ أيّاً من التحوّلات التي أشرنا إليها (سياسية، وعسكرية، واجتماعية، واقتصادية، وبيئية)، سواء على المستويات المحلية أم الإقليمية أم الدولية، ستنعكس على القضية الفلسطينية سلباً وإيجاباً. لكنّ الدراسات المستقبلية في اتجاهها الغالب يشير إلى أنّ أبرز ملامح الوضع في الشرق الأوسط سيكون على النحو التالي حتى سنة 2035:[33]

1. المستوى الإقليمي:

· اتّساع التجسّس الإلكتروني والحروب الإلكترونية في الشرق الأوسط.

· تزايد مخاطر الذكاء الاصطناعي على الأفراد والمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.

· استمرار عدم الاستقرار السياسي من خلال الحروب البينية والأهلية.

· تناقص في الموارد الطبيعية.

· مخاطر بيئية بكل ما يترتّب عليها.

2. على المستوى الفلسطيني:

· بقاء الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 يصل إلى 62.5%.

· تطبيع العلاقات السعودية – الإسرائيلية بنسبة 56%.

· الانخراط في حرب أخرى مع إيران بعد حرب سنة 2026 هو بنسبة 36.4%.

· قيام دولة فلسطينية بنسبة 17.1%.

· إقامة علاقات ديبلوماسية بين إيران و”إسرائيل” بنسبة 9.4%.

سابعاً: منهجيّة دراسة المستقبل الفلسطيني في ضوء النتائج:

لكي نتجاوز التفكير الحدسي والتفكير الرغائبي، من الضروري اعتماد تقنيات الدراسات المستقبلية بخطوات منهجية لتحديد مستقبل القضية الفلسطينية، من خلال تقنية دلفي Delphi بمراحلها الخمس، ثم تقنية مصفوفة التأثير المتبادل لتحديد المحركات Drivers التي تتحكّم في مسار المشهد، ثم وضع تلك المحركات في دولاب المستقبل Futures wheels لتتبّع تداعيات كلّ محرّك. وهو ما يتضح في الجدول التالي:


جدول رقم 3: مصفوفة التأثير المتبادل لتعقيدات مستقبل القضية الفلسطينية[34]

  النظام القطبي ندرة المواد النادرة التطوّر التكنولوجي حرب عالمية انتشار نووي تحوّلات اقتصادية كلي وجزئي تحوّلات بيئيّة النزعة الإقليميّة الإنفاق الدفاعي عدم الاستقرار السياسي
النظام القطبي *
ندرة المواد النادرة *
التطور التكنولوجي *
حرب عالمية *
انتشار نووي *
تحولات اقتصادية كل وجزئي *
تحولات بيئية *
النزعة الاقليمية *
الانفاق الدفاعي *
عدم الاستقرار السياسي *

 


لذا، من الضروري التفكير في فريق بحث متكامل، للشروع في دراسة المستقبل الفلسطيني استناداً إلى منهجية المصفوفة المشار إليها، واضعين في الاعتبار المشهد العام الدولي الذي أشرنا لتفاصيله، وكيف سينعكس على المشروع الفلسطيني.


