عرض كتاب: من يسيطر على الجيش الإسرائيلي؟
عرض: عدنان أبو عامر (خاص - مركز الزيتونة).
المقدمة:
يركز الكتاب حديثه حول العلاقة الشائكة بين المجتمع والجيش في إسرائيل، أيهما يتحكم في الآخر؟ بما في ذلك أثر هذه العلاقة والترابط على طبيعة صنع القرارات العسكرية والسياسية، ومدى تقوية نفوذ المؤسسة العسكرية على قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات المحيطة بها. ويقول في مقدمته: يتجه النقاش السياسي والأكاديمي في إسرائيل تلقائياً إلى قناعة مفادها أن الجيش يحظى بـ"استقلالية متزايدة أكثر فأكثر"، على الرغم من أن الوضع في إسرائيل يجعل هذه المشكلة تنبع من المكانة الرفيعة التي تحتلها المؤسسة العسكرية، وهي نتاج النظرية الأمنية القائلة بأن "الدولة تواجه تهديداً وجودياً"، ووصفها بأنها "الدولة التي تعيش حالة حرب مستمرة"، و"الدولة الحامية"، و"الدولة القلعة"، مما يجعل لمسألة الأمن دوراً مركزياً في صيرورتها، ومن هنا يغدو الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية متنفذين فيها.
كما تمثلت إحدى التجليات البارزة لتفوق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بإشراك رئيس هيئة الأركان العامة في جلسات الحكومة واللجنة الوزارية لشؤون الأمن، على قدم المساواة مع سائر أعضائها، وليس خاضعاً لهم، ونبع الأمر بسبب عدم الوضوح في توزيع الصلاحيات بين المستويين السياسي والعسكري، وبين رئيس الحكومة ووزير الحرب ورئيس هيئة الأركان. وبناء عليه، كان للأخير تأثير بالغ على قرارات الحكومة، كما أن هناك تقليد يتمثل بعقد جلسة أسبوعية يعرض فيها جنرالات هيئة الأركان على وزير الدفاع سلسلة من "العمليات والهجمات" التي تستدعي مصادقته، وجزء من القائمة يحتاج لمصادقة رئيس الوزراء، ويجري النظر في الأمور من زاوية نظر شاملة ومسؤولة.
|
معلومات النشر: |
|
ويعود الكتاب بالتاريخ إلى الوراء حين برزت الحاجة لتحديد واضح لتوزيع الصلاحيات والواجبات والمسؤولية في شؤون الأمن بين الحكومة ورئيسها ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، لتقديم إسهام مهم في تنظيم العلاقات بين المستويين السياسي والعسكري، سواء من حيث قواعد الرقابة العامة على الجيش ومعاييرها، والتي أضحت شرعية، أم من حيث التأثير المؤسسي والقانوني. وبمرور السنوات تبلورت وسائل رقابة رسمية وغير رسمية للسلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية، على الجيش، في أعقاب تغييرات طرأت على النظرية الأمنية وتبدل القيادات، وفي ضوء عِبَر ودروس استخلصت من الحروب، وقد أسهمت بشكل خاص لجان التحقيق التي عالجت مواضيع أمنية، في بلورة إطار قانوني ومعياري للرقابة السياسية على قوات الأمن.
الحرب الوجودية:
في الإطار ذاته، ينقل المؤلف تحذير أوساط سياسية مما أسماه بظاهرة "الانقلاب العسكري" المتمثل باقتحام جملة من جنرالات الجيش في صفوف الاحتياط، لساحة العمل السياسي والحزبي، في ضوء الضجة الأخيرة التي أثارتها تصريحات رئيس الموساد السابق مائير داغان، وهاجم خلالها الحكومة الحالية لمواقفها السياسية.
وقال: بينما كانت الدولة منشغلة بما أسماها "الحرب الوجودية اليومية"، لم تتنبّه إلى ظهور جنرالات سابقين، كولونيلات متقاعدين وضباط، في حياتها السياسية، ودون أن تشعر، حصل انقلاب عسكري فيها، وأصبح فعلاً حقيقة قائمة، ويمكن أن يضم إلى رجال الجيش السابقين، أولئك المسرّحين من أجهزة الشاباك والموساد أيضاً، بحيث أوجدت إسرائيل نموذجاً جديداً في العالم، يشكل فيه وزير الحكومة، مرحلة إضافية في مسار التدرج العسكري، حيث استغل رجال الجيش السابقون تأثير "الهالة فوق رؤوسهم"، لاجتياح المجال السياسي.
وبعد أن يقدم الكتاب استعراضاً تاريخياً مطولاً لجذور انفلات الجيش من أطر الرقابة السياسية والقانونية، يفترض أن عهد حكم بن غوريون شهد فصلاً بين السياسة والجيش، إلا أنه استهدف بشكل أساسي منع تأثير الأحزاب على المؤسسة العسكرية، وإبقاء السيطرة المطلقة في يده وحده، واستبدل الرقابة المدنية والبيروقراطية على الجيش برقابة "كاريزماتية" تنحصر في شخصه فقط، وعارض لفترة طويلة إقامة لجنة وزارية لشؤون الأمن، ولم تتدخل الحكومة والكنيست بصورة عامة في أنشطة المؤسسة الأمنية، وكانت القرارات تتخذ في محافل مقلصة اقتصرت المشاركة فيها على المقربين فقط.
