معلومات النشر :
العنوان: التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2008.
تحرير: د. محسن محمد صالح.
الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت.
عدد الصفحات: 336 صفحة.
تاريخ الصدور: الطبعة الأولى، حزيران/ يونيو 2009.
 

مقدمة:
يصدر التقرير الاستراتيجي الفلسطيني سنوياً عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت. وهو مركز دراسات مستقل، يهتم بالدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، ويولي تركيزاً خاصاً على الشأن الفلسطيني. وللمركز هيئة استشارية من كبار الباحثين والخبراء.

ويعالج التقرير الاستراتيجي، الذي قام بتحريره د. محسن محمد صالح (الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينية والمدير العام للمركز)، القضية الفلسطينية خلال سنة 2008 بالرصد والاستقراء والتحليل. ويدرس الأوضاع الفلسطينية الداخلية، والمؤشرات السكانية والاقتصادية الفلسطينية، والأرض والمقدسات، ويناقش العلاقات الفلسطينية العربية والإسلامية والدولية، كما يناقش الوضع الإسرائيلي وعمليات المقاومة ومسار التسوية. والتقرير موثق علمياً ومدعّم بعشرات الجداول والإحصائيات والرسوم التوضيحية. وقد جاء تقرير هذا العام في 336 صفحة.

وقد شارك في كتابة التقرير مجموعة من المتخصصين، هم أ.د. أحمد سعيد نوفل، وخليل التفكجي، وعبد الحميد الكيالي، وأ.د. عبد الله الأحسن، وعبد الله نجار، ود.عماد جاد، ود. طلال عتريسي، ود. محسن صالح، ود. محمد نورالدين، وأ.د. وليد عبد الحي، وشارك في مراجعته أ.د. أنيس صايغ، وأحمد خليفة، ومنير شفيق، ود. بشير نافع، ووليد محمد علي.


الوضع الفلسطيني الداخلي: البوصلة المفقودة والشرعيات المنقوصة:

اتّسم الوضع الفلسطيني الداخلي خلال سنة 2008 باستمرار الانقسام وتكريسه بين حركتي فتح وحماس وحكومتي رام الله وغزة، ولم يكن هذا الانقسام مجرد صراع على السلطة، بل كان انعكاساً لخلاف سياسي عميق، واختلافاً بين رؤيتين في طريقة تناول المشروع الوطني، لم تتمكنا حتى الآن من التوافق على قضايا جوهرية مرتبطة بمساري التسوية والمقاومة، وبالاعتراف بـ”إسرائيل” و”حقها” في الأرض المحتلة سنة 1948، وقد يطول الأمر بانتظار أن تتوافق الرؤيتان أو أن يُحسم الأمر لأحدهما.

من جهتها، تابعت حكومة تسيير الأعمال برئاسة سلام فياض عملها في إدارة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بدعم من الرئيس عباس، وبغطاء ضمني (وربما على مضض) من حركة فتح، مستفيدة من الاعتراف العربي والدولي بها. وتناغمت حكومة فياض مع اتفاقات أوسلو واستحقاقات خريطة الطريق، وأعادت التنسيق الأمني مع “إسرائيل”، وفتحت للجنرال الأمريكي كيث دايتون Keith Dayton المجال لما يسمى “تطوير وبناء” أجهزتها الأمنية، بما يتوافق واستحقاقات خريطة الطريق ومتطلبات الدور الأمني لإدارة الحكم الذاتي، فكفَّت يد الفلسطينيين، ولاحقت المقاومة؛ لكنها لم تنجح في الحصول على أدنى تعهد من الإسرائيليين بكفّ أيديهم عن الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهويد والاعتقالات والاغتيالات.

أما حكومة إسماعيل هنية وحماس في قطاع غزة فقد عاشت بين خيارين: إما الحصار والموت البطيء، أو السقوط والتهميش وربما الاجتثاث إذا ما قدِّر لبرنامج أوسلو وخريطة الطريق أن تعود لإدارة القطاع. وسلكت دهاليز سنة 2008 بين الاستعداد العسكري لمواجهة العدوان الإسرائيلي المتوقع، وبين ثقل المسؤولية إزاء حياة الناس وتوفير حياة كريمة لهم. ولم تكن حكومة هنية وحماس ترى في تنازلها عن إدارة القطاع مجرد عملية سياسية اعتيادية،  فقد ارتأت في الحصار الاقتصادي والسياسي وسيلة لكسر الإرادة والتركيع، وفرض الشروط الإسرائيلية والأمريكية على الشعب الفلسطيني. وكان نجاحها يتمثل في قدرتها على البقاء في ظروف تكاد تكون مستحيلة، ويدفع ثمنها، حصاراً ودماراً، نحو مليون ونصف فلسطيني. وكان استمرارها في التسلح والإعداد لمواجهة الاجتياح الإسرائيلي، دليلاً على إصرارها على الصمود، وإنجاح خطّ المقاومة الذي تتبناه.

وعلى الرغم من القتل والدمار الذي أحدثته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (27/12/2008-18/1/2009)، إلا أن صمود المقاومة وبسالتها، وحنكة وصلابة قيادتها، والتفاف الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية وحتى العالمية معها، وانتصارها في معركة “كسر الإرادات”، من خلال إفشالها الهجوم الإسرائيلي؛ كل ذلك جاء رافعة شعبية وسياسية وإعلامية لحماس وحكومتها ولتيار المقاومة. وأسهم في إيجاد حالة إحباط لدى الأعداء والخصوم من إمكانية إسقاط حماس واجتثاثها، ودفع باتجاه الحوار لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. وهو حوار ما تزال العديد من عوامل تعطيل إنجاحه قائمة في المدى المنظور، مما يستدعي إصراراً كبيراً، ومسؤولية عالية، وتقديماً للمصالح العليا للشعب الفلسطيني على الضغوط الخارجية، وعلى المصالح الشخصية والحزبية.