[1] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.
[2] Anne Pordes Bowers and Peter Glenday, Effective foresight by governments: an international view, site of Medium, 14/7/2021, https://medium.com/soifutures/effective-foresight-by-governments-an-international-view-8bb496d0c62c
[3] Ibid.
[4] سنقتصر التناول على النتائج دون الخوض في التقنيات المنهجية المعتمدة من هذه الدراسات في الاستشراف.
[5] The Global Risks Report 2025: 20th Edition (Geneva: World Economic Forum, 2025), https://reports.weforum.org/docs/WEF_Global_Risks_Report_2025.pdf; and Mary Kate Aylward et al., Welcome to 2035: What the world could look like in ten years, according to more than 350 experts, site of Atlantic Council, 12/2/2025, https://www.atlanticcouncil.org/content-series/atlantic-council-strategy-paper-series/welcome-to-2035/
[6] ثمة بعض التباين في التنبؤات في هذا الجانب، لكن الاتجاه الأعظم يشير إلى القطبية المهلهلة، لمزيد من التفاصيل انظر:
Although projections in this domain exhibit some variation, the dominant trend points toward a form of fluid or “loose” multipolarity. For further discussion, see AA Dynkin and E A Telegina, “Globalization and the World Order in the New Realities of the Post-COVID World,” Herald of the Russian Academy of Sciences journal, vol. 91, no. 4, 14/9/2021, pp. 414–418, https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8438280/; Mathew Burrows, “Global Risks 2035 Update: Decline or New Renaissance?,” Atlantic Council, 30/10/2019, https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/report/global-risks-2035-update/; Mathew Burrows, Global Risks 2035 Update: Decline or New Renaissance?, Atlantic Council, 30/10/2019, https://www.atlanticcouncil.org/wp-content/uploads/2019/10/Global-Risks-2035-Update.pdf; Angel Saz-Carranza et al., “The Future(s) of global governance: A scenarios exercise,” Global Policy journal, vol. 15, no. 1, 3/11/2023, pp. 149-165, https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/1758-5899.13295; Richard Maher, “Bipolarity and the Future of US-China Relations: U.S.-China Bipolarity,” Political Science Quarterly journal, vol. 133, no. 3, 2018, pp. 497–525, https://www.researchgate.net/publication/327757395_Bipolarity_and_the_Future_of_US-China_Relations_US-CHINA_BIPOLARITY; Mary Kate Aylward et al., Welcome to 2035: What the world could look like in ten years, according to more than 350 experts, Atlantic Council, 12/2/2025; Yan Xuetong, Emerging Bipolarity in the Current Global Order,” site of China-US Focus, 16/5/2023, https://www.chinausfocus.com/foreign-policy/emerging-bipolarity-in-the-current-global-order; and Mathew Burrows, Global Risks 2035: The Search for a New Normal (Washington DC: Atlantic Council, 2016), https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/report/global-risks-2035
[7] للتفاصيل حول أنماط النظام الدولي الستة التي طرحها مورتون كابلان، انظر: جيمس دورتي وبروبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبد الحي (الكويت: كاظمة للنشر والتوزيع، 1985)، ص 128-131.
[8] Michael Brecher and Jonathan Wilkenfeld, A Study of Crisis (Ann Arbor: The University of Michigan Press, 1997), p. 155.
[9] Rare Earths Reserves: Top 8 Countries, site of Vinachem, 13/8/2023, https://www.vinachem.com.vn/content/market-and-product-vnc/rare-earths-reserves-top-8-countries.html
[10] Sebastian Clapp, Defence and artificial intelligence, European Parliamentary Research Service, site of European Parliament, April 2025, https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2025/769580/EPRS_BRI(2025)769580_EN.pdf
[11] Charles Beames, What the War in Ukraine Reveals About the Future of Space Warfare, site of Forbes magazine, 11/7/2025, https://www.forbes.com/sites/charlesbeames/2025/07/11/what-the-war-in-ukraine-reveals-about-the-future-of-space-warfare/
[12] Mary Kate Aylward et al., Welcome to 2035: What the world could look like in ten years, according to more than 350 experts, Atlantic Council, 12/2/2025; and Greg Heilman, World War III? What global experts are starting to say out loud, site of AS USA, 1/3/2026, https://en.as.com/latest_news/world-war-iii-what-global-experts-are-starting-to-say-out-loud-f202603-n/
[13] Mary Kate Aylward et al., Welcome to 2035: What the world could look like in ten years, according to more than 350 experts, Atlantic Council, 12/2/2025.
[14] EIU’s 2024 Democracy Index: trend of global democratic decline and strengthening authoritarianism continues through 2024, site of The Economist Intelligence Unit, 27/2/2025, https://www.eiu.com/n/democracy-index-2024/
[15] Climate and Environmental Migration, site of Migration Data Portal, 2024, https://www.migrationdataportal.org/themes/environmental-migration
[16] Protectionism Is Failing to Achieve Its Goals and Threatens the Future of Critical Industries, site of World Bank, 29/8/2023, https://www.worldbank.org/en/news/feature/2023/08/29/protectionism-is-failing-to-achieve-its-goals-and-threatens-the-future-of-critical-industries
