ندوة للـ"الدستور" حول ثنائية المفاوضات والاستيطان
أدار الحوار: نواف الزرو.
الحقيقة الناصعة الملموسة أن ديناميكية الاستيطان التهويدي في فلسطين لم تتوقف يوماً ولم تهدأ، فقد كانت حرباً استيطانية متواصلة بلا توقف، تشارك فيها كافة التنظيمات والجمعيات والحركات الاستيطانية السرية والعلنية على حد سواء، وكافة الحكومات والوزارات الإسرائيلية العمالية والليكودية على حد سواء، فكانت النتيجة زرع المستوطنات الاستعمـارية والمستوطنــين في أنحاء الضفة .
فواقع الحال في فلسطين من اوسلو الى قمة واشنطن، هو ان الاستيطان اليهودي متواصل متعاظم على نحو هستيري غير آبه بما يقوله العرب والعالم ...
وحقيقة المشهد الماثل ان هناك مفاوضات سلام بنسبة1%، بينما هناك استيطان بنسبة 99%".
فالاصل في الوعي السياسي الاسرائيلي المتبلور "ان هناك اجماعا في اسرائيل على تخليد الاحتلال للضفة" كما اكد الكاتب والمحلل الاسرائيلي الوف بن في هآرتس، مضيفا "قد أخذ يتبلور في اسرائيل اجماع على أن الانسحاب من الضفة الغربية لم يعد ممكنا، والجميع يشتركون في هذا الاستنتاج، في جميع المعسكرات وفي جميع الأطراف السياسية، وان المشترك لهذه المواقف من اليسار واليمين هو أنها تُخلد الوضع القائم، مع عشرات المستوطنات، ومئات الحواجز وآلاف الجنود وراء الجدار".
يجمع العرب والعالم على رفض الاستيطان ولكن بدون ادوات ضغط، واذا ما اضفنا لكل ذلك الرفض الفلسطيني الاجماعي لسياسات الاستيطان والتهويد وتأثيراتها التدميرية، فاننا نصبح عمليا امام اجماع فلسطيني عربي دولي ضد سياسات الاستيطان الاسرائيلي.، ورغم ذلك تستمر المفاوضات وتتوقف ثم تستأنف، ثم تتوقف لتستأنف مرة اخرى..وهكذا، اصبحنا نتابع ثنائية المفاوضات والاستيطان المتلازمة ...
فهل استجابت اوقد تستجيب "اسرائيل" يا ترى لنداءات العرب والمجتمع الدولي بوقف الاستيطان...؟
وهل اكترثت او تكترث للمواقف والتهديدات الفلسطينية والعربية و غيرها ...؟
وهل يبقى هناك في ظل كل ذلك احتمال للتسوية واقامة الدولة الفلسطينية ...؟
فالماثل ان مشروع الاستيطان والنهب والتهويد الصهيوني لن يتوقف حتى نرى موقفا فلسطينيا عربيا منسقا موحدا قويا يفتح الخيارات الاخرى في مواجهة ذلك المشروع...
حول ثنائية المفاوضات والاستيطان وتداعيات هذه المتلازمة، عقدت "الدستور" ندوة خاصة لتقديم قراءات استراتيجية واجوبة تليي تساؤلات المواطن الى حد كبير، شاركنا فيها الاساتذة الكرام - حسب ترتيب المتحدثين :
الدكتور وليد عبد الحي استاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك،
الدكتور عدنان هياجنة استاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية،
الدكتور خالد عبيدات استاذ العلوم السياسية وسفير سابق،
والدكتور احمد سعيد نوفل استاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك.
فن المفاوضات ومتغيرات القوة
الدستور: باسم اسرة الدستور نرحب بكم ترحيباً حاراً في لقاء خاص حول موضوع يعتبر هو الأهم والاكثر سخونة في المشهد السياسي الفلسطيني في الوقت الراهن، وهو ملف المفاوضات والاستيطان، ويبدو أن هذا الملف هو الذي سيحسم كل الامور في نهاية الأمر، فإما أن يكون هناك مفاوضات وأفق مفتوح لهذه المفاوضات وإما أن لا يكون، تقول القيادات الفلسطينية انهم اتخذوا مواقف نريد أن نصدق أنها حاسمة، "أن لا مفاوضات قبل أن يتوقف الاستيطان"، ونتمنى أن تستمر الامور بهذا الشكل، فثنائية المفاوضات والاستيطان واضح تماماً أن فيها خلل كبير، فهذه الثنائية ليست سوية وليست سليمة، فلا تتماشى المفاوضات والاستيطان..
بداية نريد البدء في قراءة هذه الثنائية: المفاوضات والاستيطان، د.وليد، ما هي خلفياتها ولماذا استمرت معنا على مدى سنوات المفاوضات السابقة، وأين يقع الخلل في استمرارية هذه الثنائية.. نتنياهو دائماً يقول بأن الفلسطينيين فاوضوا على مدار 17 سنة والاستيطان مستمر في عهود الحكومات السابقة، فلماذا لا يريدون الاستيطان في عهد حكومته؟ فما هي رؤيتك لهذه الثنائية وأين الخلل؟
- عبد الحي: سأبدأ من جانب التعريف للمسألة، وهي قضية المفاوضات أولاً، في تقديري أن في الأدبيات السياسية العربية السائد او الشائع أن المفاوضات هي فن الجدل، بمعنى محاججة بيني وبين الطرف الآخر وأقدم شواهد نظرية على حقيقة وجهة نظري بأن هذا مخالف للقانون وهذا مع القانون وهكذا، بينما المفاوضات في المفهوم الإسرائيلي هي فن التلاعب بمتغيرات القوة، أي لدي ميزان قوة، هذا الميزان مؤلف من عناصر مادية: قوة عسكرية، واقتصادية ..الخ، عناصر معنوية: تماسك داخلي، نظام ديمقراطي ..الخ، ثم فن توظيف هذين البعدين. هنا الإشكال، الطرف الفلسطيني كان يعتقد أنه يستطيع أن يحشد الرأي الدولي معه من خلال فن الجدل، والطرف الإسرائيلي كان لا يرى المسألة بهذا الشكل، وإنما خلق وقائع على الأرض، وهي استخدام متغيرات القوة، بمعنى أن أبني مستوطنة ومستوطنة أخرى، أنا أريد من المستوطنتين واحدة فقط أن تبقى، الثانية أستخدمها للمساومة لإبقاء الاولى، وبهذه الكيفية جرت المسألة بهذا الشكل، والطرف الفلسطيني طوال فترة المفاوضات كان باستمرار يخسر في كل مرحلة أحد متغيرات القوة، فبفصل القضية الفلسطينية عن عمقها العربي، هذا فقدان، ثانياً حتى القوى السياسية التي تساند الطرف الفلسطيني، فالطرف الفلسطيني الآن يسير معها في حالة عداء، فهو الآن في حالة عداء مع إيران ومع سورية ومع حزب الله، وهذا يعني إفقاده عامل من عوامل القوة، حتى عنصر المقاومة المسلحة وصل إلى أنه الآن صفى كل عناصر المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، التي كان ممكن أن يستخدمها ولو بالحد الأدنى كأدوات ضغط، وهنا يأتي السؤال الذي على المفاوض الفلسطيني أن يجيب عليه، إذا كنت تتخلى عن كل متغيرات القوة فعلى أي أساس تنتظر أن الطرف الإسرائيلي سيقدم لك شيء؟ هذا سؤال لا يوجد عليه جواب.