من جهة أخرى، مثّلت “الشرعيات” الفلسطينية نماذج شرعية منقوصة، بالنسبة لبعضها بعضاً وبالنسبة للعالم الخارجي، سواء أكانت شرعية حكومة سلام فياض، أم حكومة إسماعيل هنية. ومع نهاية سنة 2008 أصبحت شرعية الرئيس عباس نفسه محط تساؤل، إذ إن حماس التي كانت تعترف به رئيساً، اعتبرت أن ولايته تنتهي في 8/1/2009؛ وهو ما عقّد الوضع الداخلي الفلسطيني، وإن كانت حماس فضلت ألا تدخل في مرحلة “كسر عظم” جديدة، بسبب الظروف التي رافقت العدوان الإسرائيلي على القطاع، وبسبب أجواء المصالحة الوطنية التي تلته. أما منظمة التحرير الفلسطينية فإن مؤسساتها التنفيذية والتشريعية، بما في ذلك لجنتها التنفيذية ومجلسها المركزي ومجلسها الوطني تعاني من انتهاء مددها القانونية منذ نحو عشر سنوات، ومن أنها لم تعد تعكس حقيقة الواقع الفلسطيني ولا القوى الفلسطينية الموجودة على الأرض. وتشير أزمة “الشرعيات” هذه بوضوح إلى مدى الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، ووضع ذلك على رأس أولويات العمل الوطني.

وأدى “فقدان الاتجاه” و”ضياع البوصلة” في قيادة المسار الوطني الفلسطيني، وتعارض برنامجي وأسلوبي القيادة في رام الله وغزة، إلى محصلة “صفرية” أو سلبية، جعلت المشروع الوطني الفلسطيني يدور حول ذاته. كما أن حالة “التيه” التي عانى منها الوضع الداخلي الفلسطيني طوال سنة 2008 ألقت بظلالها على الحوار بين فتح وحماس. ومن الناحية العملية فإن الاشتراطات الإسرائيلية والأمريكية وضعت سقفاً مسبقاً لنتائج أي حوار فلسطيني لا تؤدي نتائجه “لالتزام” حماس بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير وقبول الشرعيات التي قبلتها. وكان المعنى الضمني لاشتراط إقامة حكومة ترفع الحصار هو الاستجابة لتلك الالتزامات. وبالتالي أصبح الإسرائيليون والأمريكيون حاضرين في صناعة القرار الفلسطيني ولو لم يكونوا حاضرين لجلسات الحوار. وهكذا، فإن جوهر الأمر كان في الإجابة عن سؤال متعلق بمدى استعداد الفلسطينيين لتحمل التكاليف الناتجة عن التعبير الحرّ عن اختيارهم وإرادتهم وإصرارهم على حقوقهم التاريخية والمشروعة، أم بتقديم تنازلات مرتبطة بقراءة “واقعية” لموازين القوى والإمكانات المتاحة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولذلك، فقد تشهد سنة 2009 مزيداً من جلسات الحوار، غير أنها ستظل تفتقد لشروط النجاح طالما لم يتم الاتفاق على القواعد الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني، وعلى أولوياته ومساراته، وعلى مظلة واحد للفلسطينيين تسع الجميع، ويحتكم إليها الجميع، والتي من المفترض أن تكون منظمة التحرير بعد إصلاحها وإعادة بناء مؤسساتها.

من جهتها، لم تنجح حركة فتح، على الرغم من المحاولات الجادة، في عقد مؤتمرها السادس بعد 19 عاماً من الانتظار، وظلّت تعيش أزمتها الداخلية التي نقلتها معها إلى السنة التالية، والتي ستظلّ فيها عناصر التأجيل والتعطيل فاعلة خلال سنة 2009، ما لم تتحقق معادلة “سحرية” تتعامل مع الاعتبارات السابقة، وتراعي مصالح اللاعبين الكبار والتيارات الفاعلة في الحركة.

المشهد الإسرائيلي الفلسطيني:
شهد الوضع الداخلي الإسرائيلي في سنة 2008 تغييراً بارزاً في هرم القيادة السياسية، حيث دفعت فضائح الفساد المالي رئيس حزب كاديما الحاكم ورئيس الوزراء إيهود أولمرت إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، وانتُخبت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني خليفةً له، غير أنها لم تنجح في تشكيل ائتلاف حكومي جديد، مما دفع باتجاه انتخابات تشريعية مبكرة مطلع سنة 2009، وقد أثبتت تلك الانتخابات تزايد شعبية قوى اليمين الإسرائيلي بقيادة حزب الليكود، انسجاماً مع ما أظهرته استطلاعات الرأي العام خلال سنة 2008. وهو ما يعني مزيداً من التعثر في مسار التسوية السلمية، ومزيداً من مشاريع الاستيطان والتهويد، والضغط على الفلسطينيين.

وبالانتقال إلى المؤشرات السكانية، بلغ عدد سكان “إسرائيل” وفق الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية في نهاية سنة 2008 نحو سبعة ملايين و370 ألفاً، من بينهم خمسة ملايين و570 ألف يهودي، يشكلون ما نسبته 75.5%، ونحو مليون و490 ألف عربي، بما في ذلك سكان القدس الشرقية والجولان، أي ما نسبته 20.2%، بينما لم يصرّح نحو 320 ألفاً، أي ما نسبته 4.3%، عن ديانتهم. ويقيم نحو 500 ألف مستوطن يهودي في الضفة الغربية، بما في ذلك شرقي القدس؛ التي يبلغ عدد مستوطنيها اليهود حوالي 190 ألفاً.