لكنه في الوقت ذاته يلفت الأنظار إلى بعض المعطيات المثيرة، ومنها: أن 9 رؤساء أركان للجيش من بين 19، ساروا من كرسيّ رئاسة الأركان إلى طاولة الحكومة، وأن كل حروب إسرائيل اندلعت حين ترأس حكوماتها شخصيات سياسية غير عسكرية في التقاعد، وهي:
• حرب سيناء 1956 كان الرئيس بن غوريون.
• حرب الأيام الستة 1967 كان الرئيس ليفي أشكول.
• حرب يوم الغفران 1973 كان الرئيس غولدا مائير.
• حرب لبنان الأولى 1982 كان الرئيس مناحيم بيغن.
• حرب لبنان الثانية 2006 كان الرئيس إيهود أولمرت.
• الرصاص المنصهر 2009 كان الرئيس إيهود أولمرت.
ويحاول المؤلف أن يقدم جملة من المسوغات التي تجعل المؤسسة العسكرية بمنأى عن السيطرة والرقابة والتحكم من قبل من هم في المستوى السياسي أو الحكومي أو القانوني، ومنها على سبيل المثال:
1. انتهاجها لمنطق إبراز التهديدات الأمنية، ومن وجهة نظرها، بحيث تتحول اقتراحات الجيش في بعض الأحيان إلى سياسات بطريقة تلقائية.
2. التعدّي التنظيمي، حيث يتمتع الجيش بوفرة الموارد البشرية والمالية التي تساعده على وضع السياسات والتخطيط لتنفيذها، وإيجاد الحقائق، وجمع المعلومات الاستخبارية، والتحكم بتوزيعها، وتقسيم الأجهزة الأخرى، التي لها مدخلات على علاقة بصناعة القرار، إلى فئات مستقلة. وبالتالي، غالباً ما لا تحصل الأجهزة الأخرى على فرص عادلة للإسهام في التخطيط للأمن القومي، بالرغم من حقيقة أن مدخلاتها بنّاءة، وعلى صلة بصناعة القرار على غرار مدخلات المؤسسة الدفاعية.
3. التعليم والخبرات في الجيش لا يرتبطان دائماً بالأمن القومي، حيث تتم ترقية غالبية الضباط الكبار بناء على خدماتهم المتميزة في القيادة الميدانية للوحدات العملانية، وتعليمهم وتدريبهم وخبرتهم يركز على فهم العدو، وتطوير القدرات العسكرية، والقيادة في الأوقات التي تُخاض فيها المعارك.
التأثير المتبادل:
ويختم بالقول: القوة المتنامية للجيش الإسرائيلي نابعة بالدرجة الأولى من الضعف الذي يحيط بالمستوى السياسي، الذي يشعر حقيقة بأن لا أمل له بمواجهة "جهاز" يحظى بإعجاب جارف في الدولة، وفي حالات أخرى، يفضل الاختفاء خلف المكانة السامية التي يتمتع بها، لكن التجربة أثبتت -كما يقرر الكتاب- أنه في الوقت الذي يتّخذ فيه الساسة قراراً، فإن العسكر ليس عليهم إلا أن ينفذوا، مستشهداً بالمعارضة التي أعلنها شاؤول موفاز، والحملة التي قادها جهاز الاستخبارات العسكرية لإخافة الساسة من الآثار الناجمة عن الانسحاب من لبنان سنة 2000، إلا أن رئيس الحكومة إيهود باراك حين رفض سماع هذه التحذيرات، فإن الانسحاب تمّ! وكذا الأمر مع الانسحاب من قطاع غزة سنة 2005 بالرغم من معارضة موشيه يعلون.
ولا مجال -كما يؤكد الكتاب- أن يتم إغفال أن هناك ارتفاعاً لـ"منسوب" العسكر في السياسة الإسرائيلية، وبالتالي لا عجب أن يكون معظم أصحاب القرار من قادة الجيش والأجهزة الأمنية، وحضورهم في الإعلام مكثف جداً، مما قد يسفر في النهاية عن هيمنة وجهة النظر الأمنية والعسكرية على السجال السياسي.
ومع ذلك، يرى المؤلف أن هناك ثلاث حالات تعطي للحكومة تأثيراً مباشراً في الجيش، وتمنحها رقابة على مهماته، وهي:
1. تعيين وإقالة رئيس هيئة الأركان، الذي يخضع للحكومة، وباستثناء التعيين، وهو مهم في حدّ ذاته، ليس له معنى فعلي لقضية الرقابة.
