تقرير: إسرائيل ودول الخليج: هـل عدو عدوي صديقي؟
إعداد: يوئيل جوجانسكي.
تتميز ساحة الخليج وتنفصل عن ساحة النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. ورغم ذلك، فإن دول الخليج العربية ضالعة بشكل غير مباشر في هذا النزاع وتتأثر به. كما ان المصالح الحيوية لإسرائيل تتأثر أكثر من أي وقت مضى بالوضع الاستراتيجي في الخليج. صحيح أن دول الخليج العربية ترى في النزاع عنصراً يزعزع الاستقرار، لكنها ترى في إيران المشكلة الأمنية رقم واحد، وهذه الرؤية تقود إلى توثيق العلاقات الأمنية بين عدد منها وإسرائيل.
وطوال السنين لم تتبنّ دول الخليج سياسة منفصلة بشأن النزاع العربي الإسرائيلي، وفضلت في الغالب التمسك بالموقف العربي الأساسي، حتى عبر تكييفه. وأسهم المسعى الدبلوماسي الأميركي لكسر الجليد في العملية السلمية العربية الإسرائيلية وعقد مؤتمر مدريد العام 1991 في بدء التقارب الرسمي، وإن يكن الجزئي، بين هذه الدول وإسرائيل، وأساساً حول خمس مجموعات عمل متخصصة أنشئت في أعقاب المؤتمر. وهذه المجموعات التي تعلقت بقضايا المياه، البيئة، التعاون الاقتصادي، اللاجئين ومراقبة التسلح، كانت مدماكاً جوهرياً في تقدم فكرة التطبيع بين إسرائيل وجاراتها. وتعرضت دول الخليج لحث أميركي لتطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل فاستجابت بعضها لذلك، ولو لأسباب أخرى، بينها الغضب والتحقير تجاه ياسر عرفات جراء تأييده الرئيس العراقي صدام حسين، والعلاقات التي تنسجها مع منظمات يهودية في الولايات المتحدة بل وبسبب مشاعر التضامن التي نشأت إثر سقوط صواريخ سكود العراقية على الرياض وتل أبيب على حد سواء. ومع ذلك فإن ضآلة التقدم في العملية السلمية في السنوات اللاحقة أعادت دول الخليج إلى مواقفها المعادية لإسرائيل بل واللاسامية أحياناً.
وإثر اتفاقيات أوسلو العام 1993 وافق مجلس التعاون الخليجي على إلغاء المقاطعة المفروضة على الشركات التي تقيم علاقات اقتصادية مع إسرائيل، لكن ممثليها شددوا على استمرار المقاطعة المباشرة حتى تحقيق السلام الشامل. ومع مرور الوقت تزايدت تحفظات دول الخليج من اتفاقات أوسلو وباتت تشدّد على أنها ترى فيها مجرد كوة محتملة للسلام الشامل، ولكن ليست نقطة تحول إقليمية. كما أن اغتيال رئيس الحكومة اسحق رابين، وعملية «عناقيد الغضب» ضد حزب الله في لبنان العام 1996 والصدامات بين قوات الأمن الإسرائيلية والمتظاهرين الفلسطينيين إثر فتح نفق الحرم القدسي في العام نفسه، قادت جميعها دول الخليج في العام 1997 لتجميد عملية التطبيع البطيئة التي بدأت في مدريد. وعملياً كان للتجميد أسباب أخرى، خصوصاً في نظر المملكة العربية السعودية، أكبر تلك الدول وأهمها. وبين هذه الأسباب الخيبة من سياسة الولايات المتحدة في العراق والتقارب السعودي الإيراني الذي بدأ بانتخاب خاتمي رئيساً في أيار 1997.
ومع انفصال إسرائيل عن قطاع غزة العام 2005 أعلنت دول خليجية عدة استئناف خطوات التطبيع مع إسرائيل. وجسد هذا التطور العلاقة التي تراها ست دول المجلس بين العلاقة العلنية مع إسرائيل والخطوات الإيجابية التي تتخذ للتسوية مع الفلسطينيين. وأكد وزير خارجية البحرين حينها أن بلاده قررت إلغـاء الحــظر على البضائع الإسرائيلية، كما دعا وزير خــارجية قطر الدول العربية «للتجاوب مع الخــطوات التي تتخذها إسرائيل» وأشــار إلى أن «العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين قطر وإسرائيل ممكنة حتى قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من المناطق». وكانت قطر وعمان قد أقامتا قبل ذلك علاقات علنية مع إسرائيل، لكن السعودية واصلت تحفظها بل وضغطت على دول الخليج الأصغر لتجنب العلاقات العلنية مع إسرائيل.