إسرائيل 2020
د.وليد، ليتك توضح مسالة فن المفاوضات ومتغيرات القوة اكثر من اجل القارىء...؟
- عبد الحي: المسألة ببساطة أن هناك عقلية تتعامل مع فن المفاوضات وكأنها محاججة أكاديمية، وهناك آخر لديه متغيرات قوة، ولديه ذكاء لتوظيف هذه المتغيرات والحصول على مكاسب متواصلة بشكل أو بآخر، والآن الاستيطان هو أحد متغيرات القوة، يعني عندما يبدأ التفاوض الآن، حتى الطرف الفلسطيني عندما يتحدث عن المستوطنات في الأعداد، عدد المستوطنات وعدد المستوطنين، حدود القدس غير واضحة، هل هي القدس القديمة أم القدس في المفهوم العربي أو القدس في مفهوم إسرائيل، وفي الجانب الآخر أتمنى أن يتم الاطلاع على المجلدات الثمانية التي قامت بعملها كل الوزارات الإسرائيلية والتي هي (إسرائيل )2020 فواضح تماماً عندما تقرأ هذه الدراسة وترى توزيع المستوطنات فهي تعبير عن خطة للتغيير الديمغرافي القادم على بنية فلسطين ككل وبالتالي تعزيز اختلال ميزان القوى مرة أخرى لصالح الطرف الإسرائيلي، ولذلك في تقديري وأراهن بأن الطرف الفلسطيني سيعود إلى المفاوضات مع بقاء الاستيطان لكن ممكن تحت تكييف أو أن يظهروه بمظهر تجميد لشهر أو شهرين.
فلسفة المفاوضات الفلسطينية
إذن الخلل هنا فلسطيني، د.عدنان، فلسفة المفاوضات الفلسطينية كيف تقرأها، لماذا هذا المستوى الضعيف لدى المفاوض الفلسطيني، أوراق القوة وأوراق الضعف، واضح تماماً أن الاستيطان يأكل الضفة الغربية، يهوّد القدس والأرض والتاريخ والتراث ..الخ، فلماذا يستمر المفاوض الفلسطيني على نفس الأسس التي بدأ فيها منذ أوسلو ولم يتغير ولم يستفد من التجربة، أليس هناك دروس أو عبر من عملية المفاوضات الطويلة؟
- هياجنة: هذا افتراض يجب أن يكون في مكانه، لماذا لم نتفرض أن المفاوض الفلسطيني استفاد من كل هذه التجارب، والحقيقة أن المفاوض الفلسطيني لم يستفد من أي تجربة لا على مستوى المفاوضات ولا على مستوى علاقته مع إسرائيل ولا على مستوى علاقته مع القوى الإقليمية، فكان يراهن دائماً على أن القضية الفلسطينية هي قضية كبرى وبالتالي هي تحظى باهتمام كبير، وبالتالي في السنوات الأخيرة لم تعد القضية الفلسطينية القضية الاهم في الشرق الأوسط ولا القضية الكبرى، وعليه تم الاهتمام بالقضية الإيرانية من قبل الكثير من الأطراف الإقليمية، الأمر الآخر الذي يمكن ان يشكل مفاجأة بالنسبة للبعض أن الرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية الفلسطينية والفريق الفلسطيني المفاوض يوافق على الاستيطان وعلى استمراره، وهذا كان جزء من اتفاق غير منشور وغير مكتوب بين محمود عباس وأولمرت، وكان الاختلاف على إبقاء جزء من أراضي الضفة الغربية، كان الرقم المقدم من محمود عباس 1,9 من أراضي الضفة الغربية على أن يتم استبدالها بأرض أخرى، وكان مخطط أولمرت أن تكون النسبة بحدود 6 بالمائة، فهذه الأرقام منشورة في مجلة التايمز..
وفي مسألة شراء شهر أو شهرين أو ثلاثة شهور، أعتقد ان هناك موافقة ضمنية من الطرف الفلسطيني وهناك مباركة عربية على هذا الأمر، وهناك أيضاً مباركة اميركية لان الولايات المتحدة الأميركية لم تستطع إقناع نتنياهو او غيره بأن يتم التفاوض على قضايا جوهرية، لذلك في اطار قراءة الخارطة الاستراتيجية في المنطقة فنحن في مرحلة اللا دور العربي، واللا دور لأي أحد فلا نجد أي دور إقليمي لأي دولة عربية في المنطقة، والدور الذي تحاول أن تلعبه بعض الدول العربية هي محاولة تخريب الأدوار على البقية، ولا يوجد دور لإسرائيل في المنطقة، على عكس الافتراض الاستراتيجي، أعتقد لا بد من إعادة النظر بشكل كبير بالدور الإسرائيلي في المنطقة.
خريطة استراتيجية جديدة
د.عدنان، مالذي تقصده باعادة النظر بالدور الاسرائيلي في المنطقة...؟
- هياجنة - نحن امام خريطة استراتيجية جديدة، دور إيراني إلى حد كبير متنام، ودور تركي، وعلاقات أميركية إسرائيلية وصلت إلى مرحلة متدنية جداً بعد زيارة (جوزيف بايلون) وبعد الإعلان عن المستوطنات، وكثير من هذه الامور، بالتالي أيضاً المفاوض الفلسطيني ليس له من الاوراق التي يمكن أن يلعب فيها إذا اتفقنا أنه لا بد على فرض الاستمرار بالعملية السلمية كخيار وحيد، ويبدو أن كل الأنظمة الرسمية في العالم العربي تعتقد أن الخيار السلمي هو الخيار الوحيد، هناك تهديد من الأطراف العربية على سبيل المثال بسحب المبادرة العربية، وحقيقة المبادرة العربية كانت هدية كبرى بالنسبة لإسرائيل، وما أتوقعه أنه إذا تغيرت الخارطة الاستراتيجية بما أتوقعه أن نجد أنفسنا في الصف الإسرائيلي كما وجدنا التصريحات الإعلامية في الصف الإسرائيلي في صيف 2006 وفي حرب تموز وفي الحرب على غزة، وبطريقة غير مباشرة وجدنا انفسنا مع الطرف الإسرائيلي، لأنه لا دور لنا في هذا الأمر.