وقد استمر منحنى الهجرة اليهودية في التراجع ليصل عدد المهاجرين إلى “إسرائيل” إلى نحو 14 ألفاً سنة 2008، مما يعني أن الهجرة في هذه السنة انخفضت بنسبة 30.5% عن سنة 2007، والتي بلغ عدد المهاجرين فيها نحو 20 ألفاً. وعلى ما يظهر، فسوف يستمر المنحنى السلبي للهجرة اليهودية في سنة 2009، وسوف يتجاوز عدد المهاجرين من “إسرائيل” عدد المهاجرين إليها، وذلك بسبب نضوب مصادر الهجرة اليهودية، وتفاقم المشاكل الاقتصادية والأمنية فيها.

وعلى المستوى الاقتصادي، شهدت سنة 2008 نمواً في الاقتصاد الإسرائيلي بلغ 6.3%، وناتجاً محلياً بلغ 199.5 مليار دولار، وارتفع دخل الفرد الإسرائيلي إلى 27,300 دولار سنة 2008، بعد أن كان 22,800 دولار سنة 2007. وبقيت أمريكا الشريك التجاري الأول لـ”إسرائيل”، حيث بلغت الصادرات الإسرائيلية إليها حوالي 20 مليار دولار (33% من مجمل الصادرات). وقد بدت آثار الأزمة الاقتصادية العالمية واضحةً في الاقتصاد الإسرائيلي نهاية سنة 2008، وتمثلت في التراجع الحاد للصادرات وعائدات الضرائب، فضلاً عن تراجع كبير في الاستهلاك الخاص. كما أدت الأزمة إلى توقف معدلات التوظيف عن الارتفاع، ومقابل ذلك فقد تدنت الأجور، وارتفعت مستويات البطالة.

وعلى المستوى العسكري، بقيت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية سنة 2008 تعيش تداعيات حربها على لبنان في صيف 2006؛ ففي مطلع العام قدمت لجنة فينوغراد تقريرها النهائي حول أحداث هذه الحرب. وحاولت المؤسسة العسكرية استخراج مجموعة الدروس والعبر من حرب لبنان الثانية، التي جعلت النظريات العسكرية الإسرائيلية وأساليب الأداء الميداني موضع مراجعة، وواصلت في هذا السياق تنفيذها خطة تيفين 2012. وأنفقت “إسرائيل” نحو 14 مليار دولار على ميزانيتها العسكرية في سنة 2008، كما تابعت تجهيزها لاحتمالات حرب ضدّ حزب الله، وسورية، وقطاع غزة، فضلاً عن احتمالات مشاركتها في ضرب المشروع النووي الإيراني.

وشهدت نهاية سنة 2008 عدواناً إسرائيلياً واسعاً على قطاع غزة تحت اسم “الرصاص المصبوب”، بدا محاولةً إسرائيلية لاسترداد “قوة ردع” المؤسسة العسكرية، التي تضررت بشكل كبير، إثر حربها الأخيرة على لبنان. وتواصل هذا العدوان 22 يوماً، وأسفر عن سقوط 1,334 شهيداً، بينهم 417 طفلاً، و108 نساء، و120 مسناً، و14 من العاملين في الطواقم الطبية. وبلغ عدد الجرحى 5,450، نصفهم من الأطفال. غير أن الصمود البطولي للمقاومة أفشل العدوان الإسرائيلي وأجبره على الانسحاب، وكشف عن مَواطن ثغرات جديدة في بنية الجيش الإسرائيلي وأدائه. وهو ما سيدفع الإسرائيليين للتفكير مرات كثيرة قبل تكرار عدوان مماثل على القطاع، ولذلك فقد تنتهي سنة 2009 دون عدوان شامل جديد، إذا ما استمرت المعطيات الحالية على ما هي عليه.
وقد استفادت “إسرائيل” من استمرار الانقسام الفلسطيني في متابعة عدوانها على الشعب الفلسطيني. في حين اتسمت عمليات المقاومة الفلسطينية في سنة 2008 بطبيعة دفاعية، وذلك على غرار السنة التي سبقتها، مع استمرار تركيزها على إطلاق الصواريخ التي تحسنت دقتها وازداد مداها. وشهد منتصف سنة 2008 تهدئة في قطاع غزة، استمرت لمدة ستة أشهر، بين فصائل المقاومة و”إسرائيل”. غير أن الدولة العبرية خرقت هذه التهدئة عشرات المرات، وتوجت هذه الخروقات بعدوانها على غزة نهاية العام. وفضلاً عن تشديد الحصار، والعدوان على قطاع غزة، فقد تابعت القوات الإسرائيلية احتلالها للضفة الغربية، وعززت في سنة 2008 من التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية.

وبلغ مجموع الشهداء الذين سقطوا سنة 2008 برصاص قوات الاحتلال ونيرانه 910 فلسطينيين، من بينهم 844 في قطاع غزة، و66 في الضفة الغربية بما في ذلك القدس. في حين قُتل  31 إسرائيلياً نتيجة عمليات نفذها فلسطينيون، يضاف إليهم 13 إسرائيلياً آخرين، بينهم عشرة جنود، اعترفت “إسرائيل” بمقتلهم خلال العدوان على غزة في نهاية السنة.