وأعادت مساعي إدارة أوباما في مستهل ولايتها لتوفير الزخم لعملية السلام عبر خطوات بناء الثقة إلى الواجهة من جديد إمكانية تطوير العلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج. وبموازاة الضغط الذي مارسته الإدارة على إسرائيل لتقديم تنازلات للفلسطينيين (ضغط قاد لتجميد البناء في المستوطنات لعشرة شهور)، حثت، من دون نجاح، عدداً من الدول الخليجية على تقديم مبادرات حسن نية تطبيعية تجاه إسرائيل. وبين الخطوات التي جرى الحديث عنها إعادة فتح الممثليات الدبلوماسية الإسرائيلية في مسقط (أغلقت العام 2000 بعد بدء الانتفاضة الثانية) وفي الدوحة (أغلقت رسمياً العام 2009 رداً على عملية الرصاص المسكوب). وكذلك أعلن أنه تمت دراسة إمكانية السماح لطائرات «العال» بالمرور في أجواء السعودية في طريقها من الشرق الأقصى وإليه، مما يقلص بثلاث ساعات زمن الرحلة إلى تلك المناطق ويساعد في تحويل إسرائيل إلى مركز (HUB) للرحلات بين أوروبا والشرق الأقصى.
لقد كانت خطوة التطبيع الأبرز مع إسرائيل حتى الآن هي نشر السعودية في العام 1982 «مبادرة فهد» والتي تخلت فيها السعودية، على الأقل علنياً، عن سياستها التي رفضت حتى ذلك الحين حق دولة إسرائيل في الوجود. أما مبادرة السلام التي أطلقها الملك عبد الله والتي تبنت الجامعة العربية لاحقاً صيغة معدلة منها باسم «مبادرة السلام العربية»، فذهبت خطوة إضافية ووعدت بالتطبيع الكامل لعلاقات العالم العربي مع إسرائيل والعالم الإسلامي، بشرط قبول إسرائيل بعدد من الشروط بينها الانسحاب إلى خطوط العام 1967 وبلورة حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين. ومن جانبها فإن إسرائيل، التي لم ترفض تماماً المبادرة، عرضت تحفظات بشأنها، ولكن عدداً من مسؤوليها، بينهم الرئيس شمعون بيريز، لم يترددوا في تأييدها علناً. وفي السنوات الأخيرة أعلنت السعودية أنها في هذه المرحلة لا تنوي البتة اتخاذ أية خطوات يمكن أن تفسر مبادرات حسن نية تجاه إسرائيل. وشكل هذا الموقف أيضاً إشارة للعديد من الدول الخليجية الأصغر بعدم الشذوذ عن الخط السعودي.
وعدا «مبادرة الملك عبد الله للسلام» بقيت السعودية بدرجة كبيرة على هامش محاولات التقدم في عملية السلام العربي الإسرائيلي. بل إن هذه المبادرة ذاتها أعدّت أكثر من أي شيء آخر لتحسين الصورة السلبية التي أعطيت للمملكة إثر عمليات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة. وشهادة محتملة على ذلك هي حقيقة أن السعودية امتنعت عن المشاركة في البلورة النهائية للمبادرة أو تحمل مسؤولية تنفيذها. ومع ذلك، وعلى طول السنين، طرأت تكييفات عدة في هذا الموقف السعودي. وعلى سبيل المثال، وفق النظرة الأحدث، ينبغي لإسرائيل أن تثبت رغبتها في السلام عبر قبول المبادرة العربية «كأساس للمفاوضات». وهذا الخط الذي عبرت عنه مقالة تركي الفيصل في نيويورك تايمز في أيلول 2011 يختلف عن السياسة السعودية التقليدية التي رأت في المبادرة نقطة انتهاء المفاوضات ـ أي أنها إملاء يجب على إسرائيل قبوله، وفقط بعد ذلك ستجري مفاوضات بشأن التطبيع. كما يمكن أن نرى في ذلك محاولة لإحياء المبادرة والتشديد على أن السعودية بقيت ملتزمة بالتسوية، وانها من ناحيتها لا تزال المبادرة «موضوعة على الطاولة».