دور اسرائيلي محايد
ولكن د.عدنان كيف يمكن ان نتحدث عن تحييد اسرائيل والاجندة الامريكية برمتها لصالحها...؟
- هياجنة: إذا عدنا لعام 2004 عندما حصل شارون على تعهد من الرئيس جورج بوش وعلى أثره أجلت زيارة جلالة الملك بان إسرائيل تستطيع ان تحتفظ بجزء كبير من الأراضي، وبالتالي إسرائيل تصرفت على هذا السلوك، التلخيص هناك موافقة عربية على استمرار الاستيطان وهناك محاولة لشراء الوقت من أجل أن نضع جزء لهذه الحدود، وهذا شراء الوقت أيضاً بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية بعد شهرين ستكون الانتخابات النصفية قد انتهت، وبالتالي يحاول الرئيس الأميركي أن يتحلل بعض الشيء من الضغوط الإسرائيلية على أميركا من الداخل، لأنني لا أعتقد لا شخصياً ولا علمياً أن إسرائيل لها دور كبير في سياسات المنطقة، إسرائيل لعبت دور المحايد ويجب أن تلعب دور المحايد في أي سياسة أميركية في المنطقة لأن إشراك الطرف الإسرائيلي قبل قيام الدولة الفلسطينية سيؤدي بعداء إلى الولايات المتحدة الاميركية وخسارتها لهذه السياسة، أميركا لم تستفد من البعد الاستراتيجي لإسرائيل بل على العكس إسرائيل كانت عبئا عليها فلا استفادت منها في تحرير الكويت ولا استفادت منها في الحرب الأميركية على الإرهاب ولن تستفد منها، لكن على العكس تحاول الولايات المتحدة الأميركية أن تقنع إسرائيل بعدم اتخاذ أي خطوات وجرها لحرب إقليمية.
افق التسوية...؟
فيما يتعلق بخريطة الاستيطان والتفاهمات فالحقيقة أن صائب عريقات تحدث عن خريطة الاستيطان في الضفة الغربية، وقال أن المستوطنات اليهودية بمجالاتها الحيوية الجغرافية في الضفة الغربية تحتل ما لا يقل عن 40 بالمائة من مساحة الضفة الغربية، وهناك حوالي 240 مستعمرة يهودية، فيها ما بين 500 - 750 ألف مستوطن يهودي، والأرقام متحركة تبعاً لمصادر مختلفة، ولكن العنوان الكبير لهذا التواجد الاستيطاني في الضفة الغربية أننا أمام دولة استيطانية كاملة مترامية الأطراف في الضفة الغربية، دولة استيطانية، تعتبر إسرائيل ...
فهل تعتقد د.خالد، أنه في إطار ثنائية المفاوضات والاستيطان، أن هناك أفقاً حقيقياً لأن تمضي المفاوضات إلى الأمام باتجاه تسوية سياسية أم أن هذا الأفق مغلق تماماً طالما هذا الاستيطان مستمر؟
- عبيدات: في موضوع الأفق في المفاوضات في ظل هذه الثنائية، الأفق موجود لكنه ليس أفقاً رحباً إنما أسميه أفق متكرر، ينسخ باستمرار عما كان يجري في تاريخ العلاقة الفلسطينية - الإسرائيلية، وينطبق تماماً على تاريخ كل المفاوضات التي كانت تجري سابقاً بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين أو بين الإسرائيليين وبين العرب بشكل إجمالي، لأنه لو تتبعنا تاريخ التفاوض وتاريخ الاستيطان مع بعضهما، المفاوضات كانت تجري على وتيرة واحدة، تحصل مفاوضات، تتقدم بعض الشيء للامام ثم تجد نفسها أمام باب مغلق فتتوقف المفاوضات وتنتهي المفاوضات، ولكن الاستيطان كان يجري بشكل دائم، المفاوضات كانت تجري وكانت تتوقف لكن الاستيطان لم يتوقف، لماذا الاستيطان لم يتوقف ولماذا المفاوضات كانت تتوقف؟، الاستيطان يجوز أن لإسرائيل مبدأ أو فلسفة أو آمال، لكن أنا أسمي الاستيطان بالنسبة للعقل الإسرائيلي هو أعمق من العقيدة وأعمق من المبدأ وأعمق من الآمال، الاستيطان بالنسبة لإسرائيل هو وجود إسرائيل، إذا كان الغير لديه فلسفة وآمال فبالنسبة لإسرائيل هو وجود، فنلاحظ بأن الصهيونية بدأت في المنطقة بمستوطنة، وبدأت المستوطنات تتوسع وتتكاثر، والصهيونية لن تتنازل أبداً عن موضوع الاستيطان، فالاستيطان ليس استعمارا وليس غزوا وهيمنة بل الاستيطان هو محو كل ما قبله وإعطاء هوية جديدة لما بعده.
كيف يتفاوض الذئب مع الحمل...؟
د.خالد، اذن، كيف تقرأهذه المعادلة المختلة..مفاوضات واستيطان...؟
- عبيدات: ما دام هنالك عرق ينبض في الصهيونية فلن تتوقف عن الاستيطان على الإطلاق، ولن تتوقف بنفس الوقت عن المفاوضات لأن المفاوضات كانت تأتي على الدوام ليس بفعل صهيوني وليس بفعل عربي، كانت تأتي المفاوضات بفعل قوى خارجية تريد ظاهرياً أن تهديء الامور، لكن باطنياً كل المفاوضات التي كانت تجري منذ بداية الحركة الصهيونية وحتى اليوم كان باطنها هو مساعدة الصهيونية على تحقيق أهدافها، من المفاوضات التي كان يجريها الانتداب البريطاني بين الجانب العربي والجانب اليهودي وصولاً إلى المفاوضات التي حصلت على مستوى أعلى من الجانب العربي والجانب الفلسطيني، كانت المفاوضات تجري برعاية بريطانية أولاً وما أكثر الرعاة، لذلك تاريخ المفاوضات كلها تبدأ بآمال عند الضعفاء والذي هو الطرف العربي، وتبدأ بآمال عند الطرف الإسرائيلي وهو الطرف الأقوى، إذن أسمي المفاوضات طرف يفرض جاء إلى المفاوضات ليفرض وهو الطرف الإسرائيلي، وطرف آخر جاء ليتأمل ولكنه لم يذعن في أي لحظة من اللحظات، كان يرفض، عدم الاذعان في الطرف العربي هو الذي يعطيه الأمر دائماً، الطرف العربي مغلوب، كل المفاوضات التي كانت تجري مفاوضات غير متكافئة على الإطلاق، كيف يتفاوض الذئب مع الحمل، هذا لا يمكن أن يعطي أي نتيجة على الإطلاق.