وحيال الموقف الإسرائيلي من الوضع الفلسطيني الداخلي فلم تختلف الخطوط العامة لهذا الموقف خلال سنة 2008، بشكل جوهري، عما كانت عليه في السنة التي سبقتها. ويعود ذلك في الأساس إلى استمرار الظروف الموضوعية التي وجهت السياسة الإسرائيلية على المستوى الفلسطيني، وأبرزها استمرار الانقسام السياسي الفلسطيني وتعمقه، واستمرار حركة حماس في حكمها لقطاع غزة، وجمود مسار التسوية السياسية حول قضايا الحل النهائي مع السلطة الفلسطينية.

وعلى الرغم من الأحاديث المتكررة عن التسوية السياسية في سنة 2008، والجدل حول إمكانية تطبيق رؤية الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن قيام الدولة الفلسطينية قبل انتهاء العام الذي تنتهي معه ولايته الثانية، إلا أن السنة انتهت دون إحراز أي اختراق في مسار التسوية؛ فضلاً عن صعود قوى اليمين الإسرائيلي التي تعارض مبدأ حل الدولتين.

القضية الفلسطينية والعالم العربي:
تميزت سنة 2008 باستمرار العجز العربي الرسمي، وعدم التأثير على مجريات أحداث القضية الفلسطينية، من فكّ الحصار وفتح المعابر في قطاع غزة، إلى الفشل في الضغط على “إسرائيل” لتوافق على مبادرة السلام العربية، ووقف الاستيطان، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، التي كان الرئيس السابق جورج بوش قد وعد بقيامها قبل نهاية العام، وانتهاء بالتدخل لتحقيق المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس. ولا شك أن العلاقات العربية – العربية قد أثرت وتأثرت بالخلافات بين فتح وحماس، وانعكس ذلك على ما يُعرف بمعسكري “الاعتدال” و”الممانعة”.

وانتهت سنة 2008 بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي كشف قصور النظام العربي وانقسامه، وعجزه عن مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، وعن الدفاع عن الفلسطينيين، وتقديم بعض الدول لاعتبارات النفوذ الأمريكي، والتزاماتها تجاه “إسرائيل”، على أولويات الأمن القومي العربي، ومسؤولياتها تجاه فلسطين. في الوقت الذي توحدت فيه الجماهير العربية خلف المقاومة، بعد أن أثبتت الأخيرة قدرتها على التعامل بكفاءة وفعالية وصلابة، على الرغم من قلة إمكاناتها، مع العدوان الإسرائيلي.

كانت مصر اللاعب الرئيسي في علاقتها مع القضية الفلسطينية في سنة 2008 ومطلع سنة 2009، فقد تعاملت مع حركة حماس وتبعات الحصار على قطاع غزة وإغلاق معبر رفح، ومع مسار التسوية والسلطة الفلسطينية، والوساطة بين فتح وحماس، والتهدئة بين حماس و”إسرائيل”، ومن العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة. وهذا يشير إلى مدى شعورها بوجود عبء أو “مشكلة” اسمها حماس تحكم بجوارها؛ مما جعلها تظهر وكأنها تدعم تيار السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح ضدّ تيار حماس. وأثّر ذلك على دورها كوسيط حاولت أن تلعبه على جبهتين؛ الأولى: بين المنظمات الفلسطينية، وبالذات بين حماس في قطاع غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله. والثانية: بين حماس و”إسرائيل”، لتحقيق التهدئة وإنجاز صفقة تبادل الأسرى بينهما.

أما الموقف الأردني من القضية الفلسطينية فقد شهد تطوراً مهماً في سنة 2008، إذ أعاد الأردن اتصالاته ولأول مرة مع قيادات في حركة حماس، بعد انقطاع دام حوالي تسع سنوات. كما شهدت نهاية السنة تناغماً بين الموقف الرسمي والشعبي من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والسماح للاحتجاجات والمظاهرات، والدعم المطلق للمقاومة في القطاع، وللصمود البطولي للمواطنين الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، استمر الأردن بدعم مسار التسوية واتباع سياسة دول الاعتدال العربي من السلطة الفلسطينية، وانتقاد ممارسات “إسرائيل” في الضفة الغربية وقطاع غزة، والمشاريع الإسرائيلية الداعية إلى ما أطلق عليه “البديل الأردني” على الصعيدين الرسمي والشعبي.

من جهتها، قادت سورية معسكر الممانعة الداعم للمقاومة الفلسطينية مقابل معسكر الاعتدال العربي، وظهر ذلك خلال مؤتمر القمة العربي الذي عقد في دمشق، وقاطعته بعض الدول العربية الرافضة للموقف السوري. وتعاملت مع حركة حماس، التي تقيم قيادتها في سورية، على اعتبار أنها أقرب إليها من حركة فتح والسلطة الفلسطينية، لكنها سعت إلى أن تبدو على مسافة واحدة من فتح وحماس، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإنهاء الانقسام، ووحدة الصف الفلسطيني.

وفي لبنان، استمرت معاناة اللاجئين الفلسطينيين، كما استمر حرمانهم من التمتع بالعديد من حقوقهم المدنية، وبقي هاجس توطين الفلسطينيين حاضراً في تعامل مختلف الأطياف السياسية اللبنانية مع الملف الفلسطيني. وانعكس التعامل مع ملفات المخيمات، بما فيها ملف إعمار مخيم نهر البارد، من الزاوية الأمنية سلباً على الحالة الإنسانية للاجئين الفلسطينيين. فعلى الرغم من تنفيذ مخططات الإعمار من قبل وكالة الأونروا، وتعهد الجهات المانحة بتمويل مشروع إعادة الإعمار، إلا أن القرار السياسي لهذه القضية ما زال عالقاً، وهو ما يثير مخاوف لدى الفلسطينيين من وجود عناصر معوقة في مؤسسة القرار اللبناني، لا تزال راغبة في استمرار الضغوط على الفلسطينيين، بشكل يستهدف إضعاف وجودهم في لبنان.