علاقات محتملة
إن واقع اعتبار الدول الخليجية معتدلة من الناحية السياسية، وهي لم تحارب أبداً ضد إسرائيل (صحيح أن السعودية أرسلت قوات إسناد في حرب الأيام الستة وكذلك فعلت الكويت في حرب يوم الغفران، لكن هذه القوات لم تلتحم قتالياً مع القوات الإسرائيلية)، وأنه لا يوجد نزاع إقليمي بين الطرفين وأنهم يعتبرون موالين للأميركيين، تدفع الكثيرين في إسرائيل لاعتبارهم رفاق درب. صحيح أن بوسع الدول الخليجية منح زخم للتسوية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، وأنه إذا أبرمت التسوية فإنها قد تساعد في تمويلها. وفضلاً عن ذلك، فإن السعودية هي، كما يبدو، الوحيدة في العالم العربي القادرة على منح الفلسطينيين المشروعية الدينية الشرعية والسياسية للاتفاق، وأولاً في كل ما يتعلق بالمواضيع الجوهرية وعلى رأسها مسألة القدس.
وبوسع إسرائيل تحقيق منافع اقتصادية هامة (ولو أنها أقل بكثير مما يتوقع كثيرون) من إقامة علاقات تجارية مع الدول الغنية في الخليج. وفي السنوات 2001-2003 كانت كتلة دول الخليج الهدف الثالث في حجمه للبضائع الإسرائيلية في الشرق الأوسط بعد السلطة الفلسطينية وتركيا. وتجري التجارة معها عموماً عبر طرف ثالث، الأمر الذي يزيد صعوبة توفير معطيات إحصائية محدثة، غير أن حجم التجارة زاد عن 500 مليون دولار سنوياً. ومع ذلك، فإن الفرضية هي أن حجم التجارة الحقيقية أعلى بكثير عن المعلن. وإسرائيل تتمتع بمقاربة معينة للأسواق في الخليج أيضاً لأن المقاطعة العربية لا تسري على بضائع لا تحمل شارات إسرائيلية. والسلطات في الخليج تعي ذلك، لكنها تفضل غض الطرف. وبالمقابل فإن السعودية في العام 2005 تعهّدت، كجزء من المفاوضات لدخول منظمة التجارة العالمية (WTO) بأنها ستلغي المقاطعة بالدرجتين الثانية والثالثة المفروضة على البضائع الإسرائيلية. والواقع، أن التجاوب مع المقاطعة من جانب الشركات الدولية تضاءل مع مر السنين لكن التعهد السعودي فتح نافذة للشركات الرائدة في عالم السيارات، الغذاء والألكترونيات، التي امتنعت حتى ذلك الحين عن إنشاء علاقات تجارية مع شركات إسرائيلية أو الاستثمار في إسرائيل بسبب المقاطعة.
أما الدول الخليجية، من جانبها، فيمكنها الاستفادة من منتجات معينة يمكن لإسرائيل توفيرها. وبين الحين والآخر يعلن أن شركات إسرائيلية تسهم بشكل غير مباشر في أمن هذه الدول بتدريب قوات الجيش المحلي وبعرض حلول تكنولوجية عسكرية متطورة. ورغم أن القدرة الاقتصادية الكامنة في العلاقات قد تكون ضئيلة نسبياً، فإن بوسع الطرفين التعاون أيضاً في تكنولوجيات الري، وطب السياحة، وتحلية المياه وكما سلف في الخبرة العسكرية والوسائل القتالية. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى منشورات أشارت إلى أن شركات إسرائيلية تقيم علاقات متشعبة مع هذه الدول. وهكذا أعلن أن «إيماجسات» وهي شركة متفرعة عن الصناعات الجوية، توفر لدولة الإمارات صوراً من أقمارها الصناعية، وأن «إيروناوتيكس» فازت بمناقصة لتزويد دبي بطائرات من دون طيار. واحتمالات ترسيخ علاقات رسمية وعلنية بين دول الخليج العربية وإسرائيل يمكن أن تظل خاضعة للإجماع العربي وللسياسة الداخلية في مجلس التعاون الخليجي. وفضلاً عن ذلك فإن علاقات هذه الدول مع إسرائيل لا يمكنها أن تؤثر بشكل جوهري على العملية السلمية، أساساً بسبب عدم تورطها المباشر في النزاع. كما أنه تبددت بقدر كبير لدى الجمهور الإسرائيلي جاذبية التطبيع مع هذه الدول. ويمكن القول إن «السلام البارد» الذي فرض على إسرائيل من جانب الدول التي وقعت معها اتفاقيات السلام - مصر والأردن - «أضرّ بالقدرة على عرض التطبيع مع دول مثل دول الخليج كمقابل مناسب للتنازلات الإسرائيلية عن أراضٍ».