القدرة السياسية والقدرة الدبلوماسية
د.خالد، اذن، نحن هنا امام مفاوض فلسطيني وعربي بلا مقومات وبلا قدرات....؟،
- عبيدات: أريد أن أدخل هنا في القدرة السياسية والقدرة الدبلوماسية، فجرت العادة حينما تجري المفاوضات على مستوى عال، يكون هنالك أطقم تفاوضية لدى الطرفين على مستوى عال من القدرة والمعرفة، وبالمناسبة كل دولة أهم ما لديها في موضوع العلاقات الدولية أن تنشيء كوادر مدربة تتعهدها منذ نعومة أظافرها، وتدربها دائماً وتوظفها دائماً حتى تستطيع حينما يلزم الأمر أن تكون مفاوضا كفؤا أو مفاوضا ندا. وانا لن أتهم بالمناسبة الطرف الفلسطيني بعدم القدرة، بل بالعكس، التقادم والجلوس على الكرسي طويلاً في الطرف الفلسطيني جعل عندي مفاوضا فلسطينيا لا أشك في قدرته وكفاءته، لكن ليس لديه معطيات، فالقدرة بدون أوراق قوة لا تساوي شيئا، الطرف الفلسطيني لديه قدرة في التفاوض لكن ما هي الأرضية الصلبة التي يقف عليها وما هي القوة التي تسنده، ألاحظ وللأسف اننا رمينا المفاوض الفلسطيني في اليم مكتوف اليدين وقلنا له إياك ...، فلا يوجد دعم شعبي او دعم من أي جهة، بل بالعكس هناك نقد هائل واتهامات هائلة ضد المفاوض الفلسطيني،
لقد جاء المفاوض الإسرائيلي للمفاوضات ليس لكي يأخذ ويعطي، بل جاء حتى يملي، بينما جاء المفاوض الفلسطيني ليس ليتلقى ويذعن، بل جاء معتمداً على قانون دولة وعلى منطق، وبالمناسبة أترك للزملاء الأساتذة في السياسة: ما قيمة القانون الدولي في مفاوضات لا تكافؤ فيها في القوة ولا توازن فيها القوة؟،
اختزال القضية الفلسطينية
ربما مفيد جداً أن نستحضر هنا الموقف العربي في المشهد الفلسطيني، د.احمد، كيف تقرأ اولا احوال المفاوض الفلسطيني وعملية الاستيطان، ثم كيف تقرأ هذا البعد العربي في عملية المفاوضات والاستيطان مع أن عميد البيت العربي عمرو موسى يصرح صباح مساء: لا مفاوضات مع الاستيطان؟.
- نوفل: قبل الحديث عن الجانب العربي، أريد أن أتحدث عن المفاوضات بشكل عام، ماذا تريد أن تحقق هذه المفاوضات، من أجل ماذا، ما هو هدف هذه المفاوضات، هل إزالة الاحتلال أم فقط التركيز على قضية الاستيطان؟ فقد تحولت القضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة الى فقط قضية الاستيطان، وهنا نأتي لأهمية ما تريده الحركة الصهيونية وإسرائيل، فلم يعد الاحتلال القضية الأساسية التي تهم الجميع بل أصبحت قضية الاستيطان أو تجميد الاستيطان، فحصل هذا للقضية الفلسطينية بسبب فشل المفاوض الفلسطيني الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى هذا المأزق. هل الجانب الإسرائيلي مستعد للمفاوضات؟، الجانب الإسرائيلي وحكومة نتنياهو بهذا الشكل، وقد أعلن الإملاءات الثلاثة، فالموقف واضح بالنسبة للمفاوضات، ليس بالطريقة التي تريدها السلطة الفلسطينية.
المفاوضات والدولة
ولكن الاطراف كلها تتحدث عن استمرار المفاوضات وتتفق على اقامة دولة فلسطينيية ...؟
- نوفل: إذا تجاوزنا وقلنا بأن المفاوضات تريد تحقيق إقامة دولة فلسطينية فأي دولة فلسطينية؟،، الدولة الفلسطينية التي يفكر فيها الرئيس الفلسطيني تختلف عن الدولة الفلسطينية التي تفكر فيها تنظيمات فلسطينية أخرى او الشارع الفلسطيني أو سلام فياض، فأصبحت الولايات المتحدة تتحدث عن ان إقامة دولة فلسطينية مصلحة أميركية، أصبحت إسرائيل تتحدث أحياناً عن أهمية إقامة دولة فلسطينية لأنها مصلحة إسرائيلية، وأيضاً سمير جعجع بطل مجازر صبرا وشاتيلا تحدث قبل أيام عن أهمية إقامة دولة فلسطينية لأن هذه أيضاً مهمة، إذن عن أي دولة فلسطينية...؟، إذا أردت أن نتحدث عن مفاوضات أنها سوف تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، فهذا بالطبع خداع كبير للرأي العام الفلسطيني والعربي وكأن نهاية المفاوضات ستؤدي إلى دولة فلسطينية، لكن ما نوع هذه الدولة الفلسطينية، لا زلنا لا نعرف ما هي حقيقة هذه الدولة الفلسطينية.
النقطة الثانية هل المفاوض الفلسطيني كفوء للتفاوض؟، المفاوض الفلسطيني يفاوض منذ 17 سنة ولا يوجد مردود، بينما المفاوض الإسرائيلي تغير عدة مرات، فماذا حقق المفاوض الفلسطيني؟، لم يحقق شيء، بل بالعكس أتى لنا بمصيبة للقضية الفلسطينية، فالمفاوض الفلسطيني غير كفؤ بطيبعة الحال، ليس لأنه لا يملك المعرفة أو القدرة، بل لانه كجهاز يضم نفس الأشخاص الذين يفاوضون منذ سنوات، هؤلاء أيضاً لم يكونوا يؤمنوا بالكفاح المسلح ولا بالمقاومة الشعبية، هؤلاء الذين يفاوضون موقفهم واضح بالنسبة للصلح والسلام مع إسرائيل قبل أوسلو، والآن يطبقون ما كانوا يؤمنون به من قبل، الآن القول والادعاء بأن المفاوض الفلسطيني مسكين والمفاوضات حزينة أو مفرحة فهذا ما جنت عليه أنفسهم، فهكذا خططوا وأوصلونا لهذه النتيجة، والآن نحاول أن نبرر لهم خطاياهم.