أما السعودية فقد حاولت أن تقف على الحياد في الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية، ودعت باستمرار إلى ضرورة تحقيق المصالحة الوطنية بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس. ووقفت في المقابل مع الدول التي سميت بدول الاعتدال، واكتفت بتمثيل منخفض في مؤتمر القمة العربي الذي عقد في دمشق، ولم تشارك في مؤتمر الدوحة الذي عقد من أجل دعم قطاع غزة. كما أكدت على المبادرة العربية للسلام، إلا أنها هددت أنه في حال عدم موافقة “إسرائيل” على المبادرة كما هي من دون تعديل، ستضطر الدول العربية لمراجعة خياراتها.

وبالنسبة للتطورات في مجال تطبيع العلاقات بين الدول العربية و”إسرائيل”، فقد بقي الأمر محصوراً في أضيق الحدود مع الدول التي وقعت اتفاقيات السلام مع “إسرائيل” كمصر والأردن، ودول عربية أخرى أقامت علاقات محدودة معها كموريتانيا مثلاً.

ومن الواضح أن علل النظام العربي ومشاكله لا توحي باحتمال حدوث أية تغييرات جادة أو نوعية في سلوك البلدان العربية تجاه القضية الفلسطينية خلال سنة 2009.

القضية الفلسطينية والعالم الإسلامي:
حافظ موقف دول العالم الإسلامي خلال سنة 2008 بشكل عام على الوتيرة نفسها فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية، حيث استمرت المواقف والتصريحات المتعاطفة مع الشعب الفلسطيني، والرافضة للانتهاكات الإسرائيلية بحقه، إلا أن التفاعل مع القضية على الصعيد السياسي والاقتصادي بقي دون المستوى المطلوب، وفشلت تلك الدول مجدداً في امتلاك أدوات التأثير فيما يتعلق بوقف العدوان على القطاع، أو كسر الحصار الإسرائيلي المفروض عليه، أو حتى في إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني.

فلم يسجل أي إنجاز يذكر لمنظمة المؤتمر الإسلامي للشعب الفلسطيني خلال سنة 2008، وخصوصاً فيما يتعلق برفع الحصار عن القطاع وفتح معبر رفح، على الرغم من مواظبتها على التعبير عن قلقها تجاه الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وإدانتها لمختلف الانتهاكات الإسرائيلية. ولأن المنظمة تمثّل القاسم المشترك لنحو 56 بلداً إسلامياً بتناقضاتها السياسية والاقتصادية والأيديولوجية، فإن قدرتها على التحرك كجسد واحد فاعل كانت ضئيلة إلى حدِّ بعيد.

أما تركيا فقد حافظت على موقفها في مساندة الشعب الفلسطيني على المستويين الرسمي والشعبي، وقد تزايد هذا الدعم بقوة إثر العدوان الإسرائيلي على غزة في نهاية سنة 2008، وتسبب في توتر كبير في العلاقة مع “إسرائيل”، وردود فعل تركية غاضبة جداً على الممارسات الإسرائيلية. ولكن على الرغم من ذلك، يمكن القول إن العلاقات التركية – الإسرائيلية سوف تبقى جيدة نسبياً، بسبب المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية التي ما زالت تجمع بين الطرفين. وظلّت تركيا تمثّل أكبر شريك تجاري مسلم مع “إسرائيل”، حيث بلغت صادراتها إلى “إسرائيل” خلال سنة 2008 حوالي 1.83 مليار دولار، فيما بلغت وارداتها من “إسرائيل” حوالي 1.62 مليار دولار.  على الرغم من أن الطرف التركي يتجه تحت قيادة حزب العدالة والتنمية نحو مزيد من الاستقلالية، وإلى الاستغناء التدريجي عن علاقاته بـ”إسرائيل”، مع الاتجاه نحو تطوير علاقاته شرقاً مع العالم العربي والإسلامي.

ومن جهتها، واصلت إيران دعم حركة حماس، وحركات المقاومة، والتأكيد على شرعية المقاومة واستمرارها، والمطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، منتقدة الحكومة المصرية لاستمرارها في إغلاق معبر رفح؛ مما أعاد التوتر الشديد في العلاقات بين البلدين. كما امتدت الانتقادات الإيرانية إلى بعض الدول العربية التي “تشارك” في حصار غزة أو تصمت عما يجري لها، وارتفعت حدّتها مع بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في نهاية سنة 2008.

وبالنسبة لباكستان، لم تكن هناك تغيرات تُذكر فيما يتعلق بسلوكها تجاه القضية الفلسطينية؛ حيث كان هناك انشغال بالشأن الداخلي المليء بالاضطرابات، وأبرزها استقالة الرئيس برويز مشرف، التي علّق عليها بعض كتاب الأعمدة في الصحافة الإسرائيلية بأنه مع استقالته خسرت “إسرائيل” صديقاً حقيقياً في العالم الإسلامي. فيما واصلت كل من إندونيسيا وماليزيا التعبير بشكل مستمر عن دعمها للفلسطينيين، ولكن دون تسجيل أي تطورات عملية مميزة تجاههم.