ومثير للاهتمام أن دولتي الخليج اللتين تقيمان أوثق العلاقات مع إيران - قطر وعمان - هما أيضاً من أقامتا علاقات رسمية مع إسرائيل. وساهم في ذلك، بين أمور أخرى، الإطار الهش لمجلس التعاون، والذي يسمح لأعضائه ببلورة سياستهم الخارجية المنفصلة، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة التصالح مع إسرائيل. وهذه الحقيقة، فضلاً عن عدم قدرة دول الخليج على التوصل لاتفاق بشأن إسرائيل، يمكن أن تخدم المصالح الإسرائيلية تحديداً، بسبب أن النظرة الرائجة هي أن السياسة المحددة لدول مجلس التعاون الخليجي لن تميل لمصلحة إسرائيل. ويبدو أننا في المستقبل أيضاً سنرى ما إذا كانت دول مثل عمان وقطر ستقدم مبادرات حسن نية تجاه إسرائيل، في حين أن دولاً أخرى، على رأسها المملكة العربية السعودية، يتوقع أن تواصــل علنا ترددها، ولو بسبب احتمال أن التحادث العلني مع إسرائيل قد يثير المؤسسة الدينية والجهات المحافظة الأخرى على العائلة المالكة. والقول بأن المملكة الســعودية ستكــون آخر دولة توقع اتفاق السلام مع إسرائيل صحيح اليوم مثلما كـان في الماضي، رغم أن هـناك مساحة كبيرة، يمكن للطرفين استغلالها، تفصل بين العلاقات الدبلوماسية الكاملة والقطيعة التامة.
إن توثيق العلاقات بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي ينطوي بالضرورة على احتمال تليين الموقف الفلسطيني. وبوسع ذلك أيضاً أن يساعد في تمويل مشاريع إسرائيلية - فلسطينية مشتركة وتمكين دول عربية أخرى من عرض نفسها لاستضافة مفاوضات مستقبلية وأن توفر بذلك مشروعية لدول عربية إضافية تسعى «للقفز إلى عربة السلام». وكل هذا وخلافه يقود إلى أن ترسيخ العلاقات العلنية مع دول الخليج يمكن أن يخلق رأياً عاماً إسرائيلياً أكثر إيجابية تجاه التنازلات في إطار العملية السلمية.
ورغم أن العلاقات بين إسرائيل والدول العربية في الخليج تعاني جراء انعدام التقدم في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، يبدو أن المخاطر المشتركة لهما تقودهما لمواصلة العلاقات. وتواصل الانعقاد في لقاءات على مستوى عال بين الطرفين، خصوصاً خارج حدود المنطقة، كما يواصل إسرائيليون زيارة تلك البلاد لأغراض شتى. وهكذا مثلا، زار وزير البنى التحتية القومية الإسرائيلي، عوزي لانداو أبو ظبي في كانون الثاني 2010 كما أن وزير الصناعة والتجارة والتشغيل، بنيامين بن أليعزر زار الدوحة في أيار من ذلك العام. وبعد وقت قصير من اغتيال القائد في حركة حماس محمود المبحوح في دبي مطلع العام 2010، وهو الاغتيال الذي نسب لإسرائيل، عرضت قطر استئناف العلاقات الدبلوماسية معها مقابل السماح لها بتنفيذ مشاريع بنية تحتية في قطاع غزة. ويبدو أن معارضة إسرائيل لهذا الاقتراح نبعت، بين أسباب عديدة، من ضغط مصري، وأيضاً بسبب الشروط التي وضعتها قطر، فضلاً عن علاقاتها مع جهات راديكالية، على رأسها إيران وحماس (وفق جهات إسرائيلية تقدم قطر لحماس حوالي 200 مليون دولار سنوياً).