التمثيل الفلسطيني والبدائل
د.احمد، الى كل ذلك، ماهي البدائل الماثلة في الافق من وجهة نظرك اذن...؟
- نوفل: الآن سارت المفاوضات، فما هو البديل؟، هل البديل انتفاضة؟، أيضاً الخلافات الداخلية في الساحة الفلسطينية، الجبهة الشعبية انسحبت من منظمة التحرير الفلسطينية، والقرار الذي اتخذوه قبل فترة لا يمثل الشعب الفلسطيني، ولو قمنا بعمل استفتاء للفلسطينيين في الداخل والخارج فلا أعتقد أن أحدا سيؤيد المفاوضات. والقضية الاخرى، كمفاوض فلسطيني يفاوض على ماذا؟، يفاوض ليس على قرارات أو قضايا تتعلق بالضفة الغربية فقط، بل يفاوض على قضايا استراتيجية للقضية الفلسطينية ككل، وعلى رأسها قضية اللاجئين، لكن هل السلطة الفلسطينية تمثل الشتات؟، لا تمثل الشتات، قضية أخرى المفروض في أي قضية أن يكون لدي خياران، لكن إسرائيل تعي جيداً أنه لا يوجد خيار ثان لدى المفاوض الفلسطيني كي يهددها في حال فشل المفاوضات، علماً بأن المقاومة ما زالت خيارا مهما، وهو خيار وافقت عليه الشرعية الدولية..
بالنسبة للنظام العربي فلديه المبادرة العربية التي لم يستطع أن يسوقها للأميركان، ولا للإسرائيليين ونتحدث في النهاية على أساس هل من الممكن أن تؤدي هذه المفاوضات إلى نتيجة، السؤال المطروح: هل هذه المفاوضات حتى لو توقف الاستيطان ستحقق أي حقوق للجانب الفلسطيني؟
المفاوضات وادوات القوة
هل من الممكن أن يتم تحقيق أي إنجاز في عملية المفاوضات؟، فالواضح تماماً ان الاستيطان ليس له حدود، فالاستيطان مستمر ومفتوح حتى يجري تهويد الضفة الغربية بالكامل، فهذه هي الاستراتيجية الإسرائيلية، ولكن في البعد العربي كيف تقرأ د.وليد هل على سبيل المثال لو لوحت الدول العربية المتعاهدة مع إسرائيل بوقف هذه المعاهدات أو بوقف التطبيع إذا لم يتوقف الاستيطان، هل يجدي ذلك؟
- عبدالحي: رأيي الشخصي خلافاً لما قاله الدكتور خالد، أكثر الناس جهلاً في التفاوض هو الفريق الفلسطيني، لأنني أعود للنقطة أن المسألة ليست مسألة فن الجدل، فن النقاش، إنما استخدام أدوات القوة، أنا لدي متغيرة كيف أوظفها، ومتى أوظفها، وكيف أربط بين المتغيرات حتى أصل للنتيجة. عندما آتي وأطوّق حماس فهذا لصالح رصيد المفاوض الإسرائيلي، وعندما أعادي كل من يقف ضد إسرائيل في الإقليم فهذه ورقة إضافية للمفاوض الإسرائيلي، وعندما أعتمد اعتمادا كاملا مالياً على الدعم الاميركي والأوروبي بنسبة 49 بالمائة والدعم العربي المعتدل بنسبة 25 بالمائة، فهذه ورقة إضافية للمفاوض الإسرائيلي، فالجدل إذن على أي شيء أنت معتمد، النتيجة ستكون بمقدار ما لدى كل واحد، أنت تقدم أوراقك باستمرار وتنتظر أنه بالمحاججة وبإحراج أوباما في موقف أو بمناقشة أن تصل إلى نتيجة، فبرأيي أن هذا في منتهى السذاجة.
دور لجنة المتابعة العربية
الدستور: وكيف تقيّم دور لجنة المتابعة العربية في هذا السياق؟
- عبدالحي: في كل مرة اولاً عباس يستخدم الغطاء العربي لتمرير ما يريده هو، والطرف العربي يوظف عباس لكي يضفي شرعية على سلوكه هو.. أنا أحكم على الطرف العربي ليس مما يقول، وليس من تصريحات عمرو موسى، بل أحكم على ما يجري في الميدان، بمعنى الحصار على غزة هو شكل من أشكال دعم المفاوض الإسرائيلي، ثانياً عدم السماح بمساندة المقاومة والضغط على عباس ومحاولة جر المنطقة العربية من الصراع مع إسرائيل إلى الصراع مع إيران هو أيضاً شكل من أشكال دعم المفاوض الإسرائيلي، إذن المفاوض العربي في تقديري يسير باتجاه التطبيع المستمر مع الطرف الإسرائيلي لكن يحاول قدر الإمكان أن يجعل هذا التطبيع يتواكب مع مستوى التنازلات من الطرف الفلسطيني، كلما تنازل الطرف الفلسطيني هو يتقدم خطوة مع إسرائيل بحيث تبدو السياسات العربية وكأنها نحن لن نكون ملكيين أكثر من الملك.