2. إعلان الحرب، وبلسان القانون: "لا تبدأ الدولة حرباً إلا بفعل قرار الحكومة"، التي تُعْلِم الكنيست به بأقصى سرعة ممكنة، لكنها ليست ملزمة بالحصول على موافقته، ولقرارات الحكومة تلك تأثير مباشر في الجيش، لكن لا ينبع منها رقابة للفعل العسكري بعد اتخاذ القرار، فالرقابة إذا ما تمت، لا تتمّ بكامل هيئة الحكومة، بل على يد لجنة الوزراء لشؤون الأمن، أو هيئة مصغرة أكثر تُحدَد لذلك.
3. تحديد حجم ميزانية الدفاع في إطارها العام، بعيداً عن بنيتها وتفاصيلها، لا سيما وأن هذه الميزانية، وتطورها والاهتزازات الكثيرة التي تجري عليها في السنوات الأخيرة، تؤثر تأثيراً مباشراً في مبنى الجيش وتطوره، وتنفيذ مهامه الدائمة، وفي الأمد البعيد في شروط خدمة جنوده.
ومن الأجسام الإدارية التي شُكِّلت لتحديد هوامش الجيش الواسعة، ومحاولة التنسيق بين المستويين السياسي والعسكري، وتنظيم العلاقة بين الجيش والحكومة: لجنة الوزراء للتنسيق وإدارة ورقابة الدولة، ومراقب الدولة، ومراقب جهاز الأمن، ومؤسسة ممثل شكاوى الجنود، ومجلس الأمن القومي، الذي وجهت إليه انتقادات حادة تقع في صلب عمله، وتخلّ في أدائه الرقابي، ومنها:
1. انعدام عمل الطاقم المحاذي له في مستوى رئيس الحكومة عموماً.
2. غياب الإعداد اللائق في مكتب رئيس الحكومة قبيل اتخاذ القرارات الأمنية.
3. عدم وجود الهيئة التي تبلور الفوائد المختلفة في المسائل المعروضة للنقاش والإقرار.
4. انعدام الاهتمام اللائق والتوسل بعمل المجلس.
هروب الساسة:
وينقل عن الجنرال عوزي ديان، عبارة أكثر وضوحاً حين أعلن أن المجلس هو أداة أمنية مهمة وضرورية، لكنها بمزيد الأسف باتت صدئة، لعدم استعمال رؤساء الحكومة لها على مدار سنوات وجودها، مما يتطلب في كثير من الأحيان أهمية سحب صلاحية القرار في الكثير من الحالات لدى قادة الجيش، ورفعها للمستوى القيادي الأعلى، لأن الظروف التي تعيشها إسرائيل، "لا تجعل الحرب معفية من السياسة"، كما قال.
ويضيف: هذه الحقيقة، تقرر أمراً كامناً في العقلية الإسرائيلية مفاده أن رؤساء الجيش ليسوا قادة حكم يتمّ انتخابهم، بل هم "الأمناء" الحقيقيون على الأمن القومي، وبالتالي أصبح مفهوماً لماذا يدلي رئيس الأركان بتصريح يعبر فيه عن موقفه من خريطة الطريق، وهي وثيقة سياسية نقية! وهو ما يفسر ببساطة القوة المتعاظمة للجيش، وموقعه "غير السليم" مقابل المستوى السياسي، التي يمكن إثباتها في كل الحروب التي خاضها، الصغيرة والكبيرة، ناقلاً عن موشيه أرنس، الذي عُيِّن وزيراً للدفاع خلال ثلاث مراحل مختلفة، قوله إن الجيش الإسرائيلي يتخذ قرارات فقط في الحالات التي يهرب فيها الساسة من المسؤولية.
خبرة علمية ثرية:
مؤلف الكتاب البروفيسور ياغيل ليفي، عضو هيئة التدريس في جامعة بن غوريون بالنقب، الجامعة المفتوحة، والحاصل على درجة الدكتوراه في الإدارة العامة من جامعة تل أبيب، ونال درجة الأستاذية من جامعة نيويورك، ويحاضر في العلوم السياسية، ويعمل مستشاراً في التخطيط الاستراتيجي لدى عدد من الجهات والشخصيات الرسمية، وترأس اللجنة الحكومية لـ"توطيد دعائم المواطنة في إسرائيل"، كما أنه قد خدم في صفوف الجيش الإسرائيلي 12 عاماً، ووصل إلى مواقع عسكرية متقدمة.
يعدّ المؤلف متخصصاً في دراسة العلاقة الثلاثية بين: الجيش والسياسة والمجتمع، ويركز أبحاثه حول زاوية السياسة العسكرية، والبنية الاجتماعية للجيش الإسرائيلي، حيث أصدر في السنوات الأخيرة سلسلة من المؤلفات حول هذه الموضوعات، ومنها: من جيش الشعب إلى جيش الأطراف، جيش آخر لإسرائيل وتفوق البعد المادي.
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 20/8/2011
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي مركز الزيتونة وإنما تعبر عن رأي أصحابها




إكتب تعليق