ووفق التقارير، فإن هذه العلاقات وكذلك التصريحات الشديدة المعادية لإسرائيل في قناة «الجزيرة» الفضائية قادت إسرائيل إلى قرار القطع التام للعلاقات مع قطر وإغلاق مكتب بعثتها الدبلوماسية في الدوحة بشكل نهائي في آذار 2011، وتحظر على حملة جوازات السفر القطرية زيارة أراضي الضفة الغربية ووقف التعاون بين قطر والصناعات الأمنية الإسرائيلية. وبعد شهرين من ذلك، في أيار 2011، نشر أن رئيسي الحكومتين القطرية والإسرائيلية التقيا في باريس، لكنهما لم يفلحا في اختراق الطريق المسدود في العلاقات بين الدولتين. ورغم ذلك اقتبس عن أمير قطر، حمد بن خليفة آل ثاني، قوله إن قطر ستواصل علاقاتها مع إسرائيل «طالما بقيت الأخيرة جادة تجاه عملية السلام»، وأشار إلى حقيقة أن قناة الجزيرة تصور إسرائيليين يزورون الدوحة تمثل شهادة على استمرار العلاقات بين الدولتين. بل إنه في تشرين الأول 2011 نشر أن إسرائيل تدرس، مرة أخرى، إمكانية استيراد الغاز الطبيعي المسال من قطر في أعقاب ضائقة الغاز الشديدة التي تعيشها شركة الكهرباء الإسرائيلية جراء التشويشات الشديدة في تدفق الغاز من مصر.
ورغم أنها محافظة من الناحية الدينية وتخشى إيران، فإن دول الخليج العربية قريبة للولايات المتحدة وتسعى من أجل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. ويمكن لاتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين أن يسهم في تعزيز استقرار كهذا، وبناء عليه يبدو أنها مؤهلة لأن تكون داعما طبيعيا لمثل هذا الاتفاق. ومع ذلك فإن خشية حكام هذه الدول من الجهات المتطرفة في المنطقة، مثل إيران وأدواتها، القادرين على زعزعة الاستقرار في أراضيها، تجعل من المتعذر عليها إنشاء علاقات رسمية مع إسرائيل، وبالتأكيد طالما لم يتم التوقيع على اتفاق سلام. وفضلاً عن ذلك، فإن النخب في الخليج غير معنية بإغضاب الشارع العربي، الذي يميل بشكل تقليدي لمعارضة التطبيع مع إسرائيل، ويفضل البقاء على الأرضية الآمنة للإجماع العربي. صحيح أن الرأي العام ليس الهم المركزي لهذه النخب، لكنها رغم ذلك معنية حقاً باكتساب شرعية معينة منه، ولذلك يتعذر عليها تجاهل الرأي العام بشكل مطلق، خصوصاً في ضوء الهزة التي أصابت الشرق الأوسط منذ مطلع 2011 والوزن الأكبر الذي يحظى به منذ ذلك الحين «الشارع العربي». إن أي تقدم مهما كان في المسار الفلسطيني الإسرائيلي سيسهل على دول الخليج نقل قسم من علاقاتها مع إسرائيل إلى الفضاء العلني، رغم أن العلاقات العلنية مع إسرائيل في الوقت الراهن لن تحقق لها سوى فوائد متواضعة فقط مقارنة بالآثار السلبية المحتملة لمثل هذه الخطوات داخلياً وخارجياً. إن ضعف هذه الدول بشكل أساسي يجعل من المحافظة على الشرعية العربية أمراً حاسماً من وجهة نظرها.