في العلاقة الامريكية الاسرائيلية
لننتقل إلى الدور الاميركي، هذا العجز الذي أظهره الرئيس أوباما في مواجهة نتنياهو أو إسرائيل المعجزة، اذ يسميها أوباما بإسرائيل المعجزة.. فرسالة الضمانات الأخيرة التي وجهها أوباما لنتنياهو هي شبيهة أو تتكامل مع رسالة بوش لشارون في عام 2004، فكيف تقرأ الموقف الأميركي و السياسة الاميركية ورسائل الضمانات الأميركية لإسرائيل من شارون إلى نتنياهو.. وكيف نتعامل مع هذه السياسة ؟
- هياجنة: بالنسبة للعلاقة الاميركية الإسرائيلية أعتقد هي علاقة من وجهة نظر استراتيجية ومن وجهة نظر أكاديمية بحتة ليست مرتبطة بما يحصل في الشرق الأوسط، وإنما هي مرتبطة بالداخل الأميركي، فقوة العلاقة الاميركية الإسرائيلية مرتبطة بالداخل الأميركي وبالحسابات السياسية وبحسابات الانتخابات وبحسابات المال السياسي وبحسابات الإعلام الداخلية وبحسابات وجود اللوبي الإسرائيلي للمصالح الاميركية الذاتية، لكن بحسابات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة فالولايات المتحدة الأميركية لم تستفد من الوجود الإسرائيلي من هذا البعد أو من هذه العلاقة الاستراتيجية. ولا شك أن هناك علاقة وطيدة بين الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل، والمواقف الاميركية معروفة في كل المحافل الدولية، والدعم اللامحدود والدعم الاقتصادي، وعدم الضغط على إسرائيل، فهذا كله متوفر لكن ليس لأهمية إسرائيل في المنطقة العربية، بل لأسباب كثيرة أعتقد أنها منطقية وعلمية، السبب الأول أن كثيرا من الدول العربية يمكن أن تقوم بالدور المطلوب منها أميركياً وبخسائر أقل مما هو مطلوب من تدخل إسرائيلي قد يحرج أميركا في المنطقة ومع بعض الشعوب العربية، بالتالي إذا كانت الدول العربية متوفرة ويمكن أن تقوم بهذا الدور لخدمة المصالح الاميركية ولخدمة مصالحها فلماذا الطلب من إسرائيل..
هل لك د.عدنان بامثلة توضيحية...؟
- هياجنة: في الملفات الحساسة في الحقيقة تحاول أميركا إبعاد إسرائيل عن أي دور لها، وقد قرأت الكثير من التحليلات، فلنأخذ مثلاً التحليل التالي فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، هناك شك كبير بين إسرائيل وأميركا حول الملف النووي الإيراني، الاستخبارات الإسرائيلية على سبيل المثال تحاول إقناع الاستخبارات الاميركية أو صانع القرار الاميركي أن الملف النووي الإيراني سيكون جاهزاً قبل نهاية هذا العام، والتقديرات الأميركية تقول بأن الأمر بحاجة لعدة سنوات.. الطرف الأميركي شكاك بالطرف الإسرائيلي ولا يحاول أن يعطيه أي معلومات، لأن أي معلومات قد تستثمر من الطرف الإسرائيلي بناء على معلومات أميركية استخباراتية لمحاولة جر أميركا لسياسات ترغب فيها إسرائيل، وما ترغبه إسرائيل ونتنياهو أن تكون القضية الإيرانية هي القضية الأولى، فبالتالي أعود مرة أخرى وأركز أن كل هذه القضايا التي يتكلم عنها الناس وتأثير اللوبي الصهيوني على الواقع صحيح، لكن أيضاً فيما يتعلق ببعدها الاستراتيجي ذات تأثير محدود للأسباب التي ذكرت، فيما يتعلق ببعدها الانتخابي في الولايات المتحدة الاميركية والانتخابات النصفية وإعادة انتخاب الرئيس الاميركي ذات بعد مهم وكبير جداً. أوباما يحاول ان يعطي نوع من الاتزان لهذه العلاقة، ويحاول أن يشكل نجاحاً ولو محدوداً في المنطقة العربية.
رسالة الضمانات الامريكية
رسالة الضمانات التي قدمها أوباما لنتنياهو هل هي في سياق الاتزان الأميركي ... ؟
- هياجنة: أنا لست متفاجأ، لأن هذه لن تكون أول رسالة أو ثاني رسالة، فما يقدم لإسرائيل لا يمكن أن يقدم لدولة أخرى، حتى الكثير من الأسلحة التي اشترتها إسرائيل لا تستطيع الدول الغنية النفطية أن تشتريها، فما هو مقدم لإسرائيل غير مقدم لأي دولة، فبالنسبة لأوباما محاولة شراء هذه الأشهر حتى الانتخابات وحتى الاتفاق على مسألة الحدود. بالنسبة لما هو المطلوب من الدول العربية لمساندة فلسطين، هذا ما قاله أوباما لكل العالم العربي في خطابه الثاني أمام الامم المتحدة.
المشهد الدولي - الاممي
هناك إجماع فلسطيني عربي دولي، على أن الاستيطان غير قانوني وغير شرعي، وأنه يجب على إسرائيل أن تتوقف عن هذا الاستيطان، ولا مفاوضات مع الاستيطان، ولكن، هذا الإجماع الدولي، وهذه الشرعية الدولية، لا وزن لها في السياسات الإسرائيلية، فكيف تقرأ د.خالد هذا البعد الدولي والشرعية الدولية، وما المطلوب فلسطينياً وعربياً كي نؤثر في هذا المشهد الدولي الأممي؟
- عبيدات: هذا السؤال يعيدني إلى أمر هام جداً، والزملاء يشاركوني في هذا الرأي، أن إسرائيل خلقت بجهد دولي وبإجماع دولي، المجتمع الدولي هو الذي خلق دولة إسرائيل، ابتداءً من وعد البلافرة، فالبلافرة هم الذين أصدروا شهادة ميلاد لإسرائيل، وصك الانتداب هو الذي وضع إسرائيل على الأرض، وعصبة الامم المتحدة بإجماع من عصبة الأمم المتحدة أي بإجماع من المجتمع الدولي، وبقي الامر يتطور إلى ان وصلنا إلى هيئة الأمم المتحدة عام 1947 وأصدرت قرارها بقيام دولة إسرائيل (القرار )181، إذن نحن أمام دولة هي مدللة المجتمع الدولي كله. فالذي صنعها هو الاستعمار البريطاني ولكن بمباركة عصبة الأمم المتحدة، فالذي أصدر صك الانتداب هو عصبة الأمم المتحدة، إذن المجتمع الدولي احتضن إسرائيل منذ أن وجد شيء رسمي اسمه مجتمع دولي، متمثلاً في عصبة الأمم المتحدة ثم متمثلاً في الأمم المتحدة. فأنا الآن أعول على المجتمع الدولي الذي صنع دولة إسرائيل وأحمله مسؤولية أن هذه الدولة التي صنعتوها، صناعتكم هذه هل ما زالت مفيدة بالنسبة لكم، هل ما زلتم تحتضنوها لأنها أصبحت تعيث في المنطقة فساداً، وباعترافهم بذلك، فأميركا تقول أن إحلال السلام وإنهاء الصراع هو مصلحة أميركية بحتة.