وبشكل عام، لم تنجح “إسرائيل” في تحقيق أية اختراقات في العالم الإسلامي خلال سنة 2008، وأظهر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مدى تفاعل الشعوب الإسلامية مع القضية الفلسطينية، وكانت التظاهرات والاعتصامات وحملات جمع التبرعات بعض المؤشرات على مركزية هذه القضية في الوجدان الإسلامي. كما أظهرت الطاقات الهائلة المذخورة في العالم الإسلامي، والتي لم يستفد منها الفلسطينيون حتى الآن بالشكل الأنسب لدعم قضيتهم ونيل حقوقهم، وهو أمر يظهر أنه ما زال متأثراً بالانقسام الفلسطيني.

القضية الفلسطينية والوضع الدولي:
كان هناك عدد من العوامل التي دفعت باتجاه وقوع القضية الفلسطينية في حالة “ركود نسبي” على المستوى الدولي في سنة 2008، وخصوصاً من جهة الولايات المتحدة. فقد انشغلت أمريكا بانتخابات الرئاسة وما رافقها من حملات انتخابية محمومة، كما انشغلت بالأزمة المالية الكبرى وتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. واستنفدت الكثير من جهودها لحلحلة أوضاعها في المستنقعين العراقي والأفغاني. ولكن على الرغم من هذه الانشغالات، فقد نشطت إدارة بوش نسبياً، وقياساً بالسنوات السابقة، بمحاولة إحداث اختراق في مسار التسوية، حيث إن أي نجاح في هذا المجال كان سيعزز فرص الجمهوريين الانتخابية، ولذلك كثرت زيارات وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس وغيرها للمنطقة، والتي بلغت لرايس ثمان مرات خلال سنة 2008.

ومن جهة أخرى، فإن الانقسام الفلسطيني، وعدم مقدرة الرئيس أبي مازن وحكومة السلطة في رام الله على تقديم إجابات مقنعة بإمكانية التحدث باسم الفلسطينيين، والمضي قدماً في عقد اتفاقيات تسوية يقبلها الفلسطينيون وتكون قابلة للتنفيذ، كان عنصراً سلبياً في عدم تشجّع الدول الكبرى والمؤثرة في الدفع الجاد بمسيرة التسوية. ثم إن وقوع حكومة حماس في قطاع غزة تحت الحصار ودخولها في تهدئة لمدة ستة أشهر، قد أسهم في خفض حالة التوتر، ودفع القوى الدولية للانشغال بملفات أخرى، بانتظار ظروف أفضل للتسوية يكون فيها حكم حماس قد ضعف أو سقط.

وفي المقابل، كانت هناك بعض الظروف والأحداث التي أعادت القضية إلى مستوى الاهتمام العالمي كاختراق الفلسطينيين لمعبر رفح، وعملية تبادل الأسرى بين حزب الله و”إسرائيل”، وعمليات التهويد وهدم المنازل، التي أثارت انتقادات بعض الدول الأوروبية مثل سويسرا، والعدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة في نهاية السنة، والذي شغل العالم كله.

وكان انتخاب أوباما دليلاً على فشل سياسة إدارة بوش في الشرق الأوسط، غير أن آليات صناعة القرار المعقدة في الولايات المتحدة، وطبيعة الفريق الذي شكّله أوباما للتعامل مع الملف الفلسطيني وملفات المنطقة، وسلوكه في الأشهر الأولى للحكم، لا توحي بإمكان حدوث تغييرات جدية في السياسة الأمريكية، تؤدي للضغط على “إسرائيل” بما يكفي لتحصيل الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، على الرغم من وجود لهجة أمريكية أكثر إيجابية وأكثر تفهّماً للقضايا العربية والإسلامية.

الأرض والمقدسات:
واصلت السلطات الإسرائيلية تطبيق سياستها الهادفة لتهويد مدينة القدس بوتيرة متسارعة خلال سنة 2008، وخاصة في البلدة القديمة. وفي إطار هذه السياسة، صادقت اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء التابعة لبلدية القدس على مخطط لتوسيع ساحة النساء في ساحة البراق المجاورة لباب المغاربة، وأُعلن عن عطاءات ومخططات جديدة لبناء الآلاف من الوحدات الاستيطانية الجديدة، داخل حدود بلدية القدس أو حولها. كما أُعلن عن مخطط يهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية، خاصة البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك والأماكن والمقدسات المسيحية، وتحويلها إلى مرجعية وإدارة إسرائيلية تتولى الإشراف عليها وعلى ما يسمى بـ”الحوض المقدس”. وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت بلدية القدس عبر الناطق باسمها، ولأول مرة منذ سنة 1967، بأنها ستقوم ببناء 31,990 وحدة استيطانية بالقدس، ضمن مشروعها في إحداث تغيير سكاني للصالح الإسرائيلي.

وشهدت سنة 2008 ارتفاعاً واضحاً في وتيرة الحفريات تحت المسجد الأقصى، التي تسببت في طوال السنوات الماضية، وما زالت، بانهيارات وتشققات لمباني البلدة القديمة. من بينها انهيار وقع في منتصف شهر شباط/ فبراير 2008 بالقرب من سبيل قايتباي، داخل ساحات المسجد الأقصى، وتشققات واسعة كُشِف عنها في بيوت المقدسيين الواقعة بيوتهم في المنطقة نفسها. كما أن الحزام العمراني العربي الممتد من وادي حلوة جنوب الأقصى مروراً بحائط البراق ووصولاً إلى الجهة الشمالية الغربية من سور الأقصى، بكل ما فيه من آثار وأبنية ومقدسات، أصبح مهدداً بانهيار حقيقي في أي لحظة، جراء الحفريات التي ما زالت قائمة في هذه المناطق.