إيران: تهديد مشترك
إن لدول الخليج العربية وإسرائيل مصلحة مشتركة في تعزيز علاقاتهما بهدف إضعاف نفوذ القوى الراديكالية في المنطقة، حتى من دون صلة مباشرة بتقدم العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين. فكتلة الدول التي تتشارك في النظرة الاستراتيجية ذاتها يمكن أن تشكل وزناً مضاداً للتدخل السلبي الإيراني في المنطقة. ورغم تصريحات الحكام في دول الخليج ضد إسرائيل، فإن الطرفين لا يريان أحدهما الآخر كتهديد. والموضوع الفلسطيني بعيد عن أن يقف على رأس سلم اهتمامات دول الخليج، فيما أن طموح إيران بتطوير سلاح نووي كوسيلة لبلوغ مكانة مهيمنة في الخليج يشكل عنصر القلق الأساسي عندها، مثلما هو أيضاً عند إسرائيل. وهذه الدول التي تقر بالمصاعب التي تعترض الأسرة الدولية في كل ما يتعلق بوقف إيران في طريقها لتحقيق قدرات نووية، والمعنية بتجنب إغضاب جارتها، تفضل العمل في هذا الموضوع من خلف الكواليس. وكلما تم اعتبار إيران خطراً سواء على إسرائيل أو على دول الخليج العربية، فإن ذلك يسهل عليهما التعاون فيما بينهما. وبالفعل فإن ما جمع في السنوات الأخيرة بين الطرفين أكثر من أي شيء آخر تلك الخشية المتزايدة دوماً من إيران. صحيح أنه قيل في الماضي أن التعاون بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل لن يتسع إلى مواضيع ذات أهمية استراتيجية مثل «سعي إيران لامتلاك قدرات نووية» إلا أنه رغم ذلك نشر أن عدداً من دول الخليج، وبينها السعودية، تجري اتصالات سرية مع إسرائيل، وتشمل أساساً حواراً استخبارياً غير مباشر وأيضاً مباشر. ومن الجائز أن هذا الحوار لم يلامس مباشرة التطوير النووي الإيراني، ولكن ليس من المستبعد أن الطرفين يعملان من أجل كشف وإحباط النشاط الإيراني أو نشاطات الأدوات الإيرانية في المنطقة. وهكذا، مثلا، نشر في السنوات الأخيرة أن مسؤولين كباراً من إسرائيل ودول الخليج التقوا وتباحثوا في الشأن الإيراني: رئيس الموساد السابق، مئير داغان، التقى مع جهات سعودية، كما أن الأمير بندر التقى مع مسؤولين إسرائيليين خارج حدود المملكة.
وتنضم هذه التقارير إلى سلسلة من الأنباء عن التعاون بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية وعن التنسيق الأمني بشأن احتمالات شن عملية عسكرية إسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وهي تقارير سارع الطرفان إلى إنكارها. وحقيقة أن التقارير هذه ظهرت أول مرة في وسائل إعلام إيرانية يمكن أن تكون نوعاً من التحذير الإيراني للسعودية، أو محاولة لكشف المؤامرة التي تنسج خيوطها بين السعودية وإسرائيل بقصد تخريبها. كما أن الباحثين في دول الخليج يزعمون أن الدول العربية الخليجية تجري مشاورات وتتبادل معلومات استخبارية مع إسرائيل، خصوصاً في ما يتعلق بالخطر الإيراني. ومن الجائز أن إسرائيل، في نظر الحكام العرب في الخليج، قد تكون حيوية لأمن المنطقة، خصوصاً بسبب أن الولايات المتحدة تعيش حالياً في مرحلة تقليص قواتها هناك. إن تسريب برقيات دبلوماسية لوزارة الخارجية الأميركية من جانب موقع «ويكيليكس» أعاد كشف النقاب عن مركزية الخطر الإيراني في عيون دول الخليج، مثلما كشف الخط الأكثر تشدداً الذي تقترح بعض هذه الدول اتباعه ضد إيران. كذلك فإن البرقيات كشفت عن جانب من الاتصالات بين هذه الدول وإسرائيل في السياق الإيراني. وهكذا مثلا، كشف النقاب عن التعاون الاستخباري بين إسرائيل والبحرين ودولة الإمارات العربية والذي وصفه موقع «ويكيليكس» بأنه «حوار سري ومتواصل».
ولا ينبغي استبعاد احتمال أن إسرائيل ودول عربية في الخليج تنسق سياسات، بهذا المستوى أو ذاك، أيضا في مواجهة الإدارة الأميركية، التي لا تستوي سياستها في الموضوع الإيراني بشكل تام مع مواقف هذه الدول: إذ أن إسرائيل والدول العربية الخليجية على حد سواء تخشى من الاتصالات الأميركية الإيرانية، وهي تريد أن تتبنى الولايات المتحدة مقاربة أكثر تشددا ضد إيران. وتعترف دول الخليج بالقوة العسكرية الإسرائيلية وكذلك بالعلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة وبناء عليه، وأيضا لهذا السبب، ترى قيمة في المحافظة على هذا المستوى أو ذاك من التنسيق معها.