ولكن هذا المجتمع الدولي يجمع اليوم على عدم قانونية وعدم شرعية الاستيطان الصهيوني...؟
- عبيدات: هنا أريد التنبيه لنقطة، في كثير من الدول أصبح ضمير الدولة يوخزها، ربما ليس ندما، بل بوخز الضمير للصناعات التي قام بها، ولذلك أقرأه قراءة إيجابية تحركات المجتمع الدولي الآن لمحاولة إنجاح مفاوضات السلام.. مفاوضات السلام هل ستنجح، وهذا محور ندوتنا، مع استمرار المستوطنات.. أريد التأكيد على نقطة، أنا هنا أتحدث في إطار السلام، وفي إطار المفاوضات، ولا أريد الانتقال إلى ساحة أخرى والخروج عن ساحة السلام، أنا ما زلت موجودا في ساحة السلام وأتحدث في موضوع السلام، وأعتبر السلام هو الخيار الاستراتيجي، ليس عند الامة العربية فقط او عند القادة العرب فقط، السلام هو الخيار الاستراتيجي لدى المجتمع الدولي الآن، ولا أحد يؤيد اللجوء إلى القوة على الصعيد الدولي، ولذلك أريد أن أنطلق من هذا المنطق والذي أدعو أنه الآن يبدو أن الامر يتكرر، تصل المفاوضات إلى درجة الانسداد والانغلاق، وهنا الخطورة.
فشل المفاوضات واشتعال الحرب
ولكن المفاوضات دائما في طريق مسدود، فما البديل اذن ...؟
- عبيدات: ما أريد التأكيد عليه دائماً حينما كانت تنغلق سبل السلام وآمال السلام كان الحل البديهي بعد فترة من الزمن ومخاضات طويلة العودة إلى الحرب، لذلك في تاريخ الموضوع: مفاوضات، فشل مفاوضات، فترة صمت، فترة استعداد لحرب ثم اشتعال حرب.. مع اشتعال الحرب تعود الدعوة لمفاوضات، تفشل المفاوضات، فترة صمت وفترة استعداد لحرب ثم تشتعل الحرب، وهكذا تكون الامور، من محاولات سلام إلى اشتعال حرب، من اشتعال حرب إلى محاولات سلام.. هنا يجب أن نبحث عن أفكار إبداعية في إطار السلام، لأن الهروب إلى إطار آخر يضيع الأمر..
لكن الطرف الآخر لا يريد سلام ؟
- عبيدات: الطرف الآخر هو صناعة المجتمع الدولي، فكيف أتعامل مع المجتمع الدولي الذي صنع إسرائيل، نريد الآن حشد الجهود الدولية جميعها لتحريك عملية السلام بشكل إيجابي وإخراجها من الجمود، وهذا ما يحذر منه الأردن وهو اشتعال حرب ووقوع المنطقة في مخاطر جديدة وحرائق جديدة لن تقتصر على المنطقة فقط وإنما ستنتقل إلى العالم كله.. أريد أن أشير إلى نقطة وهي الانغلاق في السلام الذي لا يعطي نتيجة، والانغلاق في الحرب وكل الحروب التي لم تعطي نتيجة في السلام سيفتح المجال على مصراعيه للإرهاب.
مواجهة التحدي الاستراتيجي
هناك عدة تحليلات إسرائيلية استراتيجية تقول أن المسافة ما بين المفاوضين الفلسطيني والإسرائيلي تعد بسنوات ضوئية، بمعنى لا يمكن في يوم من الأيام أن يصل الطرفان إلى تسوية.. والحقيقة الكبرى أن الاستيطان ينحت خريطة التهويد في جسم الضفة الغربية حتى نهر الأردن، ونتنياهو سواء في كتابه (مكان تحت الشمس)، او في برنامجه السياسي الليكودي، او في تصريحاته المتعاقبة، يؤكد دائماً انه في إطار أي تسوية سياسية سيبقى الجيش الإسرائيلي مرابطاً على امتداد نهر الأردن ففي هذا المشهد، كيف يمكن د.نوفل مواجهة مواجهة هذا التحدي الاستراتيجي ؟
- نوفل: بكل صدق، اطالب بحل السلطة الفلسطينية، التي كانت وبالا على الشعب الفلسطيني، ففي ظل السلطة الفلسطينية منذ أوسلو إلى الآن تآكلت ثوابت القضية الفلسطينية، والسلطة الآن فشلت في القضية، فيجب أن لا تتابعها خاصة أنه لا يوجد لديها بديل آخر سوى السلام الاستراتيجي. أرى أن تعود القضية كما كانت عليه من قبل وهو أن الشعب الفلسطيني شعب تحت الاحتلال، إذا لم يتم الضغط على الاحتلال والتأثير فيه وعمل خسائر له، فالاحتلال غير مكلف لإسرائيل فيجب ان يكون مكلفاً، إذن يجب حل السلطة الفلسطينية وتصبح كل الضفة الغربية تحت الاحتلال كما كانت من قبل، أيضاً لماذا قبل أيام أحد مسؤولي السلطة يتحدث بكل تبجح ويقول: جربنا الانتفاضة الثانية وفشلنا، ولن نعيد تكرار الانتفاضة، وكأن المفاوضات من 18 سنة أعادت حيفا ويافا او القدس، فهذا امر مخزْ، فانتفاضة الأقصى حققت انجازات كثيرة، صحيح استغلت فيما بعد لكن في النهاية أفادت القضية الفلسطينية، والآن الادعاء بأنه إذا فشلت المفاوضات لن تكون هناك انتفاضة ثالثة هذا يقودنا إلى نفس الشيء، إذن هناك بدائل اخرى.
الاحتلال الصهيوني ضد العرب
وماذا د.احمد هنا عن العمق العربي والبدائل الاخرى ...؟
- نوفل: أيضاً أرى أن هناك قضية أساسية مهمة أن تعود القضية الفلسطينية كقضية عربية، فهذه قضية أساسية، وليس رسمياً، ليس من خلال مؤتمرات قمم عربية، فالآن نجد ان القضية الفلسطينية مع الأسف تراجعت، ليس لدى الشارع العربي، وحتى لدى الشارع الفلسطيني. بالنسبة لأوباما وأميركا، فالبعض يرى أن أوباما وأميركا هناك ضغط من إسرائيل عليها، كلنا نعلم أن من مصلحة أميركا ما تقوم به إسرائيل حالياً، وأنا لا أتفق مع مقولة أن إسرائيل موجودة في المنطقة كعبء ثقيل على الولايات المتحدة الأميركية، فأرى أنه لو لم تكن إسرائيل موجودة لخلقت أميركا كيانا آخر، ليس فقط أميركا بل أيضاً الدول الاوروبية، من اجل أن تقوم هذه الدولة الدخيلة في المنطقة وتقوم بالمهمة الاستراتيجية، فوجود إسرائيل في المنطقة ليس موجهاً فقط للشعب الفلسطيني بل أيضاً موجه ضد العرب ككل، ولهذا نحن نعاني من الوجود الصهيوني في فلسطين منذ عام 1948 وما قبل ذلك، والشعوب العربية جميعها تدفع الثمن وستدفع الثمن، إذن علينا أن نعرف جيداً أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين هو موجه ضد العرب ككل، عندما نعرف ذلك حينها ممكن أن نضغط على النظام العربي الرسمي، ولمصلحة بقاء النظام العربي الرسمي أن تكون هناك قوة ثالثة تضغط باتجاه وقوف العرب شعبياً وليس فقط رسمياً مع القضية الفلسطينية..
الولايات المتحدة في اضعف لحظاتها
د.وليد نود ان نسمع الكلمة الختامية لك في هذا اللقاء ...
- عبدالحي: النقطة الأولى اتفاق أوسلو، ففي اتفاق أوسلو الطرف العربي تنازل عن كامب ديفيد، تنازلنا مقابل الضفة الغربية وغزة، الآن ما يجري وكأننا لم نقدم أي تنازل وبدا التفاوض من نقطة الصفر، لكن هذا غباء تفاوضي، فأنا دفعت الثمن مسبقاً مقابل هذه المسألة، الآن أنت تتفاوض معي وكأني لم أقدم الثمن.
النقطة الثانية في تقديري ان الولايات المتحدة حالياً هي في أضعف لحظاتها، هي دولة مأزومة اقتصادياً، هي دولة مرهقة عسكرياً، هي دولة تيار العزلة فيها ينمو، بدلاً من أن أشتري بـ62 مليار دولار من الولايات المتحدة لدعم اقتصادها، المفروض أن أستغل هذه الفرصة لكي أقول للولايات المتحدة بأنني أريد ثمن، هذا أيضاً شكل من أشكال الغباء التفاوضي، فأنا متشائم تماماً، الوضع سيء جداً إذا لم نعد إلى خيار المقاومة سيبقى التنازل متواصلاً خطوة بعد خطوة.
افتراضات خاطئة
د.عدنان، كيف يمكن دعم الموقف الفلسطيني، وما الآفاق له...؟
- هياجنة: أن نفترض ان هناك دوراً عربياً حقيقياً داعم للموقف الفلسطيني فهذا هو الخاطيء، أن نفترض أن هناك مفاوضاً فلسطينياً يعرف آفاق عملية التفاوض فهذا افتراض خاطيء آخر، أن نفترض أن هناك دعما شعبيا
للقضية الفلسطينية فهو افتراض خاطيء ثالث، الافتراض الرابع أن نفترض ان العالم سيساعدنا فهو افتراض خاطيء رابع، الافتراض بالاعتماد على القانون الدولي دعابة، فالقانون مثل شبكة العنكبوت، وفي شبكة العنكبوت لا نجد لا الأسود ولا الذئاب، فالخيارات هي فهم العالم كما هو ولا يمكن أن يساعدك أحد، فيجب ان تساعد نفسك، وعلى الفلسطيني أن يساعد نفسه، فلا نتوقع من الأطراف اي مساعة لأن كل الاطراف العربية والاميركية والإسرائيلية لها حساباتها، وأقولها بكل مرارة أن القضية الفلسطينية أصبحت عبئاً على الكثير وأصبح الكثير يحاول التخلص من هذه القضية بأي ثمن، من أجل ان يخلص من هذه القضية بأي ثمن، قبل المفاوض الفلسطيني أن يلعب هذا الدور، وقبلت الاطراف الاخرى ان تدعمه للوصول إلى هذه النتيجة، لكن للأسف الشديد مهما قدمنا من تنازلات فلا نجد أي شيء. ونقطة أخيرة، متى نجح الطرف الاميركي في مفاوضات بين العرب وإسرائيل؟، وأنا أدعو إلى قراءة كتاب السفير الاميركي السابق في إسرائيل الذي قال: كامب ديفيد لم يكن نتاجاً أميركياً، وأوسلو لم يكن نتاجاً أميركياً، ولا وادي عربه.
الكف عن الانتقادات المرة
د.خالد، اذن كيف ترى انت كذلك سبل دعم الفلسطينيين في تحدياتهم...؟
- عبيدات: انطلاقاً من جميع المعطيات على الطاولة حقيقة وليس انطلاقاً من خيالات او اعتماداً على سراب، انطلاقا من الواقع، أتصور أن السلطة الفلسطينية تحتاج إلى دعم أكثر على الصعيد الرسمي العربي والاهم على الصعيد الشعبي العربي، والدعم ان نكف عن انتقادها المر، وأن نكف عن اتهاماتها مما لا يقبله العقل، وأن نحاول إنارة الطريق بطرح آراء تساعدها في كيفية التفاوض، ولذلك أدعو إلى حشد دبلوماسي وليس إلى أي حشد آخر لشد أزر الطرف العربي المفاوض، فأريد مزيدا من الجهد الدبلوماسي العربي في الأمر، وهو يتضمن كثيرا من الامور منها إيقاف التطبيع والتهديد بإيقاف التطبيع مع إسرائيل فهذا سيكون مجديا أكثر.
المصالحة الوطنية الفلسطينية
د.احمد، اخيرا كلمتك الختامية في هذا اللقاء ....
- نوفل: أعود مرة ثانية إلى أنه لا يجوز أن تفاوض وكأنه لا يوجد أمامك سوى هذا الخيار، فلا بد أن يكون هناك خيارات أخرى، ليس بالضرورة أن تكون كفاحا مسلحا، أن إسرائيل ليست مستعدة لتقديم أي تنازل للفلسطينيين وعلى الجانب الفلسطيني أن يعي ذلك جيداً، فيجب أن تكون المصالحة الوطنية الفلسطينية في صلب أولوليات الجميع، فهذا رد فعلي على الرفض الإسرائيلي لوقف الاستيطان، فيجب ترتيب البيت الفلسطيني، ووقف الاعتقالات لمن يقاوم أو يرفض توجهات السلطة الفلسطينية، فهناك مئات من الفلسطينيين في المعتقلات، الآن وصلت السلطة الفلسطينية إلى مرحلة وكأنها تدافع عن الاحتلال وبقاء الاستيطان والاحتلال. فما زال لدينا خيار آخر وهو المقاومة وأيضاً انتفاضة جديدة تثبت للفلسطينيين والعرب بأن هذه خياراتنا.
المصدر: الدستور، الأردن، 19/10/2010
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي مركز الزيتونة وإنما تعبر عن رأي أصحابها



إكتب تعليق