وفي خطوة تهدف لتقليص أعداد السكان العرب في مدينة القدس، أجرت الحكومة الإسرائيلية إحصاء سكانياً لوضع سياسة جديدة تجاه السكان العرب، رافقته سياسة هدم المنازل المتبعة لتهجير السكان، حيث هُدم 72 منزلاً في المدينة خلال سنة 2008. كما بدأت السلطات الإسرائيلية بأكبر عملية تطهير عرقي حول القدس، تستهدف البدو المقيمين في تلك المنطقة، حيث يوجد في منطقة القدس وحدها حوالي 7,500 بدوي من عرب الجهالين والكعابنة المنتشرين على تلال القدس الشمالية والشرقية والغربية، وتنوي سلطات الاحتلال ترحيلهم منها.

كما استمرت الحكومة الإسرائيلية في بناء جدار الفصل العنصري، حيث تمّ خلال سنة 2008 بناء نحو 12 كم من الجدار، تضاف إلى 490 كم كان قد تمّ استكمالهها حتى بداية سنة 2008. وبلغت نسبة السكان المعزولين عن الأراضي الزراعية بسبب الجدار 12.4%، أي نحو 300 ألف فلسطيني من أبناء الضفة الغربية، أما نسبة السكان المعزولين غربي الجدار عن باقي الضفة الغربية، فقد وصلت 10.6%، أي نحو 256 ألف فلسطيني. كما وصل مجموع الأراضي المقتطعة من الضفة الغربية جراء الاستيطان وجدار الفصل العنصري إلى نحو 2,703 كم2، أي ما نسبته 46% من مساحة الضفة الغربية.

وواصلت “إسرائيل” كذلك سياستها فيما يتعلق بالتوسع الاستيطاني، حيث تسارعت وتيرة بناء المستوطنات وتوسيعها خلال سنة 2008، وأظهرت المعطيات أن البناء في المستوطنات ارتفع بنسبة 80% في الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى أيار/ مايو 2008، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2007، كما ارتفع عدد المناقصات في المستوطنات بنسبة 550%. وقد تمّ خلال سنة 2008 بناء نحو  3,515 وحدة استيطانية، ليبلغ بذلك عدد المستوطنين في الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس الشرقية، نحو نصف مليون مستوطن.

كما استمر نهب “إسرائيل” لمياه الضفة الغربية واستغلالها في تطوير مستوطناتها. ويأتي ذلك في حين أنه من المتوقع أن يعاني أكثر من 400 ألف فلسطيني نقصاً في المياه خلال السنوات الخمسة المقبلة، بنحو 80 مليون متر مكعب في مياه الشرب، و20 مليوناً في الزراعة، و30 مليوناً في السياحة والصناعة. ويتوقع أن يصل العجز المائي سنة 2010 نحو 280 مليون متر مكعب، وهو ما يشير إلى أزمة مائية حقيقة تنتظر الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

المؤشرات السكانية الفلسطينية:
أشارت التقديرات المنقحة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد الفلسطنيين في العالم قُدّر في نهاية سنة 2008 بحوالي 10 ملايين و602 ألف نسمة، أكثر من نصفهم (51.9%)، أي خمسة ملايين ونصف، يعيشون في الشتات. والباقي، أي خمسة ملايين ومائة ألف، يقيمون في فلسطين التاريخية، ويتوزعون على حوالي ثلاثة ملايين و878 ألفاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحوالي مليون و215 ألف نسمة في الأراضي المحتلة سنة 1948.

أما في الأردن، فقد قُدّر عدد الفلسطينيين في نهاية سنة 2008 بحوالي ثلاثة ملايين و171 ألفاً نسمة، يشكّلون حوالي 29.9% من الفلسطينيين في العالم، وغالبيتهم العظمى يحملون الجنسية الأردنية. وقُدّر عدد الفلسطينيين في بقية الدول العربية بحوالي مليون و733 ألف نسمة، يتركز معظمهم في الدول العربية المجاورة، أي في لبنان وسوريا، ومصر، ودول الخليج العربي. وقُدّر عدد الفلسطينيين في الدول الأجنبية بحوالي 605 آلاف نسمة، يتركز معظمهم في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية وكندا وبريطانيا وباقي دول الاتحاد الأوروبي.

وفي قراءة المؤشرات الديموغرافية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، أظهرت إحصائيات سنة 2007 أن السكان دون سن 15 شكلوا ما نسبته 44.1% من إجمالي السكان، وشكل السكان في سن العمل ما نسبته 52.9%، في حين شكل كبار السن ما نسبته 3% فقط، مما يعني أن نسبة الإعالة تبقى عالية نسبياً.

ويُشار إلى أن البيانات الصادرة عن الإحصاء الفلسطيني أظهرت أن معدلات الخصوبة في الضفة والقطاع قد انخفضت خلال العقد الأخير 1997-2007، حيث بلغ معدل الخصوبة الكلية 6.04 مولوداً بالاستناد إلى بيانات التعداد السكاني 1997 ثم أصبح 4.6 مولوداً سنة 2006، إلا أن معدل الزيادة الطبيعية للسكان في الضفة والقطاع ما زال مرتفعاً حيث بلغ 3% سنة 2007.
كما أظهرت البيانات أن هناك انخفاضاً في متوسط حجم الأسرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث انخفض متوسط حجم الأسرة إلى 5.8 فرداً سنة 2007 مقارنة مع 6.4 فرداً سنة 1997. من جانب آخر انخفض متوسط حجم الأسرة في الضفة الغربية إلى 5.5 فرداً سنة 2007 مقارنة مع 6.1 فرداً سنة 1997، أما في قطاع غزة فقد انخفض متوسط حجم الأسرة إلى 6.5 فرداً في سنة 2007 مقارنة مع 6.9 فرداً سنة 1997.


الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة:

ما زال الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يعاني من الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته وسياساته التي تهدف إلى ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وتكريس تبعيته وخدمته للمشروع الصهيوني. وما زال تحكّم “إسرائيل” بالمعابر وعمليات الاستيراد والتصدير، وضربها أو تعطيلها للبنى التحتية تشكل العقبة الرئيسية أمام تطور الاقتصاد الفلسطيني.

وشكّل استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة، والعدوان الإسرائيلي عليه في نهاية سنة 2008، أبرز العوامل التي ساهمت في تدهور الأوضاع الاقتصادية فيه، حيث أشار تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حول تأثير الحصار على قطاع غزة إلى أن البطالة ارتفعت من 32.3% في الربع الثاني من سنة 2007 إلى رقم قياسي قدره 49.1% في الفترة نفسها من سنة 2008. وذكر تقرير أعدته اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار في غزة في 25/11/2008 أن 80% من سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر. في حين كشف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن قطاع غزة قد تكبد خسائر اقتصادية مباشرة بقيمة 1.9 مليار دولار نتيجة العدوان الإسرائيلي، وبلغت الخسائر المباشرة في البنية التحتية حوالي 1.2 مليار دولار.

من جهة أخرى، تشير التقديرات الأولية للحسابات القومية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لسنة 2008، إلى نمو في قيمة الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة خلال سنة 2008، بنسبة 2.3% عما كان عليه الوضع في سنة 2007، حيث ارتفعت قيمة الناتج المحلي الإجمالي من نحو 4,536 مليون دولار إلى 4,640 مليون دولار.

وسجّل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2008 تراجعاً طفيفاً بلغت نسبته 0.6%، حيث تراجع من 1,297.9 دولار سنة 2007 إلى 1,289.9 دولار سنة 2008. ويظهر أن نصيب الفرد في قطاع غزة قد تراجع بسبب الحصار الإسرائيلي الخانق، في الوقت الذي ارتفع فيه نصيب الفرد في الضفة الغربية، وهو ما جعل نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي مستقراً تقريباً لكلا المنطقتين.

بلغ إجمالي إيرادات السلطة الفلسطينية خلال سنة 2008 حوالي 1.57 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.27 مليار دولار سنة 2007، أي بنسبة نمو قدرها 23.3%. غير أن الإيرادات المحلية سنة 2008 لم تتجاوز 562 مليون دولار من مجمل الإيرادات، منها 273 مليون دولار إيرادات ضريبية و234 مليون دولار إيرادات غير ضريبية. أما معظم الإيرادات فجاءت من إيرادات المقاصة (الناتجة عن عمليات الاستيراد والتصدير الفلسطينية) والتي تحصّلها الحكومة الإسرائيلية، والتي ارتفعت من 896 مليون دولار سنة 2007 إلى حوالي 1.12 مليار دولار سنة 2008، أي بنسبة 25.2%.

أما إجمالي النفقات لسنة 2008 فبلغ حوالي 2.83 مليار دولار، مقارنة بـ 2.54 مليار دولار سنة 2007، وبنسبة زيادة مقدارها 11.1%. وقد مثلت الأجور والرواتب سنة 2008 ما نسبته 51.4%، أي ما مجموعه 1.45 مليار دولار، مقارنة بـ 1.28 مليار دولار سنة 2007، وهو ما يمثل 50.5% من ميزانية 2007 حسب بيانات وزارة المالية.

وقد تمّ تغطية عجز الموازنة عن طريق الدعم الخارجي لميزانية السلطة والذي بلغ حوالي 1.89 مليار دولار سنة 2008.

وبشكل عام، فإن الوضع الاقتصادي الفلسطيني سوف يستمر في المعاناة من المشاكل نفسها خلال سنة 2009، لعدم وجود تغيرات حقيقية في السلوك الإسرائيلي تجاه إنهاء الاحتلال، وإنهاء الحصار، والتحكم بالمعابر، كما لا توجد رغبة إسرائيلية بالتوقف عن استخدام الضغط الاقتصادي كوسيلة لكسرة إرادة الشعب الفلسطيني، وفرض شروط تسوية سلمية ظالمة عليه. فضلاً عن عدم رغبة الدول الكبرى وخصوصاً أمريكا في الضغط على “إسرائيل” لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني.

خاتمة
انعكس الانقسام الفلسطيني والضعف العربي والإسلامي على مجمل مسار القضية الفلسطينية خلال سنة 2008. ولا توحي مسارات الأحداث، ولا الظروف الموضوعية والعوامل الفاعلة في المنطقة، بإمكانية حدوث تغييرات جدية في سنة 2009. غير أن فشل سياسة إدارة بوش في المنطقة، وفشل سياسات الحصار والاحتلال الإسرائيلي في كسر إرداة الشعب الفلسطيني، ووصول مسار التسوية السلمية إلى طريق مسدودة، ونجاح تيار المقاومة في إفشال العدوان الإسرائيلي الواسع، وتقديمه نماذج بطولية ألهبت حماس الجماهير العربية والإسلامية ودفعت باتجاه مزيد من التعاطف الشعبي العالمي…، كل ذلك يوحي بحالة مخاض تشهدها المنطقة، قد تنعكس إيجاباً في المستقبل القريب على القضية الفلسطينية، إذا ما أُحسن التعامل مع العوامل المحركة للأحداث والفرص التي تتيحها. غير أنه لا بد من التحذير من الإفراط في التفاؤل، إذ لطالما ضيّع الفلسطينيون والعرب العديد من الفرص، بينما استطاع الخصوم والأعداء توظيف الظروف المستجدة لصالحهم.

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت 1/7/2009