حدود التعاون
ليس واضحا كيف وبأي درجة ستدفع التطورات في الحلبة الإسرائيلية - الفلسطينية والحلبة الخليجية الدول العربية هناك إلى تغيير سياساتها الثنائية مع إسرائيل: فالمعارضة الرسمية لتطبيع العلاقات معها من جانب والعلاقات الفعالة، لكن السرية، من جانب آخر. صحيح أن الطرفين مقيدان في قدرتهما على التعاون علناً وظاهراً، ولكن في نظرتهما المتشابهة للخطر، خصوصاً بشأن إيران، هناك فرصة لتعاون أوسع بكثير، حتى من دون صلة بتقدم العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين. وفضلاً عن ذلك، فإن إسرائيل، كما المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، تخاف من الهزة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط منذ مطلع العام 2011 ومن زعزعة الوضع القائم الإقليمي، وهذا الخوف قد يقود كلا الطرفين إلى العثور على مصلحة مشتركة إضافية لتعميق «التحالف الصامت» بينهما. ويمكن الافتراض، إذن، أنه حتى إذا كان التعاون بين إسرائيل ودول الخليج يدور اليوم حول مواضيع الأمن ويحافظ على سريته، فإنه توجد إمكانية أن يتوسّع إلى قضايا إضافية في المستقبل. وفي هذه المرحلة لا ينبغي التقليل من أهمية العلاقات التي نسجت بين الجانبين، خصوصاً أن الأمر يتعلق بعلاقات بين دول لا تعترف إحداها بالأخرى من الناحية الرسمية. ومع ذلك، لا ينبغي أن نبالغ في القيمة المضافة لهذه العلاقات: فليست لدول الخليج حالياً مصلحة في تحويل «التحالف» المستتر مع إسرائيل إلى تحالف علني. ومن ناحيتها، فإن إبقاء العلاقات على سريتها يسمح لها بمجاراة السياسة الإسرائيلية تجاه إيران وكسب نقاط أفضلية لدى الولايات المتحدة بسبب حقيقة أنها «تتحادث مع الإسرائيليين»، ومن ناحية أخرى يتجنبون الانتقادات من جانب جهات راديكالية بسبب هذه العلاقات. ويبدو فقط أن التقدم في العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين يمكن أن يقود مرة أخرى إلى تسـخين العلاقات بين الجانبين وتحويلها مرة أخرى إلى علاقات علنية. إن الحلبة الخليجية اعتبرت على مر السنين، وبقدر كبير، وحدة منفصلة عن البيئة الاستراتيجية المباشرة لدولة إسرائيل. وحاليا لا يمكن لإسرائيل مواصلة النظر إليها بوصفها وحدة منفصلة، أولا وقبل كل شيء بسبب كونها حلبة مركزية للمواجهة مع إيران وبسبب وزن دول الخليج في كل مواجهة كهذه: إن لإسرائيل مصلحة واضحة في أن تكون يد القوى المعتدلة في الخليج هي العليا. وبالمقابل فإن حلبة الخليج قد «تقترب» من إسرائيل مع توثيق علاقات الدول الست هذه مع الأردن. وإذا كانت خطـوة ضم الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي سوف تتجسد عملياً، رغم معارضة عدد من أعضاء المجلس لذلك، فإن إسرائيل سوف تحدّ هذه المنظمة الإقليمية ذات القوة السياسية والاقتصادية التي لا بأس بها، الأمر الذي يمكن أن يخلق فرصاً اقتصادية وسواها للتعاون. كما أن دول الخليج من جانبها قد تتمكّن، نتيجة ذلك، أيضاً من اتخاذ موقف أشد وضوحاً والمشاركة بشكل أكثر فعالية في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
دول الخليج في بيئة استراتيجية متغيّرة، مذكرة 116 ، نيسان 2012
المصدر: جريدة السفير، بيروت، 23/4/2012
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي مركز الزيتونة وإنما تعبر عن رأي أصحابها



إكتب تعليق