[17] Frank Hoffman, Colonel Matt Neumeyer and Benjamin Jensen, Future of Hybrid Warfare, site of Center for Strategic and International Studies (CSIS), 8/7/2024, https://www.csis.org/analysis/future-hybrid-warfare; and Raphael Cohen et al., The Future of Warfare in 2030: Project Overview and Conclusions (Santa Monica: RAND Corporation, 2020), https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/research_reports/RR2800/RR2849z1/RAND_RR2849z1.pdf
[18] Record military spending threatens global peace and development, new UN report warns, site of United Nations Development Programme (UNDP), 9/9/2025, https://www.undp.org/press-releases/record-military-spending-threatens-global-peace-and-development-new-un-report-warns
[19] The Global Risks Report 2025: 20th Edition.
[20] Ibid.
[21] Global Peace Index 2025: Identifying and Measuring the Factors that Drive Peace, site of Institute for Economics & Peace, June 2025, https://www.economicsandpeace.org/wp-content/uploads/2025/06/GPI-2025-web.pdf
[22] Ibid.
[23] فخ ثوسيديديس يشير إلى الخوف المتبادل بين الدول من تنامي قوة إحدهما، وهو نموذج بدأ مع ثوسيديديس في تحليل العلاقة بين إسبارطة وأثينيا اليونانيتين.
[24] Top 10 Crises the World Can’t Ignore in 2025, site of International Rescue Committee (IRC), 11/12/2024, https://www.rescue.org/article/top-10-crises-world-cant-ignore-2025; Top 10 Crises the World Can’t Ignore in 2026, IRC, 16/12/2025, https://www.rescue.org/article/top-10-crises-world-cant-ignore-2026; 10 Conflicts to Watch in 2025, site of International Crisis Group, 1/1/2025, https://www.crisisgroup.org/cmt/global/10-conflicts-watch-2025; and Sarah Stimson Karis, Turning Point or Tipping Point? The Future of Global Stability, site of Global Governance Forum, 3/4/2025, https://globalgovernanceforum.org/turning-point-tipping-point-future-global-stability/
[25] انظر التفاصيل:
Tuomo Kuosa, Max Stucki and Henrik Södergrann, Three scenarios on the future of Taiwan-China relations, site of Futures Platform, 15/12/2023, https://www.futuresplatform.com/blog/scenarios-taiwan-china-relations-conflict; and Jean Hoffman, “Taiwan Trap: New Stories Needed Rethinking Taiwan and China Futures,” Journal of Futures Studies, vol. 21, no. 4, June 2017, pp.1–18, https://jfsdigital.org/wp-content/uploads/2017/07/J1.pdf
[26] Samuele Abrami and Francesc Fàbregues, The Future of the Middle East: Understanding Conflict, Building Peace, CIDOB Briefings 65, site of Barcelona Centre for International Affairs (CIDOB), 5/5/2025, https://www.cidob.org/sites/default/files/2025-05/65_CIDOB%20BRIEFINGS_ANG_0.pdf; and Tarek Megerisi, ““Our Sea”: Europe’s Role in Mediterranean Security,” in Galip Dalay and Yahya Zoubir, The Future of the Mediterranean (dis)Order, Dossier, February 2025, https://mecouncil.org/publication/the-future-of-the-middle-eastern-disorder/
[27] Which Countries have Nuclear Weapons, site of International Campaign to Abolish Nuclear Weapons (ICAN), https://www.icanw.org/nuclear_arsenals
[28] Micha Tomkiewic, Israel, North Korea, and “Threshold States,” 16/7/2025, https://climatechangefork.blog.brooklyn.edu/2025/07/16/israel-north-korea-and-threshold-states/
[29] Asmeret Asghedom (ed.), The Nuclear Future of the Middle East (Livermore, CA: Center for Global Security Research, 2025), https://cgsr.llnl.gov/sites/cgsr/files/2025-01/occasional-paper-nuclear-middle-east_0.pdf; and Gary Ackerman and Michelle Jacome, “WMD Terrorism: The Once and Future Threat,” PRISM journal, vol. 7, no. 3, May 2018, pp. 22–36, https://ndupress.ndu.edu/Media/News/News-Article-View/Article/1983566/wmd-terrorism-the-once-and-future-threat/
[30] Louise Fawcett, “The Changing Regional Faces of Peace: Toward a New Multilateralism?” Contemporary Security Policy journal, vol. 46, no. 2, 2025, pp. 372–401, https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13523260.2025.2460130
[31] The Middle East in 2050, site of Sectarianism, Proxies and De-sectarianisation (SEPAD), 1/6/2021, https://www.sepad.org.uk/files/documents/The%20Middle%20East%20in%202050%20-%20Formatted.pdf
[32] Huma Bilal and Ali Shan Shah, “Middle Eastern Energy Security: A Study of Threats and Countermeasures,” Journal of Development and Social Sciences, vol. 5, no. 3, Jul-Sep 2024, pp. 360–367, https://www.researchgate.net/publication/395853743_Middle_Eastern_Energy_Security_A_Study_of_Threats_and_Countermeasures
[33] Mary Kate Aylward et al., Welcome to 2035: What the world could look like in ten years, according to more than 350 experts, Atlantic Council, 12/2/2025.
[34] لمزيد من التفاصيل حول مراحل بناء هذه المنهجية، انظر: وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي (أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2007)، ص 44-116.

للاطلاع على الورقة العلمية بصيغة بي دي أف، اضغط على الرابط التالي:
>> ورقة علمية: العلاقات الدولية سنة 2035 من منظور خبراء الدراسات المستقبلية … أ. د. وليد عبد الحي (23 صفحة، 2.1 MB)

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 1/4/2026



جميع إصدارات ومنشورات المركز تعبّر عن رأي كتّابها ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات



المزيد من الأوراق العلمية: